هذا الفصل هو جزء من كتاب: بستان الروح جزء أول – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
الكرامة
«من عدا وراء الكرامة هربت منه،.
ومن هرب منها بمعرفة، تبعته.
وأرشدت الناس اليه».
(مار اسحق).
المسيحية وكرامة الانسان.
لماذا أهرب من كرامات العالم؟
كيف اقتنى الكرامة؟
للفظ الكرامة استعمالات كثيرة فى الحياة الدنيا، للتعبير عن دوافع ومشاعر داخلية مختلفة. فمنها ما هو جيد كالكرامة التى تقدم لله، ولخدامه، والوالدين والمعلمين، ولمن يكبروننا سناً ومركزاً ومقاماً. وهذه كرامة واجبة نقدمها للآخرين. ومنها ما هو ردئ، كالكرامة المفتعلة التى يريد الانسان بها أن يكرمه الآخرون سواء بحق أو بغير حق، او الكرامة المزعومة التى باسمها يرتكب أفعالاً ذميمة كالاعتداء بالضرب أو القتل من أجل اهانات لحقت به او لمحو عار نشأ عن فساد خلقى لاحد ذوى قرباه. ولطالما أقضت لفظ «الكرامة» بمفهومها الخاطئ مضاجع الكثيرين، فسلبتهم سلامهم وهدوءهم وسعادتهم، وحرمتهم روح السماحة، وأحلت محلها روح القلق والسخط من الحياة والتبرم بكل ما فيها. وربما اقتادتهم الى ساحة القضاء لينالوا جزاء عادلا عن جراثم ارتكبوها بتهور ونزق..
وليس هدفنا من هذا الموضوع ان نتحدث عن أنواع الكرامات المختلفة كما عددناها، لكننا سنقصر حديثنا عن الكرامة الشخصية التى يسعى اليها الانسان لتحقيقها بمختلف الطرق والوسائل، وهى الكرامة الخاطئة من جهة دوافعها.
الكرامة المنحرفة بنت الكبرياء:
لا شك أن الكرامة المنحرفة فى فهمها وغرضها تعتبر بنتا فى بنات الكبرياء والعظمة، لأنها تستهدف دائماً كرامة الذات والدفاع عنها. والانسان المسيحى الحقيقى هو الذى خلع عنه ثوب الكرامة العالمية، ولبس التواضع كثوب متشبهاً بسيده. فهو والحال هذه، لا يقيم وزناً لكرامات العالم كما يقول الرسول.
«نحن جهال من أجل المسيح.. أنتم مكرمون، وأما نحن فبلا كرامة» (1كو 4: 10)).
بدافع الكرامة المنحرفة يثور الانسان ويغضب الغضب الردئ الذى.
«لا يصنع بر الله» (يع 1: 20).
، وهكذا يفقد وداعته، ويباعد بينه وبين سيده الوديع الذى أوصانا أن نتشبه به، فنجد راحة لنفوسنا (مت 11: 29). وباسم الكرامة المنحرفة يتعنت وتشبث لانه لا يليق به أن يتنازل عن جزء من حقه، فيكون ذلك اقلال من كرامته. وباسمها أيضاً يثور ثورات عارمة على من يهزأ بهأو يغتصب حقاً من حقوقه، قد لا تحمد عواقبها.
المسيحية وكرامة الإنسان
لكن هل معنى ما تقدم أن المسيحية تهدر كرامة الانسان وتحط من قدره فى نظر الناس والمجتمع، فلا يثور لكرامته أو يتحرك دفاعاً عن آدميته؟!
أن المسيحية تكرم الانسان جداً، وترفع من قدره باعتباره تاج الخليقة وسيدها دون منازع. لكنها ديانة روحية، تستهدف خلق مجتمع روحى، واستئصال روح الشر من الانسان، والعودة به الى صورته الاولى قبل الخطية، حينما خلقه الله على صورته كشبهه (تك 1: 26). فهى حينما توصينا أن نحب أعدائنا. ونبارك لاعنينا، ونحسن الى مبغضينا، ونصلى لأجل الذين يسيئون الينا (مت 5: 44). انما تفعل ذلك لكى تنصلح حال هؤلاء وأولئك، فلا يعودوا أعداء بل أحباء. وحينما تفعل ذلك، لا تجعل منا أناسا سلبيين خائفين، بل ايجابيين خيرين. هى تعطينا سلاحاً قوياً نقهر به أعدائنا، لكنه سلاح الخير الذى يستأصل الشر من جذوره.
«لا يغلبنك الشر بل أغلب الشر بالخير» (رو 12: 21)).
وهكذا يكون الاحتمال هنا صادراً عن قوة وليس عن ضعف لأن.
«مالك روحه خير ممن يأخذ مدينة» (أم 16: 32)).
والامر واذح كل الوضوح فى حياتنا الخاصة، من أن اتمام امثال هذه الوصايا – الذى يحسب البعض أن فى تنفيذها امتهاناً لكرامة الانسان - يكسب المرء كرامة وقدرا عن طريق الوداعة والمحبة، لا عن طريق الخشونة والتعالى، ويحول الاعداء الى أحباء، والخصوم الى أصدقاء.
وليس هذا قاصرا على الحياة الخاصة فحسب بل يشمل الحاية العامة والسياسية كذلك. وقد برهن زعيم الهند غاندى، بما لا يدع مجالا للشك، أن أمثال هذه المبادئ السامية، يمكن تنفيذها عملياً وتأتى بأطيب النتائج. وان أنت فعلت هذا تكون قد عملت معجزة تعجز القوة الغاشمة عن تحقيقها.. ولم يقل احد، ولن يقول أن الذى يزحزح جبال الكراهية من النفوس ويزيل معالمها، ويمهد القلوب بالمحبة والاتضاع، يكون قد فقد كرامته وأهدر شر انسانيته، بل العكس هو الصحيح. ولم يقل أحد عن الزعيم غاندى، والذى آمن بأمثال هذه المبادئ، أنه رجل ضعيف أو معنوه، بل رفعوه الى منزلة التقديس بعد أو وقف هو وأتباعه عزلا من كل سلاح مادى أمام الامبراطورية التى كانت لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها، وانتصر فى النهاية.
ولو تحركت النخوة والغيرة فى رجل نحو عذراء له أخطأت، أو سيدة تنكبت السلوك الخلقى القويم وقتلها زعماً منه أنه بذلك يغسل عاره بدمائها حرصا على كرامة أسمه واسم عائلته، لارتكب خطا كبيراً. فما بمثل هذه الطرقة، يمكن أن تعالج أمثال هذه الاخطاء. فالذى يفعل ذلك، يدل على أنه أسرع وبتر عضوا مريضاً كان يمكن علاجه، وهكذا يكون قد صحح خطأ بخطأ. لقد سلك المسيح الهنا سلوكا مغايراً لذلك فى معاملته لبعض الزانيات الساقطات، وأفسح مجال التوبة أمامهن، فخلق منهن عضوات نافعات فى المجتمع الانسانى، تحولن الى خادمات قديسات.
الله يثأر لكرامة أولاده:
ان ما أوردناه فيما سبق خاص بكرامة الانسان على ضوء تعاليم الشريعة المسيحية السمحاء. لقد أبنا أننا، فيما لا نجازى أهل العالم فى التشبث بمعانى الكرامة الخاطئة، انما نبنى النفوس ونكسب كرامة أفضل. هذا من الناحية الروحية الشخصية.
لكن هناك ناحية أخرى الهية، تجعلنا نكف عن المطالبة بكرامتنا الذاتية، فالله الحريص على كرامة أولاده – دون أن نطلب منه انتقاماً من أحد – يثأر لنا ويقتص من مقاومينا، ويذل أعداءنا ومبغضينا، ويرد لنا الكرامة مضاعفة. ولا عجب فى ذلك، وهو القائل.
«الذى يرذلكم يرذلنى» (لو 10: 16)).
فان كان يعتبر رذلنا وأهانتنا – من أجل اسمه – رذلا واهانة له، أفلا نسترد كرامتنا حينما يثور هو لكرامته؟! قال معلمنا بولس الرسول.
«اذ هو عادل عند الله، ان الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقا» (2تس 1: 6)).
وقديماً أتى كوشى وبشر والملك داود قائلاً.
«الرب قد انتقم لك اليوم من جميع القائمين عليك» (2صم 18: 31)).
وقديما أيضاً قال موسى لشعبه قبيل عبورهم البحر الأحمر.
«لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب الذى يصنعه لكم اليوم.. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون» (خر 14: 13).
، 14). لا تسع نحو الكرامة، وأترك السماء تعلن كرامتك.
قصة:
ويحمل لنا التاريخ المعاصر قصة أب كاهن قديس كان فى أحدى قرى الصعيد أثناء الحرب العالمية الاولى. هذا قصد الى عمدة تلك القرية وطلب اليه قبول رجائه فى أمر معين. ولما كان ذلك العمدة رجلا أكلت العصبية الحمقاء قلبه، فقد قابل ذلك الأب مقابلة جافة، وأساء معاملته، بل قام وصفعه على وجهه كنوع من التشفى. انصرف الكاهن والدم يغلى فى وجهه من أثر الصفعة وقصد لتوه لكنيسته التى كانت باسم الشهيد مارجرجس، حيث كانت هناك خدمة دينية تنتظره وفيما هو فى الكنيسة يصلى، اذا بالعمدة يسير فى احدى طرق القرية، حيث قابله فارس يمتطى جوادا، أوقفه وسأله عن السبب الذى لاجله أهان الكاهن. ودون أن ينتظر منه جوابا، صفعه على وجهه صفعة قوية أفقدته أحدى عينيه. وللخال اختفى ذلك الفارس، الذى لم يكن سوى الشهيد مارجرجس.
قصة أخرى:
وثمة قصة أخرى حدثت فى بداية هذا القرن فى أحدى قرى الصعيد أيضاً. كان ذلك فى احدى ليالى شهر كيهك حيث تقيم الكنيسة التسبحة الكيهكية (سبعة وأربعة). وكانت كنيسة تلك القرية باسم الشهيد مرقوريوس (أبى السيفين)، وخادمها كاهن مسن على جانب كبير من البساطة. وحدث فى تلك الليلة أن الاب الكاهن، فيما كان يسير عند أطراف القرية فى طريقه الى الكنيسة، اذا قاطع طريق يدعى بلال استوقفه وطلب اليه أن يعطيه ما يحمله من مال. ولما لم يكن مع الكاهن شئ، أراد أن يفتشه فرفض. فما كان من اللص إلا أن فتشه بالقوة، واذا لم يجد معه شيئاً صفعه على وجهه وتركه.. اتجه الاب الكاهن من فوره الى الكنيسة وهناك وحد المرتل وبعض الشمامسة يرتلون بعض التراتيل والمدايح فى انتظاره. بدأ ذلك الكاهن التسبحة الكيهكية كعادته، وماهى الا فترة قصيرة حتى قطع الصمت الذى ران على الكنيسة، صوت طلق نارى مزق سكون الليل فى تلك القرية الهادئة. وتساءل الناس فقيل لهم «بلال مات بطلق نارى». وما أن علم الاب الكاهن بذلك، حتى استأنف التسبيح بحماس زائد. ومن عجب أن رجال الامن، فى معاينتهم للحادث، لم يجدوا أثراً لذلك الطلق النارى الذى قتل بلال. وأصبح الامر واضحاً أن معجزة عملها الرب اظهارا لكرامة خادمه.
أرايت يا أخانا كيف أن الرب يرد اليك كرامتك التى أريد أهدارها وأنت صامت؟ أنه يردها لك مضاعفة، وبطريقة تعجز أنت عنها.
الإنسان فى نظر الله
لا تحسب يا أخانا انك كم مهمل فى نظر الله، بل أنت مخلوق محبوب لديه، ومكرم أكثر من كل الخليقة..
(ا) الانسان أعظم من كل الخليقة:
أنت المخلوق الوحيد الذى خلقه الله على صورته ومثاله، والمخلوق الخالد الذى لن يفنى. أنت أعظم من الكون وكل ما فيه، بل أنت سيده، الذى تخضع لك كافة الخليقة المنظورة. فقد خلقت الخليقة كلها لتكون فى خدمتك.
«لتتسلط على سمك البحر وطير السماء وكل حيوان يدب على الارض» (تك 1: 28)).
انت لم تفقد سلطانك على الوحوش والحيوانات المفترسة الا بعد أن فقدت سلطانك على ذاتك بالخطية، وما زلت تستطيع أن تسترد هذا السلطان بالتحرر من نير الخطية، كما نلاحظ فى حياة القديسين الذين يتآنسون مع الوحوش.
أنت الوحيد الذى جمله الله بموهبتى العقل والنطق. أنت الذى وضع الله لذته فيك (أم 8: 31). أنت الذى غسل الرب قدميك. أنت الذى أعطاك الرب جسده ودمه، وهو ما تشتهى الملائكة أن تطلع عليه، لكى تثبت فيه وهو فيك.
أنت الذى يقرع الله على بابك، ويود أن تفتح له، ليصنع عندك منزلاً (رؤ 3: 20، يو 14: 23). أنت الذى – بالايمان – تأمر الارواح الشريرة فتطيعك. أنت الذى – اذا كنت كاهناً – لك سلطان حتى على السماء تحل وتربط فيها (مت 18: 18). أنت واحد ممن قال عنهم.
«أنا أمضى لاعد لكم مكاناً. وان مضيت وأعددت لكم مكاناً آتى أيضاً وآخذكم الى، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً» (يو 14: 2).
، 3). أنت الذى تتكئ فى وليمة الملك، وتكون فى معيته.
«حيث أكون أنا هناك أيضاً يكون خادمى» (يو 12: 26)).
أنت الذى قال الرسول عن أعضاء جسدك أعضاء المسيح (1كو 6: 15). أنت الوحيد الذى قيل عنك أنك هيكل لله، وروح الله يسكن فيكم (1كو 3: 16). أنت الذى – بالايمان بابن الله – تعمل الاعمال التى كان يعملها وأعظم منها (يو 14: 12).
(ب) لاجل الانسان تجسد الاله وتألم:
انت يا الهى الذى لا تسعك السموات على رحابتها، حللت فى أحشاء عذراء لأجلى... «أنت الذى ولدت بشبهى لتلدنى بشبهك. ولدت فى مغارة مثل من ليس له بيت ولا مأوى، وأنت خالق الارض والسماء وملجأ كل العالم. لففت بالخرق وأسندوك على التراب فى المزود كأفقر فقير فى هذه الحياة، وأنت مصدر الغنى وفخر الحياة. حملوك وهربوا من وجه انسان ظالم، وأنت ميناء المتعبين وملجأ الهاربين. اضطهدت مثل مستحق الموت، وأنت معطى الحياة لكل ذى جسد. اعتمدت بالماء لتقدسنى وأنت قدوس القديسين.. أهنت لتكرمنى، وأقمت ذاتك لترفع رأسى. شربت الخل والمر لتعطى الحلاوة لحلقى بعد أن شربت المر بارادتى من يد العدو»[5].
أنت الذى أحتملت الهزء والعار لتكرمنى، وذقت الموت بإرادتك لتحمينى. أنت يا من لم تعرف الخطية جعلت خطية لنصير نحن بر الله فيك (2كو 2: 21).
(ﺠ) الانسان هو ابن الله الذى تخدمه الملائكة:
أنت يا أخى الانسان المشابه لصورة ابن الله.
«ليكون بكرا بين اخوة كثيرين» (رو 8: 29)).
أنت حبيب الله، الذى شرفك بأن دعاك أخاً له، وقال لمريم المجدلية بعد قيامته.
«اذهبى الى اخوتى وقولى لهم» (يو 20: 17)).
أنت الذى لك ملاك يحرسك. أنت الذى ملاك الله حال حولك وينجيك (مز 34: 7)، أنت الذى تخدمك الملائكة كعتيد أن يرث الخلاص (عب 1: 14). أنت الذى تحبك الملائكة وتفرح بتوبتك (لو 15: 10). أنت الذى تهللت الملائكة لخلاصك وبشرت الرعاة (لو 2: 8 - 14). أنت الذى الملائكة فى خدمتك، تخرجك من الضيقات، وتسد عنك أفواه الاسود، وتطفئ لهيب النار، وتطلب وتشفع فيك..
والآن هل عرفت يا أخى قدر نفسك، وقدر كرامتك؟ الا تزداد يقينا الآن أن المسيحية تكرم انسانيتك كرامة رفيعة، وان كان بطرق تغاير طرق العالم، لانك لست من هذا العالم (كو 15: 19)!!
لماذا أهرب من كرامات العالم؟.
اتضح مما أوردناه سابقاً أن هناك نوعين من الكرامة: كرامة الهية، وكرامة عالمية. فما هى حقيقة الكرامة العالمية، ولماذا يجب على أن أهرب منها؟
(أ) لانها تافهة وباطلة:
ان كرامات العالم، مهما تنوعت صورها وضخامتها، لا تعدو أن تكون خداعاً. انها كالسراب الخداع الكاذب فى بيداء هذه الحياة، يراه الانسان على مرمى البصر، فيجعله هدفاً له، يرنوا اليه، ويسعى نحوه، لكن مهما جد فى طلبه، فلن يدركه، كالظل الذى يلحقه صاحبه.
انها أمور تافهة اذا قيست بالكرامة الحقيقية التى يعطينا الله. ولذا يقول الحكيم ابن سيراخ «تطلب من الرب سلطة ومنبر الكرامة من الملك» (سى 7: 4). ان الكرامة التى يقدمها لنا العالم، أما فى كلمات رنانة، او القاب طنانة، أو مراكز مغرية، أو ثروة طائلة.. لكنها باطلة.
فسليمان بن داود ملك اسرائيل، الذى خبر كل هذه الامجاد الزائلة، وشهد عنه الكتاب انه لم يكن رجل مثله فى الملوك كل أيام (1مل 3: 13)، أفرغ جماع اختباراته عن الحياة وكرامتها الزائلة التافهة فى كلماته الخالدة.
«باطل الاباطيل الكل باطل.. أنا الجامعة كنت ملكاً على اسرائيل فى أورشليم، ووجهت قلبى للسؤال والتفتيش بالحكمة عن كل ما عمل تحت السموات. هو عناء ردئ جعلها الله لبنى البشر ليعنوا فيه. رأيت كل الاعمال التى عملت تحت الشمس، فاذا الكل باطل وقبض الريح» (جا 1: 2).
، 12 - 14). وقال أيضاً أنا ناجيت قلبى قائلاً: ها أنا قد عظمت وأزددت حكمة أكثر من كل من كان قبلى.. فعرفت أن هذا أيضاً قبض الريح. لأن فى كثرة الحكمة كثرة الغم، والذى يزيد علماً يزيد حزناً "(جا 1: 16 - 18). كما قال.
«مهما اشتهته عيناى لم أمسكه عنهما. لم أمنع قلبى من كل فرح.. ثم التفت أنا الى كل أعمالى التى عملتها يداى، والى التعب الذى تعبته فى عمله، فاذا الكل باطل وقبض الريح ولا منفعة تحت الشمس» (جا 2: 10).
، 11).
ارأيت يا أخى الى ما قاله سليمان؟ أو تظن أنك مهما سموت فى قدرك وحكمتك وغناك تبلغ الى ما بلغه؟!
(ب) لانها وقتية:
ان كرامات العالم قصيرة. فالسيد المسيح أراه ابليس.
«جميع ممالك المسكونة فى لحظة من الزمان» (لو 4: 5)).
نعم فى لحظة من الزمان وهذا يشعرنا بسرعة زوال أمجاد العالم!!
لقد احتفلوا بالمسيح ملكا فى يوم الاحد وهتفوا «أوصنا»، وبعد أربعة أيام هتفوا أمام بيلاطس «اصلبه. أصلبه». فما أقصر زمان كرامات العالم!! وفضلاً عن أنها قصيرة فهى أيضاً وقتية. فالمختفى بهم، يلبسون فى الحفلات أفخر الثياب، يتزينون بها. ولكن ما أن يقبل المساء ويحل أوان النوم والراحة حتى يضطرون الى خلعها، اذا لا يمكنهم أن يرتاحوا وهم لابسوها. هكذا نحن أيضاً سيدركنا ليل حياتنا – الموت – ولابد لنا أن نخلع هذه الاشياء الزائلة رغم رادتنا. وعلى ذلك فمن الاوفق والاكرم أن نتخلى عنها بارادتنا ونحن أحياء بالجسد قبل أن نتخلى عنها رغم أرادتنا بالموت.. لقد وقف القديس الانبا أنطونيوس أمام جسد أبيه المتوفى، وهو بعد فى المنزل، ونظر اليه ثم قال «لقد خرجت أنت من العالم بغير ارادتك، أما أنا فسأخرج منه بارادتى».
وكرامات العالم أيضاً لا تدوم معنا فى العالم الآخر. فنحن لا نستطيع أن نأخذ منها شيئاً فى حياتنا الاخرى. فباب الملكوت الضيق لا يسمح الا بدخولى عرياناً «عرياناً خرجت من بطن أمى، وعريانا أعود الى هناك» (أى 1: 21). وان كنا سنوجد عراة أمام كرسى المسيح الديان، فقل لى يا أخى أن كنت هناك تستطيع أن تميز الملك من الصعلوك، أو العالم من الجاهل أو الغنى من الفقير...!!
(ﺠ) لانها محفوفة بالمخاطر:
قال القديس يوحنا ذهبى الفم «الرأس كثير الاوجاع»، كما قال أيضاً «عجبى لرئيس يخلص». وما ذلك الا لان هناك أخطارا كثيرة تصاحب كرامات العالم وأمجاده، والمناصب الكبيرة والمراكز الرئاسية. فكلما ارتفعت مكانة الانسان الاجتماعية، وارتقى فى منصبه، كلما كان ذلك مدعاة لازدياد أعبائه والتزاماته ومشغولياته، ولوجد ذاته مقيدا بربط كثيرة، يعسر التحرر منها. وغير خاف ما يترتب على هذه الربط الكثيرة المنوعة من مشغوليات يغدو من العسير معها أن يهتم الانسان بخلاص نفسه اهتماماً كبيرا. ومع الكرامات التى تصاحب المناسب الكبيرة، تأتى المشاكل المعقدة أيضاً، التى هى بمثابة الاشواك التى تحاول خنق الانسان روحياً. ومعها أيضاً تشتد حروب الكبرياء، ويتجرد شيطان المجد الباطل لقتالنا.
ولا تقتصر مخاطر الكرامات العالمية على هذا الدهر فقط، بل تتعداه الى الدهر الآتى. قال القديس ايرونيموس «أنه لصعب جداً أن يتمتع الانسان بالخيرات الحاضرة والمستقبلة. وأن ينتقل من الافراح الزمنية الى الافراح الدائمة الابدية. وأن يكون معتبراً ومكرماً هنا وهناك». وحينما قدم يوسف أبنيه افرايم ومنسى لابيه يعقوب اسرائيل ليباركهما، أقام الاكبر وهو افرايم عن يمينه، ومنسى وهو الاصغر عن يساره، حسب ما هو متبع فى العالم من اكرام الاكبر. لكن يعقوب خلف يديه ووضع يمينه على رأس منسى، وشماله على رأس افرايم. هذا هو ما يفعله الله فى نهاية العالم، يمنح التقدم للصغار والمساكين بالروح والمهانين فى هذه الحياة الدنيا.. وقد أوضح لنا الرب ذلك فى مثل الغنى ولعازر المسكين (لو 16: 13 - 19). لقد انقلب الحال بعد موتهما. فبعد أن كان لعازر «يشتهى أن يشبع من الفتات الساقط من مائدة الغنى»، طلب الغنى من ابراهيم أن يرسل لعازر ليبطل طرف أصبعه بماء ويبرد لسانه.
فما أكثر الاخطار التى تتهدد حياتنا نتيجة سعينا وراء الكرامات العالمية...!!
(د) لانها تعدمنا بركات الله
قال معلمنا بولس الرسول «ديماس قد تركنى اذ أحب العالم الحاضر» (2تى 4: 10). كثيراً ما بهرت أضواء الكرامات العالمية أنظار أولاد الله، فأخرجتهم من الحظيرة. أنها كالسيول الجارفة التى يخشى، أن نحن اقتربنا منها أن تجرفنا معها. وهى كالقطب المغناطيسى الكبير الذى لو دخلنا فى مجاله لجذبنا اليه، ولاكتسبنا خواصاً جديدة غير خواصنا الاصلية التى لاولاده الله، تماما كما يحدث لقطعة الحديد التى حينما تدخل فى مجال مغناطيسى لابد وأن تنجذب الى القطب الذى أحدثه، وتكتسب خواصاً جديدة، بل تصبح هى الاخرى مغناطيساً! هكذا تكون كرامات العالم سببا فى حرماننا من بركات الله. فكثيرون من اليهود فى زمن المسيح آمنوا به.
«غير أنهم بسبب الفريسيين لم يعترفوا به لئلا يصيروا خارج المجمع لأنهم أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله» (يو 12: 42).
، 43). وبيلاطس حكم على يسوع بالموت، وهو حاكم باطلاقه، ومقتنع ببراءته، وذلك خوفا على مركزه (يو 19: 12، 13). وهيرودس قتل أطفال بيت لحم لكى يتخلص من المخلص فيدوم ملكه (مت 3). وفيلكس الوالى فى قيصرية، رغم انه ارتعب بينما كان بولس يكلمه عن البر والتعفف والدينونة، لكنه تركه مقيدا لانه كان «يريد أن يودع اليهود منة» (1ع 24: 27).
قال القديس الانبا باخوميوس اب الشركة «اذا اكرمك انسان فلا يفرح قلبك بل أحزن، لأن بولس وبرنابا لما أكرمهما الناس شقا ثيابهما، وبطرس وباقى الرسل لما افتروا عليهم وجلدوهم، فرحوا، لانهم حسبوا أهلاً لأن يهانوا من أجل الاسم العظيم». كما قال أيضاً «لقد طلبت حواء مجد الالوهية فتعرت من المجد الانسانى، كذلك من يلتمس مجد الناس يحرم من مجد الله».
كيف أقتنى الكرامة؟.
(أ) باقتناء الله ذاته:
قال سليمان الحكيم عن الحكمة (المسيح).
«أنا الحكمة.. عندى الغنى والكرامة» (أم 8: 18)).
فما أبدع هذا القول، وما أعمقه، وأكثر صدقه! أن المسيح الهنا عنده الغنى والكرامة، لانه هو.
«المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم» (كو 2: 3).
! فمن أراد أن يقتنى الكرامة الحقيقية فليقتن أولاً المسيح الذى فيه كل المشتهيات. أنه الكنز المخفى فى أعماقنا ولا نشعر به (مت 13: 44).
أى كرامة تنالك يا أخانا، حينما يكون المسيح حالا فى هيكلك الضعيف، حينما تحمله كما حملته أمه العذراء مريم، حينما يكون معك فتحس أن الذى معك أكثر من كل الذين عليك (2 مل 6: 16)، حينما يعطيك فما وحكمة لا يقدر جميع معانديك أن يقاوموها أو يناقضوها (لو 21: 15)؟!!
أن الرب يكرم اصفياءه واتقياءه. قال الرسول.
«مجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح» (رو 2: 10)).
لقد أكرم الرب قديسه يوحنا ذهبى الفم بطريرك القسطنطينية بسبب نسكه وغيرته وخدمته، فاحتل اسما عظيماً شاع فى الكنيسة كلها، ونال حبا شديداً فى قلوب شعبه، وكرامة لم ينلها الملك أو الملكة فى وقته، حتى أن من كانت له شكاية عليهما كان يذهب اليه. لقد صدق الرسول بولس حينما قال.
«لا ينال أحد هذه الكرامة من نفسه» (عب 5: 4)).
وحتى لو مضى وقت نحسب فيه أن العالم أهمل أولاد الله أو نسيهم أو أسقطهم من حسابه، لكن الله يعود فى الوقت المناسب ويظهرهم للعالم. أليسوا هم نور العالم، وملح الارض، ورائحة المسيح الذكية؟. فهل يقدر العالم أن يحيا فى ظلام مستغنياً عن النور، وبغير ملح يمنعه من الفساد، تفوح منه رائحة النجاسة والخطية؟! ان الحياة الدنيا لا تستقيم بغير وجود الاتقياء والقديسين، وأن كانوا دائماً قلة فى العالمين، لانها فى حاجة اليهم، حتى لو اضطهدتهم وأذلتهم.
لقد كان الفتى الصغير داود يرعى الغنم، منسياً من أبيه، فأخذه الله من المراعى وأقامه ملكاً على شعبه. وأختفى يوحنا المعمدان فى البرارى. لكن الله أعطاه كرامة ومجداً، اذ شهد عنه بأنه «لم يقم بين مواليد النساء اعظم منه».
ويعوزنا الوقت أن نحن تكلمنا عن المواهب الالهية التى أعطاها الله لاتقيائه وأصفيائه وقديسيه، فصنعوا المعجزات، وشفوا المرضى، وأقاموا الموتى، ونقلوا الجبال، وسدوا أفواه الاسود، وجازوا النيران ولم يحترقوا.. أفهل توجد كرامة أفضل من هذه؟!
طوبى للانسان الذى يقتنى الله فى قلبه، فانه يصبح عرشاً لمولاه، وهيكلاً طاهراً لسكناه.
(ب) بالاتضاع:
قال الحكيم.
«ثواب التواضع ومخافة الرب هو غنى وكرامة حياة» (أم 22: 4)).
ان كرامات العالم ليست الا خيالاً أو ظلاً، لا يمكن اللحاق به والاستحواذ عليه. أو بعبارة أخرى لا يكون هذا الظل الا فى حالة واحدة، حينما تنطرح أرضاً. هكذا الكرامة لن تحصل عليها الا بالاتضاع. وهذا ما عبر عنه داود النبى بقوله.
«لصقت بالتراب نفسى، فأحينى حسب كلمتك» (مز 119: 25)).
ويقول الحكيم.
«مخافة الرب أدب وحكمة، وقبل الكرامة التواضع» (أم 15: 33)).
كما قال أيضاً.
«قبل الكسر يتكبر قلب الانسان. وقبل الكرامة التواضع» (أم 18: 12)).
أرأيت يا أخى الى يوحنا المعمدان كيف كان منكراً لذاته، وحينما سألوه اذا كان هو المسيح، أجاب.
«لست أهلاً أن أحل سيور حذائه» (لو 3: 16)).
ولما جاء ملء الزمان ليبدأ الرب عمله الكرازى، تقدم الى يوحنا ليعتمد منه، وهناك كرم حبيبه، وأخذ يده التى قال انه غير مستحق أن يحل بها سيور حذائه وكرمها بأن وضعها على رأسه فى مياه الاردن!
أرأيت كيف يكرم الرب الفقير الجالس فى التراب، ويرفع البائس من المزبلة ويجلسهما مع رؤساء شعبه (مز 113: 7، 8)؟ لقد نال رب المجد الكرامة بتحمله الاهانة بارادته «لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم» (فى 2: 9).
(ﺠ) بالزهد فيها:
ان زهدنا نحن فى كرامات العالم من أجل الله، فالله يحبنا ويكرمنا. قال مار اسحق «أزهد فى العالم يحبك الله، وازهد فيما فى يد الناس يحبك الناس». وقال أيضاً «ان حقرت ذاتك لكى يكرمك الناس، فالرب يفضحك. وان أنت ازدريت بذاتك واحتقرت نفسك وأعمالك فى قلبك بالحق من أجل الحق، فالله يوحى الى جميع الخليقة لتكرمك».
قال الله لسليمان بن داود ملك اسرائيل.
«من أجل انك سألت هذا الامر (الحكمة)، ولم تسأل لنفسك أياما كثيرة، ولا سألت نفسك غنىن ولا سألت أنفس أعدائك، بل سألت لنفسك تمييزا لتفهم الحكم، هوذا قد فعلت حسب كلامك. هوذا أعطيتك قلباً حكيماً ومميزا، حتى أنه لم يكن مثلك قبلك ولا يقوم بعدك نظيرك. وقد أعطيتك أيضاً ما لم تسأله غنى وكرامة حتى أنه لا يكون رجل مثلك فى الملوك كل أيامك» (1مل 3: 11 - 13)).
فسليمان حينما رأى الرب زهده فى أمجاد العالم وكراماتها، وأعطاها أياه الرب دون أن يسألها منه.. وحتى بعد أن أعطيت هذه الكرامات لسليمان، وبعد أن خبر كل شئ بخصوصها، قال عن اختبار.
«باطل الاباطيل الكل باطل. ما الفائدة للانسان من كل تعبه الذى يتعبه تحت الشمس. دون يمضى ودور يجئ، والارض قائمة الى الابد.. كل الانهار تجرى الى البحار، والبحر ليس بملآن. الى المكان الذى جرت منه الانهار، الى هناك تذهب راجعة» (جا 1: 2 - 7)).
ثم أين.
«عظماء هذا الدهر الذين يبطلون» (1كو 2: 6).
؟ أين الاسكندر الاكبر، ويوليوس قيصر، ونابليون بونابرت، وهتلر؟ أين هم الآن؟ أن كنت لا تعرف، فسل اللحود لتخبرك، والتراب لينبئك!! أما قديسو الله الذين زهدوا فى كرامات العالم وأمجاده، فما يزال ذكرهم حيا، ولذا قال الرسول عن أمثال هؤلاء.
« وأن مات يتكلم بعد» (عب 11: 4)).
ما زال ذكرهم حيا يعملون المعجزات بين الناس سواء بقدوتهم الطيبة وحياتهم المقدسة أو بشفاعتهم المقبولة لدى الله.
لقد ازدرى موسى النبى بمجد فرعون وقصره.
«حاسبا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر» (عب 11: 26).
، فأقامه الله مدبرا لشعب اسرائيل، بل جعله الها لفرعون (خر 7: 1).
(د) بالفرار منها:
ان الكرامة التى اقتناها القديسون، لم يقتنوها بالراحة ولا بالتعب لاجل أحرازها، بل بالفرار والهرب منها. وفى ذلك يقول مار اسحق «من عدا وراء الكرامة هربت منه، ومن هرب منها بمعرفة تبعته وأرشدت الناس اليه».
حينما تشعر أن كرامات العالم أحاطت بك، وبدأ الناس يمدحونك كثيراً أهرب. فالسيد المسيح لما أرادوا أن يجعلوه ملكاً هرب منهم وانصرف الى الجبل وحده (يو 6: 15)، مع أنه كان عم الملك فى حكمه وعدله، ان آدم الاول اشتهى الكرامة فنزعت عنه، وآدم الثانى – الرب يسوع – هرب من الكرامة «فرفعه الله.. وأعطاه اسما فوق كل اسم» (فى 2: 9).
والتاريخ خير شاهد على ذلك: فالقديسون الذين هربوا من كرامات العالم نالوا من الله كرامة عظيمة وحفظت أسماؤهم، لا فى الارض وحدها، بل فى السماء أيضاً: فسطنطين امبراطور الدولة الرومانية حينما سمع بخبر الانبا انطونيوس، أرسل اليه يطلب بركة له ولاولاده ولمملكته. والانبا موسى الاسود الذى كان قبل توبته ورهبنته رئيسا لعصابة لصوص، سعى اليه أحد حكام مصر فى البرية لكى يراه. والقديس الانبا صرابامون أبو طرحة أسقف المنوفية فى القرن الماضى، الذى كان بائعاً متجولاً يبيع الزيت على الدابة قبل رهبنته، سعى اليه والى مصر – محمد على باشا – ليشفى له ابنته التى كان بها روح نجس.
ومن خير الامثلة التى نسوقها فى هذا الصدد: سيرة القديس الانبا متاؤوس البطريرك 87 الذى يعتبر من أعظم البطاركة الذين تبوأوا الكرسى المرقسى. قداسة وروحانية. فلما رقى الى درجة القسيسية وهو فى سن الثامنة عشر ترك ديره هربا من المجد الباطل وقصد دير القديس أنطونيوس. وهناك أنكر ذاته ولم يظهر أنه قسن بل كان يخدم كشماس بسيط. ولكن الكرامة التى هرب منه الحقته فى المكان الجديد وأظهرها الرب بقوة معجزية. ففى ذات مرة، أثناء القداس الالهى، خرجت يد من الهيكل وأعطته البخور ثلاث دفعات عند قراءة الانجيل. فلما نظرها بعض الشيوخ الرهبان القديسين وتحققوا من رؤيتها، أعلموه أنه لابد أن يصير بطريركاً. فلما سمع هذا منهم حزن جداً وترك الدير قاصدا أورشليم هربا من الكرامة. وهناك عمل كأجير يأكل من كده. ولكن الكرامة لاحقته أيضاً فى ذلك المكان الجديد، فقد علم بالروح مكان كمية من المال كانت قد سرقت من راهب غريب أتى وشكا اليه، وأحضرها له، فكان هذا سبباً فى اشتهار أمره فى تلك الجهات. فهجرها فراراً من المجد الباطل الى دير الانبا انطونيوس ومنه الى الدير المحرق. ولما خلا الكرسى البطريركى عقب نياحة البابا غبريال الرابع استقر رأى أراخنة الشعب على ترشيحه لمنصب البطريركية، فهرب منهم وقصد الى مركب كانت راسية على شاطئ النيل، مريداً بذلك الهرب الى البلاد القبلية. لكن الرب أنطلق طفلاً صغيراً وأعلم الاراخنة بمكان أختفائه، فذهبوا اليه وأمسكوه. وقد تحايل أثناء ذلك بطرق مختلفة للهروب من المنصب وكرامته، حتى أنه لما وجد أنه لا وسيلة للهرب اخذ مقصا وقطع به طرف لسانه حتى يصير أخرساً، لكن الرب الذى أطلق لسان زكريا أطلق لسانه أيضاًز فما كان منه فى النهاية الا أن أحنى رأسه فى خضوع واستسلام وقبل رتبة البطريركية رغم ارادته.
وهكذا تعطينا هذه القصة الفذة وغيرها من سير الاباء وتواريخهم صوراً حية على أن الفرار من كرامات العالم هو وسيلة هامة لاقتنائها، مصداقاً لقول مار اسحق «من عدا وراء الكرامة هربت منه، ومن هرب منها بمعرفة تبعته وأرشدت الناس اليه».
[5] - عن صلاة لمار يوحنا سابا (الشيخ الروحانى).
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.