أدب الحديث «والصمت»

أدب الحديث « والصمت»

«بكلامك تتبرر، وبكلامك تدان» (متى 12: 37).

الكلام الجيد والردئ.

بعض ارشادات وآداب للحديث.

بعض آداب المناقشة.

الصمت.

اللسان وخطورته

موهبة النطق:

عرف الفلاسفة الاقدمون الانسان بأنه «حيوان ناطق»، وذلك لأن النطق هو من أهم المميزات التى تميز الانسان «تاج الخليقة». وعلى هذا. فاننا ننظر الى النطق على أنه موهبة عظيمة خص الله الانسان بها، كقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس فى قداسه التأملى العجيب «أعطيتنى موهبة النطق».

حقاً ما أسمى هذه الموهبة التى وهبنا الله أياها! فهى وسيلة التفاهم والتعاون بين البشر. وهى وسيلة الصلاة والترتيل والتسبيح. هى وسيلة التعليم والوعظ والارشاد، وهى وسيلة التقويم والتهذيب. هى وسيلة تعزية المتألمين والمتضايقين، وهى وسيلة الدفاع عن الحق (1بط 3: 15)، والمحاماة عن المساكين والمظلومين (أم 31: 8، 9). هى وسيلة التسلية والعزاء بين الأحباء، بل هى وسيلة الربط وتمكين الحب. ورسالتها تتعدى هذه الحياة الدنيا، إلى الحياة العتيدة، حينما نشارك غير المرئيين تسبيحهم، وتختلط أصواتنا بأصواتهم نبارك الجالس على العرش الحى الى أبد الآبدين.

العضو الصغير:

واللسان هو عضو الجسم الصغير، الذى خلقه الله ليؤدى وظيفة حيوية، ويتعاون مع باقى الاعضاء على النشاط وأداء وظائف الحياة. وله وظيفتان: تذوق الطعام، والتعاون مع الشفتين وبقية أعضاء الصوت على التعبير الكلامى. وحين نتكلم عن خطايا اللسان نقصد الكلام الذى يصدر من الانسان، ويعتبر خطية.

وأخطاء اللسان ليست خاصة به، بل هى أخطاء عقله وطبيعته الداخلية. وما اللسان الا الآلة التى يوقع عليها الانسان أفكاره ومشاعره، مثلما يوقع الموسيقى أفكاره على الله. اللسان أذن آلة توقيع أو تعبير. ولكنها أهم بكثير من اليد والوجه اللذين يستعملان كذلك للتعبير عما لدى الانسان من أفكار.

وتنسب أخطاء اللسان اليه من قبيل نسبة الشئ الى فاعله، وان كانت فى الواقع أخطاء العقل أو القلب. فلو كان المرء طاهرا، نطق لسانه بكلمات طاهرة، وحين يكون القلب فاسدا ينطق اللسان بالفساد.

العضو الخطير:

(1) سلاح ذو حدين:

اللسان عضو صغير، لكنه نار تحرق!! انه سلاح ذو حدين. فكما رأيناه وسيلة مقدسة نافعة، فهو يمكن أن يكون أيضاً وسيلة لارتكاب خطايا ورذائل شنيعة، بسببها يأتى غضب الله على أبناء المعصية. قال القديس يوحنا الدرجى «سكوت المسيح تعجب منه بيلاطس، وكلمة قالها بطرس بكى لأجلها بكاء مرا».

وتبدو خطورة هذا العضو المختفى فى أفواهنا، اذا عرفنا أنه سلاح ذو حدين، يستخدمه الناس فى الخير والشر،.

«به نبارك الله الآب، وبه نلعن الناس الذين قد تكونوا على شبه الله. من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة» (يع 3: 9).

، 10). وقد أفاض الحكماء فى ذكر هذه الحقيقة، محذرين البشر منها. قال سليمان الحكيم.

«الموت والحياة فى يد اللسان» (أم 18: 71)).

وقال أيضاً «هدوء اللسان شجرة حياة، وأعوجاجه سحق الروح» (أ 15: 4). وقال الحكيم يشوع بن سيراخ «الشرف والهوان كلاهما فى التكلم، ولسان الانسان سقوط له» (سى 5: 13). وقال أيضاً «ان نفخت فى الشرارة تضرم، وان بصقت عليها تطفأ. وكلاهما يخرجان من فمك! » (سى 28: 12).

ألم تكن الكلمات القليلة التى صلى بها العشار الخاطئ سبباً فى قبوله ورجوعه الى بيته مبررا، بعكس الفريسى الذى بكلماته التى انطوت على الكبرياء رذل ورفض (لو 18: 10 - 14). وألم تكن كلمات العبد الشرير التى قالها لسيده «كنت أخاف منك اذ أنت انسان صارم تأخذ ما لم تضع وتحصد ما لم تزرع»، سببا فى ادانته، فكان جواب سيده.

«من فمك أدينك أيها العبد الشرير» (لو 19: 21).

، 22)؟ وألم تكن كلمات المرأة الكنعانية الوثنية سببا فى تحنن السيد الرب وشفاء ابنتها، حتى بعد الكلمات التى فاه بها أولاً (مت 15: 22 - 28)؟ وأخيراً ألم تكن كلمات قليلة قالها اللص اليمين وهو معلق على الصليب سببا فى خلاصه الابدى بعكس زميله الذى كان مصلوباً معه وكان يجدف؟!

وفى تاريخ بنى اسرائيل، نقرأ أن رجال جلعاد حاربوا رجال أفرايم وهزموهم وسدوا عليهم مخاوض الاردن. فكان اذا أراد أحد العبورن يسأله رجال جلعاد، هل هو أفرايم أم لا. فان أجاب بالنفى، كانوا يطلبون اليه ان ينطق كلمة «شبولت» فان نطقها «سبولت»، كانوا يكتشفون أنه أفرايمى، فيذبحونه على مخاوض الاردن. وهكذا سقط اثنان واربعون الفا (قض 1: 4 - 6). فاذا كان حرف واحد سببا فى هلاك ذلك العدد الضخم، أفلا يجدر بنا أن نضبط ألسنتنا، نتحفظ على أفواهنا؟ أن كلمة واحدة يقولها الانسان، ربما كانت علة نكبته وشقائه وموته. كم من مرة اجتمع اليهود على السيد المسيح.

«ليصطادوه بكلمة» (مت 22: 15).

، مر 12: 13)! ونحن أيضاً كثيرا ما تجتمع علينا الشياطين ليصطادونا من ألسنتنا وكلماتنا، فعلينا أن نضبط شفاهنا ونتحفظ علهيا.

(ب) منذ القديم هو خطر:

وحينما نستعرض حياة الانسان منذ خلقه، نجده سقط من لسانه، واساء استخدامه. فالحية كلمت حواء وأغوتها، وهذه بدورها أغوت رجلها (تك 3: 1 - 6). وحينما كلم الرب آدم فى الجنة عن مخالفته، كان رده ملتوياً للتخلص من وزره. وقايين كذب على الرب بعد أن قتل أخاه هابيل لاخفاء جريمته (تك 4: 9).

كان البشر حتى انتهاء الطوفان يتكلمون لغة واحدة، لكنهم فى اصرارهم على الشر اتفقوا على بناء برج عال «رأسه بالسماء» حتى لا يفنيهم طوفان آخر. فكانت النتيجة أن الرب بلبل لسانهم الواحد، فصاروا يتكلمون لهجات مختلفة (تك 11: 1 - 9). وهكذا نرى أن أخطارا كثيرة تأتينا عن طريق أخطاء اللسان، وليس أدل على ذلك من قول الرب نفسه.

«لانك بكلامك تتبرر وبكلامك تدان» (مت 12: 37)).

3 - وصف يعقوب الرسول وآخرين لخطورته:

قد يستهين البعض بما يصدر عن اللسان من أخطاء. لكن لنستمع جيدا الى كلمات يعقوب الرسول وهو يصف اللسان.

«هكذا اللسان أيضاً هوعضو صغير ويفتخر متعظماً. هوذا نار قليلة أى وقود تحرق. فاللسان نار. عالم الاثم هكذا جعل فى أعضائنا اللسان الذى يدنس الجسم كله، ويضرم دائرة الكون ويضرم من جهنم، لان كل طبع للوحوش والطيور والزحافات والبحريات يذلل، وقد تذلل للطبع البشرى. وأما اللسان فلا يستطيع أحد من الناس أن يذلله. هو شر لا يضبط مملوء سما مميتا» (يع 3: 5 - 8)).

بل أكثر من هذا أن الرسول يبين بطلان عبادتنا بدون ضبط اللسان فيقول.

«ان كان أحد فيكم يظن أنه دين، وهو ليس يلجم لسانه بل يخدع قلبه، فديانة هذا باطلة» (يع 1: 26)).

ثم يتوج هذا الرسول أقواله السابقة بقول يبين فيه أن ضبط اللسان مقياس للكمال فى حياة الانسان.

«فى أشياء كثيرة نعثر جميعنا. أن كان أحد لا يعثر فى الكلام، فذاك رجل كامل. قادر أن يلجم كل الجسد» (يع 1: 13).

، 2).

قال يشوع بن سيراخ « جرح السوط يخدش الجسد أما جرح اللسان فيدق العظام. كثيرون سقطوا من فم السيف، ولكن ليس كالمقتولين باللسان» (سى 28: 17، 18). وقال أيضاً «زلقة على البلاط خير من زلقة اللسان. هكذا سقوط الاشرار سريعاً» (سى 20: 18). وقال القديس يوحنا الدرجى فى نفس المعنى «اخير للانسان أن يسقط من مكان عال على الارض، ولا يسقط من لسانه». وقال أحد الشعراء:

احفظ لسانك أيها الانسان

لا يلدغنك انه ثعبان

كم فى المقابر من قتيل لسانه

كانت تهاب لقاءه الشجعان

4 - كشف لسرائر القلب:

وتأتى أهمية ذلك العضو الصغير وخطورته، من أن ما يخرجه من عبارات وكلمات تصلح حكما على أمور داخلية فى حياة الانسان، كصلاحه أو فساده، حكمته أو حماقته، علمه أو جهل... ولا عجب فى ذلك فهو ترجمان صادق الى حد بعيد، عن طوية الانسان وسريرته، كما علمنا الرب.

«من فضلة القلب يتكلم الفم. الانسان الصالح من الكنز الصالح فى القلب يخرج الصالحات. والانسان الشرير من الكنز الشرير يخرج الشرور» (مت 12: 34).

، 35). أن المعادن – نوعها وجودتها ونقاوتها – تعرف من صوت رنينها ان طرقنا عليها، هكذا الكلام يدل على حقيقة نفوسنا. ان الكلمات هى ثمر الشفاه كما يدعوها الرسول (عب 13: 15). والشجرة تعرف من ثمارها.

«من ثمارهم تعرفونهم» (مت 7: 16)).

هكذا تكشف كلماتنا عن شخصياتنا وخصالنا. وحينما أنكر بطرس التلميذ صلته بيسوع معلمه، فى دار قيافا ليلة آلام المخلص قالوا له وهو يحاول أنكار هذه الصلة.

«حقا أنت أيضاً منهم، فان لغتك تظهرك» (مت 26: 73)).

قال القديس يوحنا الدرجى «أغلق باب المخدع على الجسد، وباب الفم على اللسان، وباب القلب دون الشهوات والافكار الكثيرة».

الكلام الجيد والردئ

الاستخدام الصالح للسان:

الله الذى خلق الانسان على صورته كشبهه، لم يخلق فيه اللسان للاستعمالات الشريرة، وهو الذى «رأى كل ما عمله فاذا هو حسن جداً». لابد وأن يكون قد أوجد فيه عضو الكلام لاستخدامه فى كل ما هو صالح. وهو لا شك يكون مصدر خير وبركة كبيرة لنا، ان نحن استخدمناه أستخداما صالحاً. يقول الحكيم.

«فم الصديق ينبوع حياة» (أم 10: 11)).

ما أجمل هذا التعبير «ينبوع حياة». لقد خلق الله اللسان فينا ليكون «ينبوع حياة»، لكن ما هى هذه الحياة التى تكلم عنها الحكيم، وقال انها تنبع من اللسان؟ أليست هى الكلمات الصالحة التى تخرج منه، والاستخدامات المقدسة له؟ ألم يقل الرب يسوع.

«الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة» (يو 6: 63).

؟ وحينما تتكلم بكلمات الله التى هى «روح وحياة» ألا تكون خارجة من الفم الذى هو «ينبوع حياة»؟ وعلى عكس ذلك.

«فم الجهال ينبع حماقة» (أم 15: 2)).

انه على أى حال «ينبوع»، أما أن ينبع حياة أو ينبع حماقة.

قلنا أن اللسان سيف ذو حدين، وعلينا أن نحترس جيدا ونحن نستعمله لئلا يكون وسيلة لسقوطنا وهلاكنا. من أدل ذلك تحفظ القديسون على السنتهم وضبطوها بتداريب صارمة، تدعو الى كثير من الدهشة والاعجاب، متممين قول داود النبى.

«قلت أتحفظ لسبيلى من الخطأ بلسانى» (مز 39: 1)).

ونظروا الى اللسان نظرة ملؤها التقديس والاعتبار، حتى أن داود النبى قال.

«يا رب من يسكن فى مسكنك، أو من يحل فى جبل قدسك الا السالك بلا عيب الفاعل البر، المتكلم بالحق فى قلبه، الذى لا يغش بلسانه» (مز 15: 1 - 3)).

أنه أمر يدعو الى كثير من الدهشة، أن نرى أنساناً يصلى ويبارك الله ويسبحه بفمه، وبهذا الفم عينه يلعن الناس ويسبهم وينطق بكل ما هو قبيح بذئ! والرسول يعقوب نفسه يتعجب من ذلك متسائلاً.

«ألعل ينبوعاً ينبع من نفس عين واحدة العذب والمر! هل تقدر يا أخوتى تينة أن تصنع زيتونا أو كرمة تيناً؟ ولا كذلك ينبوع يصنع ماء مالحاً وعذبا» (يع 3: 11).

، 12). ورب المجد نفسه يقول.

«اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيدا، أو اجعلوا الشجرة ردية وثمرها ردياً. لأن من الثمر تعرف الشجرة. يا أولاد الافاعى كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟! » (مت 12: 23).

، 34). وفضلا عن ذلك، فان الله يؤيد ذلك بما قاله المرتل.

« وللشرير قال الله، مالك تحدث بفرائضى، وتحمل عهدى على فمك» (مز 50: 16)).

ان المسيحى باعتباره نور العالم، وقدوة للآخرين، عليه أن يكون نموذجاً للاستخدام الصالح للسان. قال القديس بولس لتلميذه تيموثاوس «كن قدوة للمؤمنين فى الكلام» (1تى 4: 12)، وقال.

«ليكن كلامكم كل حين نعمة مصلحا بملح، لتعلموا كيف يجب أن تجاوبوا كل واحد» (كو 4: 6)).

كما قال أيضاً.

«لا تخرج كلمة رديئة من أفواهكم، بل كل ما كان صالحاً للبنيان» (أف 4: 29)).

أن نساخ اليهود الذين كانوا ينسخون الاسفار المقدسة، كانوا يخصصون قلماً خاصاً لاسم الجلالة «الله»، لا يكتبون به أية كلمة أخرى. أفلا يليق بكل مؤمن يصلى بلسانه، وبه يقرأ الكتب المقدسة، بل ويأكل جسد الرب ودمه أن يخصصه لله؟! ما أحرانا جميعاً أن نتشبه بمعلمنا الصالح الذى لما كان يتكلم ويسمعه الناس.

«كانوا يتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه» (لو 4: 22)).

الكلام الجيد

الكلام الجيد هو الكلام الذى يأتى عن طريق الله. آمن القديسون بهذه الفكرة، ولذا قال داود النبى.

«يا رب أفتح شفتى فيخبر فمى بتسبيحك» (مز 51: 15)).

كانوا لا يفتحون أفواههم من تلقاء أنفسهم، وانما كانوا ينطقون عندما يحسون بيد الله تفتح شفاههم ليقولوا شيئاً نافعاً، وبأنها قد وضعت كلاما فى أفواههم (أنظر أر 23: 28، مز 68: 11، يو 17: 8).

لكن ما هو الكلام الجيد؟

لا نقصد بالكلام الجيد، الكلام عن الالهيات والروحيات عامة، وان كان هذا النوع يأتى ولا شك – فى المرتبة الاولى بالنسبة للكلام الجيد. لكنه يشمل أيضاً كل أنواع الكلام النافع المفيد، الذى يبنى الروح أو الفكر أو يؤدى رسالة فى حياتنا الجسدية.

والكلام الجيد بصفة عامة يؤدى رسالة بنائية فى الحياة. فهو يكسب سامعه فوائد كثيرة، تزداد به معارفه، وتقوى ملكاته الفكرية، ويضيف الى حصيلته الفكرية جديدا كل يوم.

أما من الناحية الروحية، فله رسالته السامية سواء فى حياتنا الخاصة أو العامة. يقول الحكيم.

«الانسان يشبع خيرا من ثمر فمه» (أم 12: 14)).

ويقول الرسول.

«فلنقدم به فى كل حين لله ذبيحة التسبيح، أى ثمرة شفاه معترفة باسمه» (عب 13: 15)).

ان للفم ثمارا طيبة نجنيها فى حينها، وهى ليست سوى ثمار الكلام الجيد.

1 - من جهة علاقتنا بالله، نعبر بالكلام عن مشاعر حبنا القلبى له: نسبحه ونحمده ونطلب معونته، ونصرخ اليه فى الشدائد والضيقات، فيسمع لنا ويستجيب لطلباتنا. ان الذى يعرف كيف يكلم الله حسنا، ينال كل طلباته.

2 - من جهة علاقتنا الاجتماعية بعضنا ببعض، يعمل على تقوية الرابطة بين الناس، ويؤلف بين قلوبهم، سواء باظهار مشاعر الحب عن طريق الكلام، أو بأزالة الكراهية التى قد تحدث، ومحو آثارها، عن طريق الاعتراف بأخطائنا والاعتذار عنها لمن أخطأنا اليهم. وبالكلام الجيد ننفع اخوتنا ونبنى حياتم عن طريق وعظهم وتعليمهم وارشادهم وهدايتهم.

«شفتا الصديق تهديان كثيرين» (أم 10: 21)).

وبه نعبر عن الحق وندافع عنه. قال المرتل.

«فم الصديق يلهج بالحكمة، ولسانه ينطق بالحق» (مز 37: 30)).

وبه نحامى عن المظلومين.

«أفتح فمك لأجل الآخرين فى دعوى كل يتيم. أفتح فمك. أقض بالعدل. وحام عن الفقير والمسكين» (أم 31: 8).

، 9).

3 - وهو يحل المناعات ويهدئ الخصومات، ويطفئ نار الغضب ومن خير الامثلة على ذلك أبيجايل أمرأة نابال الذى أساء الى داود النبى والملك على الرغم من احسانه اليه. فلما عزم داود على ابادته هو وكل بيته. خرجت اليه ابيجايل، وكان لكلامها أثر طيب فى تهدئة غضبه، حتى أن داود قال لها.

«مبارك الرب اله اسرائيل الذى أرسلك هذا اليوم لاستقبالى، ومبارك عقلك، ومباركة أنت لانك منعتنى اليوم من أتيان الدماء وأنتقام يدى لنفسى» (1صم 25: 2 - 35)).

ومن أمثلة ذلك أيضاً كلام يعقوب الهادئ الذى كلم به أخاه عيسو، فرجع عن حمو غضبه، بعد أن كان خارجا للانتقام منه (تك 33). قال الحكيم.

«الجواب اللين يصرف الغضب، والكلام الموجع يهيج السخط» (أم 15: 1)).

4 - واذا كان كلاما الهيا فمن شأنه انه يهلب قلوبنا كما حدث مع تلميذى عمواس اللذين ظهر لهما الرب وكان يكلمهما. فلما اختفى عنهما قال بعضهما لبعض.

«ألم يكن قلبنا ملتهباً فينا اذ كان يكلمنا فى الطريق ويوضح لنا الكتب» (لو 24: 32)).

وهو أيضاً يقدس أفكارنا وينقى نفوسنا كما قال الرب ذاته.

«أنتم الآن أنقياء بسبب الكلام الذى كلمتكم به» (يو 15: 3)).

وبسبب الكلام الالهى أيضاً، يبارك الرب اجتماعاتنا ويحضرها حسبما قال.

«حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمى فهناك أكون فى وسطهم» (مت 18: 20)).

ومن أمثلة ذلك تلميذا عمواس أيضاً اللذان أظهر لهما ذاته بينما كانا يتكلمان فى أمور الحياة الروحية (لو 24: 13 - 31)، وأيضاً الرسل اللذين – فيما هم يتكلمون عن الرب يسوع – أظهر لهم ذاته وأعطاهم سلامه (لو 24: 36).

5 - وهو ينفعنا فى حياتنا بوجه عام. وبسببه يصيبنا خير عميم. قال داود النبى.

«من هو الانسان الذى يهوى الحياة، ويحب أن يرى أياماً صالحة، صن لسانك عن الشر، وشفتيك عن النطق بالغش» (مز 34: 1).

، 13). وقال القديس بطرس.

«لان من أراد أن يحب الحياة ويرى أياماً صالحة فليكفف لسانه عن الشر وشفتيه أن تتكلما بالمكر» (1بط 3: 10)).

الكلام الردئ

ان كنا قد رأينا كم هى عظيمة ثمار الكلام الجيد، فعلى عكس ذلك نجد الكلام الردئ. فالكلام الردئ من شأنه أن يبرد حرارة القلب. ان حياتنا الروحية كالشمع الذى يلين بالحرارة ويتجمد بالبرودة. قال الرب.

«لكثرة الاثم تبرد محبة الكثيرين» (مت 24: 12)).

أما الكلام فى الالهيات والروحيات فمن شأنه أنه يولد فى القلب حرارة وأشواقاً مقدسة. وحينما تلين قلوبنا نصبح مستعدين لاقتبال صورة الله فينا كما تنطبع صورة الملك على الشمع اللين، وبذا نصبح.

«مشابهين صورة ابنه» (رو 8: 29)).

والكلام الردئ يدنس أجسادنا، ويسئ مباشرة الى الله الحال فيها، الذى اتخذها هياكل له.

«أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذى فيكم الذى لكم من الله، وأنكم لستم لانفسكم» (1كو 6: 19)).

ويقول أيضاً.

«أم لستم تعلمون أن أجسادكم هى أعضاء المسيح» (1كو 6: 15)).

وعلى هذا فلا يليق بنا أن نجعل أعضاء الله أعضاء خطية كقول الرسول.

« ولا تقدموا أعضاءكم آلات اثم للخطية، بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الاموات، وأعضاءكم آلات بر لله» (رو 6: 13)).

أضف الى هذا أن الكلام الردئ «ينجس الاسماع الجيدة» كما يقول الاباء القديسون. فكم من شهوات تتحرك فى الانسان بسبب الكلام، كما نلمس ذلك فى الأمور الجنسية وحالات الغضب مثلاً. وكم من عثرات يعثر بها الانسان، يكون منشأها كلمات يسمعها. وسوف نتكلم عن ذلك باسهاب حينما نعرض لبعض خطايا اللسان.

من أجل ذلك تحفظ القديسون جيدا على أفواهم. قال القديس الانبا أنطونيوس «قال ربنا يسوع المسيح ادخلوا من الباب الضيق. فما هو ذلك الباب الضيق الا حفظ اللسان من الخطأ. اذا لنجاهد ونضع حافظاً قوياً على أفواهنا حتى لا ننطق بنطق شرير». ما أحرانا أن نتشبه بأيوب الصديق الذى قال «ما دامت نسمتى فى، لا تتكلم شفتاى اثماً» (أى 27: 4).

بعد إرشادات وآداب الحديث

وقت الكلام

قال سليمان الحكيم.

«لكل شئ زمان، ولكل أمر تحت السماء وقت.. للسكوت وقت وللتكلم وقت» (جا 3: 1).

، 7). فكثيراً ما نخطئ فى تخير الوقت المناسب للكلام. ربما كانت نفس الكلمات التى نقولها فى مناسبة ما وفى وقت ما، تأتى بنتيجة أفضل لو قلناها فى وقت آخر، تكون فيه الظروف مواتية، والنفوس مستعدة للسماع مثلاً. قال الحكيم.

«للانسان فرح بجواب فمه، والكلمة فى وقتها ما أحسنها» (أم 15: 23)).

كما قال أيضاً.

«تفاح من ذهب فى مصوغ من فضة، كلمة مقولة فى محلها» (أم 25: 11)).

قال داود النبى.

«اجعل اللهم حافظاً لفمى، وبابا حصيناً لشفتى» (مز 141: 3)).

ونحن نلاحظ أن النبى هنا لم يطلب من الله أن يغلق فمه كلية، بل طلب أن يجعل له بابا ليفتحه ويغلقه وقت الحاجة!

الغرض من الكلام

فكر جيدا قبل أن تتكلم، واسأل نفسك «هل هناك داع لان أتكلم» ان فعلت ذلك فستجد أن هناك كلاماً كثيرا يمكن الاستغناء عنه.

اسأل نفسك أيضاً قبل أن تجيب على السؤال الذى يوجه اليك، بماذا كان السيد المسيح يجيب لو كان فى موقفك؟ أن فعلت ذلك فلن تخطئ فى الكلام.

لا يكن كل همك مجرد كلام، فان هذه عادة مذمومة يبغضها الناس، وتقلل من محبتهم وتقديرهم لك. قال الحكيم ابن سيراخ «ان كان لك فهم فجاوب قريبك، والا فلتكن يدك على فمك» (سى 5: 12). فكر جيدا قبل أن تتكلم. فلقد خلق الله للانسان أذنين وفما واحدا ليسمع أكثر مما يتكلم.

«ليكن كل أنسان مسرعاً فى الاستماع مبطئاً فى التكلم» (يع 1: 19)).

وقد وضع اللسان داخل بابين – الاسنان والشفتين – لنفكر قبل أن نفتح هذه الابواب لنتكلم! قال ابن سيراخ «فى فم الجهال قلبهم. وفى قلب العقلاء فمهم» (سئ 21: 26). ومعنى هذا أن الجهال يخضعون قلوبهم لالسنتهم. أما الحكماء فعلى عكس ذلك يخضعون ألسنتهم لقلوبهم. أن كان يجب على الانسان أن يمضغ الطعام جيدا قبل أرساله الى معدته. هكذا يجب عليه التفكير جيدا قبل أن يخرج كلاماً من فمه..

طريقة الكلام

تكلم بترو واتزان، فخي لك أن تتكلم كلمة واحدة فى اتزان وفى موضعها أفضل من ثرثرة كثيرة لا معنى لها. قال الحكيم.

«كثرة الكلام لا تخلو من معصية، وأما الضابط شفتيه فعاقل» (أم 10: 19)).

لا تسرع فى الاجابة على سؤال يوجه اليك قبل أن تستوعبه جيداً.

«من يجب عن أمر قبل أن يسمعه فله حماقة وعار» (أم 18: 13)).

ان الكلام بعد ما يخرج من أفواهنا لا يمكن أن نسترجعه. قال سليمان الحكيم.

«ذو المعرفة يبقى كلامه. وذو الفهم وقور الروح. بل الاحمق اذا سكت يحسب حكيماً، ومن ضم شفتيه فهيما» (أم 17: 27).

، 28).

تكلم بصوت منخفض بقدر ما يسمعك سامعك، لأن الكلام بصوت عال أكثر مما يجب أمر لا يتفق مع الاحتشام. لقد كان الصوت المنخفض الخفيف فى قصة ايليا النبى هو صوت الله (1مل 19: 12)، وقيل عن الرب انه لا يصيح ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته» (مت 12: 19).

لا تتعمد التكلف فى كلامك، ولا تقلد آخر فى كلامه أو فى طريقة التخاطب.

اذا تكلمت لا تطل بدون حاجة. واذا وجه اليك سؤال، فالرد الذى يحتاج الى كلمة واحدة لا ترده بكلمتين.

احذر اللف والدوران فى الكلام، لان ذلك يدل على المكر والخبث، بل كن واضحا وصريحاً فى حديثك.

آداب التخاطب

لا تقاطع غيرك فى كلامه، لان ذلك فضلا عن أنه ضد الآداب المرعية فهو يضاد الاتضاع المسيحى، ويسئ الانسان بذلك الى محدثه كأنه محتقر كلامه «لا تجاوب كلمة قبل أن تسمع ولا تقاطع كلام غيرك» (سى 11: 8).

لا ترد على سؤال يوجه الى غيرك لئلا تكن متطفلاً أو متكبراً.

اذا كنت فى مجلس ووجه سؤال الى الجميع، فلا تكن البادئ بالاجابة. قال القديس الانبا باخوميوس «اذا كنت تعرف كل الحكمة فاجعل كلامك آخر الكل». لا تكن أول المتكلمين، بل اجعل الآخرين يشعرون بالحاجة الى حديثك ومعرفة رأيك، ويطلبون اليك أن تتكلم، وحينئذ ستلقى أذنا صاغية، وتشعر أن كلامك لازم وأنه يقوم برسالة، ويؤدى نفعاً للآخرين.

متى تكلمت لا تظهر حركة غير مناسبة بأعضائك، لا بعينيك، ولا بيديك، ولا بشفتيك أو بغيرها...

اذا كنت فرداً وسط مجموعة تناقش أمراً، فليكن لك رأيك الخاص ولا تتقلب مع كل رأى. قال ابن سيراخ «لا تنقلب مع كل ريح، ولا تسلك فى كل سبيل، لأن هكذا يكون الخاطئ ذو اللسانين» (سى 5: 9).

يجب أن تراعى مقام الشخص أو الاشخاص الذين تكلمهم ومركزهم وسنهم. فكلام الشاب مع صديقه الشاب يجب أن يختلف حينما يكلم الشيوخ أو المعلمين أو الكهنة. راع وصية الحكيم «لا تتكلم كثيراً فى مجلس الشيوخ» (سى 7: 14).

لا تكن محباً لكثرة الكلام «ثرثارا»، فانك بذلك تقتنى الحكمة وحب الآخرين. قال ابن سيراخ «الذى يزيد الكلام يرذل» (سى 20: 8). وقال القديس مار أفرام «يا أخى تفكر بأن ربوات الأقوال نهايتها السكون، من يكثر أقواله، يكثر لنفسه الخصومات والبغضة. من يحفظ فمه يحب». وقال القديس يوحنا الدرجى «الذى عرف مرارة سقطات اللسان يحذر من الكلام، أما كثير الكلام فلم يعرف بعد نفسه كما ينبغى». وقال مار أسحق «كل من هو كثير الكلام، هو فارغ من الداخل، حتى لو كان عالما بأمور كثيرة» أن الثرثرة فضلا عن أنها أمر غير مستحب لدى الناس، فهى مضيعة للوقت الذى هو جزء من عمرك – حتى لو لم يكن فيها كلام ردئ. ان كل دقيقة من دقائق حياتك مطلوب منك أن تقدم عنها حساباً، وأن تكون لك فيها رسالة نافعة.

بعض آداب المناقشة

موضوع المناقشة

لا تتدخل فى كل مناقشة، فانك لست على علم بكل شئ. واذا نوقش أمامك أمر، فلا تسرع بابداء رأيك فيه، أو بابداء حكمك عليه. وانما أنصت كثيراً قبل أن تتكلم حتى تستوعب – على قدر الامكان – الموضوع الذى أمامك. وليس عيباً – بل هو أمر فاضل – أن تقول اذا سئلت عما لا تعرفه أو عما لا تتقنه «آسف، انى لست على علم بهذا الامر» أو «ليست لى خبرة بهذا الموضوع»، أو «انى لم أكون بعد فكرة فى هذا الصدد»، أو «انى أحتاج أولاً الى دراسة أو فحص لهذا الامر حتى أتفهمه جيدا»... الخ.

لا تناقش فى التوافه التى لا تجلب نفعاً ولا ضرا. وابتعد عن الموضوعات الشائكة المعثرة، وعن «المناقشات الغبية» العديمة النتيجة..

ناقش الناس فيما يهمهم حتى يقبلوا على سماعك. وان ناقشتهم فى مالا يشعرون بأهميته، فابدأ أولاً بتشويقهم الى موضوع حديثك، وأشعرهم بقيمته، حتى لا ينصتوا اليك فى برود أو فتور..

غرض النقاش وطريقته

أعلم أن الغرض من المناقشة ليس هو أن تهزم مناقشتك، وأنما أن تريحه فى جانب الحق. كذلك ليكن هدفك فى النقاش هو ان ينتصر الحق، وليس أن ينتصر رأيك الا أذا كنت محقاً فيه، عن عدل لا عن تشيع لنفسك وحفظاً لكبريائك. لذلك عليك بالنزاهة فى الرأى، كما يجب أن تحرص على شعور مناقشك فلا تجرحه.

كن نزيهاً فى مناقشتك. لا تغالط، ولا تخدع مناقشك بآراء يجهلها. ولا تذكر له محاسن أمر متجاهلاً مساوئه ومعتمداً فى ذلك على جهل محدثك بها.

اذا ثبت لك أن فى رأيك ناحية ضعف، فلا تكابر، ولا تضح بالحق فى سبيل كبريائك. سلم بالنقط التى تثبت فى صالح الطرف الآخر، ولا تشعره بأنك صلب الرأى لا تتنازل عن فكرك ولا تقيل سوى خضوعه لك ان حقاً أو باطلاً.

لا تدع العلم بجميع الامور. وان سألك محدثك عن نقطة تجهلها، فلا تخجل من التصريح بذلك. ولا تخجل من ان تطلب الى محدثك أن يشرح لك ما يعرفه عنها، واقبل من شرحه – فى اتضاع وشكر – ما يتفق مع الحق والعدل.

لا تبدأ نقاشك باصدار أحكام، وانما يستحسن أن تبدأ بطريقة الاسئلة. فالاسئلة تصلح أحياناً كوسيلة ممهدة تنير الطريق أمامك. اصدار الحكم يشبه عمل القاضى الذى بت فى الامر وانتهى الى قرار، والاسئلة تشبه عمل المحقق الذى ما يزال يستوضح نقاط الموضوع ليكشف خوافيه. ولا شك أن التحقيق من الأمر لازم قبل اصدار الحكم عليه.

احترس من بديهياتك ولا تفرضها على غيرك. فالبدهيات تكون احياناً أمور نسبية. ما هو بديهى بالنسبة اليك، قد لا يكون كذلك بالنسبة الى غيرك، والعكس صحيح.

احترس من خطأ التعميم. فهناك حالات خاصة لا تنطبق عليها الاحكام أو القواعد العامة. وهذه الحالات تعتبر أحياناً من استثناءات القاعدة العامة، وتحتاج الى مزيد من الفحص والعناية.

لا تناقش فى حدة أو بصوت مرتفع. وراقب حركاتك واشاراتك وملامحك جيداً أثناء النقاش، وبالاخص أثناء تحدثك، مع من هو أكبر منك، وكن وديعا وهادئاً فى نقاشك.

الوقت

راع وقت محدثك. اختر الوقت المناسب للمناقشة. ولا تطل النقاش مع شخص لا يتسع وقته لك.

ان كان وقت محدثك ضيقاً ولا يتسع لكلام كثير، فقل رأيك باختصار على قدر ما يحتمل الوقت.

وان شعرت أن سامعك قد أزف ميعاده، فاختم النقاش واعتذر له أن كنت قد ضيعت وقته. لا تنتظر الى أن ينظر سامعك مراراً الى ساعته ويتململ فى مقعده، وانما كنت أنت – من ذاتك – حساساً لهذه الناحية ذكياً، سريع الملاحظة. وان كنت تتكلم مع أحد واعتذر لك بارجاء الموضوع الى وقت آخر لمشغوليته، فلا تسئ الظن به وتغضب، ولا تشعر بأن فى ذلك اهانة لك. بل تقبل الامر فى بساطة ومحبة وثقة، واطلق محدثك بسلام. واحترس من أن تضغط عليه مستهيناً بوقته ومشغولياته، وتطلب اليه من فرط حماسك للنقاش – أن يتغاضى ويمد المناقشة بعض الوقت، غير مكترث بمسئولياته الاخرى.

وحتى ان لم يعتذر محدثك بضيق وقته، ليكن هذا الامر فى اعتبارك واهتمامك مقدرا من ذاتك ظروف الشخص الى تتحدث اليه، معطيا اياه فرصا أثناء النقاش بأن يختمه فى أى وقت ويمضى. ولكن اياك – حرصا على وقته – ان تختم المناقشة فجأة بشكل ظاهر، وتدعوه الى الانصراف مقدرا وقته ومشغولياته، لئلا تجرحه بهذه الوسيلة الخشنة وتكون كمن يطرده!

أما أن كان وقتك أنت ضيقاً وأردت الانسحاب، فانسحب بهدوء وأدب ومحبة، دون جرح للشعور. وانتهز لذلك الفرصة المناسبة بحيث لا يساء فهم انصرافك.

وعلى أية الحالات، حتى ان كان فى وقتك ووقت محدثك ما يسمح باطالة الحديث، كن حكيماً واعط لكل مناقشة الوقت الذى تستحقه. لا تضيع الوقت الطويل فى التفاهات، لأنك مزمع ان تعطى حسابا أمام الله وضميرك عن وقتك كيف تصرفه. والمفروض أنك تكن مثمراً فيه الثمر الصالح.

ومن الناحية الاخرى، اعلم جيدا أن مبادئك الاساسية فى الحياة وأفكارك الثابتة بوجه عام، ليست هى بنت يومها، وانما ربما تكون ثمرة سنوات طويلة من الخبرة والدراسة، كما أنها ثمرة ظروف كثيرة ونفسية من نوع معين. فلا تتطلب من مناقشك أن يصل – فى جلسة واحدة معك – الى ما وصلت اليه فى مدى طويل من حياتك. لا تفترض انه لابد ان يخرج مؤمناً بكل آرائك مهما كان كلامك مقنعاً. وانما من حقه عليك أن تعطيه فرصة لاحتضان ما وصل اليه من أفكار جديدة عليه أو معارضة له، فرصة للتفكير والتروى والتأمل والفحص والتشبع بالفكرة واختبارها فى ضوء الحياة العملية. لذلك لا تتأثر داخلياً وتحزن اذا بذلت فى نقاشك جهدا كبيرا للاقناع، ولم تحصل على النتيجة الكاملة. بل اعتبر انك مجرد زارع حكيم القى بذرة حية وعليه أن ينتظر حتى تنمو وتثمر.

المقاطعَة

أسمع أكثر مما تتكلم. لا تقاطع من يحادثك، وانما أعطه فرصة ليقول ما عنده، فالمقاطعة ليست من آداب الحديث. الشخص الذى تقاطعه قد يستاء من تصرفك هذا. كما أنه عملياً ربما لا ينصت اليك لأنه قد يكون ما يزال منشغل الفكر عنك ببقية حديثه الذى لم يكمله. كما أن المقاطعة كثيراً ما تدل على تسرعك، أو على أنك تحتاج الى شئ من طول الاناة والصبر وسعة الصدر.. ألم تسمع ذات مرة من تقاطعه فى الحديث يتوسل اليك قائلاً «أرجوك، أصبر على قليلا حتى أتم كلامى. اسمح لى أن أكمل حديثى وستفهمنى»، «.. نعم، كانت لى اجابة على هذا الاعتراض سترد فى كلامى، لو أنك أعطيتنى فرصة لاقول كل ما عندى.. »! ومقاطعتك أيضاً قد تتعب محدثك وتشتت أفكاره وتربك ترتيب كلامه، فيعود الى البدء من جديد – بعد الاجابة على مقاطعتك – حتى يسترجع بذلك تسلسل أفكاره والمقاطعة كثيراً ما تكون سبباً فى اطالة النقاش وفى حدته.

وربما تقول « ولكن مقاطعاتى ليست اعتراضات واحتجاجات، وانما هى اسئلة استيضاحية أحاول بها أن أستكمل ما نقص من معلومات فى كلام محدثى. فى الواقع أن هذا النوع هو أخف انواع المقاطعات، وقد يستساغ أحياناً اذا صدر بلهجة رقيقة هادئة، وفهم على أنه مجرد استيضاح، ولم يكن سببا فى تشتيت أفكار المتكلم. ويحسن أن يختار له المستوضح الفرصة المناسبة، كأن يكون حديث المتكلم مثلاً عبارة عن أقسام شبه مستقلة، فيقدم المستمع أسئلته عن كل نقطة عقب انتهاء المتكلم منها، وقبل أن يبدأ نقطة أخرى، فيقول له فىأدب «اسمح لى – قبل البدء فى هذه النقطة – أن أستفهم عن أشياء معينة فى حديثك السابق».

أما اذا كنت أنت المتكلم وقاطعك سامعك، فأولاًن أنصت اليه حتى يكمل ما قاطعك به وتفهم مراده جيداً. وبعد ذلك أمامك طريقان: أما أن تجيبه عن كلامه حتى لا ينشغل عن سماعك باعتراضاته، وأما أن تعده بأن الاجابة على اعتراضه قادمة فى حديثك، وتطمئنه بأنك سوف لا تغفل كلامه هذا، راجياً اياه فى أدب أن يسمح لك بتأجيل الاجابة قليلاً.

مراعاة شعور مناقشك

اعرف أن لمحدثك شعورا ينبغى ألا تجرحه، حتى أن جرح هو شعورك، وأن له آزاءه الخاصة وأفكاره التى ليس لك أن تحتقرها وأنما أن تتفاهم فيها معه. لا تسئ الظن بعقلية أو أمانة محدثك بل حاول أن تفهم وجهة نظره.

لا تنظر الى النواحى الخاطئة فقط فى رأى مناقشك، وانما أيضاً الى النواحى الحسنة، طوبه عليها. من الجميل أن تستعمل عبارات «هذا حسن. هذا معقول. على رأيك.. » اجعل مناقشك يشعر أنه أمام صديق يقدره، وليس أمام خصم يتصيد له الخطأ.

لا تتهكم على محدثك، ولا تحاول أن تظهره بمظهر العاجز أو المهزوم.

لا تسأله أسئلة محرجة، واذا حاول أن يسحب رأيه فلا تخجله فى انسحابه.

اذا كسبت نقطة أثناء النقاش فلا تنتفخ فى افتخار، وانما انتقل الى غيرها فى هدوء دون أن تشعر محدثك أو سامعيك بأنك قد انتصرت.

لا تلجأ الى الطرق العالمية، كأن تقول رأياً ثم تضحك فى انتصار كأن كلامك ليس له رد، وتضحك من حولك على محدثك، وتختم المناقشة دون أن تسمع رأيه، تاركا اياه شبه مهزوم.

تجنب الألفاظ القاسية التى تؤلم محدثك بطريق مباشر أو غير مباشر. فلا تقل «ان الذين يؤمنون بهذا الرأى أغبياء أو ضعاف الشخصية»، فى حين يكون واضحا أنه ممن يؤمنون بهذا. قل فى بساطة مثلاً «ان الانجيل، أو قوانين الكنيسة، أو أقوال الآباء، تقول بعكس هذا».. أو فند هذا الرأى دون أن نشتم المنضمين اليه.

ان كان فى مناقشك عيب خاص، كصوته، أو طريقته فى الكلام، أو لعثمته، أو ثأثأته، أو منظره، فلا تجعله يشعر بأنك لاحظت ذلك. تجاهل هذه الأمور التى غالباً لا يكون له ذنب فيها.

لا تقف من مناقشك موقف المعلم وانما موقف المتفاهم. وان أردت أن تفهمه شيئاً جديداً. فلا تشعره بهذا. أشعره أن الجديد الذى أتيت به هو رأيه لا رأيك.

اذا وافقك مناقشك على نقطة، فلا تكرر الكلام فى أثباتها لئلا تضايقه.

لا تكثر الحديث عن نفسه أثناء النقاش. اكسب المناقشة بآرائك لا بشخصك.

اذا كان مناقشك مختصاً فى ناحية معينة من نواحى العلم تطرق اليها موضوع النقاش، فلا تتجاهل مثل هذا الاختصاص، كما لا تتجاهل مواهب محدثك الآخرى.

حاول أن ينتهى النقاش – مهما كان الرأيين متباعدين – بمحبة وصداقة وتقارب بين القلوب.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

الصمت

‹

الغضب

سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية
سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية