هذا الفصل هو جزء من كتاب: فن الأعتذار – علم نفس و سلوكيات- القمص أشعياء ميخائيل .
جدول المحتويات
- الفصل الأول لماذا الإعتذار؟
- الفصل الثانى التعبير عن الندم
- الفصل الثالث تحمل المسئولية «الأعتراف بالخطأ»
- الفصل الرابع التعويض عما تم إفساده
- الفصل الخامس الندم الصادق
- الفصل السادس طلب الصفح والغفران
- الفصل السابع إكتشاف لغتك الأساسية للإعتذار
- الفصل الثامن الإعتذار هو إختيار
- الفصل التاسع تعلم أن تسامح وتغفر
- الفصل العاشر الإعتذار داخل الأسرة
- الفصل الحادى عشر علَّم طفلك أن يعتذر
- الفصل الثانى عشر الإعتذار فى وقت الخطوبة
- الفصل الثالث عشر الإعتذار فى العمل
- الفصل الرابع عشر الإعتذار للنفس
- الفصل الخامس عشر ماذا لو تعلمنا جميعاً أن نعتذر أعتذاراً فعالاً
- الفصل السادس عشر هل يمكن الإعتذار فى الكنيسة؟
- الملاحق
مقدمة
إن المجتمع المثالى ربما لا يحتاج إلى الإعتذارات، ولكن لأن العالم الذى نعيش فيه ليس كامل الصلاح، لذلك نحن لا نستطيع أن نخلص بدون هذه الإعتذارات.
ودراستى الأكاديمية فى علم الأنثروبولجى (الثقافة البشرية) أوضحت أن الناس لديهم شعور أخلاقى نحو الأمور الصحيحة والأمور الخاطئة، فالأخلاق أمر ملازم للبشر.
وفى علم النفس يوجد الضمير. وفى علم اللاهوت يمكن الإشارة بما يسمى الإحساس "بما يجب أن يكون" أو "الأنثرو الإلهى"، ولا شك أن مقياس الضمير يتأثر بالثقافة المحيطة. وعلى سبيل المثال فى بلاد الأسكيمو، إذا كان شخص فى رحلة طويلة، وليس لديه ما يأكل، فمسموح له تماماً أن يدخل أى منزل – فى عدم وجود صاحبه – ويأكل ما يحتاج إليه. ولكن فى معظم الثقافات الغربية عندما يدخل أحد الأشخاص منزلاً فى غياب صاحبه فإنه يعتبر هذا العمل إختراق، وجريمة يعاقب عليها القانون.
ولذلك فإن مقياس الصواب والخطأ يختلف من ثقافة إلى أخرى وأحياناً يختلف الشعور بالصواب والخطأ فى الثقافة الواحدة.
وعندما تنتهك مشاعر أحد الناس، فإن هذا الشخص يشعر بالغضب وينتابه الإحساس بالإستياء والظلم تجاه الشخص الذى خان الثقة.
ولذلك فإن التصرف الخاطئ يقف كحاجز بين الشخصين، والعلاقة بينهما تنكسر، وحتى لو أرادا أن يعيشا معاً، كأن الخطأ لم يحدث، فإن شيئاً ما بداخل الشخص المظلوم ينادى بالعدل، إنه هو الواقع البشرى الذى يخدم كل الأسس التى تقوم عليها كل النظم القضائية.
ما هى لغات الاعتذار الخمس
اللغة الأولى: التعبير عن الندم (أنا آسف)
اللغة الثانية: تحمل المسئولية والإعتراف بالخطأ (إننى أخطأت)
اللغة الثالثة: التعويض عما تم إفساده (ماذا أفعل لإصلاح ما افسدته)
اللغة الرابعة: الندم الصادق (التعبير عن نية التغيير)
اللغة الخامسة: طلب الصفح والغفران (أرجوك أن تسامحنى)
الفصل الأول لماذا الإعتذار؟
نداء للمصالحة
بينما يحقق العدل بعض الشعور بالرضى للشخص المساء إليه، فإن العدل لا يصلح العلاقة بين الشخصين. فإذا قبض على موظف مختلس فى شركة ما، وحكم عليه بالسجن، فإن كل شخص سوف يقول: "قد تحقق العدل" ولكن الشركة تكون قد خسرت هذا الشخص. ولكن على وجه آخر، إذا سرق موظف فى شركة ما، وأخذ المسئولية سريعاً، واعترف بخطئه أمام رئيسه فى العمل، وعبر عن شديد أسفه، وعرض أن يدخل ثمن خطئه، وبكى طالباً الرحمة، ففى هذه الحالة يمكن لهذا الموظف ان يُسمح له بأن يستمر فى وظيفته بالشركة. وهكذا فإن البشرية لديها قدرة على التسامح.
أتذكر منذ سنوات طويلة، عندما زرت إنجلترا، وقفت أمام إحدى الكاتدرائيات التى دُمرت على أيدى النازية (ألمانيا) فى الحرب العالمية الثانية، وإستمتعت عندما بدأ المرشد يحكى قصة الكاتدرائية الجديدة التى شيدت بجوار حطام تلك القديمة. لأنه بعد سنوات من الحرب، جاءت مجموعة من الألمان يساعدون فى بناء كاتدرائية جديدة كتعبير عن الندم عن الخراب الذى دمره شركاؤهم فى الوطن (ألمانيا).
الجميع وافق على أن تبقى هذه الحطام فى ظل الكاتدرائية الجديدة، وأصبح البنائين رمزاً. الأول يدل على عدم الإنسانية بين البشر، والآخر على قوة التسامح والمصالحة.
شئ ما بداخلنا يدعونا للمصالحة عندما يتسبب الخطأ فى كسر العلاقة. إن الرغبة فى المصالحة أقوى غالباً من العدل. وكلما كانت العلاقة شخصية وقوية فإن الشعور بالرغبة فى المصالحة يكون أعمق.
وعندما يعامل الزوج زوجته بطريقة غير عادلة، فإنها تكون فى غضبها وألمها، ممزقة بين شعور بالرغبة فى العدل وشعور بالرغبة فى الرحمة. فإنه من ناحية هى ترغب أن يدفع زوجها ثمن ما إرتكبه من خطأ، ومن ناحية أخرى إنها تتمنى المصالحة. وإعتذاره الصادق هو الذى سوف يجعل المصالحة ممكنة. وإذا لم يوجد إعتذار، فإن شعورها الأقوى هو الذى سوف يدفعها لطلب العدل.
وخلال سنوات طويلة لاحظت إزدياد حالات الطلاق، ولاحظت كيف أن القاضى يبحث طويلاً ليقرر ما هو العدل. وإننى دائماً أتسائل: هل الإعتذار الصادق كان من الممكن أن يغير هذه النتيجة المؤسفة؟
غياب الإعتذار
نظرت فى عينى مراهق غاضب وتساءلت: كيف أن الحياة كان من الممكن أن تكون مختلفة، إذا إعتذر الأب القاسى. إن عنف الشباب إلى الوالدين يرجع إلى سببين: الأول هو شعور المراهق بالإساءة من والديه وأنه لم يتم مصالحته (بالإعتذار) والسبب الثانى هو شعور المراهق بأنه غير محبوب من الوالدين.
فى هذا الكتاب سوف نناقش كيف نعتذر للمراهقين بطريقة مؤثرة. وهناك أيضاً إحتياج للإعتذار فى كل العلاقات الإنسانية (زوجية – أبوة – أمومة – عاطفية – مهنية). كل هذه العلاقات تتطلب الأسف والإعتذار. وبغير الإعتذار سوف يوجد الغضب وتطلب العدالة. ولكننا سوف نرى فى الواقع العملى أن تحقيق العدالة ليس بالأمر السهل. ولذلك فإننا نعالج الأمور بأيدينا ونلجأ إلى الإنتقام من الذين أساءوا إلينا. والغضب يتصاعد فى النهاية إلى عنف.
وهكذا رأينا الشخص الذى ذهب إلى المكتب (مكان العمل) الذى طرد منه ليطلق الرصاص على صاحب العمل وعلى ثلاثة من زملائه، إن هذا الشخص ليس مختلاً عقلياً، وهذه شهادة جيرانه الذين قالواعنه: إنه يتصرف كشخص طبيعى جداً.
وكذلك الشخص الذى إمتلأ بالشعور بالظلم لدرجة التفكير فى الإنتقام بالقتل أصبح الشئ الوحيد (فى نظره) الذى يصلح الخطأ. وكان من الممكن أن تتغير الأمور إذا كان لدى هذا الشخص الشجاعة لمواجهة المخطئ بحب، وكان لدى الآخرين الشجاعة للإعتذار.
العلاقات الزوجية
إن الإضطرابات العائلية تتمثل فى عدم الرغبة فى الإعتذار. فالزوجة تقول: إنه يتعامل معى كأننى لا شئ (أى لا قيمة لها) ثم يرغب فى معاشرتى الزوجية. وكيف يمكن أن أقبل هذا؟. ثم يجيب الزوج: إنها تتعامل معى كطفل، وترغب فى السطرة على حياتى، إننى لم أتزوج لأجد أماً ثانية.
وهكذا فإن كلا الزوجين مجروحاً وكلاهما غاضب. وكلاهما فشل ولكن لم يرغب أحد منهما فى الإعتذار. ولعدم وجود الإعتذار فإنهما يعلنان الحرب، كل منهما على الآخر، وقد تستمر الحرب إلى سنوات وغالباً ما تنتهى العلاقة الزوجية بالطلاق أو بالموت.
أما الأزواج (الرجال) فإنهم فى العلاقة الزوجية السليمة لديهم الرغبة فى الإعتذار.
ويبقى سؤال:
هل تستطيع أن تسامح بدون إعتذار؟
إن بعض المسيحيين يقدمون وجهة نظر أن التسامح ممكن بدون إعتذار وعادة يقتبسون كلمات السيد المسيح:
"وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم ابوكم أيضاً زلاتكم" (مت 6: 15).
لذلك ينصحون الزوجة التى خانها زوجها – وهو مستمر فى الخيانة – بأن تسامحه، وإلا لن يغفر لها الله خطاياها!!
ولكن هذا التفسير لتعاليم السيد المسيح لا يتساوى مع باقى التعاليم الكتابية عن التسامح!!
فالمسيحيون مطالبون ان يسامحوا بعضهم بعضاً بنفس الطريقة التى سامحنا بها الله.
كيف سامحنا الله؟
إن الكتاب يقول:
"إن إعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل، حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم" (1يو 1: 9).
ولا يوجد فى الكتاب المقدس بعهديه ما يشير إلى أن الله سوف يغفر خطايانا التى لم نعترف بها ونندم عليها. وعندما يحث الكاهن الزوجة أن تغفر لزوجها الذى أخطأ فى حقها – بينما هو مستمر فى الخطأ – فإن هذا الكاهن يطلب من الزوجة أن تفعل ما لم يفعله الله. وتعاليم الرب يسوع تدعونا إلى التسامح مثل الله، فهو لديه دائماً الرغبة فى التسامح مع هؤلاء الذين يندمون (يتوبون) ولسوف يعترض البعض على هذه الفكرة، مشيراً إلى أن الرب يسوع المسيح قد غفر للذين صلبوه. ولكن ليس هذا ما قاله الكتاب ولكن المسيح صلى لأجل هؤلاء لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون. إن الرب يسوع المسيح قد عبّر عما فى قلبه من محبة وعن رغبته فى أن يرى صالبيه مغفورة لهم خطاياهم. وهذا ما يجب أن تكون عليه صلواتنا ورغباتنا. ولكن غفران الذين صلبوا المسيح لن ينالوه إلاى بعد أن يعرفوا أنهم صلبوا المسيح ابن الله!!
إن التسامح بدون إعتذار غالباً ما ينصح به لمصلحة المتسامح اكثر من مصلحة المسئ. ولكن هذا النوع من التسامح لا يقود إلى المصالحة. فعندما لا يكون هناك إعتذار فإن الشخص الذى أسئ إليه يترك الذى أساء إليه فى يد الله العادل ويترك غضبه لله من خلال إحتماله وترفعه.
إن التسامح الصادق (المبنى على الإعتذار) يزيل الحواجز التى بالإساءة، ويفتح الباب لإستعادة الثقة بمرور الوقت.
والعلاقة القوية الدافئة قبل الإساءة يمكن إستعادتها مرة أخرى. وكذلك فإن العلاقات السطحية يمكن أن تنمو لتصبح علاقة أعمق من خلال التسامح.
أما إذا وجدت الإساءة من شخص لا نعرفه (عابر سبيل) فإنه لا توجد اصلاً علاقة لكى تستعاد. وحتى إذا إعتذر هذا الشخص وأنت سامحته، فإنه كلاكما حر أن يعيش حياته الخاصة. وربما هذا الشخص يواجه العقاب القضائى حسب الثقافة السائدة مع السلوك المنحرف!!
وعاء الخمس جالونات:
عندما نعتذر، فإننا نقبل المسئولية عن تصرفاتنا. باحثين عن التصالح مع الشخص الذى أسأنا إليه.
إن الإعتذار الصادق يفتح الباب أمام إمكانية التسامح والمصالحة، وبعدها يمكننا أن نستكمل بناء العلاقة. وبدون التأسف والإعتذار تظل الإساءة حاجزاً وتضمحل العلاقة.
وهكذا فإن العلاقات الجيدة تكون دائماً مميزة الرغبة فى الإعتذار والتسامح والتصالح!!
إن مفتاح العلاقات الجيدة هو دراسة لغات الإعتذار، لكى نكون قادرين على أن نتحدث بها. وعندما نكون قادرين على التحدث بلغة الآخرين فإن هذا يجعل من السهل أن يسامحوك!! وعندما نفشل فى التحدث بلغتهم، فهذا يجعل التسامح صعباً، لأنهم غير واثقين بإنك تقدم إعتذاراً صادقاً!!
ولذلك فإن فهم وتطبيق لغات الإعتذار الخمس، سوف يرفع بشكل كبير من مستوى علاقاتك!!
فى الفصول الخمس القادمة نحن نقترح الخمس لغات للإعتذار. وفى الفصل السابع سوف نساعدك على إكتشاف لغة الإعتذار الخاصة بك، وبمن حولك، وكيف أن ذلك سوف يقلل من مجهوداتك فى الإعتذار.
والتوازن الموجود فى الكتاب سوف ينظر إلى التحديات التى تعرقل الإعتذار والتسامح.
وهناك مقولة خاطئة أن الحب لا يحتاج إلى إعتذار. وهذا غير صحيح، لأن الحب هو الذى يدفعك أن تقول: أنا آسف. إن الحب الحقيقى يتضمن إعتذار الشخص المسئ، وبقبول الإعتذار من الشخص المساء إليه. وهذا هو الطريق الوحيد لإستعادة علاقات الحب.
والبداية هى دائماً أن نتعلم اللغة الصحيحة للإعتذار عندما نسئ إلى شخص ما!!
والسبب فى وجود كثير من العلاقات الباردة هو أننا نفشل فى الإعتذار. والإعتذار الصادق يخفف آلام الشعور بالذنب.
ونحن نتصور الضمير كأنه وعاء معلق على ظهرك، وكلما أخطأت فى حق شخص، فإنك تضيف جالون من سائل ما فى وعائك. وإذا سقطت فى ثلاثة أو أربعة اخطاء فإن ضميرك سوف يمتلئ تماماً، وتصبح مثقل الضمير. والضمير الممتلئ يجعل الشخص شاعراً بالذنب والخجل. والطريق الوحيد لتفريغ هذا الوعاء هو الإعتذار إلى الله والشخص الذى أسأت إليه[]. وعندما يحدث هذا فإنك تستطيع أن تنظر فى وجه الله وتنظر إلى نفسك فى المرآة، وتنظر فى عيون الآخرين، وليس لأنك كامل، ولكن لأن لديك الرغبة فى تحمل المسئولية عن أخطاءك.
وحين كنا أطفال ربما نكون قد تعلمنا أو لم نتعلم فن الإعتذار، وفى العلاقات الجيدة التى تعيش فى مناخ سوى، فإن الوالدين يعلمون أولادهم كيف يعتذرون. ولكن هناك أطفال كثيرين نموا فى عائلاتهم تتعامل بشكل غير سوى، فيكون طريقهم فى الحياة هو الغضب والألم والمرارة لأنهم لم يعرفوا طريق الإعتذار.
هل يمكن أن نتعلم الإعتذار؟
إن الخبر السار، هو إنه يمكن أن نتعلم فن الإعتذار. وما إكتشفناه فى أبحاثنا، هو أنه يوجد خمس أوجه للإعتذار ونطلق عليها:
لغات الأعتذار الخمس
وكل منها مهم. ولكن بالنسبة للشخص الواحد فإنه يمكن أن تكفى لغة أو أثنتين لكى تصل إلى الهدف (الإعتذار) بكفاءة أكثر من اللغات الأخرى!!
[] وفى العقيدة والتقليد الأرثوذكسى، يلزم مع الإعتذار لله والإعتذار للشخص الذى أسأت إليه أن تعترف لدى الكاهن لتأخذ الحل والغفران بعد إعتذارك لله وللشخص الذى أخطأت فى حقه.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- الفصل الأول لماذا الإعتذار؟
- الفصل الثانى التعبير عن الندم
- الفصل الثالث تحمل المسئولية «الأعتراف بالخطأ»
- الفصل الرابع التعويض عما تم إفساده
- الفصل الخامس الندم الصادق
- الفصل السادس طلب الصفح والغفران
- الفصل السابع إكتشاف لغتك الأساسية للإعتذار
- الفصل الثامن الإعتذار هو إختيار
- الفصل التاسع تعلم أن تسامح وتغفر
- الفصل العاشر الإعتذار داخل الأسرة
- الفصل الحادى عشر علَّم طفلك أن يعتذر
- الفصل الثانى عشر الإعتذار فى وقت الخطوبة
- الفصل الثالث عشر الإعتذار فى العمل
- الفصل الرابع عشر الإعتذار للنفس
- الفصل الخامس عشر ماذا لو تعلمنا جميعاً أن نعتذر أعتذاراً فعالاً
- الفصل السادس عشر هل يمكن الإعتذار فى الكنيسة؟
- الملاحق