الإدانة

الإدانة

«الشياطين تحثنا على أن نخطئ، فان لم نطعها، حثتنا على أن نديم من يخطئ».

(القديس يوحنا الدرجى).

خطورة خطية الادانة.

أسباب الادانة.

لماذا يجب ألا ندين؟

عاقبة الادانة.

كيف نتخلص من الادانة؟

ما هى مشاعرك تجاه بعض الناس؟

هل تنقد أفعالهم وتصرفاتهم، وتستقبح أعمالهم كما تراها ظاهرة؟ وهل تحتفظ بهذه المشاعر والافكار فى أعماقك أم تعلنها بالكلام باسم الغيرة على الفضيلة والحق؟! سواء هذا أم ذاك، فاعلم أن هذه هى خطيئة الادانة التى حذرنا منها السيد المسيح بقوله.

«لا تدينوا لكى لا تدانوا، لانكم بالدينونة التى بها تدينون تدانون، وبالكيل الذى به تكيلون يكال لكم» (مت 7: 1)).

خطورة خطية الإدانة

لعل خطورة هذه الخطية تنشأ عن:

1 - عدم احساس الكثيرين بها،

ومن ثم لا يبذلون كثير جهد فى مقاومتها والتخلص منها. فالشاب يحزن جداً لسقطات الشهوة، ويتحفظ جداً من أسبابها، ويعتبرها مقياسا لفضيلته، بينما لا يأبه لتنقية ذاته من خطية الادانة، التى قد تكون حرب الشهوة تأديباً له عنها، كما سنرى.

2 - ارتباط هذه الخطية بأمور حسية يراها الانسان أو يسمعها.

فالحواس الجسدية هى التى توقفنا فى مبدأ الامر، وجها لوجه أمام هذه الخطية. والخطورة هنا فى كيفية تخلص الانسان من واقعية ما وقف عليه بحواسه، واقناع ذاته بغير ما رأى أو سمع.

3 - اغتصاب الانسان حقاً من حقوق الله،

التى لم يعطها لاحد من البشر أو الملائكة والمرء يعجب كيف أن الناس يتهاونون فى أمر هذه الخطية، التى – فى التحفظ – منها ضمان للميراث الابدى. ان كانت غاية جهادنا الروحى هى الا ندان مع العالم فى اليوم الاخير، بمعنى اننا لا نوجد مدانين أمام الله، فان التحفظ من هذه الخطية يقدم لنا طريقاً سهلة لبلوغ ذلك كقول الرب.

«لا تدينوا فلا تدانوا. لا تقضوا على أحد فلا يقضى عليكم. اغفروا يغفر لكم» (لو 6: 37)).

قصة:

وقد أورد كتاب بستان الرهبان قصة شيقة تأكيدا لهذا المعنى، رواها القديس انسطاسيوس السينائى قال: كان أخ من الرهبان، يسير بتوان كثير، يسكن فى دير. ولما حانت ساعة انتقاله شوهد أنه غير جزع من الموت، بل كانت نفسه فى حالة فرح كامل وسرور شامل. وكان الآباء وقتئذ جلوساً حوله كما هو المتبع فى الاديرة فى أمثال هذا الظرف. فقال أحد الآباء الشيوخ للاخ الذى فى النزع الأخير «يا أخانا نحن نعلم انك أجزت عمرك بكل توان وتفريط. فمن أين لك هذا الفرح والسرور وعدم الهم فى هذه الساعة؟ اننا بالحقيقة لا نعلم السر، ولكن بقوة الله ربنا، تقو واجلس واخبرنا عن أمرك العجيب هذا، ليعرف كل منا عظائم الله». وللوقت تقوى ذلك الاخ وجلس وقال «نعم يا آبائى المكرمين، لقد جزت عمرى كله بالتوانى والنوم: الا أنه حدث الآن فى هذه الساعة، أن أحضر لى الملائكة كتاب أعمالى التى عملتها منذ أن ترهبت وقالوا لى «أتعرف هذا؟ » قلت «نعم هذا هو عملى، وأنا أعرفه. ولكن من وقت أن صرت راهباً، ما دنت أحدا من الناس قط، ولانممت قط ولا رقدت وفى قلبى حقد على أحد، ولا غضب البتة. وأنا أرجو أن يكمل فى قول الرب يسوع المسيح القائل «لا تدينوا لكى لا تدانوا. أتركوا يترك لكم» فلما قلت هذا القول تمزق للوقت كتاب خطاياى بسبب اتمام هذه الوصية الصغيرة». واذ فرغ من هذا الكلام اسلم الروح، فانتفع الاخوة بذلك وسبحوا الله.

ونود أن نلفت النظر الى لفظ «التهاون» الذى ورد أكثر من مرة فى هذه القصة. ليس المقصود به حياة الخطية أو البعد عن الله، والا لما أمكن أن تكون خاتمة القصة على النحو الذى رأيناه. بل المقصود أن ذلك الراهب لم تكن له فضائل بارزة، كما عرف عن الآباء النساك فى ذلك الوقت.

أرأيت يا أخانا كيف أن حفظ هذه الوصية «لا تدينوا» قادر أن ينجيك من الدينونة الابدية برحمة الهنا؟! فافتح قلبك الآن اذن، لتقف على أسبابها وطرق علاجها.

بستان الروح جزء أول - الأنبا يؤانس الغربية 1
.

أسباب الإدانة

1 - كبرياء النفس:

الادانة بنت أمينة من بنات الكبرياء، ترضعها وتغذيها وتنميها، وهى بدورها تدعم الكبرياء وتقويها. فمحبة الذات، والرأى المتعالى، يولدان فينا روح الادانة. وفى كل مرة ندين الآخرين، تخطو كبرياؤنا خطوة الى الامام، بما يصاحبها من شعور بالاهمية الشخصية والرضا عن الذات. فلولا شعورى أنى أفضل ممن أدينه، وأنه لا يصدر عنى مثل هذا الفعل الذى أتاه لم أدنته، وهذه هى الكبرياء عينها، أما المتضع فلا يفتح عينيه ليقف على خطايا الآخرين، بل ينظر الى زلاته هو فقط، فيجد أمورا كثيرة ليقف على خطايا الآخرين، بل ينظر الى زلاته هو فقط، فيجد أمورا كثيرة تشغله. قال القديس باخوميوس أب الشركة «لا تحتقر أحدا من الناس، ولا تدنه، ولو رأيته ساقطاً فى الخطية لان الادانة تأتى من تعاظم القلب. أما المتضع فانه يعتبر كل الناس أفضل منه».

2 - شر القلب:

يقول الآباء أن الانسان الذى يدين اخاه على فعل شرير، لابد أن يكون بداخله جذر، ولو بسيط لنفس الخطية، تدفعه تلقائيا الى الحكم على الآخرين. قال رب المجد.

«الانسان الشرير من الكنز الشرير يخرج الشرور» (مت 12: 35)).

فالعين النقية التى بلا شهوة. تنظر فى غير شر الى أفعال الآخرين.

«عيناك أطهر من أن تنظرا الشر» (حب 1: 13)).

وقال السيد المسيح.

«سراج الجسد هو العين. فان كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا. وان كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً» (مت 6: 22).

، 23).

وعلى ذلك فان أفكار الادانة، ليس مصدرها أفعال الآخرين الخاطئة فقط، بل أيضاً شر القلب ذاته. فأشعة الشمس الناصعة تنفذ من الزجاج وتتشكل بعد نفاذها بلونه. فاذا سقطت على لوح زجاجى لونه أحمر، نفذت من الوجه الآخر زرقاء اللون وهكذا.. وليس العيب هنا هو عيب الشمس ولا ضؤوها، لكنها ظهرت من الناحية الأخرى بلون الزجاج الذى اخترقته. هكذا الانسان فى خطية الادانة، فلو أن قلبه كان شفافاً نقياً لما راى أفعال الآخرين بصورة خاطئة. وعلى نفس القياس يبدو القضيب المستقيم فى الماء منكراً، وهذا هو ما يعرف فى علم الطبيعة باسم «ظاهرة الانكسار». وواضح أن القضيب مستقيم، لكنه بدا هكذا. وعلى هذا النحو أيضاً المريض الذى يقدم له طعام جيد شهى، فيتذوقه رديئاً مرا. والعيب هنا ليس عيب الطعام أو نوعه، بل عيب المريض بما يعانيه من مرض.

3 - قلة المحبة:

قال معلمنا بولس عن المحبة أنها.

«لا تقبح.. ولا تظن السوء.. وتحتمل كل شئ» (1كو 13: 5).

، 7)، وقال الحكيم عنها أيضاً أنها.

«تستر كل الذنوب» (أم 10: 12)).

بهذه المحبة الغافر الساترة على الذنوب والعيوب، أحبنا الله، وأفتقدنا المشرق من العلاء، وتغاضى عن أزمنة جهلنا. وما زالت عين محبته هى التى تلاحظنا وترعانا وتستر علينا. ومن ثم نهتف فى صلاة الشكر كلما صلينا «فلنشكر صانع الخيرات... لانه سترنا». أن المحبة هى المنظار الذى يظهر الامور على حقيقتها مهما كانت بعيدة أو دقيقة. لكن ان قلت محبتنا لبعض الناس، فحينئذ تطل الادانة برأسها، كما تظهر الصخور والجنادل التى تعترض مجرى النهر فى زمن التحاريق وتهدد سفينة حياتنا.. ان منطق البغضة والكراهية يلزمنى ويقنعنى أنى لا أريد أن أرى أخى الا فى أسوأ حال، وبواسطة منظار البغضة الذى أضعه على عينى، أراه مشوهاً ومهلهلا. لكن المحبة ان لم تستطع أن تحتمل كل شئ فهى تهون من الخطأ، وتلتمس المعاذير.

4 - قلة المعرفة:

ما أقل ما يعرفه الانسان، وما اكثر ما يجهله! ما اقل ما يعرفه من الظواهر والمرئيات. وما أكثر ما يجهله من الاسرار وغير المرئيات، بل من المرئيات ذاتها! ومع كل ذلك فهو يكابر ويدعى المعرفة فى أشياء كثيرة. ومن الامور التى يدعى معرفتها خفايا القلوب والافكار والنفوس! واذا كان الرسول نفسه يتساءل قائلاً.

«لان من الناس يعرف أمور الناس الا روح الانسان الذى فيه» (1كو 1: 11).

، فكيف بعد هذا، يجرؤ انسان ويدين اخاه، لا عن فعل اتاه، بل عن فكر داخلى ظن انه اكتشفه وأرتآه؟!

كثيرا ما يتسرع الانسان ويصدر حكما فى أمر معين – ولو فى فكره – بحسب ظاهره، دون أن يستقصيه أو يسبر أغواره، فتأتى هذه الاحكام منافية للحقيقة، بعيدة عن الصواب. ولقد حذرنا السيد المسيح من مثل هذا الخطأ بقوله.

«لا تحكموا حسب الظاهر، بل احكموا حكماً عادلاً» (يو 7: 24)).

وهكذا حينما نتسرع ونصدر أحكامنا على هذه الصورة، يتم فينا قول يعقوب الرسول.

«تصيرون قضاة أفكار شريرة» (يع 2: 4)).

واذا كان الانسان – فى بعض الاحيان – يقف حائراً بينه وبين نفسه، لا يعرف الدوافع التى دفعته الى فعل معين، أو الملابسات، التى صاحبته، فكيف بهذا الانسان يحكم على تصرفات انسان آخر فى سهولة ويسر، لمجرد النظر أو السمع، ودون أن يسأله! واذا كان الرسول وهو يتكلم عن يوم الدينونة العام يقول.

«فى اليوم الذى يدين فيه الله سرائر الناس حسب انجيلى بيسوع المسيح» (رو 2: 16).

، هذه السرائر التى لا يعرفها أحد غير الله (تث 29: 29)، فكيف بى أتطاول وأصدر أحكاماً خاطئة على الآخرين؟!

5 - نسياننا لخطايانا؟

من الاسباب التى تسهل لنا المضى فى طريق الادانة، نسياننا لخطايانا سواء الماضية أو الحاضرة، وعدم أدراكنا لحقيقة ضعفنا. فالنظر الى خطايا الذات من شأنه ان يولد فينا اتضاعاً، وخجلاً مقدساً، وينمى فى النفس مخافة الله. فالانسان الشاعر بضعفاته، المتذكر خطاياه، التى ينسحق قلبه حينما يتذكرها، والتى من أجلها يصلى ويبكى وهو يقول «خطيتى أمامى فى كل حين». مثل هذا الانسان لا ينشغل بخطايا الآخرين عن خطاياه الخاصة، حتى التى قدم عنها توبة وندما. انه كما يقول أحد الآباء «من ذا الذى يترك ميته، ويبكى على ميت جاره»، وخطية الانسان هى موت نفسه. لقد أفاض الآباء النساك فى الحديث عن علاج الادانة عن طريق هذا التدريب...

قال الأنبا أشعياء «اذا انشغلت عن خطاياك، وقعت فى خطايا أخيك. » وسأل أحدهم راهبا شيخا قائلاً «ما السبب فى أنى أدين الاخوة دائماً؟ » فأجابه الشيخ «لانك ما عرفت ذاتك بعد. لان من عرف ذاته، لا ينظر عيوب أخوته». أحذر يا أخى من النظر الى نقائص الآخرين، لئلا يقال لك ما قيل للمرائى.

«لماذا تنظر القذى الذى فى عين أخيك، وأما الخشبة التى فى عينك فلا تفطن لها» (مت 7: 3)).

.. لاننا فيما ندين اخوتنا، نحكم على ذواتنا، لان نفس عيوبهم موجودة فينا. قال معلمنا بولس.

«لانك فى ما تدين غيرك تحكم على نفسك. لانك أنت الذى تدين تفعل تلك الامور بعينها. ونحن نعلم أن دينونة الله هى حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه أفتظن هذا أيها الانسان، الذى تدين الذين يفعلون مثل هذه، وأنت تفعل، أنك تنجو من دينونة الله» (رو 2: 1 - 13)).

ذكر عن القديس موسى الاسود الذى كان قبل توبته قاتلاً ولصا – أنه دعى ذات يوم الى مجلس عقده الآباء الرهبان فى الاسقيط لمحاكمة راهب أخطأ فأبى وامتنع عن الحضور. فأتاه قس المنطقة وقال له «ان الآباء كلهم فى انتظارك». فقام وأخذ كيساً مثقوباً، وملأه رملا، وحمله وراء ظهره، ومضى هكذا الى المجلس. فلما رآه الآباء هكذا قالوا له «ما هذا أيها الأب؟ » فأجابهم «هذه خطاياى وراء ظهرى تجرى دون أن أبصرها، وقد جئت اليوم لادانة غيرى عن خطاياه». فلما سمعوا ذلك غفروا للأخ المخطئ، ولم يحزنوه فى شئ.

6 - قلة الحكمة:

الانسان الحكيم عمله فى داخله. أنه مشغول بملكوت الله الذى فى داخله (لو 17: 21). مشغول بالكنز المخفى فى قلبه (مت 13: 44). مشغول بطريق الغربة الذى يسير فيه لئلا يضله. مشغول بالوصول الى المدينة المقدسة التى لها الاساسات التى صانعها وبارئها الله (عب 11: 10). مشغول بمحبة الله ومحبة الآخرين من أجل الله. مشغول بتهدئة قلبه لكى يقدر أن يتسمع صوت الواقف على بابه خارجا يقرع حتى يفتح له، مشغول باعداد العشاء لذاك الذى قال «أدخل وأتعشى معه وهى معى» (رؤ 3: 20). وهو فى كل هذا، وبعد كل هذا، ليس له من الوقت أو الجهد ما ينفقه فى ادانة الآخرين وحصر نقائصهم وعيوبهم. فعقله وقلبه مشغولان بما هو انفع وأهم وأجدى. ان حكمة الطالب فى يوم امتحانه تقتضيه أن يكون بكلياته منحصرا فيما هو مزمع أن يقدم عليه. ومهما صادفه فى ذلك الوقت، لا يلهيه عنه، هكذا الانسان الحكيم فى حياته الروحية الذى عول على السير فى طريق الفضيلة. أما الجاهل فعلى عكس ذلك، لان جهله يظلم قلبه وفكره. قال القديس يوحنا الدرجى «الحكيم يتأمل فضائل غيره ليقتنيها لنفسه، والجاهل يتأمل رذائل غيره ويدينه عليها».

7 - خداع الشياطين:

وحينما نتحدث عن الاسباب الذاتية، لا يفوتنا أن نذكر دور عدو الخير لايقاعنا فى هذه الخطية، وما أكثر خداعاته. انه ينصب شباكه ليوقعنا فيها. ان كل خليقة الله جيدة. انه هو الذى يشوه أمامك أخاك الذى على «صورة الله ومثاله»، وهو الذى يوعز لك بالافكار الخاطئة عنه. ان أعثرك الشيطان فى أحد أخوتك، فلا تحزن من أخيك، بل صب جام غضبك على عدوه وعدوك الذى يكره المحبة ويبغضها، لانه حيث المحبة فهناك الله لانه هو المحبة ذاتها... أفسد خططه اذن، واكشف حيله، فحينئذ يفر عنك هارباً حينما لا يجد له فيك موضعاً.

لماذا يجب ألاَّ ندين؟.

1 - لاننا لسنا كاملين:

الديان يجب أن يكون كاملاً، وهذا بطبيعة الحال غير متوفر فينا. فبينما يكون أخى واقعاً فى خطية معينة، أوجد أنا واقعا فى خطية أخرى. ومع اختلاف خطيتى عن خطيته، ألا أن كليهما يقودان الى الهلاك. تماما كما يرسب طالبان عن خطيته، الا أن كليهما يقودان الى الهلاك. تماما كما يرسب طالبان فى فرقة واحدة، كل فى مادة تختلف عن مادة الآخر، فهل هناك مجالا لان يتفاخر أحدهما على الآخر، حتى لو كانت مادة رسوبه أسهل وأقل أهمية من مادة رسوب الآخر؟! قال أحد الآباء.

«لا تدن الفاسق أيها الضعيف لئلا تصير مثله مخالفاً للناموس. لأن الذى قال لا تزن، قال أيضاً لا تدن. والرسول يعقوب يقول «لان من حفظ كل الناموس، وانما عثر فى واحدة، فقد صار مجرما فى الكل. لان الذى قال لا تزن قال أيضاً لا تقتل. فان لم تزن ولكن قتلت، فقد صرت متعديا الناموس» (يع 2: 10 - 12)).

وحتى ان كنا لم نرتكب أمثال تلك الخطايا أو ما يقاربها، الا اننا جميعاً بشر تحت الآلام معرضين للخطية كأولئك الذين ندينهم. حتى القديسون أنفسهم خاضعون لهذا. ان ايليا الذى صعد الى السماء حيا، قال عنه الرسول.

«كان ايليا انسانا تحت الآلام مثلنا» (يع 5: 17)).

ذكر عن أحد الآباء، أنه كان اذا رأى أخا يخطئ، كان يبكى ويقول «مادام أخى أخطأ اليوم، فمعنى ذلك أن الشيطان نشيط، وأنا أخاف على نفسى لئلا أخطئ غدا».

وجدير بالذكر، أن كمال الديان فى السيرة والفضيلة، يقتضيه أيضاً أن يكون كاملاً فى المعرفة ببواطن الأمور وأسرار الاشياء حتى يكون حكمه صحيحاً. وهذا بطبيعة الحال لا يتوفر فينا كبشر والسبب الذى لاجله يمنعنا الرسول عن الادانة، أن الامور التى نحكم عليها هى غالباً تحت الارتياب ومحجوبة عنا، ومن ثم لا أحد يدركها غير الله، ومن تجاسر على هذا الفعل يغتصب سلطان الله. وقد تكلمنا عن ذلك آنفا.

2 - لأننا لا نعرف نهاية سيرتهم:

لاننا لا نعرف ما ينتهى اليه أمر هؤلاء الذين أخطأوا أمامنا وأدناهم. ولا موقف الله ازاء خطاياهم. وربما أخطأ الشخص الذى أدنته بغير معرفة أو ببساطة، والله نفسه، ازاء مده الدوافع، بتغاضى عن خطاياه. وربما تاب الانسان عن خطيته التى أدنته عليها، وأموت أنا فى خطيتى.

هب أنك كنت حاضر رجم الشهيد أسطفانوس، ورأيت شاول (القديس بولس الرسول فيما بعد) يحرس ثياب راجمى الشهيد، بل علمت أنه كان.

«راضياُ بقتله» (أع 1: 8).

فماذا كان يكون حكمك عليه؟ ألا كنت تتسرع وتحكم عليه بأنه انسان قاتل؟ لكن ماذا حدث؟ لقد حدثت معجزة، وأصبح شاول بولس العظيم. وتحدث هو نفسه عن ذلك فقال «أنا الذى كنت قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً. ولكنى رجمت لانى فعلت بجهل فى عدم ايمان» (1تى 1: 13). هل كان يظن أحد من الحضور فى المشهد الاول، انه يتغير ويبلغ به الحماس للمسيحية أنه يسر بالضيقات والقيود والموت من أجل اسم الرب يسوع؟!

وهب أنك كنت حاضرا اللحظة التى أستل فيها بطرس سيفه وقطع بها اذن عبد رئيس الكهنة وقطعها (مت 26: 51)، ماذا كنت تحكم عليه؟

الا كنت تتسرع وتحكم عليه بأنه انسان مجرم، ورجل دماء؟ وماذا كنت تحكم عليه وهو فى دار رئيس الكهنة ينكر سيده بقسم أمام الخدم؟ هلا كنت تنعته بأقسى النعوت؟ لا تتسرع فى الحكم عليه، فانه بعد لحظات – بعد أن صاح الديك – خرج الى خارج وبكى بكاء مراً (مت 26: 69، 75). ولقد قبل الرب توبته، وسلمه رعاية خرافه الناطقة بعد قيامته، مساوياً اياه بالتلاميذ الذين لم يخطئوا على شاكلته (يو 21: 15 - 17). وهب انك كنت فى أورشليم فى زمن المخلص، وكنت تسمع عن شخصية اللص (اليمين) وأعماله وأجرامه، هل كنت تتوقع له ذلك المصير العجيب الذى انتهى اليه؟! لقد كان بين أوائل الذين دخلوا الفردوس بعد غلقه أجيالا طويلة.

من أجل ذلك قال القديس مار افرام السريانى «ان أبصرت انساناً قد أخطأ وشاهدته فى الغد، فلا تنظر اليه كخاطئ، فانك لا تعرف ان كان فى فترة غيابك عنه قد عمل شيئاً صالحاً بعد السقطة، وتضرع الى الرب بزفرات وعبرات مرة، واستعطفه! ». ذكر عن القديس يوحنا القصير أنه كان اذا أبصر انساناً أخطأ، فانه كان يبكى بكاء شديدا ويقول «ان هذا أخطأ اليوم ولكنه ربما يتوب. أما أنا فانى أخطئ غدا، وربما لا أعطى مهلة كى أتوب».

ان أمر الادانة متروك لله وحده فى ذلك اليوم.

«لا تحكموا فى شئ قبل الوقت، حتى يأتى الرب الذى ينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب، وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله» (1كو 4: 5)).

3 - لأن الله أوصانا بالمحبة:

لان الوصية الاولى والعظمى هى المحبة. وماذا تفعل المحبة؟

فضلاً عن الصفات التى تكلمنا عنها فى هذا الموضوع، فان المحبة توسع القلب فيصبح أكثر احتمالاً، بعكس البغضة التى تجعله ضيقاً. قال القديس بولس.

«يجب علنيا نحن الاقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء» (رو 15: 1)).

وقال.

«المحبة تحتمل كل شئ» (1كو 13: 7)).

فهذه هى القوة التى تضاعف احتمالنا وصبرنا. وهى النار التى تحرق كل زرع ابليس، والماء الذى يروى الغروس المقدسة وينميها. أن المحبة فى حياتنا الروحية كالجهاز الهضمى. فاذا كان قويا هضم بسهوة كل ما يقدم له حتى لو كان عسراً، بعكس أما اذا كان ضعيفاً فانه لا يحتمل أضعف الاطعمة. والمحبة هى حاسة الذوق، الذى تتذوق الطعام وتصدر حكمها عليه فاذا كانت هذه الحاسة عليلة تذوقت الاطعمة الجيدة مرة المذاق.

المحبة تعطى وتبذل، تحتمل وتصبر، لا تظن السوء ولا تدين، تحنو على الصغار وتلتمس الاعذار. تجبر الكسير وتضمد الجريح... المحبة هى الله ذاته الذى قال للمرأة الزانية.

« ولا أنا أدينك» (يو 8: 11)).

لقد أراد يعقوب ويوحنا أن تنزل نار من السماء فتفنى قرية للسامريين رفضت قبول السيد المسيح، فانتهرهما قائلاً.

«لستما تعلمان من أى روح أنتما لان ابن الانسان لم يأت ليهلك أنفس الناس، بل ليخلص» (لو 9: 51).

: 58).

وبطرس التلميذ خان سيده، وأنكره ثلاث مرات، لكن المسيح، حينما ظهر له على بحر طبرية بعد قيامته المجيدة، عوضاً عن أن يوبخه أو يلومه على جبنه وانكاره، سلمه رعاية خرافه الناطقة ثلاث مرات بقدرما أنكره (يو 21: 15 - 17). فهل جزاء الانكار هو الرعاية؟! لكنها المحبة التى تستر كثرة من الخطايا.

4 - وأوصانا بالرحمة:

لأن السيد المسيح دعانا ان نكون رحماء بقوله.

«طوبى للرحماء لأنهم يرحمون» (مت 5: 7)).

وأيضاً.

«فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضاً رحيم. ولا تدينوا فلا تدانوا. لا تقضوا على أحد فلا يقضى عليكم» (لو 6: 36).

، 37). أرأيت هذا التسلسل البديع فى الآية السابقة «كونوا رحماء لا تدينوا. لا تقضوا على أحد». أن هذه كلها مرتبطة ببعضها. فعدم الادانة مرتبطة بالرحمة.

ونحن لا نتكلم هنا عن الرحمة بمعناها الخاص، ونقصد به الصدقة أو الاحسان، بل الرحمة بمعناها العام الذى يتطلب قلباً رحيماً على كل الخليقة، قال يسوع للمعترضين.

«فلو علمتم ما هو، انى أريد رحمة لا ذبيحة لما حكمتم على الابرياء» (مت 12: 7)).

وقال يعقوب الرسول.

«لان الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة. والرحمة تفتخر على الحكم» (يع 2: 13)).

فالقلب الرحيم لا يدين ولا يقاصص بل يجبر الكسر، ويستر النقص والعطب.

5 - لان الادانة خاصة بالله وحده:

رأينا ونحن نعرض لخطية الكبرياء كيف أن الله يبغضها جداً ويقاوم أصحابها. ولذا لا نعجب أن نحن رأيناه يبغض بنتها الوفية (الادانة)، التى تتغذى عن طريقها، وتتحصن بها. فالانسان الذى يدين اخاه يتطاول على الله، ويسلبه حقا من حقوقه، لم يعطه لآخر. ومن هنا كانت خطورة خطية الادانة وتضايق الله الشديد من مرتكبيها، حتى أن يعقوب الرسول قال.

«الذى يذم اخاه ويدين اخاه، يذم الناموس ويدين الناموس. وان كنت تدين الناموس، فلست عاملا بالناموس بل ديانا له. واحد هو واضع الناموس القادر أن يخلص ويهلك. فمن أنت يا من تدين غيرك» (يع 4: 11).

، 12). وقال القديس بولس مؤكدا نفس المعنى.

«من أنت الذى تدين عبد غيرك، هو لمولاه يثبت أو يسقط. ولكنه سيثبت لان الله قادر أن يثبته» (رو 14: 4)).

ذكر عن القس اسحق التبايسى، أنه دان ذات مرة على فعل أتاه، فلما خرج الى البرية، أتاه ملاك الرب، ووقف قدام باب قلايته وقال له «الرب يقول لك أين تأمرنا أن نطرح نفس ذلك الاخ المخطئ الذى أنت أدنته؟ » فتاب لوقته قائلاً «أخطأت فاغفر لى». فقال له الملاك «لقد غفر الله لك، ولكن عليك أن تحفظ ذاتك من الآن، وألا تدين أحدا من الناس قبل أن يدينه الله».

6 - لنقتدى بالسيد المسيح نفسه:

ان السيد المسيح – وهو الديان الكامل، الذى له وحده الدينونة، ودينونته عادلة (يو 5: 22، 30) – قدم لنا ذاته مثالا يحتذى فى هذه الناحية. فهو لم يدن... حتى المرأة الزانية التى أمسكوها فى ذات الفعل، وقدموها اليه ليحكم برجمها كشريعة موسى لم يدنها، بل قال لها فى شفقة وحنو « ولا أنا أدينك. اذهبى ولا تخطئى أيضاً». وكانت كلماته هذه درساً عملياً أعطاه للمشتكين عليها. فقد قال لهم «من منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر». وانحنى الى أسفل وكان يكتب على الارض. وقيل انه كان يكتب خطايا كل واحد منهم. فكان كل من يقرأ خطيته ينسحب فى خجل، حتى.

«بقى يسوع وحده، والمرأة واقفة فى الوسط» (يو 8: 3 - 11)).

وقال السيد المسيح للكتبة والفريسيين معقباً على هذا الحادث أنتم حسب الجسد تدينون أما أنا فلست ادين أحدا. وان كنت أنا أدين فدينونتى حق» (يو 8: 15، 16).

7 - ونأخذ عبرة من سير القديسين:

نحن نقرأ فى كتب التاريخ الكنسى والكتب النسكية أن آباءنا كانوا متحفظين جداً من الوقوع فى خطية الادانة. لقد عاشوا متشبهين بالرب، وأوصوا تلاميذهم بالتحفظ منها. ولم يقتصر الامر على ذلك، بل أن الرب نفسه كان – بالرؤى – يعمل على تنقيتهم منها.

ومن ذلك ما أورده كتاب بستان الرهبان عما حدث للقديس يوحنا السينائى، نقلا عنه، قال:

فاذا كان رب الشريعة الكامل، الذى له وحده دينونة الجميع، قد فعل هذا، فكم يجب علينا نحن الخطاة الاثمة!

فى حال جلوسى فى البرية الجوانية، جاءنى أحد الاخوة متفقدا من بالدير. فسألته «كيف حال الاخوة؟ » فأجابنى «بخير صلاتك». فسألته أيضاً عن أخ واحد كانت سمعته قبيحة. فأجابنى «صدقنى يا ابى، أنه لم يتب بعد منذ ذلك الوقت الذى أشيعت عنه فيه تلك الاخبار». فلما سمعت ذلك قلت «أف». فعند قولى «أف»، أخذنى سبات، وكأن نفسى قد أخذت. فرأيت انى قائم قدام الجلجثة، والمسيح مصلوباً بين لصين. فتقدمت لاسجد له، ولكنه أمر الملائكة الواقفين قدامه بابعادى خارجاً قائلاً «ان هذا الانسان قد اغتصب الدينونة منى، ودان أخاه قبل أن أدينه أنا». فوليت هارباً. فتعلق ثوبى بالباب وأغلق عليه، فتخليت عن ثوبى هناك. فلما استيقظت قلت للأخ الذى جاءنى «ما أرادأ هذا اليوم على». فاجابنى « ولم يا أبى». فأخبرته بما رأيت وقلت «لقد عددت هذا الثوب الذى هو سترة الله لى» ومنذ ذلك اليوم، أقام القديس تائهاً سبع سنوات فى البرارى، لا يأكل خبزا ولا يأوى تحت سقف، ولا يبصر انساناً. وأخيراً رأى فى منامه كأن الرب قد أمر أن يعطوه ثوباً، فلما انتبه فرح فرحاً عظيماً. وبعد أن أخبر بذلك، بثلاثة ايام، تنيح.

عاقبة الإدانة

1 - دينونة أبدية:

قال رب المجد.

«بالدينونة التى بها تدينون تدانون. وبالكيل الذى به تكيلون يكال لكم» (مت 7: 2)).

وقال معلمنا بولس.

«أفتظن هذا أيها الانسان الذى تدين الذين يفعلون مثل هذه، وأنت تفعلها، أنك تنجو من دينونة الله؟ » (رو 2: 3)).

2 - الوقوع فى نفس الخطية:

الله يسمح أحياناً بتأديب من يدين، بنفس خطايا الشخص المدان. قال القديس يوحنا الدرجى «أن الذى تدين به أخاك، فيه تسقط». كما قال أيضاً «من يتأمل ذنوب قريبه ويتفحصها، فهو يسقط فى خطيته ويدان بدينونته». وقال القديس دوروثاؤس «لا شئ أردأ من الادانة للانسان. لأنه بسببها يتقدم الى شرور ويسكن فى شرور. فمن دان أخاه فى قلبه، تتخلى عنه المعونة الالهية، فيسقط فيما دان أخاه عليه».

قصة:

وقد أورد الأب يوحنا كسيان القصة التالية التى تبين هذه الناحية، قال: حدث أن أخا من البارزين فى الجهاد، تأذى من محاربات الشهوة نتيجة كثرة القتال الواقع عليه، فقصد أحد الشيوخ وكشف له عن أفكاره. وكان الشيخ عديم الخبرة فضجر منه، وقال «أيها الشقى، اذ قد توسخت حواسك بهذه الأفكار، فعلى أى شئ تتكل؟ ». فلما سمع الأخ قوله حزين جداً ويئس من خلاصه، وترك قلايته ومضى قاصدا العالم. ولكن حدث بتدبير الله أن التقى به شيخ آخر هو أنبا أبللو. واذ رآه مضطرباً سأله عن حاله، أخذ يسكن روحه ويشجعه قائلاً «لا يغمك هذا الكلام ولا تيأس من الخلاص منها فأنا على الرغم مما بلغته من هذا السن. وهذه الشيبة، كثيراً ما أتأذى بمثل هذه الأفكار، فلا تحزن، فأنه لا يبلغ جهادنا فيها مقدار ما يأتينا من رحمة الله ومعونته. لكن هب لى يومك هذا وارجع الى قلايتك». فأطاع الاخ كلام الشيخ ورجع معه الى قلايته. أما الشيخ الحكيم فقصد الى قلاية الشيخ الآخر الذى دفع ذلك الأخ الى اليأس، ووقف خارجا وسأل الله بدموع كثيرة قائلاً «أنا أطلب اليك يا ربى والهى أن تصرف هذا القتال عن هذا الاخ، وتسلطه على هذا الشيخ الذى أوقعه فى اليأس، وذلك ليجرب فى شيخوخته، ويتعلم فى كبر سنه، ما لم يتعلمه طوال زمانه، وليشعر بأوجاع المجاهدين المقاتلين فيتوجع لوجعهم، وبذلك يحصل على منفعة نفسه». فلما أتم الشيخ صلاته نظر واذا بجيش واقف قرب قلاية الشيخ، يصون نحوه سهاماً ويجرحه. واذا بالشيخ يقوم لساعته سكراناً، فخرج من قلايته كالمجنون يندفع هنا وهناك، ولم يطق الوقوف، ولا استطاع العودة الى قلايته، فسلك الطريق الذى كان قد سلكه الشاب، مريدا العودة الى العالم. فلما أدرك الشيخ الحكيم ما عزم عليه ذلك الشيخ، تقابل معه وسأله عن وجهته وعزمه. أما الشيخ المسكين فانه من فرط خجله لم يرد جواباً. أما الشيخ الحكيم فقال له «ارجع الى قلايتك، ومن الآن كن عارفاً بضعفك، واعلم بأنك الى هذه الساعة لم تجرب بعد.. وها قد ظهر الآن انك لست أهلاً لأن تعد من المجاهدين، لانك لم تقدر أن تصارع يوما واحدا. فما أصابك اليوم، انما نتيجة تصرفك مع ذلك الشاب الذى أتاك، وقد آذاه عدونا كلنا... ». ولما قال هذا صلى الى الله فانصرف عن ذلك الشيخ ما كان قد نزل به من قتال.

3 - تخلى النعمة:

لما كانت الادانة تصدر أحياناً عن كبرياء النفس، فالله كثيراً ما يسمح بتأديبنا بالتخلى عنا حتى نتوب ونرجع الى صوابنا.

ذكر عن راهبين كانا يعيشان عيشة مشتركة، أنهما أستحقا أن ينظر كل منهما نعمة الله على أخيه. وحدث أن أحدهما خرج فى يوم جمعة، ورأى انساناً يأكل مبكرا فقال له «أفى هذا الوقت تأكل يوم الجمعة؟ » وفى الغد رآه أخوه ولم يبصر عليه النعمة التى كانت ترى عليه. فحزن لذلك، وسأله عما فعله، فجأبه «ما عملت شيئاً، ولا فكرت رديئاً». ثم عاد وسأله «ألم تتكلم بشئ؟ » فذكر له قصة ذلك الاخ الذى دانه على أكله المبكر يوم الجمعة. فعرف خطأه وقدم عنه توبة جزيلة بتعب، فظهرت نعمة الله عليه مرة أخرى.

4 - الوقوع فى خطايا أخرى:

ومع الادانة تأتى العجرفة والظنون الباطلة والغيظ من الآخرين واحتقارهم وسجس الضمير، والغيرة غير المقدسة، وأشياء أخرى تقلق القلب وتفسده.

كيف نتخلص من الإدانة؟.

1 - أعذُر غَيرك

التمس عذرا للآخرين عن افعالهم التى قد تبدو خاطئة، بدلا من أن تدينهم. فيوسف الصديق فى مصر، حينما أراد أخوته الاعتذار له قال لهم، أن الله سمح بذلك لمنفعتهم ومنفعة شعوب كثيرة (تك 45). فمثلاً اذا رأيت انساناً جالساً أثناء القداس الالهى فى الكنيسة، فلا تسرع بادانته، والحكم عليه بأنه قليل الاحترام لبيت الله وللصلاة، فربما كان ذلك الانسان مريضا بمرضى غير ظاهر، حتى لو بدأ من الخارج قوياً صحيحاً. واذا جاوبك صديق بجفاء فى مرة من المرات فقال فى ذاتك «قد يكون صديقى متعباً أو متضايقاً من أمر من الامور، وما أكثر ضيقات الحياة». واذا تقابلت مع الانسان لاول مرة وخاطبك بصوت مرتفع، فلا تسرع بادانته والحكم عليه بأنه انسان متعال، فقد يكون ارتفاع الصوت راجعاً الى طبيعة حنجرته وهو ما لا دخل له فيه..

2 - وتأمل فضائله:

حاول ان تجد شيئاً طيباً فى الانسان المدان. فلا يوجد انسان كاملاً قديساً فى كل دقائق حياته وتصرفاته، كما لا يوجد انسان ناقصاً شريراً فى كل أفعاله، بل لكل انسان نواحى حياته الطيبة. فاذا حاربك الشيطان بخطية الادانة من جهة انسان معين، فتذكر بعض فضائله، فتخف عنك هذه الحرب، ان لم تزل.

3 - واحسن الظن دائماً

أول كل شئ تأويلاً حسنا. وهنا توجد ثلاث مراحل:

(أ) اذا كان فكر الادانة ناتجا عن رؤية أو سماع، فأوله تأويلاً حسناً. ومثال ذلك الراهب الذى حينما كان يدخل قلاية راهب آخر ويجدها نظيفة مرتبة، يقول فى نفسه «أن أخى هذا لابد أن قلبه نظيف ومرتب هكذا». واذا دخل قلاية راهب آخر ووجدها غير مرتبة، قال فى نفسه «لابد أن أخى هذا مشغول بالعبادة عن ترتيب ونظافة قلايته». أو مثل أحد الآباء الذى كان اذا رأى أحد يرتدى ثيابا فقيرة يغبطه، واذا رأى آخر يرتدى ثياباً جيدة يقول فى نفسه «ان هذا الانسان أفضل منى لانه يريد أن يخفى فضيلته، اذ ربما يلبس المسيح من الداخل، وهذه الثياب من الخارج حتى يخفى فضيلته».

(ب) اذا كان فكر الادانة ناتجاً عن خطية ظاهرة أتاها أحد الناس، ولا سبيل لتأويلها أو تبريرها، فحاول أن تقف على أسبابها – لا لكى تدينه كما توحى اليك أفكار الادانة، بل فى شعور أخوى. فربما كان لذلك الانسان فضائل، والله لم يسمح أن يسقط فى المجد الباطل. فسمح أن يسقط فى مثل هذه الخطية حتى يشعر بضعفه فيصير أكثر قبولاً لدى الله، ويصان ماله من فضائل بواسطة الاتضاع. ولا تنس أن تصلى من أجل هذا الانسان بشعور كله رحمة وشفقة، عالما أنك أيضاً «انسان تحت الآلام»،.

«ناظراً الى نفسك لئلا تجرب أنت أيضاً» (غل 6: 1)).

(ﺠ) واذا كانت هذه الخطية الظاهرة، كبيرة جداً، ولا تصدر الا عن قلب قاس غير تائب، فارفع قلبك أيضاً الى الله بالصلاة، واذكر أن بعضا ممن وصلوا الى درجات عالية فى الروحانية والقداسة، بدأوا حياتهم أشرارا جداً. ومن ناحية أخرى فان بعضا ممن بدأوا حياتهم حسنا وساروا فى طريق القداسة، ووصلوا الى درجات سامية فيها، سقطوا فى منتصف الطريق أو فى اواخره، ثم تابوا وارتفعوا فى توبتهم الى درجات أعلى، وأقرن هذا الشعور بالحرص لئلا يصيبك أنت أيضاً هكذا...

4 - ابعد عن سماع كلام الإدانة

لا تفسح صدرك لسماع كلام الادانة من انسان ضد آخر. اذا كان المتكلم بكلام الادانة من مستواك سنا ومركزاً، فراجعه فى وداعة وأدب، وقل له أن لك أخطاء كثيرة، أكثر من التى ذكرها، ولا تريد أن تسمع. واذا كان المتكلم أكبر منك سناً ومركزاً، وليس من اللياقة أن توجهه، فأصمت، ولا تجاره فى حديثه الادانى، فربما شعر أنك غير راض عن كلامه فيكف عنه... على أى حال بعد انتهاء أمثال هذه الجلسات، نظف أذنيك من كلمات الادانة..

5 - أذكر سَتر الله لخطاياك

حينما تصلى صلاة الشكر، وتأتى الى العبارة التى تقول فيها «لأنه سترنا»، انظر الى نفسك وفكر بكم صنع الرب بك ورحمك وستر عيبك، ولم يفضح عيوبك أمام الآخرين. تذكر قول مار اسحق «استر على الخاطئ من غير أن تنفر منه، لكى ما تحملك رحمة الرب. أسند الضعفاء، وعز صغيرى النفوس كى ما تسندك اليمين التى تحمل الكل».

6 - إحذر أخطاء التعميم

أحيانا يكون فينا ميل للإندفاع أو ميل للتعميم. فاذا رأينا صفة حسنة فى شخص ما، نسرع ونحكم عليه بأنه حسن، وسرعان ما نقول انه حسن جداً، وربما قلنا بأنه لا يوجد أحسن منه. وحينئذ – وهنا الخطر – نعتبر كل تصرفات ذلك الانسان – حتى غير المرتبطة بهذه الصفة الفريدة – أنها لابد وأن تكون هى الاخرى سليمة وحسنة بالتبعية (حتى ولو بدت كأنها خاطئة). والسبب فى ذلك يرجع الى أننا لا نحب أن نتصور أن انساناً أعجبنا باحدى صفاته، له نقيصة أو خطأ من الاخطاء. وعلى العكس من ذلك،، فان رأينا صفة رديئة فى شخص، نسرع ونحكم عليه بأنه ردئ، وسرعان ما نقول ردئ جداً، وحينئذ – وهنا الخطر – لا نريد أن نتصور أن لهذا الانسان تصرفات أو صفات أخرى حسنة أو سليمة يمكن أن نقرها أو نقبلها.

هذه أحكام أشخاص يفقدون الاتزان فى أحكامهم، ويخطئون بادانة الآخرين عن تصرفات ربما كانت جيدة، ويتعرضون لهزات عاطفية عنيفة، ومتاعب اجتماعية، كثيراً ما تقودهم الى العزلة والانطواء، أو الى فقدان كل الاصدقاء، كما تحرم صاحبها الاستفادة من أخطاء الفضلاء، وفضائل الضعفاء. كما تشككه فى نفسه وفى شخصيته، فلا يعرف أهو صالح أم شرير. اذ يحس فى نفسه بالاخطاء تحيا الى جانب الفضائل. ولا يعلم أن هذه شيمة الانسان العادى، وأن التمييز يجب أن يكون فى تغلب الفضيلة أو الشر، وميل الانسان الى أحدهما أكثر من الآخر، وجهاده المستمر فى سبيل الترقى، والهدف نحو الكمال، وليس بلوغ الكمال ذاته. ولهذه الحكمة عينها، نرى الكتاب المقدس قد سجل أخطاء الانبياء والقديسين.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

‹

بَعض خطَايا اللسان

سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية
سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية