ما هو دور الروح القدس فى تجديد الكنيسة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور الروح القدس فى تجديد الكنيسة؟

تجديد الكنيسة نقصد به النمو المستمر، فالكنيسة كائن حىيّ دائم النمو، وليس كائناً جامداً. إنها تحمل تيار الروح القدس العامل فيها كحياة نامية متدفقة. هذا التيار النارى يحرق وينشط، خلاله نحافظ على الماضى بغير جمود، كما نبني عليه حلولاً للمشاكل المعاصرة الجديدة. سرّ تجديدها سكنى السيد المسيح فينا، وحلول روحه القدوس فى أعماقنا الداخلية[591].


[591] القمص تادرس يعقوب ملطي: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر، الطبعة الثانية، 2003، ص9.

ما هو دور الروح القدس في تكريس القلب لله؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور الروح القدس في تكريس القلب لله؟

فى القديم حوّلت النار المادية الأدوات الذهبية التى بين يدى شعب إسرائيل إلى العجل الذهبى الصنم، الذى كان قائما فى قلوبهم يتعبدون له خفية، فظهرت نيتهم الداخلية، وأعلن معبودهم الخفي (خر24: 32). وإذ دخل الثلاثة فتية القديسين أتون النار المنظور من اجل برّهم أُعلن إلههم الخفي الذى كان يعمل فى قلوبهم، إذ ظهر شبيه بابن الآلهة يتمشى معهم وسط الأتون، يحتضنهم ويحميهم من النار المنظورة، هكذا أرسل الله ناره الإلهية، روحه القدوس، الأقنوم الإلهي، لكى يعلن السيد المسيح المخفي فى قلوبنا.

إن عمل الروح القدس النارى فينا هو أنه يختمنا بالختم الملوكي فى أعماق النفس الداخلية، فنحمل صورة السيد المسيح فينا، وتصير النفس والجسد بكل إمكانياتها وتصرفاتهما ملكاً للرب. هذا هو مفهوم التكريس: أننا نحمل الختم الإلهى معلناً أن كل ما فينا هو له.

يحدثنا الرسول بولس عن هذا الختم الإلهى، قائلاً: "ولكن الذى يثبّتنا معكم فى المسيح وقد مسحنا هو الله الذى ختمنا أيضاً وأعطى عربون الروح فى قلوبنا". (2كو1: 21 - 22) "الذى فيه أيضاً إذ آمنتم خُتِمتم بروح الموعد القدّوس الذى هو عربون ميراثنا لفداءِ المُقتَني..." (أف1: 13 - 14) "ولا تُحزِنوا روح الله القدوس الذى به خُتِمتم ليوم الفداءِ" (أف4: 30) "ولكن أساس الله الراسخ قد ثبت إذ لهُ هذا الختم..." (2تى2: 19).

وجاء فى أوامر الرسل: [أيها الأسقف أو القس قد رتبنا سابقاً والآن نقول إن تمسح أولاً بزيت ثم تعمد بماء وأخيراً تختم بالميرون].

يقول القديس كبريانوس: [كما أن الرسولين بطرس ويوحنا بعد صلاة واحدة حلّ الروح القدس على سكان السامرة بوضع الأيدى (أع8: 14 - 17) هكذا فى الكنيسة أيضاً منذ ذلك الحين ينال جميع المعمدين الروح القدس ويختمون بختمه عند دعاء الكهنة ووضع أياديهم.] وأيضاً يقول: [انظروا كيف صرتم مشاركي اسم المسيح كهنوتيّاً، وكيف أعطى لكم ختم شركة الروح القدس[593].].

ويقول القديس مار افرام السريانى: [لقد ختمت جميع قوى نفوسكم بختم الروح القدس... ووضع الملك رسالته عليكم، خاتماً إياها بختم النار (لو3: 16) لا يقرأها الغرباء ويحرفوها[594].].

عمل هذا الختم المقدس، ختم الروح القدس أنه يجعلنا مَقدسّاً للرب، بيت الله المدشّن له، إذ يقول الرسول: "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذى فيكم الذى لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم... فمجّدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله" (1كو6: 19 - 20). هذا الختم النارى يكرس النفس كما الجسد ليصير الإنسان بحقٍ عروسّاً روحية للسيد المسيح الملك السمائى. وكما يقول القديس مقاريوس الكبير: [حواس النفس الخمسة المُدركة إن نالت النعمة من فوق وتقديس الروح صارت حقاً الخمس عذارى اللواتى نلن حكمة النعمة من فوق.].


[593] رسالة 73 ضد الهراطقة، عظة 8: 33.

[594] تعليم الإيمان 5.

ما هو دور الروح القدس في التقديس المستمر والثبوت فى القدوس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور الروح القدس في التقديس المستمر والثبوت فى القدوس؟

فى المعمودية اقتلعنا روح الله القدوس من الزيتونة البرية غير المثمرة وطعَّمنا فى المسيح يسوع الزيتونة الجيدة (رو11: 14، 17). فدخل بنا من الحياة العقيمة إلى الحياة المقدسة. لكن عمل الروح القدس لا يقف عند هذا الحد. بل يقوم بتثبيتنا فى الأصل (الابن القدوس)، لكى تنتقل فينا عصارة الحياة المقدسة من الأصل إلى الأغصان، فلا تبقى الأغصان على ما هى عليه، بل تنمو على الدوام فى الأصل وتأتي بثمر كثيرٍ. هذا هو سرّ التثبيت الذى فى حقيقته هو تمتع بعطية الروح القدس، الذى يتعهد نمونا الروحى، أو يتعهد نمو إنساننا الجديد فى الحياة المقدسة، لعلنا نبلغ إلى ملء قامة المسيح.

حدثنا السيد المسيح عن حاجتنا إلى الثبوت فيه بالروح القدس، بقوله: "كما ان الغصن لا يقدر أن يأتى بثمرٍ من ذاتهِ إن لم يثبت فى الكرمة كذلك أنتم أيضاً إن لم تثبتوا فيَّ. أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذى يثبت فيَّ وأنا فيهِ يأتى بثمرٍ كثير. لأنكم بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً. إن كان أحد لا يثبت فيَّ يُطرَح خارجاً كالغصن، فيجفُ ويجمعونهُ ويطرحونهُ فى النار فيحترق" (يو15: 4 - 6).

لقد وجه الرسل أنظارنا إلى عمل الله الخاص بتبنينا فيه فى ابنه يسوع المسيح خلال مسحة الروح القدس، بقولهم: "ولكن الذى يثبّتنا معكم فى المسيح وقد مسحنا هو الله الذى ختمنا أيضاً، وأعطى عربون الروح فى قلوبنا" (2كو1: 21 - 22). "وأما أنتم فالمسحة التى أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم إلى أن يُعلّمكم أحد... كما عَلَّمتكُم تثبتون فيهِ" (1يو2: 27). "بهذا نعلم أنه يثبت فينا من الروح الذى أعطانا" (1يو3: 24).

فى هذا يقول القديس أمبروسيوس: [تذّكروا أنكم قد تقبلتم الختم الروحى: روح الحكمة والفهم، وروح المشورة والقدرة، روح المعرفة والصلاح، روح المخافة المقدسة. احفظوا ما قد تسلمتم. الله الآب وسمكم، والمسيح ثبتكم، ووهبكم عربون الروح فى قلوبكم، كما تعلمتم من الرسول. إذ يصير الناس أغنياء بهذا الختم، يقترب الذين اغتسلوا (بالمعمودية) إلى مذبح المسيح[592].].


[592] De Mysterus 42: 7.

هل دعوة الروح القدس بالقوة الإلهية (أع8:1) يتنافى مع كونه أقنوماً إلهياً؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل دعوة الروح القدس بالقوة الإلهية (أع1: 8) يتنافى مع كونه أقنوماً إلهياً؟

يقول القديس أمبروسيوس: [كتب عن الابن "هو قوة الله وحكمة الله" (1كو1: 24)، وعن الآب أيضاً نقرأ أنه القوة كما هو مكتوب: "ترون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله" (مت26: 64) [590].].


[590] On the Holy Spirit, Bookll, chap. 1,19.

هل حُرم الإنسان من أجنحة للطيران؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل حُرم الإنسان من أجنحة للطيران؟

إن كانت الطيور تتمتع بأجنحة مادية للطيران فى الجو، فقد وُهب الإنسان الروح القدس لكى يطير كما إلى السماء. يقول القديس مقاريوس الكبير: [إذ خلق الله آدم لم يزوده بأجنحة جسدية مثل الطيور، لكن قصد له فى الأصل أن تكون له أجنحة الروح القدس، تلك الأجنحة التى قصد أن يعطيها له فى القيامة لترفعه وتختطفه إلى حيث يشاء الروح. هذه الأجنحة التى تنال النفوس المقدسة امتياز الحصول عليها منذ الآن، وتطير فى عقولها إلى المجال السماوى. فالمسيحيون لهم عالم مختلف خاص بهم، ومائدة أخرى وثوب آخر ونوع آخر من التمتع والتنعم، وشركة أخرى وطريقة أخرى للتفكير والعقل... إن لهم الامتياز أن ينالوا قوة هذه الأمور فى داخل نفوسهم منذ الآن بواسطة الروح القدس. لذلك فإن أجسادهم تُحسب أهلاً فى القيامة للاشتراك فى خيرات الروح الأبدية هذه، وسوف تختلط بذلك المجد الذى قد عرفته نفوسهم بالاختبار فى هذه الحياة[587].].


[587] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 5: 11.

هل كان (آدم وحواء) قبل السقوط لابسين مجد الله عوضاً عن ثوبٍ؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل كان (آدم وحواء) قبل السقوط لابسين مجد الله عوضاً عن ثوبٍ؟

يجيب القديس مقاريوس الكبير: [كما كان الروح يجرى عمله فى الأنبياء ويعلمهم وكان فى داخلهم، ويظهر لهم من الخارج، هكذا أيضاً كان الحال مع آدم. فالروح، حسبما يشاء، كان يحضر معه ويعلمه، ويشير عليه: "تكلم هكذا". وهكذا كان يسير ويتكلم، لأن الكلمة كان له كل شيءٍ، وطالما كان ثابتاً فى الوصية، فقد كان صديقاً لله. لكن لماذا نستغرب أنه بالرغم من كل هذه الأحوال التى كان فيها آدم، تعدى الوصية؟ فإن أولئك الذين يمتلئون الآن بالروح القدس، لا تزال تأتيهم أفكار من طبيعتهم، ولهم الإرادة أن يطيعوها، كذلك آدم رغم أنه كان حاضراً مع الله فى الفردوس، فقد تعدى الوصية بإرادته، وأطاع الجانب الشرير. ولكن بعد عصيانه لا تزال عنده معرفة[588].].


[588] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 12: 8.

ماذا تقدم لك كل من نار الروح القدس ونار العالم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا تقدم لك كل من نار الروح القدس ونار العالم؟

يقول المرتل: "تلذذ بالرب، فيعطيك سؤل قلبك" (مز37: 4). يوضح القديس مقاريوس الكبير كيف يوجِّه النار المادية المنظورة، وأيضاً نار الروح القدس غير المنظورة، حسب سؤل قلوبنا:

أ. طُرح الثلاثة فتية الأبرار فى وسط أتون النار، وإذا بالنار الإلهية التى فى قلوبهم والعاملة فى أفكارهم تحوّل نار الأتون المنظورة إلى ندى. لم يستطع الأتون أن يحرقهم ويهلكهم، بل صار يمجدهم حيث رأى الملك شخصاً رابعاً شبيه بابن الآلهة يحتضنهم ويتمشى معهم (دا3: 25).

ب. إذ عبد بنو إسرائيل الأوثان الزموا هرون أن يجمع أوانيهم وحليِّهم الذهبية. قال هرون لموسى أنه لما طرح الحليّ الذهب فى النار خرج هذا العجل الذهبى. هكذا صوَّرت قصدهم، فخرج العجل الذهبى وعبدوه جهراً (خر32: 24).

ج. اشتهت قلوب الثلاثة فتية الفردوس، فتحولت نار الأتون لهم إلى شبه فردوس. واشتهى شعب إسرائيل عبادة عجل أبيس الذى فى مصر فسبكت لهم النيران العجل الذهبى ليعبدوه.

† بينما كان الثلاثة فتية الذين بسبب برّهم طرحوا فى الأتون فى وسط النار المنظورة، كانوا حاصلين فى قلوبهم على النار الإلهية السماوية عاملة فى داخل أفكارهم، وفاعلة بقوتها فيهم... هذه النار السماوية كشفت نفسها من الخارج أيضاً... فحجزت بينهم وبين النار المنظورة فى الأتون، وأوقفتها حتى لا تحرق الأبرار، ولا تؤذيهم بأى نوع من الأذى...

كذلك حينما مال عقل شعب إسرائيل وأفكارهم بعيداً عن الله الحى، وتحولوا إلى عبادة الأوثان، ألزموا هارون بأن يجمع أوانيهم وحليّهم الذهبية، وقال هارون لموسى إنه لما طرح الحلى الذهب فى النار خرج هذا العجل كما لو أن النار قد صورت ما فى نيتهم وكان هذا كأمرٍ غريبٍ... فإنهم فى نيتهم وأفكارهم زاغوا إلى عبادة الصنم، وبحسب رغبتهم وقصدهم شكلّت النار من حليّهم عجلاً مسبوكاً من صناعتهم، وعبدوه جهراً (خر32: 24)...

وكما كان للثلاثة فتية أفكار البرّ، فقبلوا نار الله فى داخلهم، وعبدوا الرب بالحق، كذلك الآن تنال النفوس المؤمنة النار الإلهية السماوية فى إنسانها الداخلى، وهى فى هذا العالم، تلك النار نفسها تطبع صورة سماوية فى طبيعتهم البشرية[582].

كما يقول: [كما صورت النار الأوانى الذهبية، فصارت صنماً (خر32: 24)، كذلك يحقق الرب ويتمم مقاصد النفوس المؤمنة الصالحة، ويطبع ويصوّر فى النفوس الآن الصورة السماوية الجديدة بحسب رغبتهم وشهوتهم. هذه الصورة ستظهر فى القيامة من الخارج، وتمجد أجسادهم من الداخل ومن الخارج... وكما أن الأجساد فى هذا الزمان تضمحل وتموت وتتحلل، هكذا تفسد الأفكار بعمل الشيطان، وتموت عن الحياة الحقيقية وتدفن فى الطين والتراب لأن نفوسهم تهلك... وكما أن الإسرائيليين طرحوا الأوانى الذهبية فى النار، فصارت صنماً، كذلك الإنسان متى سلم أفكاره النقية الصالحة للشر، فتندفن فى وحل الخطية وتصير صنماً... ما الذى يفعله الإنسان حتى يكتشفها ويعرفها ويميزها ويطرحها بعيداً عن ناره الخاصة؟... تحتاج النفوس إلى المصباح الإلهي، وهو الروح القدس، الذى ينير ويجدد البيت المظلم... تحتاج النفوس إلى شمس البرّ الساطعة، التى تضئ وتشرق على القلب، وهى السلاح الذى تكسب به المعركة[583].].


[582] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 11: 2.

[583] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 11: 3.

هل تتمتع الطغمات السماوية بالروح القدس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل تتمتع الطغمات السماوية بالروح القدس؟

يقول القديس أمبروسيوس: [يقول عنه داود: "أنهار الله، تفرح مدينة الله" (مز46: 4). لا ترتوي مدينة الله أورشليم السماوية من قناة مياه أو من نهر أرضي، وإنما من الروح القدس النابع من ينبوع الحياة الذى تكفي قطرة منه أن تفي احتياجاتنا، ولكنه يفيض أكثر على العروش السماوية، والسيادات والقوات والملائكة ورؤساء الملائكة، متدفقاً بكل قوته بالمواهب الروحية السبعة للروح القدس. وإذا كان النهر يمتلئ ويفيض ويغمر شاطئيه، فكم بالحري الروح القدس الذى يفيض ويغمر كل الخليقة والأراضى الواطئة أى عقولنا، ويفرح الطبائع السماوية بتقديسه لهم بحيوية وخصوبة وافرة[589].].


[589] On the Holy Spirit, Book l, chap. XV1.

هل تستقر نفوسنا فى الروح القدس ويسكن الروح القدس فينا؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل تستقر نفوسنا فى الروح القدس ويسكن الروح القدس فينا؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [يوصف الروح عادةً بأنه مقر الذين تقدسوا. حقاً أنه مكان القديسين، وكل قديس مكان الروح القدس، لأنه يُقَدِّم ذاته ذبيحة وهيكلاً لسُكنى الله، لذلك قيل إنهم هيكل الله (1كو6: 19) [584].] ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [أعطانا الله عقلاً لكى نتعلم وننال عوناً فيه، وليس أن نكتفى بأنفسنا. العيون جميلة ونافعة، لكنها إن أرادت أن ترى بدون نور، يصير جمالها بلا نفع، بل وقد يصير ضاراً. هكذا إذ تختار نفسي أن ترى بدون الروح، تصير خطراً على نفسها[585].] كما يقول القديس فيلوكسينوس المنبجي: [الروح القدس هو معموديتنا الحقيقية، ولهذا السبب نبقى دوماً مُعمَّدين، إذ هو دوماً فينا، ولا يُمكن لشيءٍ ما أن يحرمنا من عمادنا سوى جحد الله وارتباطنا بالشياطين. فى مثل هذه الحالات بالحق يفارقنا الروح القدس، لأنه لا يمكن أن يقبل البقاء فى مكان يسكنه شيطان[586].].


[584] On the Spirit, chap. XXV1,62.

[585] Homilies on Cor. 9: 7.

[586] On the Dwelling of the Holy Spirit.

متى يحلّ ربيع القيامة، ويُعلن المجد الخفي؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

متى يحلّ ربيع القيامة، ويُعلن المجد الخفي؟

أ. يتطلع القديس مقاريوس إلى حياتنا فى الرب أشبه بالساكنين فى البلاد الشديدة البرودة. إنهم يرون الأشجار وقد فقدت كل جمالها وكل ثمارها فى فترة الشتاء، وتبدو الأشجار كأنها ميّتة. وإذ يحلّ الربيع للغاية تكتسى الأشجار بأوراقها وزهورها وأيضاً ثمارها فى فترة قصيرة. كانت حياتها مخفيّة فى الشتاء، وفى الربيع يظهر ما كان مخفيّاً. هكذا فى ربيع القيامة العامة يتجلّى عمل الروح القدس الذى كان مخفيّاً ونحن فى رحلتنا نحو السماء.

ب. تستنير حتى أجسادهم التى ماتت وانحلّت، وتتمتع بقوة الروح القدس الذى يصير لهم كساءً وطعاماً وشراباً وبهجةً وفرحاً وسلاماً. فما نالوه أثناء رحلتهم فى العالم فى داخلهم يُعلن عنه فى الحياة الأبدية.

كما سطح مجد الروح على وجه موسى، فلم يكن أحد يقدر أن يتفرّس فيه، هكذا ستكون أجسادنا فى يوم الرب العظيم.

ج. يليق بنا أن نجاهد هنا، طالبين من الروح القدس أن يقدسنا، فلا نظهر فى يوم الرب عراة، بل تلتحف أجسادنا بالمجد الإلهى وتمتلئ من مجد الروح.

د. يقول القديس مقاريوس أنه كما كانت النار المقدسة مدفونة فى حفرة فى أثناء السبى البابلى حتى رجع المسبيّون إلى أورشليم. هكذا تعمل النار السماوية كأنها مدفونة فى أجسادنا، وعندما نبلغ أورشليم العُليا يتحول الجسد المنحل إلى جسدٍ مُقام من الأموات، وتُعلن النار السماوية علانية.

يقول القديس مقاريوس الكبير: [كما أن الأشجار التى تجوز الشتاء، حينما تدفئها الحرارة غير المنظورة التى للشمس والرياح، ينشأ من باطنها كساء من الأوراق يغطيها، وكما تخرج فى ذلك الموسم زهور العشب من باطن الأرض، وتتغطى الأرض وتكتسي بها، ويكون العشب مثل تلك الزنابق التى قال عنها الرب "ولا سليمان فى كل مجده كان يلبس كواحدة منها" (مت6: 29)، لأن كل هذه أمثال ونماذج ورموز عن المسيحيين فى القيامة. كذلك كل النفوس التى تحب الله، أعنى المسيحيين الحقيقيين، يأتيهم أول الشهور الذى يسمى نيسان: الذى هو يوم القيامة. وبقوة شمس البرّ يخرج مجد الروح القدس من الداخل، فيكسو ويغطى أجساد القديسين، ذلك المجد الذى كان لهم سابقاً، ولكنه كان مخفياً فى داخل نفوسهم. فإن ما يكون للإنسان الآن، سوف يظهر بعينه خارجاً من الداخل وينكشف فى جسده...

يقول الرب: "هذا الشهر سيكون أول شهور السنة" (خر12: 2)، وهو يجلب الفرح للخليقة كلها، فإنه يكسو الأشجار العالية، ويفتح الأرض، وهو يبهج جميع الكائنات الحية، ويعطى المرح للكل. هذا بالنسبة للمسيحيين هو نيسان أول الشهور الذى هو موسم القيامة، الذى فيه ستتمجد أجسادهم بواسطة النور الفائق الوصف الذى هو فيهم منذ الآن، وأعنى به قوة الروح القدس، والذى سوف يصير لهم فيما بعد كساءً وطعاماً وشراباً وبهجة وفرحاً وسلاماً، ورداءً وحياة أبدية، لأن كل جمال البهاء والبريق السماوى سوف يصير لهم من روح اللاهوت ذلك الذى حُسبوا أهلاً لقبوله فى هذه الحياة الحاضرة...

كم ينبغى إذن لكل واحد منا أن يؤمن ويجتهد وأن يجد فى كل سيرة فاضلة، وبرجاءٍ كثيرٍ وصبرٍ نطلب أن نُحسب أهلاً ونحن فى هذا العالم، لنوال تلك القوة من السماء ومجد الروح القدس فى نفوسنا فى الداخل. حتى حينما تنحل أجسادنا يكون عندنا حينئذٍ ما سوف يكسونا ويحيينا. كما يقول الرسول: "وإن كنا لابسين لا نُوجد عراة" (2كو5: 3)، و "سيحيي أجسادنا المائتة أيضاً بروحه الساكن فينا" (رو8: 11).

لأن موسى النبى المبارك أرانا فى مثال. بواسطة مجد الروح الذى سطع على وجهه الذى لم يستطع أحد ان يتفرس فيه. كيف أنه فى قيامة الأبرار ستتمجد أجساد أولئك المستحقين، بمجدٍ تحصل عليه منذ الآن النفوس المقدسة الأمينة، إذ تُحسب أهلاً لاقتناء هذا المجد فى داخلها، فى الإنسان الباطن. لأن الرسول يقول: "ونحن ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف. أى فى الإنسان الباطن. كما فى مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ" (2كو3: 18). وكذلك كُتب عن موسى أنه لمدة أربعين يوماً وأربعين ليلة "لم يأكل خبزاً، ولم يشرب ماءً" (خر24: 78) ولم يكن ممكناً بطبيعة جسده أن يعيش طول هذه المدة بدون طعام إن لم يكن قد اشترك فى نوع آخر من الطعام الروحانى، هذا الطعام هو الذى تشترك فيه نفوس القديسين منذ الآن بموهبة الروح بطريقة غير منظورة[579].].

ويقول: [لذلك يجب على كل واحدٍ منا أن يجتهد ويسعى فى كل فضيلة، وأن يؤمن ويطلب من الرب لكى يجعل الإنسان الباطن شريكاً فى ذلك المجد هنا منذ الآن. وأن تصير للنفس شركة فى قداسة الروح، لكى ما نتطهر من أدناس الشر، ويكون لنا فى القيامة ما نكسو به عري أجسادنا عند قيامتها وما نغطى به عيوبها، وما يحييها وينعشها إلى الأبد فى ملكوت السماوات... حينئذ تلتحف أجساد هؤلاء بالمجد الإلهى من أعمالهم الصالحة، ويمتلئون من مجد الروح، وهكذا إذ نتمجد فى النور الإلهى، ونختطف إلى السماء لنلاقي الرب فى الهواء حسب المكتوب (انظر 1 تس4: 17). أما عن اللباس الذى يلبسه المسيحيون فواضح أن الروح نفسه هو الذى يكسوهم، باسم الآب والابن والروح القدس إلى الأبد. آمين[580].].

كما يقول: [النار السماوية، نار اللاهوت، التى ينالها المسيحيون فى قلوبهم، الآن وهم فى هذا العالم الحاضر، تعمل فى قلوبهم من الداخل، وسوف تصير ظاهرة من الخارج، حينما ينحل ويتحلل الجسد، ثم تجمع الأعضاء ثانية وتسبب (هذه النار) قيامة الأعضاء التى كانت قد انحلت واضمحلت... فكما أن النار التى كانت تتقد على المذبح فى أورشليم، ظلت مدفونة فى حفرة أثناء فترة السبى، وعندما حلّ السلام ورجع المسبيون إلى أورشليم، تجددت هذه النار نفسها، واشتعلت كما كانت سابقاً قبل السبى (أنظر 2مك1: 19 - 22)، هكذا الآن أيضاً، فإن النار السماوية تعمل فى هذا الجسد الذى ألفناه، هذا الجسد الذى فى انحلاله (بالموت) يتحول إلى نتانة وقذارة، يتجدد هذا الجسد وتقيمه بعد ان اضمحل وفسد... إن النار الداخلية التى تسكن الآن فى القلب سوف تُستعلن حينئذ من الخارج، وتتم قيامة الجسد[581].].


[579] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 5: 8 - 10.

[580] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 6: 7.

[581] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 11: 1.