هدف الكتاب ومنهجه

المقدمة

لمسة وفاء لقيثارة السماء مثلث الرحمات نيافة الأنبا يوأنس

لقد إحتفلنا فى نوفمبر من العام الماضى 2012 باليوبيل الفضى لإنتقال أبينا الحبيب مثلث الرحمات نيافة الأنبا يوأنس أسقف الغربية إلى السماء، ليحيا حياة التسبيح الدائم فى السماء. وهو الذى قال عبارته الشهيرة «تسبيحنا هنا على الأرض مقدمة لحياتنا الأبدية فى السماء حيث يكون كل عملنا هو تسبيح من أحبنا».

وفى هذا العام تمر ثلاثة وخمسون عاماً على صدور الجزء الأول من الموسوعة الروحية: بستان الروح، والذى صدر الجزء الأول عام 1960 والجزء الثانى عام 1963 والجزء الثالث عام 1985.

ذلك البستان الدائم الخضرة الذى هو بحق مدرسة روحية يبدأ فى الجزء الأول بحياة التوبة ليصل بك فى الفصل الأخير من الجزء الثالث بالحديث عن ملكوت السماوات.

تسعة وعشرون فصلاً كتبها قيثارة السماء مثلث الرحمات نيافة الأنبا يوأنس لتهدى الكثيرين إلى طريق السماء، فهو صاحب المقولة «إننا ونحن فى الأرض نبنى مسكننا الذى سوف يكون لنا فى السماء. نبنيه بحياتنا وأعمالنا وسلوكنا وجهادنا».

هذا البستان الروحى الذى تجد فيه الروح شبعها، ويجد الإنسان طريقه إلى الخلاص كان وسيظل منهجاً لمن يريد أن يسلك فى حياة الفضيلة ويتتلمذ على أقوال الآباء الذين عايشوا الرب عن قرب وأحبوه وأرضوه بأعمالهم الصالحة.

وفى هذا الجزء الأول تحدث نيافته عن قصة هذا الكتاب وأنه ثمرة من ثمرات الألم الذى قال فيه الرسول « وهب لكم لأجل المسيح هذا المرجع لتدريسه فى الكلية الأكليريكية منهجاً لمادة «اللاهوت الروحى» التى كان يقوم بتدريسها فى ذلك الوقت.

ولقد وضع نيافته فى هذا الجزء إحدى عشر فصلاً تبدأ بحياة التوبة ثم الأعتراف فالتناول، كما تكلم عن الأتضاع، الكبرياء، الكرامة، حياة الطهارة، الغضب، أدب الحديث، الصمت، بعض خطايا اللسان ثم ختم بالحديث عن الأدانة.

وجعل نيافته شعاراً لهذا الكتاب (ومعك لا أريد شيئاً) وقال: «شرط التلمذة المسيحية هو حمل الصليب.. وهو بالمفهوم الروحى يشير إلى حياة التوبة بكل تضييقاتها وجهاداتها، التى على المؤمن أن يحياها.. تبدأ بها معرفته بالله وتنمو وتدوم بها العشرة معه».

ولقد لخص نيافته منهج الكتاب بأنه ينفرد بمعالجة موضوع التوبة والفضائل المسيحية على أسس روحانية أرثوذكسيتنا القبطية.. هذه الروحانية التى عاشها أباؤنا القديسون، وصاروا فيها مثلاً حياً وغدوا معلميها فى المسكونة كلها..

لقد عبر نيافته بكلمات هذه عما عاشه كمعلم للفضيلة والروحانية بمنهج أرثوذكسى سليم. لقد أثرى نيافته المكتبة القبطية بهذا المرجع الروحى العميق والفريد، والذى ستظل الأجيال تستفيد منه. فرغم مرور أكثر من نصف قرن على صدور الجزء الأول من هذا الكتاب لازال يسأل عنه كل راغب فى حياة الفضيلة وكل متعطش إليها.

حقاً يا أبانا الحبيب لقد انطلقت إلى السماء ولكن كتاباتك الخالدة ستظل سراجاً منيراً وبستاناً مثمراً لكل من يريد أن يتذوق حلاوة العشرة مع الله، فيهتف ويقول: « ومعك لا أريد شيئاً».

إذكرنا يا أبانا الحبيب فى تسابيحك وصلواتك أمام عرش النعمة.

عيد نياحة القديس الأنبا انطونيوس إبنك وخادمك.

أب جميع الرهبان جرجس ابراهيم صالح.

30يناير 2013.

قصة هذا الكتاب

هذا الكتاب ثمرة من ثمرات الألم أولاً وآخراً. الألم الذى قال فيه الرسول « وهب لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضاً أن تتألموا لأجله» (فى 1: 29). ان ذلك يرجع الى الفترة التى عدت فيها من الدير الى العالم بسبب المرض، وانتهى الأمر بى الى الخدمة بالكلية الاكليريكية بالأنبا رويس. وهناك أسند الى تدريس مادة «اللاهوت الروحى»، الى جانب الاشراف الروحى على الطلبة..

ولما بدأت ادرس هذه المادة، لم أجد تحت يدى كتباً بالعربية أو حتى بغيرها من اللغات، تتناول الفضائل المسيحية باسهاب، اللهم الا بعض كتب أو كتيبات، حوت ضمن ما حوت، شذرات متفرقة عن ذلك. كان كل همى ان انقل لطلاب الاكليريكية، الفضائل المسيحية محددة فى اطار، غير قاصرة على مجرد الكلام الوعظى أو التأملى.

كان ذلك من نحو أربعة أعوام. وظلت الفكرة تنمو، والجهد ينمو معها حتى انتهى الى مجهود متواضع منذ عام أو نحو ذلك. ثم كان أواخر العام الماضى حين اضطررت أيضاً الى مغادرة الدير والعودة الى العالم للعلاج من حالة مرضية حادة، الزمتنى الفراش نحو شهرين ونصف. كانت تلك الفترة الأخيرة بركة عظيمة لى، اذ فيها كتبت هذا الكتاب فى صورته النهائية التى تقرأها أيها القارئ العزيز، وشعرت خلالها بنعمة الله تتفاضل على ضعفى جداً.

انى أشكر الله من عمق قلبى على نعمته التى آزرتنى، ويمينه التى أحسست بها تمسك بيمينى فيما كنت أكتب. نعم لقد شعرت بها تتدخل فى كل مرحلة من مراحل اخراج هذا الكتاب.

والشكر أقدمه لله أيضاً من أجل النعمة التى حباها أحد خدامه الأمناء – الحبر الجليل الأنبا ثيئوفيلس اسقف ورئيس دير السيدة العذراء (السريان) الذى أسهم بحق فى حركة الاصلاح الديرية فى هذا الجيل. لقد زود مكتبة الدير بمئات الكتب، وفى مقدمتها كتابات آباء ومعلمى الكنيسة التى استحضرها خصيصاً من مكتبات أوربا وأمريكا. فى هذه المكتبة، وعلى تلك الكتب التى استحضرها الأنبا ثيئوفيلس، تتلمذنا.. وعلى هذا، فمن الحق والانصاف أن نقول، أن هذا الكتاب يعتبر أيضاً من ثمرات ذلك الأسقف المصلح المستنير. الرب يحفظ حياته لمجد اسمه المبارك.

والشكر أقدمه لله كذلك من أجل آبائى رهبان دير السريان العامر الذين آزرونى بصلواتهم وعطفهم وتوجيههم. وفى مقدمتهم أحد آباء الدير الذى أسهم بنصيب كبير فى مادة هذا الكتاب، سواء بكتاباته أو بتوجيهاته ونصائحه القيمة، التى كان لها عظيم الأثر فى اخراج الكتاب فى صورته الحالية. كان ينبغى أن يذكر اسمه، لكنه أبى، منكرا ذاته. الرب الاله يعوضه ويكتب أسمه فى السفر الخالد الذى للحياة الأبدية.

كما لا أنسى أن أقدم الشكر خالصاً أيضاً لاستاذنا الجليل دكتور وهيب عطا الله الذى تفضل – رغم مشغولياته الكثيرة المتزايدة – وراجع الكتاب.

وانى اذ أضع هذا الكتاب المتواضع بين يدى الرب الذى أحبنا وهدانا أسأله أن يجعله بركة لجميع الذين يقرأون فيه كلمات الروح والحياة، وأن يؤازرنى بنعمته لاخراج الكتابين الثانى والثالث من هذا المؤلف.

وليتمجد ا لرب فى ضعفنا، وله كل مجد دائماً أبدياً آمين.

الراهب القس.

شنوده السريانى.

14 من يوليه 1960 تذكار نياحة القديس.

7 من أبيب 1676 الانبا شنوده رئيس المتوحدين.

تقديم الطبعة الثانية

لم أكن أتصور منذ أحد عشر عاما حينما أصدرت الطبعة الأولى لكتاب بستان الروح، أن الكتاب سيحوز الشهرة التى حازها فى الاوساط الدينية بين الاكليروس والوعاظ والاكليريكيين وخدام التربية الكنسية والشباب بل وعامة المتدينين... وأنه بالتالى سيحقق الهدف الذى كنت أهدف اليه من وراء اصداره... لكن الرب بارك الكتاب بكل ما يحويه وأثمر، بل وما زال يثمر به ثمراً متزايداً... وعن طريق هذا الكتاب التقيت، والتقى بى كثيرون ممن شدتهم مادة الكتاب اليه دون أن نتعارف أو نلتقى بالجسد... بل وما زلت حتى هذه اللحظة أتلقى خطابات من أشخاص لا أعرفهم من مختلف أنحاء البلاد يعرضون لمشاكل تخصهم عرض لها الكتاب وهكذا، أشكر الله الذى حقق بالكتاب أمنية عزيزة على نفسى لمجد الله ولخير شعبه وكنيسته.

نفذت الطبعة الأولى بعد شهور قليلة من اصداره، ومن وقتها وطيلة أكثر من سبع سنين وتنهال على رغبات كثيرين ممن أعرفهم ومن لا أعرفهم يلحون فى اعادة طبع الكتاب... بل لقد فكر البعض أن المال هو عائق فى سبيل اعادة طبع الكتاب، فعرضوا مساعدتهم فى هذه الناحية... لكنى فى واقع الامر كنت مشغولاً فى اصدار كتابى «الاستشهاد فى المسيحية» و«الكنيسة المسيحية فى عصر الرسل»، وما أن فرغت منهما حتى عاودت مطالعة الكتاب بقصد اضافة مادة جديدة وخبرات روحية جديدة اليه... لكنى اعترف انى لم أستطع ذلك الا بالنسبة للثلاثة مواضيع الاولى، اما بالنسبة لبقية مواضيع الكتاب، فقد وقفت عاجزا عن اضافة كلمة واحدة اليها... لقد وجدتها مستوفاة بحيث لا تقبل المزيد...

انى اشكر الرب الذى دبر كل شئ من أجل اخراج هذا الكتاب بعد هذه المدة فى صورته الحالية، فقد آثرنا أن يخرج فى صورة جديدة فى كل شئ.

ومن دواعى سرورى العظيم أن تصدر الطبعة الثانية من الكتاب بعد تولى قداسة ابينا المبارك الانبا شنوده الثالث السدة المرقسية... لقد قدم قداسته للطبعة الاولى واسهم بالكثير من توجيهاته فى مادة الكتاب وأبى – انكارا لذاته – أن أذكر اسمه، وكان باسم الراهب انطونيوس السريانى وقتذاك... لقد مضت الايام وتوالت السنون، اختير خلالها الراهب انطونيوس أسقفاً للتعليم الدينى واذ رأى الرب انه كان أميناً فى القليل الذى ائتمنه عليه، واقامه على الكثير... أقامة رأساً للكنيسة المنظورة، أباً للنساك ورئيساً للكهنة ومعلماً للمعلمين... الرب ينفع الكنيسة بصلواته وجهوده فى كل الميادين.

وإذ أضع هذا الكتاب بين يدى الهنا القدير، أسأله أن يجعله سبب بركة لكل من يقرأه، وله كل مجد كل حين آمين.

يوأنس.

بنعمة الله أسقف الغربية.

تحريراً فى 3 من كيهك 1688.

13 من ديسمبر 1971 تذكار دخول السيدة العذراء الى الهيكل.

مقدمة الطبعة الثالثة

ما كادت تظهر الطبعة الثانية للجزء الاول من «بستان الروح» حتى نفذت، قبل أن تصل الى أيدى كل من كانوا ينتظرونها... وبذا ظل كثيرون محرومين من مادة هذا الكتاب الروحى الدسم.

وعلى الرغم من ظهور كتب روحية كثيرة فى المكتبة القبطية، منذ أن ظهر هذا الكتاب فى طبعته الأولى سنة 1960، لكن هذه الكتب جميعها لم تستطع أن تفى باحتياجات طالب الحياة الروحية، أو تغنيه عن هذا البستان الروحى... عجيب أمر هذا الكتاب!! فعلى نحو ما تدعو الكنيسة المقدسة والدة الاله مريم «العذراء كل حين» تعبيرا عن دوام بتوليتها، هكذا سيظل هذا الكتاب بالنسبة لحاجة كل مؤمن روحيا «البستان كل حين» تعبيراً عن دوام الحاجة اليه!!

انه الفردوس الأرضى الذى تسعد فيه الروح وتجد متعتها مع من تحبه، بعيداً عن صخب العالم وهمومه وشروره.... فيه تتقابل مع كثيرين من آباء الكنيسة ومعلميها ونساكها، الذين ذخرت صفحات الكتاب باقوالهم... انه ينبوع حى، ماؤه نقى، وتعاليمه ارثوذكسية صافية.

شكرا للرب الذى جعل الطبعتين السابقتين للكتاب سبب بركة لكثيرين... وانى أضع هذه الطبعة الثالثة بين يدى الهنا لكى ما يباركها، فتأتى بثمر كثير... ولألهنا كل المجد والكرامة الى الأبد آمين،.

يوأنس.

بنعمة الله أسقف الغربية.

تحريراً فى 4 من يوليو سنة 1978 شهادة حنانيا الرسول.

27 من بؤونه سنة 1694 وتوماس الشندلاتى.

مقدمة الطبعة الرابعة

الله الذى أعطى النعمة فى كتابه «بستان الروح»، هو الذى عمل فيه بقوة، وصحب كلماته بروحه القدوس، فظل البستان دائماً، محتفظاً بنضرته الروحية... فيه تهدأ الروح وتستريح. وتحت ظلال أشجاره الوارفة تستظل، وتلتق بالقديسين والنساك الذين يحفل البستان بأسمائهم وتأملاتهم وكتاباتهم.

وبسبب هذا التأثير العجيب نفذت الطبعات الثلاثة الأولى للكتاب فى فترات وجيزة تدعو إلى الدهشة...

وتلبية لاحتياجات أبناء الكنيسة فى كل مكان، أخرجنا هذه الطبعة الرابعة، التى نسأل الله أن يجعل الموضوعات التى يعالجها هذا الكتاب، وكلمات النور التى يحويها سبب بركة وخلاص لكثيرين.

ولإلهنا – صاحب البستان الحقيقى – كل المجد والبركة إلى الأبد آمين،.

تحريراً فى 8 من يونية 1981.

أوب بؤونة 1687 يوأنس.

بنعمة الله أسقف الغربية.

يوم الأثنين من الأسبوع.

السابع من الخماسين المقدسة.

هدف الكتاب ومنهجه

هدف الكتاب:

لكل عمل هدف يوجهه ويحدد مسلكه، وهدف هذا الكتاب يا أخانا الحبيب هو خلاص نفسك. اننا نريد أنك تريده كذلك. ولكننا نعلم أيضاً أن نفسك – فى جهادها الروحى – يعوزها أن تتلقى أمورا ونقتنى امورا. أما ما تتقيه فهو الخطية، وللخطية فى حياتك أسباب: مثيرات من الخارج، وشهوات من الداخل. حرب من العالم والشيطان والجسد، وعدم قدرة النفس على الصمود أمام كل هؤلاء..

ولسنا نريد فى هذا الكتاب أن نغمض أعيننا عن شئ، ولسنا نريد أيضاً أن نتملقك. سنتصورك على واقعيتك انساناً لك غرائزك وحروبك، ونكلمك حيث أنت. فلا نتحدث اليك من فوق، لأننا نحن بشر ضعاف مثلك، لم نصل بعد الى هذا الفوق.. نعم سوف لا نبهر بصرك – فى بادئ الأمر – بدرجات روحية أعلى من ادراكك. نشتهيها من بعيد وتصغر نفسك عن القرب اليها، انما منهجنا هو أن نسير معك خطوة خطوة، ونصعد معك السلم الروحى درجة درجة، بطريقة طبيعية سليمة ليست فيها قفزات فجائية. فالقفزات فى الحياة الروحية ذات خطر كبير، وتقود أحياناً الى الضد...

نقطة البدء:

من أية نقطة نبدأ؟ سنبدأ معك من أول الطريق، من حياة التوبة. فالتوبة تصلح نقطة بدء لجميعنا. أنها نقطة التحول فى حياة كل فرد منا، مبدأ تركنا للخطية ومسيرنا مع الله. ومن منا لم يخطئ؟! «كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد الى طريقه». اجتذبنا العالم اليه، فسرنا وراءه وكأننا سكارى لا يحس ما نحن فيه. ثم استيقظنا أخيرا، وشعرنا بفداحة أثمنا وندمنا عليه، وأردنا أن نحيا حياة جديدة مع الله فى نقاوة وبر، هاتفين مع داود «انا اضطجعت ونمت، ثم استيقظت». وهذه اليقظة ليست هى التوبة، وإنما هى بداية التوبة.

البعض منا قد استيقظ فعلاً، يقظة جادة، وهو فى حاجة الى من يرشده فى باقى خطوات الطريق الطويل. وبعضنا لم يستيقظ بعد، ما يزال يغط فى نوم الغفلة أو نوم الجهل أو فى سكرة اللذة. والبعض قد استيقظ جزئياً تكشفت له بعض خطاياه فجاهد ليتوب عنها، وبقيت خطايا أخرى لم تدركها يقظة التوبة أو لم تتكشف له بعد. والبعض بينه وبين هذه اليقظة عوائق صعاب فى داخل نفسه وخارجها، ومحتاج الى من يرشده الى الفكاك منها حتى يتوب. وبعضنا لا يريد ان يستيقظ، أو على الأقل لا يريد هذا الآن! وبعضنا – وهذا اخطر الكل – لا يحس انه نائم، بينه وبين التوبة حاجز عظيم من الكبرياء، من عزة نفس لا تريد أن تعترف بأنها أخطأت، فطريقها كله أبيض فى عينيها المتشامختين..!

وسنفترض يا أخانا الحبيب أنك استيقظت الى ذاتك، أو على الأقل تريد أن تستيقظ، وأنت تسأل « وماذا بعد»؟ ماذا عن هذه الحياة الجديدة وطرقها ومسالكها؟ كيف يتوب الانسان؟ وكيف يحتفظ بتوبته؟ وكيف ينمو فى التوبة وكيف يثمر فيها؟

ونحن – بنعمة الله – سنجيبك عن كل هذا، وسنحدثك بالتفصيل عن خطوات الطريق.

خطوات الطريق:

أول شئ يشغل التائب ليس هو البر الجديد وانما مسئولية الاثم القديم. انه يفكر فى كيف يتخلص من ثقل خطاياه ومن تعذيبها له. هناك يظهر «الاعتراف» كخطوة أولى فى التوبة لا راحة ضمير التائب بمغفرة خطاياه. ثم «التناول من جسد الرب ودمه» كخطوة مكملة يمنح بها أيضاً قوة الهية تثبته فى الطريق. ومن هنا كان لابد لنا – بعد الموضوع العام الذى عن التوبة – أن نكتب موضوعين تفصيليين عن الاعتراف والتناول، شارحين هذين السرين العظيمين وممارستهما عملياً فى حياة التائبين، وشروطهما ونتائجهما وما يتعلق بهما من أسئلة..

بالاعتراف والتناول دخل الخاطئ الى الكنيسة تائبا. وماذا بعد هذا عن الحياة الجديدة الى سيحياها فى توبته؟ هنا وكان لابد لنا أن نشير الى الأساس، أساس كل حياة روحية سليمة. فكتبنا موضوعاً عن التواصع، وإذ شرحنا أهميته وشروحه وما يختص به، عرضنا لموضوعين آخرين يمسان التواضع وهما الكبرياء والكرامة العالمية.

وضع الأساس اذن، بقى البناء. أول ما بدأنا به هو حياة الطهارة، فخطية الزنا هى – بعد الكبرياء – أخطر ما يحطم حياة الانسان روحياً. ثم كتبنا موضوعاً عن الغضب كخطية شائعة أيضاً. ثم تعرضنا بعد ذلك لموضوع آخر هو خطايا اللسان. فتحدثنا أولاً عن أدب الحديث والصمت، ثم خطايا اللسان عموماً. وبعد ذلك عن ادانة الآخرين كخطية شائعة أيضاً.

وبهذا نكون قد عرضنا للتوبة عموماً، ولمقوماتها ومقوياتها من اعتراف وتناول، وللخطايا الشائعة التى تعوق طريق التوبة كالكبرياء والزنا والغضب وخطايا اللسان، هنا ونعيد نفس السؤال «بقى بعد البناء»؟ هذا البناء له ناحية سلبية، وهذه قد عرضنا لها فى هذا الجزء من بستان الروح الخاص بحياة التوبة. أما النواحى الإيجابية الخاصة بالفضائل وممارستها، ومقاومات الحياة الروحية عموماً، والعبادة وتفاصيلها، فهذه لها الجزءان الباقيان من بستان الروح، لأن هذا الجزء لم يعد يتسع لمزيد..

هذا الكتاب ليس لى:

ولكنى أسمع هامساً يقول «هذا الكتاب ليس لى. مالى أنا وحياة التوبة؟! هذا الكلام يصلح للمبتدئين، أما أنا فقد اجتزت هذه المراحل منذ زمان وهذه الأمور كلها عرفتها منذ حداثتى. أريد أن أقرأ عن الدرجات العليا: عن الثيئوريا والرؤى والاستعلانات والأحلام والمواهب والحب الالهى.. »!

خطير هذا الكلام يا أخى. التوبة ليست مرحلة يجتازها الانسان، وانما هى حياة. طالما نحن نخطئ فنحن محتاجون الى توبة. وفى كل يوم نحن محتاجون الى مقاومة الخطيئة، لأن حربنا لا يمكن أن تبطل ما دمنا فى العالم وما دمنا فى الجسد وما دام لنا عدو. كل ما فى الأمر أن نوه الخطيئة يختلف كلما نما الانسان فى حياة الروح. فان كنت يا أخى لم تخطئ. فهذا الكتاب حقاً ليس لك. انه للبشر، للذين اخطأوا والذين يخطئون. وهذه الأمور – وان كنت تعرفها – الا أنك محتاج أن تذكر نفسك بها باستمرار، لئلا تكون قد نسيتها، واصبحت دون أن تحس – تقع فى خطايا المبتدئين وتجمع الحياتين معاً: الصلاة والخطية..

شهية هى الدرجات العليا يا أخى وبهجة للعيون، مبهرة للنظر حتى أن البعض – من تطلعهم اليها – نسوا أنفسهم. ولكن البناء لا يبنى أولاً من السقف بل من الأساس. حسن أن تشتهى تلك الدرجات، ولكن عليك أن تصعد اليها من اول درجة فى السلم وهى التوبة. احذر لئلا تكون شهوة ذلك العلم الروحى نتيجة لبقية من كبرياء ما زالت مترسبة فى نفسك. كنت – وأنت فى أرض الخطية – تحب أن تكون عظيماً فى الأرضيات، واذ سرت الان فى طريق المدينة المقدسة تحب أن تكون عظيماً أيضاً – بنفس الشهوة – ولكن بمظهر روحى!

تواضع يا أخى، فانك لن تستطيع أن تصل الى كمال القديسين فى فضائلهم وفى مواهبهم بقفزة واحدة. انهم لم يصلوا الى ما وصلوا اليه الا بعد عرق كثير ودموع، وبعد سقوط كثير وقيام. لم يصلوا الى عمل النعمة الكامل فيهم الا بعد أن تركتهم النعمة مراراً بمفردهم فأحسوا ضعف طبيعتهم وقوة عدوهم، واعترفوا بعجزهم أمام الله والناس، وانحنت رؤوسهم الى الأرض، وحينئذ كللتهم النعمة بالأكاليل وهم ملتصقون بالتراب. وهكذا استراحت النعمة أن تسكن فيهم، وأن تعطيهم النصرة والمواهب، واثقة أنهم سوف لا يتأذون بتلك النصرة ولا بتلك المواهب لأنهم عارفون ضعف طبيعتهم، متذكرون كثرة سقطاتهم. أما نحن يا أخى – المبتدئين فى الطريق – فليس لنا أن نتخاطف أكاليل القديسين ورؤوسنا بعد مرتفعة واثقة بذاتها شاعرة بقدرتها ونقاوتها. ان النعمة – ونحن فى حالة كهذه – لا تأتمننا على عطاياها ومواهبها. فلنجلس أولا فى مذلة لنبكى على خطايانا، ونحزن على أسوار أورشليم المحطمة وأبوابها المحروقة بالنار لنعش أولاً حياة التوبة، ولننسحق تماما ونتضع ولا نظن أننا قد أدركنا شيئاً. لنشعر دائماً أننا مبتدئون فى الطريق واننا لم نسر فيه شيئاً. ولنفحص ذواتنا جيدا، ونندم على كل خطية وكل هفوة، كل حس ردئ وكل فكر بطال. ولنقل أننا غير مستحقين لمواهب الله. وغير مؤهلين لدرجات الروح العالية، لأننا ما نزال فى دنسنا.

لنعش يا أخى هكذا، وعندئذ ستأتى النعمة من ذاتها وتزورنا وتعمل فينا عملاً. فنفرح وقتذاك، لا بعملنا وانما بعمل النعمة فينا، وهكذا نعطى مجداً لله..

ومع كل ذلك الى اللقاء فى الجزء الثانى من الكتاب.

أحد رهبان دير السريان.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

حياة التوبة

سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية
سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية