الفصل التاسع تعلم أن تسامح وتغفر

الفصل التاسع تعلم أن تسامح وتغفر

فى هذا الفصل سوف ننتقل من تقديم الإعتذار إلى قبول الإعتذار، وقد يكون الغفران صعباً وخاصة مع الأخطاء الكبيرة، ولكن يجب أن نوضح أن الإحتياج للتسامح دائماً يبدأ مع الإساءة.

والغفران هو قضية أخلاقية. ومعنى الغفران هو أن تقابل الإساءة بالخير.

وإذا لم يكن هناك إساءة أو إهانة أو خطية فما الداعى للتسامح.

والإعتذارات الصادقة لها فى نفس الوقت هدفين:

1 - الشخص المسئ ينال الغفران.

2 - أن تعود العلاقة كما كانت وتتم المصالحة.

ومنح الغفران يكون أسهل بكثير إذا إعتذر الشخص المُسئ إليك بنفس لغة الإعتذار الأساسية التى تقبلها أنت وتشعر خلالها أنه صادق فى إعتذاره.

ومع ذلك لا يزال الغفران هو إختيار. وعندما يعتذر لنا شخص ما عن إساءة يكون لنا الإختيار إما أن نسامح أو نرفض أن نسامح.

1 - قنبلة تنفجر:

حتى الإساءة البسيطة يمكن أن تكون قنبلة تنفجر لكى تدمر السلام داخل أى يشعر الإنسان المهان: ألم – غضب – إحباط – شعور بالخيانة ورفض.

ولا فرق إذا كان المسئ هو زميل فى العمل أو شريك فى تجارة أو أب أو أم أو زو أو زوجة!!

وهناك شعور يظهر فى داخلنا، هو تحقيق العدل وأن نرغب فى أخذ حقنا بيدنا وكثيراً ما نفكر فيما إذا كان الشخص الذى أساء إلينا ربما لا يقصد الإساءة وربما تكتشف أنك قد أخطأت فى الحكم على هذا الشخص وهذا يهدئ من غضبك وتبدأ من جديد فى إعادة العلاقة. ولكن البحث يؤكد ظنونك إنها حقيقة أنه قد أساء إليك وقد جرحك وأهانك لأن كلماته كانت قاسية.

والآن أصبحت الإساءة بمثابة حاجز بينك وبين الشخص الذى أساء إليك وعادة ما تتعقد الأمور نتيجة ردود أفعالنا:

وهذا هو السيناريو الذى كثيراً ما يحدث بين الزوجين!

- هى صرخت فى وجهى فصرخت فى وجهها!!

- هى فدعتنى وأنا دفعتها!!

- هى أهانتنى وأنا أهنتها!!

- والآن أصبح كل منهما مخطئ. وإذا لم يقرر كلاهما أن يعتذر للآخر وأن يجتاز معاً أن يسامح بعضهما بعضاً، فإن الاجز النفسى لا يمكن أن يزال أبداً!!

ولأن الكل قد أخطأ، ولا أحد كامل أو صالح، فنحن نفشل أحياناً فى أن نعامل بعضنا بعضاً بحب وإحترام وكرامة.

ولهذا أصبح الإعتذار والغفران عنصران هامان لتكوين علاقات ناجحة.

من يعتذر أولاً؟ ليس هذا هو الأمر الهام ولكن المهم أن كلاهما (الزوج والزوجة) يجب أن يعتذرا!!!

والإعتذار يقود إلى الغفران. وهيا نتحدث عن فن الغفران.

كيف تغفر وتسامح

1 - ما هو الغفران:

أولاً: يجب أن نوضح أن معنى كلمة الغفران فى العبرية لها ثلاث ألفاظ وفى اليونانية لها أربع كلمات وجميعها تعنى الغفران. وفى اللغة الإنجليزية – فى ترجمة الكتاب المقدس – كلمة واحدة تفسر الغفران. وهناك إختلاف طفيف فى جوهر المعنى. ومفتاح الفكرة هى: تغطية – أو رفع – أو إزالة – وأن تعتذر – وأن تكون رحيماً، ولكن الفكرة الأكثر شيوعاً هى قول المزمور: كبعد المشرق عن المغرب هكذا رفع عنا معاصينا. وهذا المزمور يتحدث عن الغفران الذى يعطيه الله لنا. ولهذا فإن غفران الله لنا يحرر الإنسان من كم الله، ومن الجزاء الذى يجب أن يعاقب به الإنسان نتيجة معاصيه كحسب قانون الله.

ويشدد الإنجيل على هذه الفكرة بقوله: لم يعاملنا بحسب ما نستحق عن خطايانا، أو لم يجازينا كحسب معاصينا.

وقد تحدث إشعياء النبى عن الله قائلاً: إنه محا عنا معاصينا ولم يعد يذكرها بعد. ولذلك أصبح من الواضح أن غفران الله يعنى أن معاصينا لم تعد تقف كحاجز بيننا وبين الله. والغفران أزال هذه المسافة وسمح لنا بصداقة مع الله.

إن التسامح والغفران معناه أن نختار أن نترك الجزاء، وأن نعتذر ونسامح المذنب. بمعنى أن تترك الخطية وتقبل الخاطئ مرة أخرى فى حياتك.

الغفران ليس شعوراً بل هو قراراً. إنه قرار بأن نكمل بناء علاقة جديدة مع الآخر الذى أساء إليك بإزالة الحواجز التى أنشأتها الإساءة.

وإذا كنت أنت الشخص المُساء فى حقه، فإن التسامح معناه أنك سوف لا تسعى أن تنتقم لنفسك، وانك سوف لا تسعى أن تطلب الجزاء، إنك لن تسمح للخطأ أن يقف كحاجز بينك وبين الشخص الآخر الذى أساء إليك!! إن التسامح يقود إلى التصالح. ولكن ربما يكون إستعادة الثقة تأخذ وقتاً أطول.

والتصالح معناه أن كلاكما قد ترك الخطية وسار نحو المستقبل مع الآخر.

2 - دائرة الغفران:

الإعتذار جزء هام فى دائرة الغفران. الخطية ترتكب، والإعتذار يقدم عنها، ثم يعطى الغفران!

المثال الإلهى:

مرة أخرى، هذه الدائرة قد رأيناها فى علاقة الله مع البشر. وقد سلم إشعياء النبى هذه الرسالة قديماً إلى شعب بنى إسرائيل قائلاً:

معاصيكم قد أبعدتكم عن الله، خطيتكم قد خبأت وجه الله عنكم، وبالتالى هو سوف لا يسمعكم.

ونحن لم ننفصل قط عن محبة الله، ولكن عدم طاعتنا وعصياننا فصلنا عنه وعن صداقتنا معه.

والعهد الجديد يذكرنا بأن أجرة الخطية هى الموت. والموت هو الصورة النهائية لهذا الإنفصال عن الله. وبالطبع ليس هذا هو ما يريده الله لخليقته. ولذلك أضاف الشاهد سريعاً: أن هبة الله هى حياة أبدية فى يسوع المسيح ربنا.

إن الله يرغب فى تأكيد علاقة صداقة مع خليقته. وهذا كان من أجله الصليب والفداء الذى هو منحه الغفران.

ولكى تعيش غفران الله وتحيا فيه، كان على الناس أن تستجيب لهذا الغفران بالندم والرجوع عن الخطية والإيمان بالرب يسوع المسيح. والرسالة واضحة: إذا كنا نريد أن نحصل على غفران الله يجب أن نعرف خطايانا ونتوب عنها ونقبل غفران الله.

والقديس يوحنا الرسول يقول: إن إعترافنا بخطايانا فهو أمين وعادل أن يغفرها لنا.

ولذلك لكى نستعيد علاقتنا مع الله يجب أن نعرف خطايانا ونعتذر عنها، وفى هذه اللحظة سوف نختبر الحضن الدافئ لأبينا السماوى. وسوف تزول المسافة وتنتهى، ثم نسير فى علاقة صداقة مع الله!!

والإنجيل يقول يجب أن نغفر لبعضنا كما غفر الله لنا[] وهذا هو النموذج الإلهى للغفران وهو النموذج الكامل الحكيم لكى نعتذر بعضنا لبعض على الأرض:

والنموذج يتضمن عنصران أساسيان:

1 - الإعتراف والتوبة من جانب المذنب.

2 - التسامح والغفران من جانب الشخص المُساء فى حقه.

وفى الإنجيل، هذان العنصران لا يمكن أن ينفصلا. ولذلك على المستوى الإنسانى، فإن الإعتذار عنصر هام جداً فى دائرة الحصول على الغفران.

وهذا هو السبب الذى جعلنا نقضى القسم الأول فى الكتاب لنشرح فيه كيف نعتذر بطريقة مقبولة وفعالة. ومع ذلك فإنه بمجرد الإعتذار هذا يترك الخيار للشخص المساء فى حقه إما أن يغفر أو لا يغفر.

وأن تغفر معناه أن تفتح الباب للمصالحة بينك وبين الشخص الآخر.

3 - عندما لا يقدم إعتذار:

ماذا لو لم يقدم الشخص المُسئ إعتذاراً عن أخطائه؟ إذن أنا بمحبة أواجه هذا الشخص المُسئ وهذا المنطق هو ما أوضحه الرب يسوع حين قال:

"وإن أخطأ أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما" (مت 18: 15)

"وإن أخطأ إليك سبع مرات فى اليوم ورجع إليك سبع مرات فى اليوم قائلاً: أنا تائب، فاغفر له" (لو 17: 3 - 4)

وهذا النموذج واضح جداً: خطية قد أرتكبت والمُسئ لم يقدم إعتذاراً سريعاً، فأنت تذهب لتواجهه باحثاً عن إعتذاره، فإذا قدم هذا الإعتذار يجب عليك أن تسامحه. ولا يجب أن يكون هناك حدود لتسامحنا، مادام هذا الشخص يتوب ويعتذر فى كل مرة. ولكن ماذا لو رفض المُسئ أن يعتذر حتى لو واجهناه بخطئه؟ يجب علينا وقتها أن نقترب منه، ونذكر له خطيته ونعطيه الفرصة كى يعتذر. والرب يسوع قد أعطى تعليمات صريحة فى هذا الشأن فقال: "وإن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربت أخاك. وإن لم يسمع منك، فخذ معك أيضاً واحداً أو اثنين" (مت 18: 15 - 19).

ومرة أخرى فإن التعاليم واضحة، والنموذج الذى وضعه الرب يسوع المسيح واضحاً. فأنت تقترب من الشخص المُسئ للمرة الثانية، أو حتى للمرة الثالثة. وفى كل مرة أنت ترغب فى الغفران والمصالحة. وبالطبع من الممكن أن المُسئ لا يرغب فى أن يعترف بخطئه، ولا يرغب أن يعترف أنه يحتاج إلى الغفران، وبالتالى يرفض الإعتذار عن سلوكه الخاطئ. وحتى ذلك الوقت فأنت كإنسان مسيحى يجب أن تصلى لأجل الذى أساء إليك. إسعى أن توصل محبة المسيح للمخطئ فى حقك. وأمل أن يتوب المخطئ فى حقك وأن يذوق الغفران.

من فضلك لاحظ بعمق أن يسوع المسيح قال إننا يجب أن نسامح من أساء إلينا.

"صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم" (مت 5: 44)

.

وقد تكون الإساءة بسيطة جداً كما لو أن الطرف الآخر لم ينجز شيئاً كما تنجزه أنت.

نحن يجب أن نسعى للتغيير للإفضل. وإذا كانت الإساءة بسيطة فيمكن أن نتغاضى عنها. ونتحكم فيها بالإحتمال مرة بالقبول مرة أخرى.

ولكن فشل التسام والغفران يقف كحاجز لا يمكن إزالته إلا بالإعتذار والتسامح.

ولذلك إذا رفض الشخص الإعتذار عن خطئه بعد أن واجهناه به عدة مرات. وقتها، يجب أن نترك هذا الإنسان ليد الله ليتصرف معه، بدلاً من أن نسعى إلى رد الإهانة أو نثأر لأنفسنا.

ولقد علمنا الكتاب المقدس أن النقمة لله وحده وليس للإنسان. والسبب فى ذلك أن الله وحده هو الذى يعلم كل شئ عن هذا الإنسان، ليس فقط عن تصرفاته ولكن أيضاً عما بداخله. فالله وحده هو الديان العادل.

4 - أن نترك الإنسان فى يد الله:

فالإنسان الذى يشعر بجر من الآخرين الذين أساءوا فى حقه وأهانوه أو ظلموه، أن يترك للرب العالم بكل الخطايا والقادر تماماً أن يعمل ما هو عادل وما هو صحيح تجاه هذا الشخص (المخطئ).

وهذا ما قاله القديس بطرس الرسول تلميذ الرب يسوع المسيح: "والذى (أى المسيح) إذا شُتم لم يكن يَشتم عوضاً، وإذ تألم لم يكن يهدد (أى لم يكن ينتقم) بل كان يسلم لمن يقضى بعدل" (1بط 2: 32).

إن يسوع كإنسان لم ينتقم لنفسه من هؤلاء الذين أساءوا إليه، ولكن قد سلم الموقف كله ليد الله (الآب) عالماً أن الله (الآب) سوف يحكم بالعدل.

والذى يحدث عادة ين يخطئ الآخرون فى حقنا، إننا نظن أننا لو لم نطالب بحقنا فإنه لن يطالب أى أحد به. ولكن يجب أن تُحَول صديقك الذى أخطأ فى حقك والخطية (الإساءة) التى إرتكبها ضدك إلى الله. عالماً أن الله سوف يفعل أفضل شئ لمصلحتك، لأنه مهتم بالصلاح أكثر منك. ومجرد أن تترك هذا الإنسان (الذى أخطأ فى حقك) لله فيكون هذا هو الوقت الذى تعترف فيه أنت أيضاً بخطاياك.

وتذكر أن الغضب يتسبب فى سلوكيات تجعلنا نخطئ، وذلك عندما ننفجر بكلمات أو تصرفات هدامه يجب أن نعترف بها أمام الله، وأمام الشخص الذى أخطأنا فى حقه. ولا نسمح لعدم رغبة الشخص الآخر فى الإعتذار أن تكون سبباً أن تمنعك أيضاً فى الإعتذار.

وعندما تعتذر فإنك سوف تكون قادراً أن تنظر إلى نفسك على أنك شخص راغب وقادر على الإعتراف بخطئك.

5 - التسامح عندما لا يتحدث المعتذر لغة الإعتذار التى تفضلها:

ماذا لو إعتذر الشخص، ولكن لم يتحدث لغة الإعتذار التى نفضلها، عادة هذا هو ما يحدث. وهذا هو ما حركنا لكتابة هذا الكتاب. لأننا نحن نعلم أن هناك آلاف من الناس تقدم إعتذارات صادقة، ولكن لم يستطع الطرف الآخر أن يفهم مقدار صدق المعتذر وذلك لأنهم (الذين أساءوا إلى آخرين) فشلوا أن يتكلموا لغة الإعتذار المفضلة لدى المسيئين فى حقهم.

ولسوف يكون نافعاً، لو قرأ كل شخص هذا الكتاب، وتعلم لغة الإعتذار التى يفهمها من حوله. ومع ذلك – حتى يتم قراءة هذا الكتاب بالكامل – فإن تفهمك للغات الإعتذار الخمس سوف تساعدك أن ترى ما فى قلوبهم. ووجهه النظر هذه سوف تساعدك أن تسامحهم حتى لو لم يتحدث لغة الإعتذار المقبولة لديك.

6 - خطورة أن تسامح بسهولة:

البعض منا تعلم أثناء طفولته أن يسامح ويغفر غفراناً مطلقاً وسريعاً، حتى لو اعتذر الطرف الآخر بأى طريقة. ولكن الرغبة فى الغفران بدون أن تسأل عن صدق المعتذر، فإننا بذلك سوف نعتاد على تدمير العلاقات. ولذلك يجب أن نتأكد من مصداقية وتوبة الشخص الذى أساء فى حقنا قبل أن تسامح وتغفر. ويجب أن تتعامل مع السبب وليس مع التصرف ذاته، إذا كنا ننوى أن نرى تغييراً صادقاً يدوم لوقت طويل.

7 - أحتاج لبعض الوقت:

أشرنا سابقاً إلى أن هناك إجابتان شائعتان للرد على الإعتذار. إما أن يسامح الشخص المُساء فى حقه، أولاً يسامح. وفى الواقع توجد إجابة ثالثة وهى: (اعطنى وقتاً لكى أفكر).

(أريد أن أسامحك ولكن أحتاج إلى وقت ما كى أتعامل مع كل ما فعلت.) إننا أحياناً نجرح بعمق، وأحياناً لا نستطيع أن نتجاوز الألم النفسى أو العاطفى أوالجسدى لكى نمنح الغفران. نحتاج إلى وقت لكى نعالج ما بداخلنا، لكى نستعيد توازننا النفسى، وأحياناً لإستعادة حالتنا الصحية، وهذا كله يساعدنا أن نمنح الغفران. ويجب أن يصلى الشخص المساء فى حقه وأن يلقى مشاعره كلها فى يد الله ولا يسمح لآلامه أن تحوله إلى الشعور بالمرارة والكراهية.

8 - بناء الثقة:

وهذا يقودنا إلى قضية بناء الثقة. إن التسامح والثقة لا يمكن أن يتساويان. لأن التسامح هو قرار يمكن أن تصل إليه مباشرة بعد أن تسمع إعتذاراً تشعر فيه بمصداقية الشخص المعتذر. ولكن الثقة ليست قرار بل هى مشاعر.

الثقة هى أن نصل إلى درجة من التأكد الداخلى أن المعتذر سوف يفعل ما يقوله. ومن الواضح أن الثقة هى تصور عقلى: (أنا أختار أن أصدق أنك شخص نزيه يمكن أن أثق فيك) ولكن هذا التصور مغروس فى تربة المشاعر. والثقة هى الشعور العاطفى بأننى أستطيع أن أرتاح وأنا معك. ولا أشك فيك وأنا معك مثل القول:

(يمكن أن أخيب مشاعرى وألتمس لك العذر قائلاً: إنك لم تجرنى عن عمد).

وفى معظم العلاقات، الثقة تبنى فى أول مراحل العلاقة، إلا إذا كنا قد جرحنا بعمق فى الماضى.

ونحن نميل أن نصدق الناس كما هم يزعمون عن أنفسهم، فإذا وجدت فى الشهور الأولى من العلاقة أنه لا سبب لكى نشك فى الآخر فإن الثقة المبدئية تكون عميقة وثابتة.

الثقة إذاً هى الشعور الطبيعى لشخص ما فى علاقة سليمة وصحية. الأصدقاء يثقون فى بعضهم بعضاً، والأزواج والزوات يثقون فى بعضهم بعضاً، الزملاء القريبين فى العمل يثقون فى بعضهم بعضاً.

ولكن عندما تخون الثقة فهى لا تنمو مرة أخرى فى الحال بعد الإعتذار والغفران، لأن الثقة تكون قد تباعدت. لأن الشخص الذى أساء وأخطأ يكون قد أثبت أنه غير جدير بها.

ولكن إذا كان المخطئ صادقاً فى إعتذاره فسوف يقول له الشخص المُساء فى حقه:

(أنا سوف أسامحك لأننى اعتقد أنك صادق فى إعتذارك. ولكن حتى أكون اكثر أمانة معك، أنا لم أعد أثق فيك بنفس العمق الذى كانت عليه ثقتى بك فى الماضى).

وأود أن أصّور الثقة على إنها بذرة رطبة. وعندما تنتهك الثقة فهى كأنك دهست البذرة وسحقتها فى الطين.

والشمس والمطر يمكن أن يساعدا هذه البذرة لكى تنمو مرة اخرى تدريجياً. ولكن هذا الذى حدث ليلة وضحاها يجعلنا نسأل: كيف لنا أن نعيد بناء الثقة التى أنتهكت فى علاقة ما؟

الإجابة هى أن تصبح شخصاً يستق الثقة بسرعة. ولا شك أن الإعتذار الصادق والتسامح يفتا الباب إلى إمكانية إستعادة الثقة مرة أخرى. ولكن كيف يحدث هذا؟

ومن خلال خبرتى فى التعامل مع الأزواج والزوجات خلال سنوات طويلة، فإن الثقة تنمو بشكل سريع عندما يختار الشخص المُسئ أن يفتح حياته الخاصة أمام الطرف المُساء فى حقه.

على سبيل المثال، لو كانت المشكلة فى منطقة الماديات فيكون الحل كالآتى كأن يقول الزوج الذى أساء إلى زوجته وجرح مشاعرها فى نواحى مالية ما يلى:

(هذا هو حسابى وهذا دفتر شيكاتى، وهذه سنداتى وأسهمى، وبيان كل ممتلكاتى عَليك أن تطلعى وتعرفى كل أمورى المادية) أما إذا كان الخطأ فى دائرة الخيانة الزوجية فيمكن أن يسمح للطرف الآخر الذى جرحت مشاعره أن يتعرف على كل المكالمات والأرقام التى ترسل أو تستقبل ويسمح له (اولاً) أن يتطلع على كل وسائل الإتصالات ويعطى تفاصيل عن كل ما يفعله طوال الوقت. ويسمح للطرف الآخر أن يتصل تليفونياً بمن يرغب حتى يتأكد من مصداقيته. والثقة لا تنمو فى حضن الشك، ولكن تنمو حين تفتح حياتك تماماً للطرف الآخر وأن تكون بلا أسرار. وإذا إخترت أن تكون شخصاً موثوقاً فيه (خلال فترة الخلافات والإساءة والجروح) فإن رفيقك سوف يستعيد ثقته مرة أخرى. ولكن إذا إستمريت ان تكون شخصاً لا يمكن أن يوثق فيه خلال الكذب والخداع وإخفاء الأمور وتقديم الأعذار، فإن الثقة لا يمكن أن تولد من جديد.

الأمل الوحيد للثقة حتى حيا هو الشمس والمطر، فهما فن النزاهة فى المعاملة. ولأن الثقة عملية ليست سهلة وتحتاج إلى وقت، فإن كثير من الناس يقولون أحياناً:

(أعتقد أننى سامحت رفيقى، ولكن بعد عدة أيام أشعر أننى لم أسامحه، لأننى فى الحقيقة لا أثق فيه).

ومعاناة الناس تأتى من أنهم لا يفرقون بين التسامح والثقة. التسامح والغفران هو إختيارنا أن تترك الجزاء والعقوبة، وأن نسمح للشخص الذى أساء فى حقنا أن يدخل حياتنا مرة أخرى، وبالتالى يمكن للعلاقة أن تستمر وتنمو، ولكن على الجانب الآخر فإن الثقة تعود على مراحل.

وعندما يحدث تغيير فى السلوك خلال فترة قصيرة بعد الإعتذار، فإنك تشعر أنك أكثر إرتياحاُ وتفاؤلاً بالنسبة للطرف الآخر. وإذا إستمر الحال على ذلك لفترة سوف تمنحه ثقتك تدريجياً مرة أخرى.

9 - إستكمال الدائرة:

التسامح لديه القدرة كى يعطى حياة جديدة للعلاقات. وحين تختار أن لا تسامح فهذا يعنى أنك حكمت على علاقة ما بالإعدام. فبدون الغفران تموت العلاقات، ومع الغفران يمكن أن تقوى العلاقات، وتتغذى حياة الأفراد بداخل هذه العلاقات. ومن الصعب تجاهل قوة الغفران. فهو الهدف من كل إعتذار صادق. ولو لم يمنح الغفران فإن الإعتذار سوف يكون معلقاً كسلك كهرباء منفصل عن الجهاز.

الإعتذار وده لا يمكن أن يعيد العلاقة، ولكن الإعتذار هو طلب للحصول على الغفران. وهبة الغفران هى التى تستعيد العلاقات وتكمل الدائرة التى تقود إلى المصالحة. وبدون الغفران فإن الهدف من الإعتذار سوف يفشل ويحبط.

10 - ما الذى لا يستطيع أن يفعله الغفران:

دعنى أوض لك بسرعة أن الغفران لا يزيل كل النتائح الناتجة عن الإساءة. فإذا فقد رجل ما أعصابه وضرب زوجته وكسر لها فكها. فهل إعتذاره عن خطئه سيكون صادقاً. وهل يمكن للزوجة أن تسامحه تماماً. إن فكها سوف يظل مكسوراً. ويمكن أن يسبب لها متاعب لمدد طويلة.

ولو أن شاباً أدمن المخدرات وتأثرت قدراته العقلية فحتى لو إعتذر بصدق لوالديه وسامحاه، وحتى لو إعتذر أصدقاء السوء الذين وضعوه فى ذلك الموقف فلسوف يظل يعانى من الإضطرابات العقلية الناتجة عن الإدمان. إنها واحدة من الحقائق فى حياتنا، إنه عندما نرتكب تصرفاً معيناً أو نقول كلمات معينة تجرح شخصاً آخر فإن هناك نتائج لهذه التصرفات أو الكلمات ولا يمكن أن تزال آثارها بالكامل لو حصلنا على الغفران. وهذه هى الحقيقة الأولى.

أما الحقيقة الثانية هى أن الغفران لا يزيل الألم فى المشاعر أيضاً. الزوجة يمكن أن تسامح زوجها بعد أن ضربها فى ثورة غضب. ولكن حين تفكر فيما فعل، فهى تشعر مرة أخرى بالإحباط والألم والرفض.

إن التسامح ليس هو شعوراً دائماً، بل هو قرار بأن تقبل الشخص (الذى أساء إليك) مما فعله فيك. هو قرار بأن لا تطالب بتحقيق العدالة والجزاء والعقاب ولكن بأن ترم وتسامح وتغفر. الغفران لا يزيل تأثير الفعل فى الذهن. وفيما نحن نتدث عن الغفران نحن عادة لا ننسى الإساءة.

وكل ما حدث فى حياتنا مسجل فى أذهاننا، ومن المحتمل جداً أن يعود فى أى لحظة إلى أعماقنا وأنفسنا مرات ومرات.

وإذا إخترنا أن نسامح فنحن نسلم ذاكرتنا ليد الله ومعها المشاعر الجريحة. وتعترف لله بما نفكر وبما نشعر، ولكن نشكره لأن بنعمته إستطعنا أن نسامح ونطلب منه القوة أن نصنع رحمة مع ذلك الشخص الذى أساء إلينا.

نحن نختار أن نركز على المستقبل، ولا نسمح لأذهاننا بأن نركز فقط على الإخفاقات الماضية التى أعطينا عنها غفراناً.


[] مسامحين بعضكم بعضاً إن كان لأحد على أحد شكوى. كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم ايضاً.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل العاشر الإعتذار داخل الأسرة

الفصل الثامن الإعتذار هو إختيار

المحتويات
المحتويات