الفصل الرابع عشر الإعتذار للنفس

الفصل الرابع عشر الإعتذار للنفس

هناك قوة هائلة للإعتذار للذات:

1 - من نحن ومن نحب أن نكون؟

لماذا تعتذر لنفسك؟

بصفة عامة أنت تعتذر لنفسك، لنفس السبب الذى من أله تعتذر للآخرين، وعندما تعتذر للشخص الآخر فهذا معناه أنك ترغب فى إسترجاع العلاقة معه، وأنك تأمل فى أن يزيل الإعتذار الحاجز بينك وبينه، وبالتالى يمكن لعلاقاتكما أن تستمر وتنمو.

وعندما تعتذر لنفسك، فأنت تسعى إلى إزالة عدم التوازن النفسى بين الشخصين الذى ترغب فى أن تكونه (الذات المثالية) والشخص الذى أنت عليه بالفعل (الذات الحقيقة) وكلما زادت الفجوة بين هذين الشخصين، الشخص المثالى والشخص الحقيقى، كلما زادت الإضطرابات النفسية. والسلام النفسى يحدث عندما تزال الفجوة بين الذات المثالية والذات الحقيقية. والإعتذار للنفس وإختيار التسامح، يساعد ويخدم فى إزالة هذه الفجوة.

2 - فشلنا الأدبى أو الأخلاقى:

أحياناً ينتج الأضطراب النفسى عن فشلنا أن نعيش على المستوى الأخلاقى الذى نرغبه لأنفسنا. وأحياناً نحن نرسم لأنفسنا مستوى معين من الأخلاق والمثالية، وعندما نفشل فى تحقيق ذلك المستوى يهاجمنا بعنق الشعور بالقلق والذنب. وأصبحت المسافة بين الذات المثالية التى نريدها لأنفسنا والذات الحقيقية التى نعيشها مسافة كبيرة جداً وأن اعتذارنا للآخرين يساعدنا على إستعادة العلاقة مع الآخرين ولكن لن نحصل على السلام الداخلى إلا حين نعتذر لأنفسنا.

والفشل الأخلاقى يحدث فى كثير من الأحوال حين نسقط فى الكذب أو الزنا أو السرقة أو الغش او الخيانة أو المعاشرات الرديئة. فهذه كلها أمثلة لكسر الأخلاق بداخلنا، وهذا يقودنا للشعور بالإضطراب والذنب.

وبينما إعتذارنا للآخرين يمكن أن يصلح العلاقة معهم، فإن الإعتذار للنفس والقدرة على أن نغفر لأنفسنا[] سوف يزيل التوتر والقلق وسوف يساعدنا على إستعادة سلامنا الداخلى.

3 - من القلق إلى الإكتئاب:

سبب آخر من أجله يجب أن تعتذر لنفسك، هو أنك يمكن أن تخاف من النتائج لو إستمريت فى إمساك الخطأ ضد نفسك. فمنذ أن يحدث الخطأ، يشعر الإنسان بإضطراب نفسى. وهذا إنذار إنك تنزلق نحو الإكتئاب. وفى مرحلة الإكتئاب هذه يبدأ الإنسان فى تناول الأدوية بدلاً من التعامل مع الحدث المسبب له.

إن الأدوية يمكن أن تساعد هؤلاء الذين يعانون من الإكتئاب لفترة طويلة أو الذين إكتئبوا نتيجة عدم توازن كيميائى فى المخ. ومع ذلك إن كثير من الإكتئاب يمكن أن يتم تجنبه لو تعلمنا كيف نعتذر للآخرين وكيف نعتذر لأنفسنا أيضاً.

4 - تخطى الفشل والنظر إلى المستقبل:

سبب آخر من أجله تعتذر لنفسك، وهو أن تساعد نفسك أن تعود مرة أخرى إلى حياتك محاولاً أن تحقق أهدافك التى أردتها لنفسك. ماذا تفعل حين تعانى من القلق بسبب فشل أصابك فى الماضى؟

الإجابة: ليست هى "حاول أن تنساها"، لأنه كلما حاولت أكثر أن تنسى، كلما زاد شعورك بالقلق والضيق. ولكن الإجابة تكمن فى الإعتذار للأشخاص الذين أسأت إليهم، وبعدها الإعتذار والصفح عن الذات.

وللأسف فإن الفجوة التى أشرنا إليها بين الذات المثالية والذات الحقيقية هى التى تقود كثير من الناس إلى الإدمان وشرب الخمر كمحاولة للتخلص من القلق. والحقيقة أن مثل هذه المحاولات لا يمكن أن تحسن الأمور ولكن بالعكس، فإن الناس تحت تأثير الخمر والمخدرات تتخذ قرارات غير حكيمة وتؤدى إلى كثير من القلق. وإذا إستمر الناس فى نفس الطريقة، من الجائز جداً أن يصبحوا مدمنى مخدرات أو خمور، وهى مشكلة فى حد ذاتها، بالإضافة إلى العديد من المشكلات التى تخلقها هذه العادات السيئة (الإدمان).

5 - طرق التعامل مع النفس الغاضبة:

عندما نفشل فى أن نصل إلى الذات المثالية، فإن ما يحدث بداخلنا هو بالضبط ما يحدث بداخل أى شخص تسئ إليه، فنصبح غاضبين، وهذا الغضب نوجهه لأنفسنا.

وتجاهل الشعور بالغضب ليس هو الحل المناسب لهذه المشكلة.

إن الغضب يحتاج أن تتعامل معه بطريقة إيجابية:

6 - الطريقة الخاطئة: أن تنفجر فى الآخرين أو تلوم نفسك:

الطرق السلبية للتعامل مع الغضب الذى ينشأ بداخلنا هو إما أن تنفجر غضباً فى الآخرين، وهذا ينتج عنه مزيد من الألم والغضب لدى الآخرين، وهذا يؤدى إلى خسارة وتدمير فى علاقاتنا. أو يمكن أن نعبر عن غضبنا بأن نلوم أنفسنا، كأن تقول: أنا غبى، ولم أفلح أنا فى شئ، ولا يمكن أن أفلح فى شئ. ويمكن أن يصل تأنيب الذات فى بعض الحالات إلى أن يؤذى الشخص نفسه بدنياً بأن يحاول الانتحار مثلاً، أو يخبط رأسه فى الحائط أو يشد شعره. كل هذه الأمثلة يمكن أن تحدث نتيجة الإستمرار فى تأنيب الذات.

وعموماً فإن الأسلوبين (سواء كان الإنفجار فى الآخرين أو تأنيب الذات) لا تعالج أى شئ من الأمور.

7 - الطريق الصحيح:

إن الطريقة الإيجابية للتعامل مع الغضب الذى ينشأ بداخلنا تتضمن ثلاث خطوات.

أولاً:

إعتذر لنفسك أنك غير حكيم، ومخطئ، ومؤذى للآخرين ولنفسك.

ثانياً:

إعتذر للآخرين الذين أسأت فى حقهم، وتمنى أن يسامحوك.

ثالثاً:

إعتذر لنفسك وإختار أن تسامحها.

8 - كيف أعتذر لنفسى:

الإعتذار للذات، ربما يحتاج أن تتكلم معها. ربما تكون قد سمعت أن من يتحدث مع نفسه هو علامة الجنون. ولكن هذا الفكر خطأ.

إن الأشخاص الطبيعين دائماً يتكلمون مع أنفسهم، يشجعون أنفسهم. وأحياناً يكون هذا التحدث بصوت مرتفع، وأحياناً يكون عقلياً (داخلياً) فى صمت.

وعندما نتحدث عن الإعتذار للذات، فنحن نشجع أن تتحدث إلى ذاتك بصوت مرتفع، لو كنت عالماً بلغة الإعتذار الأساسية المقبولة لديك. وحاول أن تركز على لغة الإعتذار الأساسية بالنسبة لك. ولكن أيضاً حاول أن تتحدث الأربع لغات الأخرى لأن هذا سوف يؤيد صدق مشاعرك.

إذاً إبدأ بلغة الإعتذار التى تبدو الأفضل لك، وبعدها إسعى نحو الأربعة الآخرين.

ونقترح أن تكتب إعتذارك لنفسك، (يمكن أن تغير فى الجمل أو تقدم أو نؤخر بعضاً منها):

أود أن أقول لك إننى أخطأت..

أقصد أننى أخطأت جداً..

أريد أن أقول لك كيف أننى أشعر بإستياء كيف أننى نادم على ما فعلت.

أريد أن أقول لك أننى تعلمت الدرس. أريد أن أعطى لنفسى الحرية كى أشعر بالسعادة مرة أخرى.

أريد أن أسألك أن تسامحنى. وأن تساعدنى أن أبذل كل ما فى وسعى كى أتجه نحو المستقبل.

لأننى أشعر وأصدق أن إعتذارك صادقاً، أنا أختار أن أسامحك.

هيا الآن اكتب لنفسك صيغة الإعتذار. وبعد أن تكتبها، نحن نحبذ ان تقف أمام المرآة وتنظر إلى نفسك وتتكلم معها.

نحن نعتقد أن الإعتذار للذات خطوة هامة جداً كى تستعيد سلامك الداخلى مع نفسك.

9 - ما معنى أن أسامح نفسى؟

أن تسامح نفسك يشبه كثيراً عندما تسامح الآخرين الذين أساءوا إليك. إن تسامح أى شخص آخر أساء إليك معناه أنك إخترت أن لا تمسك الإساءة عليه، وأن تقبله مرة أخرى فى حياتك، وأنك تسعى كى تبنى علاقتك معه مرة أخرى. وان إساءته لك لم تعد حاجزاً فى علاقته معك، وإذا ما نحن تصورنا الإساءة على إنها جداراً يقف بينك وبين من أساء إليك، فإن دموع الصفح والغفران قادره على هدم هذا الجدار، وأن التسامح يسمح لكل منكما أن يتواصل مع الآخر مرة أخرى ويستمع له ويحاول أن يتفهم موقفه. وبالمثل فى فكرة الغفران للذات، نحن نشعر بألم عما فعلناه، ونتمنى ألا نكون قد فعلنا هذه الإساءة. ولكن الحقيقة أننا بالفعل قد أخطأنا وأسأنا. وكما يجب أن نعتذر للآخرين إذا كانت الإساءة موجهه لشخص غيرنا ويجب أن نعتذر لأنفسنا، ولأن حان الوقت أن نسامح أنفسنا، ويجب أن نختار هذا التسامح.

ولا يوجد أى نتيجة إيجابية لأى إختيار آخر غير أن نسامح أنفسنا. والشخص الذى يختار أن يسامح نفسه هو ذلك الشخص الذى يزيل الفجوة بين الذات المثالية الموجودة فى العقل الباطن، والذات الحقيقية التى هو عليها.

نحن نعترف بأخطائنا، ونبدى إستعدادنا لتحمل المسئولية عنها، وأيضاً نؤكد على فكرة أننا راغبين فى الشخص المثالى الذى نود أن نكون عليه.

وكما كتبت لنفسك خطاب إعتذار وقرأته عليها، فنحن نشجعك أن تكتب خطاباً تقول فيه إنك سامحت نفسك، وإليك هذا المثال الذى ربما يتماشى مع ما تود أن تسمعه من نفسك:

الإساءة (الخطأ) التى فعلتها آلمتنى جداً.

وسببت لى الكثير من القلق ولكن أنا سمعت إعتذارك الصادق وأنا أقدرك جداً.

أنا أختار أن أسامحك، وأنا لم أعد أمسك عليك هذه الإساءة (الخطأ) []، وأعدك أن أفعل كل ما فى وسعى كى أجعل مستقبلك أفضل.

وقل لنفسك مرة ثانية (بعد غفران الله): أنا أسامحك. وبعد أن تكتب لنفسك خطاب الصفح هذا، قف مرة أخرى أمام المرآة وأنظر إلى نفسك وعبّر لذاتك بصوت مسموع عن غفرانك لنفسك (مادام الله قد غفر لك) [].

وكما فى غفراننا للآخرين، فإن غفراننا لأنفسنا سوف لا يزيل كل الألم، أو الذكريات المؤلمة، وليس بالضرورة أنه سوف يزيل كل نتائج الفشل. ومثلاً إن كنت قد سرقت أو كذبت أو زنيت فإنك مازلت تواجه ما فعلته. ولكن ما يفعله الغفران (غفران الله وغفرانك لنفسك) هو أنه سوف يحررك من قبضة الشعور بالفشل، ويساعدك أن تفعل كل ما فى وسعك نحو المستقبل الناجح.

10 - تعلم من فشلك:

إنك الآن على إستعداد أن تغير من أسلوبك فى الحياة، وأحياناً يرتكب الناس خطأ بأن يحاولوا أن ينسوا فشلهم وأن لا يفكروا فيه مرة أخرى. ولكن الحقيقة هى أننا يمكن أن نتعلم من فشلنا.

إسأل نفسك: ما هى العوامل التى قادتنى لإرتكاب هذه الأخطاء؟ وهذه العوامل هى التى يجب أن تسعى نحو تغييرها.

وعلى سبيل المثال، إذا كنت قد إرتكبت خطأ وأنت تحت تأثير المخدر أو الخمر فلا يجب أن تسمح لنفسك أن تتعاطفى المخدر أو الخمر مستقبلاً.

أما إذا كانت أخطاؤك متعلقة بالناحية الجنسية فيجب عليك أن تتجنب ما يثيرك ويحرضك على تكرار هذ الخطأ.

بالإضافة إلى التعلم من الخطاء الماضية، فإنك أنت الآن على إستعداد لكى تتخذ خطوات إيجابية كى تجعل مستقبلك أفضل خلال قراءة كتب مفيدة أو عظات نافعة أو مشورة أحد المتخصصين. وأن تعتذر لنفسك وتسامحها سوف يفتح أمامك الباب نحو المستقبل الذى يمكن أن يكون أفضل بكثير مما تتصور.


[] ليس المقصود هو إلغاء غفران الله ولكن المقصود بعد غفران الله ومسامحته لنا لا يجب أن نتوتر ونفقد سلامنا بل نقبل غفران الله. وقبول غفران الله لنا على أخطائنا وفشلنا فى السلوك المثالى معناه أن نغفر لأنفسنا ولا نتوتر ولا نفقد سلامنا (المعرب).

[] يقصد بذلك غفران الله والتوبة. (المعرب).

[] الذى فيه لنا الفداء بدمه وغفران الخطايا (أف 1: 7) (المعرب).

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل الخامس عشر ماذا لو تعلمنا جميعاً أن نعتذر أعتذاراً فعالاً

الفصل الثالث عشر الإعتذار فى العمل

المحتويات
المحتويات