الفصل الثامن الإعتذار هو إختيار

الفصل الثامن الإعتذار هو إختيار

ماذا لو؟

لقد سمعت كثيراً من الأسئلة:

1 - ماذا لو لم أريد أن أعتذر؟

لقد قال أحد الأزواج: أعرف أننى أخطأت، ولكن هى أيضاً قد أخطأت، وفى الحقيقة تصرفاتها هى السبب لكل هذه المتاعب، ولماذا يجب أن أعتذر وهى التى بدأت المشاكل.

أننى أعرف أزواجاً قضوا ما يقرب من 30 سنة فى نفس المنزل ولكن غرباء عن بعضهما بعضاً (متوسط عمر الرجال والنساء 75 سنة) وكلاً منهما يتوقع أن الآخر سوف يبدأ بالإعتذار.

وقال لى أحد الأزواج أنه وزوجته قضيا 20 سنة بدون أن يعتذر هو ولا زوجته لبعضهما. وهو أيضاً لا يتذكر السبب الأساسى لخلافاتهما. ولكن كل ما يعرف هو أن زوته تصر على أنه هو الذى يجب أن يعتذر، وهو لا يظن أنه مديون لها بالإعتذار، بل يظن أنها هى التى يجب أن تعتذر.

وتناقشنا كثيراً عن من الذى يجب أن يعتذر لمن وبعدها ينتهى الحوار بالصمت.

ولسوء الحظ أن مثل هذه النماذج ليست بالقليلة، فأنا أعرف أخوين إستمرا فى خصام دام 19 سنة لأن أحدهما ظن أن الآخر سلبه حقه فى إحدى الصفقات التجارية، ولكن الأخ الآخر قال: أنا قلت الحقيقة (ولم أسلب منه شيئاً وهذه كانت النهاية لعلاقتهما من 19 سنة ولا يوجد بينهما أى كلمة واحدة، بالرغم من أنهما يعيشان فى نفس البلد ونفس المدينة. إنها حقاً مأساة عندما يقرر الناس أن لا يعتذروا.

2 - لماذا لا يعتذر الناس؟

أولاً: لا تستحق المجهود.

لماذا يختار الناس أن لا يعتذروا؟ أحياناً يكون السبب هو عدم تقديرهم لعلاقة ما. وربما يكون السبب هو وجود بعض الرواسب من الماضى جعلت كثيراً من الأسى والمضايقة فى أعماقهم من الآخرين.

كما قالت سيدة عن أختها، أنا لم أعد أريد هذه العلاقة، لأنه مهما حاولتُ ومهما فعلتُ، فهذا غير كافً بالنسبة لها. فأنا دائماً مخطئة فى حقها، فهى كثيراً ما تجرحنى فى مواقف عديدة. وأخيراً أنا قررت أن هذه العلاقة لم تعد تستحق المجهود لكى أحفظ بها. وأنا أحتفظ بكل الأرقام التى أرغب أن أرد عليها. وعندما يظهر رقمها فأنا لا ارد عليها. لأن كل ما تفعله أختى هى أن تلومنى. فوجدت أنه من الأفضل أن لا أتكلم معها. وعندما نذهب لزيارة والدتى وأجد سيارة أختى أمام المنزل فأنا لا أدخل.

فهذه السيدة قررت بداخلها أن لا تعطى لهذه العلاقة أى أهمية. ولذلك فهى ليست متحمسة لكى تقدم لأختها أى إعتذار عن سلوكها المدمر لهذه العلاقة!!

ثانياً: الآخر هو المخطئ:

السبب الثانى الذى يجعل الناس لا تعتذر هو إحساسهم بأن تصرفاتهم كان لها ما يبررها، وأن الطرف الآخر هو المخطئ. وهذا هو المفهوم السئ الشائع فى هذه الحياة، وكثيراً من الناس يمارسونه، ولكنه معاكس تماماً لفكر الإنجيل:

لا تجازوا عن شر بشر!!

حسب طاقاتكم سالموا جميع الناس!!

لا تنتقموا لأنفسكم لأنه مكتوب لى النقمة أنا أجازى بقول الرب!!

إن الشخص الذى يبرر أخطاءه وتصرفاته السيئة هو يخدع نفسه. والشخص الذى يقول إنه لم يفعل شيئاً يستحق الإعتذار عنه هو (أو هى) لا يعيش فى الواقع.

فجميعنا أحياناً نقوم ببعض التصرفات المهينة، والتى لا تخلو من النقد للآخر، أو التى يغلب عليها عدم المحبة، وأحياناً أخرى نجرح الآخرين ونتصرف بطريقة تدمر علاقاتنا بهم.

والشخص الذى يرفض أن يعترف بأهمية الإعتذار هو شخص إمتلأت حياته بكثير من العلاقات المهمشة.

ثالثاً: التدنى فى تقدير الذات. كيف نغيره؟

عادة الضمائر التى تميل إلى القاء اللوم على الآخر، دائماً ما تكون مصاحبة بتدنى فى تقدير الذات. فهم تعلموا من والديهم أن الإعتذار بالضرورة يشير إلى الضعف.

والوالدان اللذان يمارسان هذه الفلسفة كمنهج لحياتهم، عادة ما يعانون من تدنى فى الشعور بالذات فيما يؤمنون بأن الإعتذار هو شعور بالضعف، والوالدين يلقيان اللوم على الأطفال والأطفال حين يكبرون يلقون اللوم على الجيل الذى بعدهم. وهؤلاء الناس يحتاجون للمساعدة لكى يتعاملوا مع هذه الأفكار والسلوك والمشاعر الخاطئة المغروسة فيهم.

ما لا يعرفه هؤلاء الناس هو أن الإعتذار يرفع من إحترام الذات، فالناس تحترم الرجل أو المرأة الذين هم على إستعداد لتحمل مسئولية أخطائهم أو إخفاقاتهم وعلى الجانب الآخر فإن الذين يحاولون إخفاء أو إيجاد مبررات لتصرفاتهم الخاطئة سوف يفقدون دائماً ثقة الناس بهم وهذ سوف يجعل من مشكلة عدم إحترام الشخص لذاته أكثر سوءاً.

ومع ذلك فإن الشخص الذى تربى على هذه السلوكيات السلبية (التفكير بأن الإعتذار نوع من الضعف) سوف نجده صعباً عليه أن يفهم هذه الحقيقة (أن عدم الإعتذار يجعله أكثر سوءاً).

وليفهم الذين يرفضون الإعتذار، بأن الإعتذار يزيد من إحترام الآخر بل وإحترام الناس أيضاً!!

إننى أنصح كل الناس بأهمية الإعتذار جداً عندما يكون لديهم الفرصة لهذا.

أننى أنصح كل قارئ بضرورة أن يرى أى متخصص إذا كان يعانى من:

1 - تدنى الشعور بالذات (أى الشعور بالنقص)

2 - الضمير الغير مستيقظ

3 - الرغبة فى إلقاء اللوم على الاخرين بإستمرار.

إن علاقاتك لم ولن تصل إلى المستوى المرغوب فيه، إلى أن تتعلم كيف تعتذر. وإنك فى الحقيقة تجرح بشدة أشخاص هامة فى حياتك بسبب عدم رغبتك فى الإعتذار.

3 - ماذا لو لم أستطيع أن أتعلم لغة اعتذار الطرف الآخر؟

وهذا هو السؤال الذى كنت أسمعه دائماً عندما كنت أشارك الناس فكرة لغات الإعتذار الخمس.

وهؤلاء الناس كانوا صادقين فى رغبتهم كيف أن يعتذروا بطريقة فعالة، وكانت لديهم الأمانة الكافية ليقولوا: نحن لم نتعلم التكلم بلغات الإعتذار هذه من قبل.

ما درجة الصعوبة فى تعلم لغة لم نتكلم بها من قبل؟

حقاً بالنسبة لبعض الناس توجد صعوبة فى أن يتحدثوا لغة إعتذار لم يعتادوها من قبل. وهذا كله مرتبط بما نكون قد تعلمناه ونحن أطفال وحتى ونحن بالغين.

الأخبار السارة هى أن كل هذه اللغات للإعتذار سهلة التعلم، وأن كثير من الناس قالوا أنهم وجدوا صعوبة فى البداية فى تعلم هذه اللغات ولكن أشاروا بعد ذلك على قدرتهم على تعلم لغات الإعتذار

.

4 - القدرة على التعبير على الندم:

حين طلبت إحدى الزوجات من زوجها أن يعتذر عما فعله، أجابها قائلاً: قد تعلمت منذ الصغر أن الرجل الحقيقى لا يعتذر، وأنا لا أعتقد أننى سوف أقول كلمات الإعتذار هذه.

ولكنها قالت له أن الرجال الحقيقيون يعتذرون، ويقولون نحن آسفون عندما يلاحظوا أنهم جرحوا شخصاً ما يحبونه.

5 - قبول المسئولية:

قبول المسئولية فى الإعتذار هو الإعتراف بأن الشخص قد أخطأ. وكثير من الناس لم يتعلموا هذا الأمر.

وبالنسبة لهؤلاء الذين يجدون صعوبة فى القول: أنا مخطئ، أقترح عليهم التمرين الآتى:

اكتب الكلمات الاتية فى ورقة: (أنا لست كاملاً وأحياناً أرتكب أخطاء وأحياناً أتكلم وأحياناً أتصرف بطريقة تجرح الآخرين. وأعرف أن لغة الإعتذار التى يفهمها الشخص الآخر، هى قبول المسئولية عن تصرفاتى وسلوكى. وأنا أخطأت لأننى تصرفت هكذا. ولذلك سوف أتعلم أن أقول هذه الكلمات.).

وإقرأ هذه الكلمات بصوت مرتفع. وبعدها كرر هذه الكلمات:

(أنا مخطئ. لم يكن من اللائق أن أفعل هذا) عدة مرات أمام المرآة. وإكسر الحاجز، بأن تقول مالم ترغب فى قوله. وهذه هى الخطوة الأولى أن تتكلموا لغة قبول المسئولية وتمارسها. وأن تقبل المسئولية عن سلوكك هو أن تعترف بأن ليس أحد منا كامل: أنا غير كامل وأحيناً أتكلم وأتصرف بطريقة تجرح الآخرين. وعندما أختار أن أعترف لنفسى أننى إنسان وأننى أرغب فى قبول المسئولية عن أخطائى التى فعلتها، وإننى سوف أعتذر مستخدماً اللغة التى يفهمها الشخص الآخر، حينئذ أكون بالفعل حد أحرزت تقدماً!!

6 - الندم الصادق:

إن القول بأننى نادم، وأننى سوف أعمل جاهداً كى لا أكرر هذا، يعتبر صعباً على بعض الناس.

ولكن التعبير عن الندم هو لكى يعرف الشخص الآخر الذى أخطأنا فى قه أن يتأكد أننا عرفنا خطأنا وأننا نقدر العلاقة معه وأننا نرغب فى أن نحصل على الصفح والغفران.

وأن تعبر عن ندمك معناه أنك سوف تبذل كل ما فى وسعك لكى لا تكرر أخطائك. وهذا المجهود هو الذى سوف يقودك إلى النجاح. ولا شك أن تغيير ما إعتدت عليه لفترة طويلة ليس بالأمر السهل ولكن أول خطوة هى أن تقرر أنك تحتاج إلى التغيير. ومع معونة الله سوف تستطيع أن تسير فى الطريق نحو التغيير الإيجابى. إن غالبية الناس سوف ترغب أن تسامحك عندما نرى أنك تسعى نحو التغيير تى لو أخفقت فى الطريق. إعترف بفشلك وحاول مرة أخرى، فإن هذا سوف يسهل عليك الحصول على الغفران من الآخرين.

ولا تسمح للخوف من الفشل أن يمنعك فى أن تسعى فى الطريق نحو التقدم والنجاح. ولو كان الندم الصادق، هو لغة الإعتذار الأساسية – لمن أخطأت فى حقه – فلا شئ يصلح للإعتذار سوى قولك: أنا سوف أجتهد كى أتغير. وبعد ذلك تصنع خطة لهذا التغيير وتسير عليها لكى تغير من سلوكك.

7 - ماذا لو كنت أعتذر أكثر من اللازم؟

والسؤال الثالث الذى أرغب أن أطرحه هو: ماذا لو كنت تميل أن تعتذر أكثر من اللازم؟

إن البعض يميل إلى الإعتذار معظم الوقت فى اليوم الواحد، وفى أى وقت يجدوا فيه أى إخفاق بينهم وبين الآخرين فهم يعتذرون فى الحال!! والإعتذار أكثر من اللازم له أسباب مختلفة من بينها أن هؤلاء الناس عادة يكونوا مذنبين بالقول أو بالفعل الذى يؤذى مشاعر الآخرين. فهم يعتذرون كثيراً لأنهم يخطئون كثيراً.

والمهم لهؤلاء الناس أن يُكّونوا علاقات سليمة مع الآخرين وأن يقترن إعتذارهم بتغيير سلوكهم

.

والبعض الآخر كثير الإعتذار أكثر من اللازم وذلك بسبب شعورهم بنقص أو تدنى فى تقدير الذات. وهذا يحتاج إلى علاج خاص. وهناك نوع ثالث يميل إلى الإعتذار أكثر من اللازم، وهم الناس الذين يكرهون المشاكل والمناقشات، فهم يرغبون فقط أن يهدأ الموقف سريعاً وأن ترجع الأمور كما كانت. فهم يتقبلون المسئولية ويعتذرو تى لو لم يكن لديهم أى شعور أنهم أخطأوا، ولكنهم يعتذرون فقط لكى تهدأ الأمور فقط، فهم يكرهون عدم الراحة النفسية التى تنتج عن المناقشات الطويلة لأى مشكلة، لذلك يكون أسهل بكثير أن يعتذروا ويقبلوا المسئولية، ويأملوا أن تمر المشكلة بسرعة.

ومن المثير للإعجاب أن كثير من الناس تعتقد أن الشخص المعتذر جيداً هو الذى يعتذر كثيراً حتى لو لم يشعر أنه مخطئاً، وهذا غير صحيح.

8 - السلام الذى يقود إلى الغيظ:

وبالنسبة لهؤلاء الناس الذين يعتذرون أكثر من اللازم، وهم يرغبون فى السلام بأى ثمن ولذلك هم يميلون أن يعترفوا بأخطاء لم يرتكبوها لكى ينهوا المشاكل والعراك مع الآخرين. وهم لذلك يعتبرون أن الهدوء النفسى والعاطفى عندهم أهم بكثير من أن يشعروا أنهم على حق ولكن بالرغم من أن هذه الصفة تبدو إنها شئ جيد ولكنها غالباً ما تقود إلى شعور بالغيظ ينمو مع الوقت.

وهذا هو ما يحدث أن الأمور تبدو هادئة ومستقرة على السطح ولكن بالداخل توجد قنبلة موقوته. ويجب علاج الفشل فى السيطرة على مشاعر الغيظ ومنعها أن تكبر فى الداخل حتى لا يقود ذلك إلى إنفجار وتدمير فى العلاقات مع الآخرين. ويجب أن يعرف هؤلاء الناس بأن السلام بأى ثمن ليس هو الطريق نحو تكوين علاقات هادئة. وأن الإعتذار يجب أن يكون صادقاً. ومعنى أن نعتذر فقط لكى ننهى المشكلة بدلاً من مواجهتها هو أننا لا نبحث عن التصالح الحقيقى وأننا غير صادقين فى إعتذارنا.

وتذكر أن الهدف من الإعتذار هو أن تحصل على الصفح والتصالح مع الشخص الذى أسأت إليه. وسوف نتحدث فى الفصل المقبل عن الغفران. وسوف نطرح سؤالاً: ماذا لو لم يعتذر الشخص المُسئ عن فعله المهين أو الجارح؟

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل التاسع تعلم أن تسامح وتغفر

الفصل السابع إكتشاف لغتك الأساسية للإعتذار

المحتويات
المحتويات