الكبرياء

الكبرياء

«يقاوم الله المستكبرين، وأما المتواضعون.

فيعطيهم نعمة» (يع 4: 6).

حقيقة الكبرياء وميدانها.

ماذا تفعل الكبرياء؟

أسباب تقود الى الكبرياء.

كبرياء الانسان أمام ذاته.

بعض مظاهر الكبرياء.

الكبرياء المستترة فى الفضيلة.

كيف يعالج الانسان كبرياءه؟

حقيقة الكبرياء وميدانها

ميدان واسع لحرب الكبرياء:

لا تظن يا أخانا العزيز حينما نكتب لك عن الكبرياءن ان هذا الامر لا يعنيك. بل أقرأ هذا الموضوع جيدا حتى تكتشف نفسك على ضوء كلماته، ومن ثم تجاهد حتى تتخلص من الخطية التى قال عنها الحكيم يشوع بن سيراخ «بدء الخطية هو الكبرياء، ومن تمسك بها يمتلئ رذالة» (سى 10: 12).

تقتصر حقيقة الكبرياء على أن الانسان يجدف، أو يتكلم عن نفسه كثيرا، أو ينسب الافعال الحميدة الى ذاته، أو يشعر أنه أصبح فى عداد القديسين. ان لم تكن مشاعرنا على هذا النحو، فليس معنى هذا اننا بالضرورة أنقياء من هذا المرض العضال.. قد يكون المرض ساريا فى جسدك، وأنت لا تشعر. انه كالمرض الخبيث الذى لا يظهر فى مبدأ الاصابة به.

قال الاب يوحنا كاسيان «ان شيطان الانتفاخ والسبح الباطل لهو وجع دقيق. وهو لدقته لا يضبط سريعا، ولا تدرك بدايته ولا غايته. كل الاوجاع والآلام ظاهرة واضحة، تدرك سريعاً، ولذلك فقتالها هين وسهل اذا ما تيقظت النفس للجهاد قبالها. أما الانتفاخ والسبح الباطل فقتاله شديد وعسر لانه يصارع كل شكل وكل ترتيب ويدخل فى كل الامور: فى المشى وفى الكلام وفى الاكل وفى الصمت أيضاً، وفى السهر والصوم، وفى الصلاة وحتى فى القراءة والترتيل، وفى طول الروح والصبر. فهو لا يهدأ بل يصوب سهامه لكل من انتصب فى الفضيلة عسى يسلبه أجرة جهاده. أذا لم يصبه بفخر الملابس وزينتها، يصيده بحقارتها ورداءتها. واذا لم ينله عن طريق الكرامة يحاول أن يرشقه باحتمال الهوان والمسكنة. واذا لم يصبه بحسن الكلام والمنطق وأقامة الحجة، يحاول أن يطغيه بالصمت والسكون. وأن لم يقدر أن يرضيه بكثرة الطعام يطلب منه مدحه بالصوم. وبالاختصار فهو ينبرى لكل مجاهد فى كل عمل وكل ترتيب، سواء بالجسد أو بالروح ليسقطه ويفسده منه. أن لم يكن بضربة شمال فبضربة يمين».

وأذا كنت سائراً فى طريق الفضيلة فلا تحسب أن هذا يحصنك ضد هذا الداء، فان الاصابة به يتعرض لها السائرون فى طريق الفضيلة والمجاهدون فى حياة الروح أكثر من غيرهم. أو بحسب تعبير القديس يوحنا الدرجى، رئيس أديرة طورسينا «ان شيطان قطع الرجاء (اليأس) يفرح بكثرة الشرور، وشيطان السبح الباطل يفرح بكثرة الفضائل». ويقول أيضاً الاب يوحنا كاسيان «شيطان العظمة روح خبيث لا يصيب الا البالغين فى القامة الروحية ليهدم برج فضائلهم. كل الاوجاع تحارب فى البدايات ما خلا هذا الوجع الردئ، فهو يصيب فى النهايات.. لذلك فان ضرره عظيم وكسرته شديدة.. معروف أن شهوة البطن تضبط الصوم، والزنا بالعفة، وحب المال بالتجرد والفقر، والغضب بالوداعة، أما شر العظمة فهو اذا ملك على النفس البائسة يكون كالقائد المنتقم عندما يحاصر مدينة شامخة ويظفر بها، فانه يهدمها ويدك أساساتها».

ان الكبرياء كاللص الذى يظل يتسلل خفية الى المخدع الداخلى، فيغافل فريسته، ويظفر بها وهى نائمة، أو كالقاتل الذى يخادع غريمه ويصيب منه مقتلا، أو كالجاسوس الذى يعمل لحساب الاعداء. والواجب يقتضينا أن نقف على خططه، ونفضح أساليبه، ونسلمه الى ملك حياتنا حتى لا نعتبر من الخونة لذاك الذى نحرص على ملكه الحقيقة، وينبغى أن يملك على عقولنا وقلوبنا وأجسادنا، بل على حياتنا كلها.

ان الكبرياء مرض خطير يحتاج الى فحص كثير وانتباه زائد، أو على تعبير الاباء يحتاج الى أفراز (تمييز)، حتى يقف المرء عليه ويدركه، ومن ثم يجاهد للبرء منه...

أتريد أن تعرف ذاتك بصفة مبدئية، وتطمئن على سلامتك قبل الخوض فى هذا الموضوع؟ اذن فأجب على هذه الاسئلة البسيطة:

الا تسر بمديح من يمدحك، وتضيق ذرعاً بمن يوبخك أو يذمك، أو فى القليل لا ترتاح اليه والى كلامه؟. الا يزداد الامر ويصل الى حد الصياح والغضب حينما يزداد التوبيخ أو التوجيه؟

ما هو مدى طاعتك؟

ما هو مدى قبولك لنصائح وتوجيهات وارشادات الآخرين؟

ماهى مشاعرك نحو بعض الناس ممن تفوقهم علما وحكمة وفضيلة وثروة؟ هل هى مشاعر حنو وعطف واشفاق، تصاحبها مشاعر شكر وحمد وعرفان لله الذى وهبك هذه النعمة وزينك بهذه الفضائل، أم مشاعر زهو وخيلاء لانك أفضل من هؤلاء؟

لعل نظرتك الى ذاتك الان بدأت تتغير على ضوء هذه الكلمات القليلة، فتتابع باهتمام الكلام عن هذه الخطية الخطيرة.

حقيقة الكبرياء:

1 - أنها ولا شك أعظم جميع الخطايا وأكثرها خطرا،

قال العلامة أوريجانوس فى كتابه «المبادئ»: «قد يسأل أى الخطايا أعظم الكل. والمعتقد طبعا أن أعظم الخطايا هى الزنا أو النجاسة أو أى دنس آخر مرده الى الشهوة. وحقا أن هذه الخطايا قبيحة وشنيعة، لكنها ليست كتلك الخطية التى يستنكرها الكتاب المقدس ويعدها أعظم جميع الخطايا، وأنه يجب علينا أن نحترس منها. فما هى أذن أعظم جميع الخطايا؟ لا شك أنها الخطية التى أسقطت الشيطان. وما هى هذه الخطية التى تتردى فيها مثل هذه العظمة؟ الكبرياء والغطرسة والزهو. تلك هى خطية ابليس. فبسبب هذه الخطايا سقط من السماء على الارض لأن الله يقاوم المستكبرين».

2 - وهى والدة خطايا كثيرة،

وليست خطية بذاتها كالسرقة أو الكذب. بل أم تلد بنين لابليس. قال القديس يوحنا الدرجى «ربطت هذه الخبيثة (الكبرياء) برباط الطاعة، وجلدتها بسياط المحقرة، لتخبرنى أمورها، فقالت: أنا رأس ووالدة الاوجاع كلها، ولا يترأس على شئ، ولا يخالفنى سوى الاتضاع والطاعة. وأولادى الغضب، والحقد، والادانة، والصياح، والمجادلة، والتجديف، واقتناع الانسان برأى نفسه.. والسبح الباطل هو مركبى، لكن الوداعة وملامة النفس تضحكان على المركب والراكب، وتسبحان قائلتين: نسبح الرب فانه بالمجد تمجد، لانه طرح الفرس وراكبه فى عمق بحر الاتضاع».

3 - فهى والحال هذه برج تتحصن فيه خطايا كثيرة

كما يتضح من قول ذلك القديس. فالمتكبر مثلاً لا يعترف بخطأه لئلا يقال عنه أنه مخطئ، ولا يعتذر لمن أخطأ اليه لئلا يقال عنه انه ضعيف. وهو لا يطيع غيره لئلا يظن ذلك ضعفاً فى شخصيته، وأن رأيه دون رأى الآخر. وكذلك لا يمكنه أن يكون وديعاً مسالماً لئلا يظنه ضعيفاً أيضاً. وهو لا يريد ألا أن يكون غضوباً حتى يعرف الآخرون انه متمسك بحقه، وهو دائماً ثرثار حتى لا يتهم بالجهل، ويرمى بالجبن..

4 - والكبرياء خصم عنيد يظل يقاتلنا حتى آخر نسمة من حياتنا.

هى لا تخضع لظروف معينة فى حياة الانسان. فحرب الشهوة تشتد مثلا ً فى سن الشباب وبعد ذلك قد تخمد أو تضعف حدتها. أما الكبرياء فلا تخمد أبداً وكما من قديسين اسقطتهم حتى بعد أن بلغوا درجة السياحة!! روى عن القديس مقاريوس الكبير، انه ساعة خروج نفسه من جسده، تقدم اليه شيطان المجد الباطل وأخذ يمدحه لعله يجد فيه موضعاً. وقال له «طوباك يا مقاره لقد وصلت». فأجابه القديس قائلاً له «لم أصل بعد». وظل هكذا يقاتله حتى وصلت نفسه الى الفردوس. فقال القديس «الآن نعمة المسيح وصلت». وما أصدق ما قاله القديس يوحنا الدرجى فى هذا المعنى «احترس من هذا اللص (السبح الباطل) الذى لا يفارقك الى الموت».

5 - وهى خطية عجيبة حقاً اذ تندس مع الفضيلة حتى لا يسهل تمييزها.

فبعد أن يكون المجاهد قد تغلب على خطايا كثيرة وانتصر عليها، يأتيه شيطان السبح الباطل. ويقول القديس يوحنا الدرجى كلاماً بديعاً فى هذا المعنى «ان صمت أعجبت بالصوم، وان حللت الصوم لاخفى فضيلتى أعجبت بحكمتى. أن لبست جديداً أعجبنى زيى، وان لبست رديئاً أعجبنى زهدى. وكذلك ان سكت أو تكلمت، وان مدحت أو أهنت فصبرت. فهو كالحسك المثلث أينما طرح انتصب».

6 - ومن عجب أن الخطايا الاخرى لا تجسر على الظهور

فى النور أمام الناس، الا الكبرياء، فهى تظهر بوضوح فى كل مكان، حتى فى الكنائس ودور العبادة. فالزناة والقتلة والسارقون مثلاً يستحون بل يخشون افتضاح أمرهم، أما المتكبرون فهم لا يبالون، لأنهم لا يشعرون بأخطائهم ونقائصهم، وهم دائماً يحبون «المتكآت الاولى» والمقام الاول فى كل أمر.

7 - والاعجب من هذا، أن سائر الخطايا تسر

وتفرح أن هى وجدت من يشاركها، ألا الكبرياء. فالسكير والزانى واللص يفرحون بنظراتهم. أما المتكبر فلا يجب أن يشاركه أحد فى مجده الزائف، ويحب دائماً أن يكون وحده هو المكرم والممدوح والمحبوب. ولا يقدر اثنان متكبران أن يسكنا سوياً تحت سقف واحد. فهى، والحال هذه، تحرمنى علاقاتى الطيبة مع بقية الناس، بعكس انكار الذات فانه يحكم هذه الرابطة. وقديماً قال يسوع ابن سيراخ «الكبرياء مبغوضة عند الله وعند الناس» (سى 10: 7).

بدء الخطية:

قال يشوع بن سيراخ «بدء كبرياء الانسان هو الابتعاد عن الرب، وقلبه يبتعد عمن صنعه» (سى 10: 12). ومن ذلك يتضح أن مجرد أبتعاد القلب عن الرب هو بدء الكبرياء. فالانسان فى علاقته بالله كعلاقة الطفل بأبيه، لا غنى له عنه، ولا تقوم حياته بغير عنايته ورعايته. أن مجرد ابتعاد الانسان عن الله معناه أنه غير محتاج اليه. لانه اذا شعر المؤمن ان الله يعطيه حياة ونفسا وكل شئ، وبه يحيا ويتحرك ويوجد (أع 17: 25، 18)، فكيف يسمح لنفسه أن تبتعد عنه؟ الا يعتبر ذلك كبرياء؟!

ثم أن التصاق الانسان بالله يدل على حبه، وابتعاده عنه يدل على بغضه. فكيف يبغض الانسان الله ويكرهه؟ الا يخافه؟! لكن ابتعاده عنه يؤكد أنه لا يحبه ولا يخافه... فماذا نسمى هذا؟ ألا نسميه كبرياء؟!

قال الحكيم أيضاً فى هذا المعنى «بدء الخطية هو الكبرياء» (سى 10: 12) فكيف يكون ذلك؟

● بدء الخطية هى الكبرياء. من حيث أنها الخطية الاولى التى دخلت الى العالم بحسد ابليس، وأسقطت أبوينا الاولين، أدم وحواء.

● وبدء الخطية بمعنى رأس الخطية. والكبرياء كما رأيناها، رأساً من رؤوس الخطايا الكبيرة، وأما من أمهاتها، بل أشرها جميعاً.

● وبدء الخطية بمعنى أول الخطية. فتقويم الفضيلة يأتى بأحد طريقين: أما كنتيجة لخوف الله أو محبته، وكلا الطريقين يحفظنى من الخطية. فكل من يخاف الله يحرص على ألا يعصاه، وكل من يحبه يحفظ وصاياه. فان كنت لا أعمل وصاياه عن خوف أو عن حب، فأنا انسان متكبر أتحدى الله، متناسياً كلماته الى شاول قديماً.

«صعب عليك أن ترفس مناخس» (أع 9: 5)).

ويؤكد لنا هذا المعنى ما قاله الروح لملاك كنيسة اللاودكيين «هكذا لانك فاتر، ولست باردا ولا حارا، أنا مزمع ان أتقيأك من فمى. لانك تقول أنى أنا غنى وقد استغنيت ولا حاجة لى الى شئ» (رؤ 3: 16 و17). فعلى أى شئ تدل هذه الكلمات «أناغنى وقد استغنيت ولا حاجة لى الى شئ»؟ ألا تدل هذه الكلمات على كبرياء النفس؟!!

وهكذا يكون للكبرياء معنى آخر فى نظر الله، غير مفهومها الذى يفهمه الكثيرون. فهى لا تقتصر فقط على التشامخ والعظمة ومحبة مديح الناس، بل تشمل أموراً كثيرة أجملها الحكيم فى قوله «الابتعاد عن الرب».

فاحترس يا أخى أذن، لئلا بفتورك فى حياتك الروحية، أو بابتعادك عمن جبلك، تظهر ذاتك أمامه متكبراً، ولست محتاجاً اليه، بينما «أنت الشقى والبائس وفقير وأعمى وعريان» (رؤ 3: 17).

ماذا تفعل الكبرياء؟

اذا كانت خطية الكبرياء مكروهة جداً لدى الرب، فمن ذلك الا لان الانسان المتكبر يكون كاللص الذى تبلغ به الجسارة والقحة مبلغاً كبيراً، حتى أنه يسرق الله ذاته.. يسرق المجد والكرامة والعظمة اللائقة بجلاله الاقدس. والله يغار جداً على مجده، ويقول بلسان أشعياء النبى «أنا الرب، هذا أسمى، ومجدى لا أعطيه لآخر» (أش 42: 8) كما قال «كرامتى لا أعطيها لآخر» (أش 48: 11). وقال معلمنا بولس الرسول «الاله الحكيم وحده له الكرامة والمجد» (1تى: 17). قال القديس أوغسطينوس «يا الهى، ان من يطلب مديحاً عن الخير الذى هو من فضل هباتك، ولا يهدف الى مجدك فى الخير الذى يعمله، بل يقصد مجده الذاتى، انما هو سارق ولص وشبيه بالشيطان الذى حاول ان يسرق مجدك».

فلا عجب أذن. اذاً كان الله يبغض هذه الخطية أكثر من الخطايا الباقية. فهو وأن كان يكره الشر بصفة عامة لأنه ضد طبيعته الخيرة، لكن له موقفاً خاصاً ازاء هذه الخطية التى هى بمثابة حصن تتحصن فيه كثير من الخطايا. وقد أظهر يعقوب الرسول هذا الامر بقوله.

«يقاوم الله المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة» (يع 4: 6)).

ان هذه الآية توضح مدى كره الله للمستكبرين. فهو لم يكتف بأن يظهر بغضه لخطيئتهم، بل أعلن انه يقاومهم. فالكبرياء – والحال هذه – لها نتائج سيئة للغاية:

1 - فالانسان المتكبر، تتخلى عنه النعمة الالهية – بسبب كبريائه – فيسقط فى أبشع الخطايا.

وقد قال الآباء «المتكبر بالمعرفة يسقط فى التجديف، والمتكبر بالنسك يسقط فى الزنا». والتاريخ الكنسى يحفظ لنا أسماء كبار الهراطقة، من أمثال آريوس القس الذى كان على جانب كبير من العلم والفلسفة، ومقدونيوس ونسطور، وكان كل منهما بطريركا على كرسى القسطنطينية، وأوطاخى الذى كان رئيس دير فى ضواحى القسطنطينية. كما يحفظ لنا تاريخ النساك أسماء بعض القديسين الذين سقطوا فى زنى سمج، ومنهم بعض السواح، ومعلوم أن درجة السياحة هى أعلا الدرجات الروحية – وكثيراً من هؤلاء سقطوا بسبب كبريائهم، وتأديباً لهم.

2 - والانسان المتكبر لا يترفع عن الناس فقط، بل أنه يحتقر حتى كلام الله ذاته

« وكان لما فرغ أرميا من أن كلم كل الشعب بكل كلام الرب الههم. الذى أرسله الرب الههم اليهم بكل هذا الكلام. ان عزريا بن هوشعيا ويوحانان بن قاريح. وكل الرجال المتكبرين، كلموا أرميا قائلين: أنت متكلم بالكذب» (أر 43: 1، 2).

3 - والكبرياء تجرد القلب من الرحمة والحنو الشفقة.

انها تسد الآذان عن سماع صراخ المساكين، وتغمض العيون حتى لا تبصر شقاءهم، وتقسى القلوب لكى لا تنعطف اليهم. قال المرتل.

«فى كبرياء الشرير يحترق المسكين» (مز 10: 2)).

4 - وهى تثير الخصومة بين الناس،

وتضرمها، وتهيجها. قال الحكيم.

«الخصام انما يصير بالكبرياء» (أم 13: 10)).

وقال أيضاً.

«المنتفخ النفس يهيج الخصام» (أم 28: 25)).

5 - وان كان الانسان بالكبرياء، يريد أن يكون عظيماً كبيراً، لكن النتيجة تأتى على عكس ذلك. فمن حيث أن الله يقاومه – كما سبق القول – فانه لن ينجح قطعاً. قال رب المجد.

«كل من يرفع نفسه يتضع» (لو 14: 11).

والسبب فى ذلك ان المتكبر هو الذى «يرفع نفسه» وليس الله. ومن حيث انه هو الذى رفع نفسه، فان رفعته لا تلبث أن تزول وتسقط.

«أنزل الاعزاء عن الكراسى ورفع المتضعين» (لو 1: 52)).

قال الحكيم.

«كبرياء الانسان تضعه. والوضيع الروح ينال مجداً» (أم 29: 23)).

6 - الله لا يسكن فى القلب المتكبر، بل يهجره فيصير خراباً.

قال الرب يسوع لسكان أورشليم بعد أن رفضوه.

«هو ذا بيتكم يترك لكم خراباً» (مت 23: 38)).

وقال المرتل.

«غرت من المتكبرين اذ رأيت سلامة الاشرار.. صاروا للخراب بغتة. اضمحلوا فنوا من الدواهى. كحلم عند التيقظ يا رب عند التيقظ تحتقر خيالهم» (مز 73: 3).

، 19، 20). وقال الحكيم.

«قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح» (أم 16: 18)).

وقال أيضاً.

«قبل الكسر يتكبر قلب الانسان، وقبل الكرامة التواضع» (أم 18: 12)).

7 - ولو أتقن الانسان كل الفضائل، لكنه قدمها لله ممزوجة بالتشامخ والكبرياء، فهى مرفوضة

منه تعالى، أنها كالبخور المختلط بالتراب والاقذار متى وضع فى الجمر لا يلبث أن تفوح منه رائحة كريهة تسد الانوف وتدمع العيون...

الكبرياء وسقوط الجبابرة:

رأينا كيف أن الله يبغض جداً خطية الكبرياء، ولذا لا نعجب أن كان يقاوم المستكبرين ويذل تعظمهم، ويضع خاتمة مروعة لطغيانهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم.

قال داود النبى.

«لانك أنت تخلص الشعب البائس، والاعين المرتفعة تضعها» (مز 18: 27).

وقال الحكيم بن سيراخ «كراسى الرؤساء أبطلها الرب، وأجلس المتواضعين مكانهم. أصول الامم المتكبرة قلعها الرب، وغرس المتواضعين مكانها» (سى 10: 14، 15). وقال الله بلسان اشعياء النبى «هوذا يوم الرب قادم قاسياً بسخط وحمو غضب ليجعل الارض خراباً ويبيد منها خطاتها.. وأعاقب المسكونة على شرها، والمنافقين على أثمهم، وأبطل تعظم المستكبرين وأضع تجبر العتاة» (أش 13: 9 - 11).

لقد كان الله قادراً أن يذل فرعون المتجبر بحركات الطبيعة العنيفة القاسية أو بالدواب الكبيرة والوحوش الكاسرة، لكنه لم يسلط عليه الا الضفادع والقمل والذباب – تلك الحيوانات والحشرات الدنيئة، حتى يعرف قدر ذاته (خر 8). وهكذا فعل الرب مع بطرس تلميذه، اذ أذل كبرياءه أمام جارية (مت 26). وكذلك جليات الجبار الذى تملكه الغرور، وعير صفوف الله الحى، أذله أمام الفتى الصغير، راعى الغنم، داود، الذى كان أعزل من سلاح القتال، لكن متحصناً بقوة رب الجنود، التى استحقها لاجل روحه الوديعة التى كانت تهتف دائماً.

«اتضعت فخلصنى» (مز 116: 6)).

ولنا فى الكتاب المقدس أمثلة عديدة من هذا القبيل:

فنبوخذ نصر ملك بابل الذى ظن أنه هو الذى أرسى قواعد ملكه وثبته وأفتخر متكبراً، أزال الرب عنه الملك وطرده من بين الناس، وأحدره الى مرتبة الحيوانات، وجعل طعامه العشب، وأبتل جسمه بندى السماء.. وبعد أن مضت الفترة التى حددها الرب لتأديبه على كبرياء نفسه، رجع عقله اليه وسبع الرب قائلاً.

«فالان أنا نبوخذ نصر أسبح وأعظم وأحمد ملك السماء الذى كل أعماله حق، وطرقه عدل، ومن يسلك بالكبرياء فهو قادر على أن يذله» (دا 4: 27 - 30)).

وهيرودس الجبار العاتية، ضربه ملاك الرب، بعد أن انتفخ زهوا وهو يسمع الصفات الالهية تنسب اليه.

« ولم يعط المجد لله» (اع 12: 20 - 23)).

فصار يأكله الدود حتى مات.

أسباب تقود إلى الكبرياء

هل يتعرض الانسان فى حياته الى أسباب تقود الى الكبرياء؟

نعم، هناك أسباب. لكن ليس معنى هذا أن تلك الاسباب تقود بالضرورة الى الكبرياء. لكن ما يحدث هو ان الشيطان يتخذها أسلحة يحارب الانسان بها. ونستطيع ان نجمل تلك الاسباب فيما يلى:

1 - أسباب ذاتية:

كالجمال، والذكاء، والقوة البدنية، والصحة... الخ.

ما العجيب أن تكون أمثال هذه النعم سبباً فى دخول الكبرياء الى نفوسنا. انهم نعم فطرية منخنا الله اياها، وليس لنا دخل فى وجودها فينا. لكننا نأخذ هذه النعم، ونجعلها مادة لاغاظته!! كثيراً ما تكون هذه الاشياء مادة لافتخارنا، بينما الرسول يقول.

«من افتخر فليفتخر بالرب» (1كو 1: 31)).

ويقول أيضاً.

«ان كان يجب الافتخار، فسأفتخر بأمور ضعفى» (2كو 11: 30)).

هل لك يا أخانا دخل فى جمال صورتك، أو قوة بنيتك، أو ذكاء قريحتك! لقد ولدت هذه النعم معك، وما يترتب على أمثال هذه المواهب من توفيق عالمى أو نجاح مادى، علينا أن نقدم الشكر لله من أجله، باعتباره المنعم علينا به. واذا كان لك شخصية محبوبة جذابة، يحبها الناس ويرتاحون اليها، فلا تنخدع ظانا أن ذلك يرجع الى فكرك الثاقب وذكائك النادر ونشاطك الجم ومعرفتك لنفسية الجماهير، بل تأكد أن الفضل فى ذلك ايضاً لله الذى أعطاك نعمة فى أعين الناس.

وفضلاً عن كل ذلك، فانك أيضاً لا تضمن بقاء هذه النعم والمواهب التى تجعل منها مادة لتشامخك. فقد يتشوه هذا الجمال أو يذوى بسبب مرض أو حادث معين، وقد يفقد الانسان ذكاءه الذى يتكبر به ويتجبر. وليس أدل على صدق هذا القول من وجود علماء أفذاذ بين نزلاء مستشفيات الامراض العقلية، لا تستطيع أن تفرق بينهم وبين رجل الشارع الذى يعانى من نفس أمراضهم من حيث أحوالهم الفكرية. أما الصحة العامة وسلامة الاعضاء والحواس، فان أمرها بين واضح. فكم من أمراض أصابت أناسا أقوياء وأشداء، فغدوا - ما بين غمضة عين وأنتباهتها - ضعفاء اذلاء...

ثم هب أن هذه النعم الالهية استمرت معك الى نهاية هذه الحياة الدنيا – كل زخارف الدنيا، امام منبر المسيح العادل فى اليوم الأخير؟ يقيناً سوف – دون ما ضعف أو نقصان – فهل تجديك نفعا حين وقوفك عارياً مجرداً من لا تنفعك، وستكون المجازاة حسب حال القلب الداخلية دون المظاهر الخارجية.

2 - أسباب عالمية:

كالغنى، والمراكز، والجاه، والنفوذ... الخ.

وهذه مرتع خصيب لشيطان العظمة، وتربة خصيبة تجود عليه بغلات وافرة فى عالم الظلمة، وساحة نائية يستدرج اليها ضحاياه حيث يشبع غرورهم، فى الوقت الذى ينكل بهم. قال معلمنا بولس الرسول «أما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون فى تجربة وفخ وشهوات كثيرة، غبية ومضرة، تغرق الناس فى العطب والهلاك. لأن محبة المال أصل لكل الشرور الذى أذا ابتغاه قوم ضلوا عن الايمان وطعنوا انفسهم بأوجاع كثيرة. وأما أنت يا انسان الله، فاهرب من هذا» (1تى 6: 9 - 11). ومن ثم قال السيد الرب بلسان حزقيال النبى «كثرت ثروتك فارتفع قلبك بسبب غناك» (حز 28: 5).

لكن هل علم أمثال أولئك الذين يضلهم كثرة المال أو المراكز أو الجاه أو النفوذ، أن الله هو مصدر هذه كلها، وانه وحده يعطى القوة لتحصيلها والوصول اليها؟ قالت حنة أم صموئيل النبى.

«الرب يغنى ويفقر. يضع ويرفع. يقيم المسكين من التراب. يرفع الفقير من المزبلة للجلوس مع الشرفاء» (1صم 2: 7).

، 8). وقال الوحى الالهى.

«اذكر الرب الهك أنه هو الذى يعطيك قوة لاصطناع الثروة» (تث 8: 18)).

ما أجمل تسبحة العذراء الوديعة فى مسامع نسيبتها اليصابات.

«صنع قوة بذراعه، شتت المستكبرين بفكر قلوبهم، أنزل الأعزاء عن الكراسى ورفع المتضعين، أشبع الجياع خيرات، وصرف الأغنياء فارغين» (لو 1: 51 - 53)).

ما أحلى أن يكون الانسان غنياً لله، وغنياً فى أعمال صالحة. لقد كانت هذه وصية معلمنا بولس الرسول الى تلميذه تيموثاوس «أوصى الاغنياء فى الدهر الحاضر أن لا يستكبروا، ولا يلقوا رجاءهم على غير يقينية الغنى. بل على الله الحى، الذى يمنحنا كل شئ بغنى للتمتع، وأن يصنعوا صلاحاً، وأن يكونوا أغنياء فى أعمال صالحة» (1تى 6: 17 - 19).

أن هذه الامور الأمور المادية غير مضمون بقاؤها، شانها فى ذلك شأن كل ما هو مادى خاضع لاحداث العالم وتقلباته. ولعل من أبرز الامثلة على ذلك ما أورده الكتاب المقدس عن أيوب الصديق، الذى قيل عنه انه كان «أعظم كل بنى المشرق» (أى 1: 3). أيوب هذا فقد كل ثروته، وبنيه وبناته وعبيده معاً، فى آونة قصيرة. ولذا قال الحكيم.

«لأن الغنى ليس بدائم» (أم 27: 24)).

ثم أن ضمنت بقاءها فى هذه الحياة، فلن تقدر أن تأخذ شيئاً منها فى الحياة الأخرى. ربما قدرك الناس وبجلوك وقدموك عليهم من أجل غناك أو مركزك الاجتماعى، لكن الامر سيكون على خلاف ذلك فى الحياة العتيدة. ستكون هناك عارياً مجرداً، شأنك فى ذلك شأن كل الخليقة. وما أصدق ما قاله أيوب الصديق «عريانا خرجت من بطن أمى وعريانا أعود الى هناك» (أى 1: 12). والغنى الذى كان لعازر المضروب بالقروح مطروحاً عند بابه، لم تنفعه أمواله فى العالم الآخر، وقال له أبونا ابراهيم.

«يا ابنى اذكر أنك استوفيت خيراتك فى حياتك، وكذلك لعازر البلايا. والآن هو يتعزى وأنت تتعذب» (لو 16: 19 - 25)).

فلا تجعل قلبك على المال لتجمعه، لمجرد الجمع، ظناً منك انه ينفعك، ويشد أزرك، ويكسبك هيبة واحتراماً، بل احرص على أن تكتشف «الكنز المخفى» وان تقتنى «اللؤلؤة الواحدة الكثيرة الثمن». اقتن المسيح فتملك الدنيا وكل ما فيها كما يقول الرسول.

«كفقراء ونحن نغنى كثيرين، كأن لا شئ لنا، ونحن نملك كل شئ» (2كو 6: 10)).

اسأل نفسك بصراحة عن مكان وجود كنزك، فالسيد المسيح قال.

«لانه حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم أيضاً» (لو 12: 34)).

3 - أسباب تقوية:

قلنا أن مما يزيد خطورة خطية الكبرياء أنها تندس مع الفضيلة. ولذا لا تعجب أذا كانت الامور التقوية قد تؤدى الى الكبرياء. ومن أمثلة الاسباب التقوية، تمتع الانسان ببعض الفضائل الروحية، أو بمواهب خاصة كموهبة التعليم أو الخطابة أو الصوت الجميل فى الالحان أو أستعلانات.. الخ.

باطلة هى كل ممارساتنا التقوية، ومرفوضة من الله، اذا كانت ممتزجة بالتشامخ والكبرياء والبر الذاتى. أن الله يريد القلب المنسحق، الذى قال عنه داود بالروح، ان الله لا يرذله (مز 51: 17). فالفريسى المتكل على بره الذاتى، كان له صلوات وأصوام وصدقات وفضائل أخرى، أخذ يعددها فى صلاته لله فى الهيكل، لكن هذه كلها رفضت، لانه قدمها بقلب متشامخ ونفس متعالية (لو 18: 9 - 14).

أننا مدينون بحياتنا كلها لله – حياتنا الجسدية والروحية – فهو المهتم بأجسادنا والمعتنى بأرواحنا. أما نحن، فليس ساكناً فينا أى فى جسدنا شئ صالح (رو 7: 18). ما أكثر ما نهين الله بتشامخنا وغرورنا، نحن الذين بلا كرامة (1كو 4: 10)!!

انك لم تعرف الله بذاتك، بل هو الذى اعلن لك ذاته. انت لم تدعه، بل هو الذى دعاك. هو الذى جدد حياتك. وهو الذى قدس أفكارك. هو الذى أفرزك من العالم لتكون له، وهو الذى اختارك قبل تأسيس العالم لتكون قديساً وبلا لوم قدامه فى المحبة (أف 1: 4). هو الذى سبق وأعد لك ملكاً، وجعلك وارثاً له منذ تأسيس العالم (مت 25: 34). ألا تعلم انه لولا نعمته عليك لكنت غارقاً فى حمأة الدنس والخطية؟ أن كانت أفكارك مقدسة، فليس لك فضل فى ذلك، لكن الفضل لله الذى أنعم عليك بهذه الافكار. وبالجملة أن كنت تشعر بقوة فى حياتك الروحية، فهلا قرأت كلمات معلمنا بولس التى يقول فيها.

«لأن الله الذى قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذى أشرق فى قلوبنا لانارة معرفة مجد الله فى وجه يسوع المسيح. ولكن لنا هذا الكنز فى أوان خزفية، ليكون فضل القوة لله لا منا» (2كو 4: 6).

، 7).

ان كل ما فيك من خير هو من الله، وكل ما فيك من شر هو منك أنت. ان القمر الذى تراه منيرا – ويضرب به المثل فى الجمال – هو فى ذاته جسم مظلم، ليس فيه ضوء. أما ضوءه فيستمده من الشمس. فهل يليق بالقمر أن يتفاخر على الشمس؟ وماذا لو منعت عنه ضياءها؟ أن المسيح هو شمس البر وهو.

«نور العالم» (يو 8: 12).

، ودعانا نحن.

«نور العالم» (مت 5: 14)).

فنحن به نستضئ لكى نضئ. فماذا لو منع عنا نوره، وحبس عنا ضياءه؟!! للحال نصير ظلمة. اننا أغصان فى الكرمة الحقيقية، وحياة الغصن متوقفة على عصارة الحياة التى تصله من الاصل، فماذا يحدث لو امتنعت العصارة عن الوصول الى الغصن؟ لا شك انه يجف سريعا ويسقط. ان الانهار لا تفيض من ذاتها، بل فيضاناتها تأتيها من منابعها. وأنهار الماء الحى التى تفيض من بطون المؤمنين (يو 7: 38) تأتى من الله بفعل الروح القدس. فماذا لو لم يغذ الله هذه الانهار؟ الا يتوقف فيضانها، وتجف مياهها؟ ألم تقرأ يا أخى.

«أن كل عطية صالحة، وكل موهبة تامة هى من فوق، نازلة من عند أبى الانوار» (يع 1: 17).

، وكذا قول معلمنا بولس فيلسوف المسيحية.

«ان كان أحد يظن أنه حكيم بينكم فى هذا الدهر، فليصر جاهلاً لكى يصير حكيماً» (1كو 3: 18).

!!

أولى بك يا أخى أن تشكر الله من كل قلبك – لاجل هذه العطايا الروحية – حتى يديمها عليك ويزيدها «فليست عطية بلا زيادة الا التى ينقصها الشكر». أشكره من قلبك وأنت شاعر بضعفك، لاجل أن كل ما فيك من خير هو منه تعالى. ردد فى قلبك الانشودة الخالدة التى أنشدها بالروح القديس غريغوريوس الناطق بالالهيات فى قداسة مخاطباً الابن الكلمة « وضعت فى موهبة النطق. أعطيتنى علم معرفتك.. ربطتنى بكل الادوية المؤدية الى الحياة... باركت طبيعتى فيك، أكملت ناموسك عنى، أريتنى القيام من سقطتى».

أما القديس بولس الرسول الذى كانت له مواهب روحية، ورأى رؤى وأعلانات سمائية، فقد قال عن نفسه.

«انه لا يوافقنى أن أفتخر. فأنى آتى الى مناظر الرب واعلاناته» (2كو 12: 1)).

وحينما أراد أن يعطى للمؤمنين فكرة عما رأه فى السماء الثالثة التى اختطف اليها، لم يتحدث عن نفسه باعتباره الشخص الذى أعلنت له تلك الرؤيا، بل قال فى انكار ذات جميل.

«اعرف انساناً فى المسيح.. انه اختطف الى الفردوس وسمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لانسان أن يتكلم بها» (2كو 12: 2 - 4)).

ثم أردف قائلاً.

« ولكن من جهة نفسى لا أفتخر الا بضعفاتى» (2كو 12: 5)).

وقال فى نفس الموضع.

«فبكل سرور افتخر بالحرى فى ضعفاتى، لكى تحل على قوة المسيح. انى حينما أنا ضعيف، فحينئذ أنا قوى» (2كو 12: 9).

، 10).

أرأيت يا أخانا الى ما قاله الرسول العظيم الذى رأى رؤى، وكشف له عن استعلانات، كيف ينكر ذاته، ويفتخر فى ضعفاته لكى تحل عليه قوة المسيح؟!! فما أحرانا أن نتشبه به لتحل علينا نحن أيضاً قوة المسيح، ونستأهل لمواهب أكثر وأفضل.

4 - أسباب أجتماعية:

كمديح الآخرين، وأعجابهم، والاكرام والاحترام الزائدين الذين يقدمونهما لنا..

وهذه من الشباك الفعالة، التى ينصبها عدو الخير فى طريق المجاهدين لاصطياد نفوسهم. من أجل هذا قال القديس يوحنا الدرجى «كبير هو الذى يدفع عنه مديح الناس، وأكبر منه الذى يدفع عنه مديح الشياطين». اننا عن طريق قبول المديح، نسقط فى خطية السبح الباطل، التى تقودنا الى الكبرياء.

قد تقول – مدافعاً عن نفسك – أنا لا أفكر فى ذاتى شيئاً، ثم أنا لا أستطيع أن أمنع الناس عن اعجابهم بى، وتوجيه عبارات المديح لى، وما يصاحبها من مظاهر الاكرام والاحترام. ومن ناحية أخرى أليست هذه هى سنة الحياة ان يقال للمحسن أحسنت حتى يتشجع؟

أنا أوافقك فى أنك لا تستطيع ضبط مشاعر الناس نحوك، لكن فى استطاعتك أن تضبط مشاعرك. فما هى مشاعرك حينما تستمع الى مديح الآخرين لك واعجابهم بك؟ ألا تشعر بفرح داخلى، يصاحبه تلذ1 لدى سماع مثل هذا الكلام؟ ألا يكون لعبارات المديح رنين خاص فى أذنك، وصدى عميق فى نفسك يدفعك الى محبة من مدحك، حتى لو قلت أنك مسكين وخاطئ ولا شئ، وان الله هو العامل بك؟!! ويتقصر الامر عند هذا الحد، بل قد يتطور الى حد أن الانسان يطلب احياناً حكم الآخرين عليه فى عمل أتاه، أو خدمة قام بها، تحت ستار الرغبة فى تلافى نقائصه وعيوبه. ومتى سمع عبارات المديح طابت نفسه لها، وأظهر من عبارات الاتضاع والمسكنة الروحية ما لا يعبر عنه. لكن أعلم يا أخانا، أن هذا هو بعينه شيطان السبح الباطل يحركك الى ذلك، أو فى القليل يستغل هذا الاتجاه لصالحه. فاحترس جيدا، وأعلم أن زوان الكبرياء بدأ ينبت فى قلبك...

ولكى تعلم مدى أهمية هذا المديح، كأداة فى يد الشيطان لاسقاطك، فى السبح الباطل، استمع اذن الى قول ذلك القديس المختبر يوحنا الدرجى «تعجبت من شيطان اذا رأيته زرع فى أخ أفكاراً ومضى الى آخر وكشفها له ليخبر الأخ بها ويحذره منها، حتى يطوبه كانسان يعلم الغيب، ويصنع الخير، فيتمجد فى نفسه». ومعنى هذا أن الشيطان - لأنه يستخدم هذا السلاح كسلاح ماض فى يده – لا ينتظر أن يمدحنا الناس، وبعد ذلك يستخدم هذا المديح مادة لادخال الكبرياء الى نفوسنا، بل انه يصطنع هذا المديح اصطناعاً، وذلك بأن يدفع الآخرين الى توجيه عبارات المديح الينا لكى يتمم قصده الشرير!!

من أجل هذا كان الآباء القديسون جد حريصين فى هذا الأمر، حتى أنهم قالوا «من يمدح أخاه ينصب لرجليه شركا», وقالوا فى تفسير ذلك «لا تمدح انساناً فى وجهه لئلا يدخله الغرور، ولا تمدحه فى غيبته لئلا تثير عليه حسد الشياطين». الى هذا الحد كان آباؤنا متحفظين من شيطان السبح الباطل.

والآن اهرب يا انسان الله من هذا، وكن كميت عن العالم الذى.

«يمضى وشهوته» (1يو 2: 17)).

لا تأبه لمديح الناس أو ذمهم. لا تطرب اذاً مدحوك، ولا تكتئب اذا ذموك. ان مدحهم أو ذمهم لا يغير من حياتك شيئاً، أن لم يتسبب لها فى العطب، بل أن احتمال الذم والاهانة والمحقرة يخلصنا من المجد الباطل. لذا سارع اليها القديسون، ودخلوا من بابها الضيق واحتملوا طريقها الكرب. يقول مار اسحق «كل يوم لا تقابلك فيها محقرة لا تحسبه فى عداد أيام حياتك».

ثم من أنت حتى تقبل مديحا ومجداً من الناس؟ وهو ذا سيدك ومعلمك يقول.

«مجدا من الناس لست أقبل» (يو 5: 41)).

واذا كان القدوس الذى بلا شر، والكامل الذى لم يعرف خطية، قال ذلك، فماذا عساى أقول، أنا الذى «بالاثم حبل بى وبالخطية ولدتنى أمى»؟!

الا تعلم أن الناس يعجبون بك ويمدحون أفعالك وحياتك، لأنهم لا يرون منك الا الجانب الحسن، أما أفعالك الاثيمة، وخطاياك، وفضائحك ونقائصك، فهم لا يرونها، لأن الله سترها حتى لا يراها أحد، حبا فيك، ورحمة بك. من أجل هذا نحن نشكره فى بداية صلاة الشكر قائلين «فلنشكر صانع الخيرات.. لأنه سترنا». وهذا السبب الذى نشكره تعالى عليه، يأتى قبل أسباب أخرى هامة «أعاننا، حفظنا، قبلنا اليه، أشفق علينا، عضدنا وأتى بنا إلى هذه الساعة». فإذا كان الأمر هكذا يا أخانا العزيز، فما بالك تنسى نفسك وتقبل مديح الآخرين؟!!

5 - أسباب شيطانية:

وهى التى تكون نتيجة محاربة عدو الخير لنا بقصد أسقاطنا. وقد تكلمنا عن ذلك، وقلنا أن شيطان الكبرياء يحاربنا عن طريق النفضيلة، يندس فيها او يلبس ثيابها. فبعد أن يكون الانسان قد جاهد ضد خطايا كثيرة وقهرها يبرز شيطان الكبرياء فى ميدان الحرب الروحية – لا محارباً أو مقاتلاً – بل مثنياً على ذلك المجاهد جهاده، وممجداً احتماله وتضحياته، حتى يعدمه ثمرة جهاده القديم كله. وقد كان الآباء القديسون حريصين جداً فى طرد هذا العدو الخطر كباقى العداء أيضاً. ذكر عن أحد ا لآباء أن شيطان تراءى له فى شبه ملاك نورانى وقال له «أنا غبريال، قد أرسلت اليك» فأجابه على الفور «لعلك أرسلت الى غيرى، وأما أنا فخاطئ». وذكر عن آخر كان يبصر الشياطين عياناً، فلما راى ابليس نفسه مقهوراً منه، ظهر له بمنظر نورانى قائلاً «أنا هو المسيح». فأغمض الشيخ عينيه. فقال له الشيطان «أنا المسيح وتغمض عينيك منى» أجابه القديس قائلاً «لا أريد أن أبصر المسيح ههنا».

وفى كلتا القصتين لم يحتمل شيطان الكبرياء تواضع القديس أو أفرازه فاختفى فى الحال.

6 - سبب نسبى:

وقد تأتى الكبرياء أيضاً عن طريق مقارنة الانسان ذاته بمن هم أقل منه. وهو سلاح خطير يحاربنا به العدو، حتى نلقى سلاحنا ونتوقف عن جهادنا، مكتفين بما وصلنا اليه من حياة روحية أو معرفة روحية على حد سواء. ونحن نسألك يا أخانا: لماذا تقبس نفسك بمن هم دونك قداسة وبرا وفضيلة وعلما.. الخ؟ لماذا تقارن ذاتك بالاشرار والجهلاء، ولا تقارنها بالقديسين والعلماء؟ ان هذا فضلاً عن أنه يقلل من طموحك، فانه يضعف من جهادك، ويحدد من نشاطك. ان الله يطالبنا أن نكون كاملين وقديسين، لا على سبيل النصح، بل على سبيل الأمر بقوله.

«كونوا أنتم كاملين كما أن أباكم فى السموات هو كامل» (مت 5: 48).

، وأيضاً.

«نظير القدوس الذى دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين فى كل سيرة» (1بط 1: 15)).

واذا كنا نعلم علم اليقين أن بدون القداسة لن يرى أحد الرب (عب 12: 14). وان.

«البار بالجهد يخلص» (1بط 4: 18).

، وان حياة الفتور والتهاون مكروهة لدى الرب بقوله «هكذا لأنك فاتر.. أنا مزمع أن أتقيأك من فمى» (رؤ 3: 16)، فلماذا نقعد عن الجهاد متشامخين، ونقنع بما نحن فيه من ضعف وفتور، لا على سبيل القناعة، بل شعوراً منا بأننا أفضل من غيرنا « والحمد لله»!!

ضع أمامك شخصيات كبار القديسين، والرسل الكارزين، والشهداء والمجاهدين، والنساك العابدين من أمثال بولس ومرقس الرسولين، ومار جرجس ومارمينا الشهيدين، ودميانة وبربارة الشهيدتين، وبولا وانطونيوس ومقاريوس وارسانيوس وباخوميوس وشنوده الرهبان الزاهدين. لأنه اذا وضع الانسان هؤلاء القديسين أمامه، ونظر الى قداستهم وحبهم وتجردهم وزهدهم يحتر قلبه بالغيرة والحب المقدس، وتصغر نفسه فى عينيه. ويهتف فى اتضاع «اذا كان الصديق بالجهد يخلص، فأين أظهر أنا الخاطئ»!!

كبرياء الإنسان أمام ذاته

عرضنا فيما سبق لبعض الاسباب التى تقود الى الكبرياء. وهذه الكبرياء أما تظل كامنة فى القلب، ويصبح صاحبها له من الخارج صورة التقوى، وأما تتخذ سلوكاً ظاهرياً فى حياة الانسان. ونتكلم الان عن كبرياء القلب الداخلية:

اننا محتاجون الى نعمة الافراز التى قال عنها القديس الانبا انطونيوس اب الرهبان أنها تفوق الفضائل جميعا اذ هى بمثابة سراج الجسد الذى يجعله نيراً كله. لكن القديسين قالوا أن نعمة الافراز لا تأتى الا عن طريق الاتضاع، فلنتضع اذن تحت يده العالية لكى يرفع وجهنا اليه، ويعرفنا ذواتنا على حقيقتها. ولنلجأ أيضاً الى الآباء المرشدين الروحيين ليعطونا التوجيهات الروحية، بارشاد روح الله الذى ينقادون به. هناك بعض النقاط التى يمكن أن نعرف أنفسنا على ضوئها. فكن صريحا مع ذاتك واجب على الاسئلة الآتية بملء الصراحة لتقف على حقيقة نفسك التى تحملها بين جوانبك.

هل تشعر شعوراً قلبياً، انك بدون الله ظلمة، وعدم، ولا شئ، وان كان ما فيك من حسن وصلاح هو منه تعالى؟

ما هو شعورك حينما تقف أمام الله للصلاة، سواء كنت بمفردك أو مع آخرين فى اجتماع صلاة، أو فى صلاة عامة؟ هل تشعر بعدم استحقاقك للوقوف أمام الله، يحدوك شعور العشار الذى شعر بخطيته.

« ووقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء، بل قرع على صدره قائلاً اللهم أرحمنى أنا الخاطئ» (لو 18: 13)).

واذا كنت ممن يخدمون فى حقل الكنيسة، فهل تشعر أنك تعطى أم تأخذ؟ هل تشعر أنك تضحى بوقتك وجهدك فى سبيل خدمة الله، أم انك تشكر الله الذى سمح لك أن تحمل كلامه وتعاليمه الى الاخرين، وتخدم خدمة المصالحة، وان مثلك ما كان يجب أن يعلم بل الأولى به أن يتعلم، وأنك جلست على كرسى المعلم فى الوقت الذى يجب أن تجلس تحت القدمين لتتعلم؟!

ما هو شعورك حينما تصوم! هل يداخلك نوع من الزهو أو الارتياح القلبى حينما تصوم الى ساعة متأخرة انقطاعياً، أم تعتقد بأنك تصوم لانك محتاج الى الصوم لتلجم به جسدك المشاغب حتى لا يجعلك هزءاً أمام الناس، وأن صومك ليس من أجل قوتك الروحية بل من أجل ضعفك، وأن انقطاعك عن الطعام لوقت متأخر، ليس هو مادة للزهو، بل وسيلة لتقوم ذاتك المنحرفة أكثر من بقية الناس؟! ثم أن صومك هذا لا يقاس الى جانب أصوام الصوامين الحقيقيين... ثم ماذا أيضاً عن الصوم عن الخطية وعن شبه الشر، وهل أنت تفعل ذلك؟

ثم ما هو أحساسك وأنت تعطى صدقة. هل فيما تقدم عشورك لله، يملأك احساس بأنك قمت بواجبك الذى أمرك به الله، وأوفيته حقه؟ من جهة الكيف، هل أنت تقدم تقدماتك من أجل الناس، لكى يمدحوك، ويشيدون بفضلك، وهكذا «تصوت قدامك بالبوق.. لكى يمجدك الناس» ام تحرص على ألا.

«تعرف شمالك ما تفعله يمينك لكى تكون صدقتك فى الخفاء. فأبوك الذى يرى فى الخفاء يجازيك علانية» (مت 6: 1 - 4)).

أما من جهة الكم، فهل تعلم أن تقدمة العشور هى الحد الادنى للعطاء، وانها كانت خاصة بالعهد القديم؟ أما السيد المسيح فى عهد النعمة فقد علمنا هكذا.

«بيعوا مالكم واعطوا صدقة» (لو 12: 33)).

أى نبيع كل ما لنا « وان كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما. لأننا لم ندخل العالم بشئ وواضح اننا لا نقدر أن نخرج منه بشئ» (1تى 6: 7، 8). وقد دعا الرسول الى السخاء فى العطاء بقوله.

«من يزرع بالشح فبالشح أيصاً يحصد، ومن يزرع بالبركات فالبركات أيصاً يحصد.. لن المعطى المسرور يحبه الله. والله قادر أن يزيدكم كل نعمة، لكى تكونوا ولكم كل اكتفاء كل حين فى كل شئ تزدادون فى كل عمل صالح. كما هو مكتوب فرق، أعطى المساكين، بره يبقى الى الابد» (2كو 9: 6 - 9)).

وهذا المال الذى تتصدق به ليس هو لك، بل هو لله «الذى منه وبه وله كل الاشياء»، وقد أعطاك ا ياه. أما أنت فلا تملك شيئاً من حطام الدنيا، لأنك عرياناً خرجت من بطن أمك، وعريانا ستعود الى هناك..

ثم ماذا تكون صدقتك وتقدمتك الى جانب تقدمات أولئك الذين لم يقدموا كل ثرواتهم فحسب، بل قدموا ذواتهم أيضاً لله وعاشوا «معتازين مكروبين مذلني... تائهين فى برارى وجبال ومغاير وشقوق الارض» أولئك الذين شهد عنهم الوحى الالهى أن.

«العالم لم يكن مستحقاً لهم» (عب 11: 37).

، 38).

وبالجملة حاسب نفسك، وافحص حركات قلبك ومشاعرك الداخلية، وأقلع زرع الكبرياء من جذوره، حتى ينمو زرع الفضيلة ويأتى بثمر كثير... قال يشوع بن سيراخ «لا ترفع ذاتك برأى نفسك، كى لا تخطف كالثور نفسك. تؤكل أوراقك، وتفسد أثمارك، وتترك ذاتك كالعود اليابس» (سى 6: 2، 3).

بعض مظاهر الكبرياء

قلنا فى النقطة السالفة أن قلب الانسان قد يموج بأفكار العظمة، وقد يكون الفكر متعالياً، ومع ذلك يظل الانسان من الخارج له صورة الوداعة. لكن يحدث فى بعض الاحيان أن تنعكس آثار الكبرياء فى السلوك الخارجى متخذة بعض المظاهر، كطريقة المشئ، والتمادى فى اناقة الملبس، وارتفاع السموات، والتحدث الى الآخرين بطريقة آمرة.. الخ.

وقبل الخوض فى هذه النقطة، نود أن نلفت النظر الى ثلاثة أمور: الأمر الأول أن أحكامنا على الناس يجب الا تكون حسب ظواهرهم، فهذا محض خطأ. وقد حذرنا السيد المسيح من ذلك بقوله.

«لا تحكموا حسب الظاهر، بل احكموا حكما عادلاً» (يو 7: 24)).

والأمر الثانى: ان الشيطان قد يستغل هذه الكلمات ليجرنا الى خطية الادانة التى هى بنت الكبرياء.

والامر الثالث: اننا حينما نقول أن الكبرياء قد نأخذ مظهراً خارجياً، فليس بالضرورة أن كل من كان له مظهر من المظاهر التى سنتناوله بالكلام هو متكبر. أنما قصدنا ببعض مظاهر الكبرياء انها قد تظهر أحياناً فى سلوك الانسان. فعلينا أن نفحص ذواتنا حتى لا نعثر الآخرين، وحتى لا نفقد صداقتهم ومحبتهم لنا، نتيجة نفورهم منا حينما يكون سلوكنا على ذلك النحو.

قد تاخذ الكبرياء مظهرا خارجيا فى طريقة المشى، بأن يمشى الانسان مترفعاً متعاليا عن باقى الآدميين. عليك حينما تسير على الارض، أن تشعر أنك تسير على أجساد آدميين مثلك تحولت أجسادهم الى تراب منذ مئات السنين. وصدق الشاعر حينما قال:

خفف الوطأ ما أظن أديم الأر ض الا من هذه الاجساد.

بل سيأتى اليوم يا أخى الذى يتحول فيه جسدك الذى تباهى برشاقته وجماله وحسنه، الى تراب. قال الحكيم قديماً «لماذا يتكبر التراب والرماد».

(سى 10: 10)؟!

وقد تأخذ الكبرياء مظهرا فى اللباس الفاخر، والتأنق الزائد، والكماليات المختلفة. تمثل بالرسول الذى قال «أن كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما» (1تى 6: 8)، ولم يقل مثلاً «ان كان لنا طعام وثياب فلنكتف بهما». فالقوت هو ما يسد رمق الانسان، والكسوة هى ما تكسو عريه.. وشتان بين التعبيرين. كابن وديع تشبه بالهك الوديع، الذى لم يكن يملك درهمين يوفى بهما الجزية (مت 17: 24 - 27)، وهو مالك السموات والارض، والذى أفتقر بارادته، ولم يكن له أين يسند رأسه (مت 8: 20).

وأحياناً تأخذ الكبرياء مظهراً فى الكلام. ولا نقصد به مفهوم الكلمات، بل طريقة الكلام ذاته كأن يتكلم الانسان بسلطان، وبطريقة آمرة. وأيضاً فى نبرات الصوت كأن تكون عالية جداً، وكذا فى الصياح. راجع نفسك يا أخانا العزيز وتشبه بسيدك ومعلمك الذى قيل عنه.

«لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ» (مت 12: 19).

، 20). لا تكلم أحدا بسلطان، بل كن وديعاً حتى فى الموقف الذى يحتم عليك أن تكون آمرا. ونق كلامك من الخطأ فى مواقف الغضب الاضطرارى، لأنه مكتوب.

«اغضبوا ولا تخطئوا» (أف 4: 26)).

الكبرياء المستترة فى الفضيلة

قلنا فيما سبق، ان مما يزيد من خطورة الكبرياء، انها تندس فى الفضيلة، أو تستتر فيها. ومن أمثلة ذلك:

(أ) القدوة الصالحة:

قد يحارب الشيطان الانسان الذى يجاهد فى حياة الفضيلة، ويحاول أن يعدمه كل جزاء عمله وجهاده، بأسم القدوة الصالحة. وهو يحاول أن يقنعه بأنه مطالب أن يكون قدوة صالحة ونورا للعالم، ويورد له بعض الآيات الكتابية مثبتاً خداعه، مثل.

«فليضئ نوركم هكذا قدام الناس، لكى يروا أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذى فى السموات» (مت 5: 16)).

فمتى اقتنع ذلك الانسان بمشورته الفاسدة، يجعله يكيف تصرفاته وأقواله وأفعاله، حتى يبدو أمام الناس قدوة صالحة، ويشعر – وهو يتمم هذه الوصية – أنه يسهم فى انتشار ملكوت الله على الارض، حسب نص الآية المذكورة. ومن البين أن شيطان الكبرياء هو الذى يجربنا هذه التجربة، حتى تكون عبادتنا كلها لأجل الناس، وليس لأجل الله. ومن حيث أن عبادتنا كانت لأجل الناس، فيليق بنا أن نقبل تقديرهم ومديحهم، لكن فى الوقت نفسه نكون قد استوفينا أجرنا.

ولا يختلط فى ذهنك ما يفعله ذلك الانسان، وتحسبه رياء. فالرياء خطية أخرى تختلف عما نحن بصدده. المرائى هو انسان يتظاهر بالفضيلة، ويلبس ثوبها، بينما داخله مشحون اثما، وهو يعلم ذلك، أو بحسب تصوير الرسول «له صورة التقوى ولكنه ينكر قوتها».

أما الحالة التى نتكلم عنها، فهى حالة انسان يحب الفضيلة ويجاهد من أجلها حقاً، لكن عوض تقديم عبادته لله، وابتفاء مرضاته وحده، ينحرف بخداع الشيطان ليرضى الناس تحت ستار القدوة الصالحة. وقد قال معلمنا بولس قولاً صريحاً فى هذا الامر.

«لا بخدمة العين كما يرضى الناس، بل ببساطة القلب خائفين الرب. وكل ما فعلتم فاعملوا من القلب للرب ليس للناس. عالمين أنكم من الرب ستأخذون جزاء الميراث لانكم تخدمون الرب المسيح» (كو 3: 22 - 24)).

اذا حاربك شيطان السبح الباطل فى مثل هذه الحرب بالآيات الكتابية – كما تجاسر وأستخدمها فى تجربته لسيدك – فارشقه بسهام الاتضاع، وقاتله.

«بسيف الروح الذى هو كلمة الله» (أف 6: 17)).

فقديما قال المرتل.

«مغبوط هو الرجل الذى يملأ جعبته منهم» (مز 127: 5).

، أى من أمثال هذه السهام كما قصر القديسون. ويقول القديس يوحنا الدرجى «لا تقبل من شيطان السبح الباطل اذا ما اشار عليك أن تشهر فضائلك لينتفع الذين يرونها، وأذكر قول الرب، ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه».

(ب) عدم اعثار الآخرين:

وقد يختفى شيطان الكبرياء تحت ستار الحرص على عدم اعثار الآخرين بتصرفات معينة. وفى هذه الحالة يكون امتناعنا عن الشر وفعل الخطيئة، يحدونا اليه الحرص على عدم أعثار الآخرين، لا أرضاء الله ذاته، وأن كان يرضيه أيضاً عدم أعثار الآخرين. مفروضاً حينما نفعل الخير أن نفعله لذاته، ونفعله لأن الله – الخير الاعظم – أوصانا أن نفعله، وأن كان الناس يستفيدون من هذا الخير عن طريق ما ينتج عنه من فائدة مباشرة، أو عن طريق القدرة. أيضاً حينما نتجنب الشر، نتجنبه لأنه لا يليق بنا – كأولاد لله – أن نفعل الشر، ولأن الله أبانا – نتجنبه لأنه لا يليق بنا – كأولاد لله – أن نفعل الشر، ولأن الله أبانا – الذى يبغض الشر ويكرهه – أوصانا أن نمتنع عنه. وقد يصيب هذا الشر بعض الناس، أما عن طريق ما ينجم عنه من أذى مباشرة، أو بواسطة العثرات. وعلى ذلك ينبغى ان يكون تجنبنا لاعثار الآخرين مرده الى أن العثرات أمور غير لائقة فى ذاتها. وما قلناه فى النقطة السابقة الخاصة بالقدوة، نقوله هنا أيضاً وهو انه يجب الا يكون تجنبنا لشر مراعاة للناس بل لله.

وثمة أمر آخر يدخل تحت هذا العنوان، وهو «الدفاع عن النفس حرصاً على عدم اعثار الآخرين». فهناك انسان حينما يوجه اليه لوم، أو ينسب اليه خطأ، يثور مدافعاً عن نفسه مدفوعاً بكبرياء داخلية حقيقتها هى رغبته فى أن يبدو بلا عيب أمام الناس. ولكنه اذ يحتج على ضميره، ويمنعه عن الدفاع عن نفسه تواضعاً، يحاول أن يخدع ضميره أيضاً مستتراً وراء فضيلة عدم اعثار الآخرين. اما الميزان الحقيقى الذى نزن به فضيلة القلب فى هذه الحالة فهو سؤالنا له: هل الرغبة فى عدم اعثار الآخرين هى السبب الوحيد فى دفاعك عن نفسك؟ أم هل هناك رغبة أخرى هى حرصك على الظهور بلا عيب أمام الناس، حرصا على سمعتك الروحية وكرامتك؟ هل السببان موجودان معاً؟ أن كان كذلك فأيهما أقوى؟ أيهما السبب الأول؟ أيهما السبب الاساسى والوحيد، بنيما يكون السبب الآخر فى غالبية الحالات مجرد ستار زائف، أو كذب نفسانى يضيف الى خطية الكبرياء خطية أخرى!

أن هذا يا أخانا هو بعينه خداع شيطان الكبرياء، فلا تستمع اليه، ولا تتجاوب معه. ضع أمامك صورة سيدك ومعلمك القدوس، الذى قيل عنه «لم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه» (أش 53: 7). وايضاً صور القديسين الذين أمعنوا فى انكار ذواتهم، وصبروا على اتهامهم ولم يدافعوا عن شرفهم وسمعتهم، فقهروا بذلك أقوى أعدائهم. ومن أمثلتهم القديس مقاريوس الكبير الذى اتهمته فتاة حملت سفاحاً بأنه زنى معها. وقد نال القديس من هذا الاتهام الكثير من الاهانات والشتائم والضربات. كان خلالها صامتاً لم يدافع عن نفسه. وأخيراً قبل أهل الفتاة اخلاء سبيله بعد وساطة بعض العقلاء، وبعد أن قبل أن يقوم بنفقات المولود حينما يرى النور. وقد ضاعف القديس شغل يديه وكان يقول لذاته؟ كد يا مقاره، لقد صارت لك زوجة». وفى وقت الوضع تعسر الحامل جداً ولم تجد شيئاً يريحها الا اعترافها بالحقيقة، وباسم من أخطأت معه. فتعجب أهل القرية من فرط احتمال القديس وأنكاره لذاته وندموا على ما فرط منهم. وانقلب حقدهم عليه الى الرغبة فى تكريمه والاعتذار له، فتوجهوا الى حيث كان يقيم، لكنه كان قد سبقهم – بمجرد علمه بما أنتهى اليه الامر – الى البرية هارباً من المجد الباطل.

ونحن حينما نذكر هذه القصة نذكرها لك لتقتدى بها، لانه لا توجد وصية الهية تنهاك عن الدفاع عن نفسك فى قضية كاذبة، حينما يكون هناك داع لذلك. لكننا ذكرناها لنضع امامك صورة رائعة لقديسينا الذين أمعنوا فى احتقار انفسهم هربا من المجد الباطل، حتى بعد ذلك لا تثور، ولا تبذل كثير اهتمام فى الدفاع عن نفسك فى أمور تافهة أو نحو ذلك، مستجيباً فى ذلك لشيطان الكبرياء الذى يستتر وراء أمثال هذه الفكرة.

(ﺠ) الدفاع عن الحق والمبادئ:

وكما يحرض شيطان الكبرياء انسانا ويثير فيه الحمية للدفاع عن نفسه، حتى لا يعثر باقى الناس، كذلك يحركه للتحرك فى عناد وأصرار وتعال وتشامخ على محدثه تحت ستار الدفاع عن الحق. ومسلك الانسان فى دفاعه عن قضية الحق هو الذى يظهره أنه على غير حق. فالحق يدافع عن نفسه فى غير تعنت أو تشامخ أو ضجيج أو صياح، كما تنبثق الشمس من ليل مظلم، تولى الادبار أمامها جيوس الظلام. قد يكون أسلوب شخص ما، ينم عن الكبرياء الذاتية والغرور، ولكنه حينما يوجه الى ذلك، يدعى أنه يدافع عن الحق. وقد يكون مدفوعاً بمشاعر صادقة، لكنه مع ذلك مخدوع فى ذاته.

ويأتى تحت هذه النقطة، الطريقة التى يدافع بها البعض عن المبادئ. ونلمس ذلك فى المحيط الروحى، ومحيط الحياة النسكية، والخدمة الدينية. وكون انسان يتمسك بمبدأ روحى معين فى الحياة الروحية عامة، هذا حسن ومفيد، لكن الخطأ ينشأ نتيجة شعوره، انه الوحيد الذى على صواب، وكل من عداه مخطئون. أن هذه ليست سوى كبرياء من نوع معين، لنا أن نسميها «كبرياء المبادئ». فالله ليست له واسطة واحدة للوصول اليه، كما أن خدمته يمكن أن تكون بطرق متعددة، وغالباً ما تكون هذه الطرق جميعها مكملة لبعضها.

(د) جلال المركز الدينى أو الاجتماعى:

ويحدث أحيانا أن بعض الذين يتقلدون مناصب خطيرة سواء فى الكنيسة أو المجتمع، يظنون أن مناصبهم تقتضى الظهور بمظهر الترفع من أجل جلال المراكز التى يتبوؤنها. والواقع أن شيطان الكبرياء، هو صاحب هذ الفكر. واذا كان الاتضاع يرفعنا الى السماء، أفلا يرفعنا فى أعين الارضيين؟ واذا كان الرسول يقول.

«يقاوم الله المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة» (يع 4: 6).

، أفلا يعطينا هذه النعمة فى أعين الناس فيخضعوا لنا عن حب، ويكرموننا عن تقدير؟! اننا لم نعرف الله هكذا، بل حينما ظهر فى الجسد، لبس التواضع كثوب أخفى تحته لاهوته، ومع ذلك كان الجميع يهابونه، وأحياناً كانوا لا يجرأوون على سؤاله بما يعلن لهم. ولم يحدث أن اتضاع السيد المسيح أضاع هيبته أو أطاح بكرامته.

واذا كان الاتضاع لازما لكل من يشغل مركزا رئيسياً بصفة عامة، فهو الزم ما يكون لمن يشغلون مناصب فى الكنيسة. يقول العلامة اوريجانوس فى ذلك «غالباً ما تتسبب الكبرياء عن الجهل بمعنى الرتب الكنسية، ودرجات الكهنوت والشماسية. فكم من كهنة ينسون الاتضاع بعد سيامتهم، كما لو كانوا قد سيموا لكى يتوقفوا عن الاتضاع!! كان يجب أن يتوخوا التواضع لأنهم حصلوا على رتبتهم حسب كلمات الكتاب المقدس «ازدد تواضعاً ما أزددت عظمة» (سى 3: 18). قد انتخبتك الكنيسة فاحن رأسك باتضاع. قد اقمت رئيساً فلا ترتفع، بل كن بينهم كواحد منهم. يلزم أن تتضع، ويلزم أن تهان، ويلزم أن تهرب من الكبرياء رأس جميع الرذائل».

ان الكبرياء لا تكسب الرئيس أو المدير احتراماً واجلالاً، بل الذى يفعل ذلك هو الروحانية، خاصة فى الرتب الكنسية. أما الكبرياء فتسقط الرئيس الدينى أو الخادم الكنسى لانها لا تتفق وطبيعة خدمته.

الكبرياء العامة:

وكما ان الكبرياء تتولد فينا بسبب أمور شخصية، فهى قد تتولد أيضاً لاسباب عامة أو جامعة. ونقصد بذلك أن الانسان قد لا يفتخر بذاته وصفاته انما يفتخر بشئ عام كأسرته أو بلدة أو الهيئة الدينية التى ينتمى اليها (جمعية أو مدارس أحد). ومن الواضع أن أفتخارنا بأمثال هذه الاشياء يدل على كبرياء تعمل فى النفس، فضلا عن السطحية فى التفكير وعدم العمق فى حياة الروح. وقديما وبخذ معلمنا بولس الرسول الكورنثيين قائلاً.

«لأنه متى قال واحد أنا لبولس وآخر أنا لأبولس، أفلستم جسديين؟.. اذن لا يفتخرن أحد بالناس» (1كو 3: 4).

، 21). وقال أيضاً للغلاطيين.

«لأنه ان ظن أحد أنه شئ وهو ليس شيئاً فانه يغش نفسه. ولكن ليمتحن كل واحد عمله. وحينئذ يكون له الفخر من جهة نفسه فقط، لا من جهة غيره. لأن كل واحد سيحمل حمل نفسه» (غل 6: 3 - 5)).

لا تفتخر يا أخى الا بالرب، فالرسول يقول.

«من افتخر فليفتخر بالرب» (1كو 1: 31)).

لا تفتخر بانتسابك الى جمعية دينية شهيرة، أو بأنك تخدم فى حقل ذى اسم مرموق فى مدارس الأحد. لا تفتخر بهذا، لأنه لا يخلص نفسك، ولا ينفعك أمام منبر المسيح المخوف العادل فى اليوم الأخير، بل افتخر دائماً بالرب متشبهاً بداود المرتل الحلو الذى كان يقول.

«بالرب تفتخر نفسى» (مز 34: 2)).

أن موضوع فخرنا الحقيقى، اننا أولاد الله، ويزداد فخرنا حينما نرى اسمه المبارك يتقدس فى أفواه الكثيرين بعد ان يملك على قلوبهم.

كيف يعالج الإنسان كبرياءه؟.

تحدثنا ونحن نعالج الاسباب التى تقود الى الكبرياء، عن بعض العلاجات التى نعالج بها تلك الاسباب. ونحن هنا نجملها فيما يلى:

1 - نسبة الخير الى عمل النعمة:

أشعر أن كل ما فيك من حسن أيا كان هو من الله، الذى لما أبدع الانسان رأى كل ما عمله.

«فاذا هو حسن جداً» (تك 1: 31)).

ردد مع دانيال النبى قوله.

«لك يا سيد البر أما لنا فخزى الوجوه» (دا 9: 7)).

لا يبهرك العالم بضيائه الخادع، ولا تنخدع بحلاوته الوقتية، فانه يعقبها مرار وافسنتين. ازهد فى العالم وكل ما فيه، فانه يمضى وشهوته تزول.

2 - اخفاء الفضائل:

ان كان الرب قد أعانك وأنعم عليك ببعض الفضائل أو المواهب، فلا تتحدث عنها أمام الآخرين، حتى لو كنت قد حصلت عليها بعد جهاد طويل شاق، بل ليكن شعورك فى جهادك دائماً قول السيد الرب.

«متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا أننا عبيد بطالون، لأننا انما عملنا ما كان يجب علينا» (لو 17: 10)).

أخف فضائلك لكى تنمو. انها كالكنز الذى متى كشف تعرض للسرقة. لقد أخفت أم موسى (النبى) طفلها ثلاثة أشهر، وهكذا الفضيلة التى هى مولود النفس أن لم نخفها من فرعون الروحى، الذى هو ابليس، لن تنمو. هكذا سلك القديسون فى حياتهم واخفوا فضائلهم، بل كانوا أحياناً يصطنعون تصرفات معينة ويتكلمون كلاما خاصا مستهدفين من وراء ذلك أخفاء فضائلهم. وحينما كانوا يضطرون للتحدث عن أمور اختبروها فى حياتهم الروحية، كانوا يروونها كأنها حدثت مع غيرهم. أن أظهرت فضائلك ليمدحك الناس ويمجدونك فاعلم أنك بهذا تستوفى أجرك هنا على الارض. قال ابراهيم أبو المؤمنين للغنى.

«أذكر انك استوفيت خيراتك» (لو 16: 25)).

والسيد المسيح حينما تكلم عن المرائين الذين كانوا يتظاهرون بفضائلهم «لكى يمجدوا من الناس» قال.

«الحق أقول لكم أنهم قد استوفوا أجرهم» (مت 6: 5)).

3 - الاحتراس الشديد وخاصة لخدام الكلمة:

خدام الكلمة سواء الكهنة أو الوعاظ أو خدام مدارس الاحد، وبالجملة جميع المشتغلين بخدمة خلاص النفس، محتاجون الى احتراس كبير من شيطان المجد الباطل أكثر من غيرهم، وذلك بسبب ما يصاحب خدمة الله أحيانا، من بركات ومعونات وآيات ومعجزات وقوات، يتخذها شيطان المجد الباطل سبباً لادخال الكبرياء الى نفوس هؤلاء الخدام. لكن علينا أن نفهم أمرين:

أولهما: أن النعمة التى يهبنا أياها الله فى خدمتنا، ليست بالضرورة من أجل قداستنا، بل قد تكون من أجل فائدة النفوس المخدومة التى يحبها ومات لأجلها.

وثانيهما: أن الله يظهر ذاته فى عمله من أجل تمجيد اسمه القدوس. فعمل الله ليس مشروطاً بصلاح الخدام، بل «ان نحن كنا غير أمناء فهو يبقى أميناً لن يقدر أن ينكر نفسه» (2تى 2: 13). وليس أدل على ذلك من قول السيد المسيح.

«كثيرون سيقولون لى فى ذلك اليوم يا رب يا رب اليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين. وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذ أصرح لهم أنى لم أعرفكم قط. أذهبوا عنى يا فاعلى الاثم» (مت 7: 22).

، 23). قد يكون الخادم سبباً فى خلاص نفوس كثيرة، ومع ذلك نفسه تهلك كما قال معلمنا بولس الرسول.

«حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسى مرفوضاً» (1كو 9: 27)).

علينا – كخدام - حينما نحس بنعمة الله، أن نقدم الشكر والحمد عالمين أننا لسنا العاملين، بل الله هو العامل فنيا ومعنا وبنا، كقول الرسول بولس.

«ليس الغارس شيئاً ولا الساقى بل الله الذى ينمى.. فاننا نحن عاملان مع الله، وأنتم فلاحة الله» (1كو 3: 7).

، 9). وأيضاً.

«نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب من المسيح تصالحوا مع الله» (2كو 5: 20)).

فما أنت الا عامل مع الله، والله يعظ بك، هو الذى يعظ، وأن كان عن طريقك.

أسرع عقب الخدمة، وقدم شكرك لله بالصلاة من أجل معونته وعمله معك، حتى اذا أتاك شيطان المجد الباطل ليزرع فيك أفكاره، ويجد فيك موضعاً، تدفعه بقولك – كما كان يفعل أحد الآباء «لقد تأخرت فى مجيئك، وأنا قد قدمت كل شئ للرب».

ان مثل هذا السلوك نجده واضحاً فى شخصية خادمة كالقديس الانبا صرابامون أبو طرحة أسقف المنوفية فى القرن الماضى، الذى انعم الله عليه بموهبة شفاء الامراض واخراج الارواح النجسة. هذا حين كان يدخل قلايته بعد عمل معجزة ما، كان يسمع وهو يصارع مع نفسه التى كان يحركها شيطان المجد الباطل قائلاً «بقى أنت يا صليب يا نت، يا عفش، يا بياع الزيت[4]، تعمل معجزات. ده المسيح الهنا اللى عمل». ويظل هكذا فى صراعه مع نفسه حتى يولى شيطان السبح الباطل الادبار أمام انكاره لذاته.

والله نفسه فى خدمتنا يريدنا أن نتضع لنستأهل لنعم أوفر، ولنصان من تلك الخطيئة التى أسقطت طغمة ملائكة وأبوينا الأولين. فحينما أظهر الله ذاته لموسى النبى عند جبل حوريب، فى العليقة، وحمله رسالة يبلغها الى فرعون وجعله قائداً لشعبه بواسطة المعجزات التى سيجربها الرب على يديه، وبعد أن عمل الرب معجزة أمامه، وهى تحول العصا فى يده الى حية، ثم الى عصا مرة أخرى، قال له الرب.

«ادخل يدك فى عبك، فأدخل يده فى عبه ثم اخرجها واذا يده برصاء كالثلج. ثم قال له رد يدك الى عبك. فرد يده الى عبه ثم أخرجها من عبه، واذا هى قد عادت مثل جسده» (خر 4: 2 - 7)).

وكان قصد الله من هذه المعجزة الاخيرة، أن يلقن موسى درساً روحياً فى انكار الذات، حتى لا يتكبر بواسطة المعجزات التى سيعملها بيديه، ويعرفه بالدليل الملموس أن اليد التى عملت منذ لحظات معجزة يمكن أن تصير برصاء فى برهة قصيرة.

فلا نثق اذن بعقولنا التى تفكر، وأفواهنا التى تتكلم وتعلم وتعظ، وأيدينا التى تعمل وتبنى، عالمين أن الله هو العامل فينا وبنا..

4 - تذكر الخطايا:

معرفة الانسان ذاته وتذكر خطاياه السالفة، لأن فيها مادة كثيرة للخزى والخجل. والغرض من ذلك أن تصغر نفوسنا فى أعيننا. فليس معنى أن الله سامحنى فى خطاياى وغفرها لى، أنى لم أتعد عليه وأهينه فى فترة من الفترات. حسن اذن أن أتذكر خطاياى وأفعالى القبيحة حتى تتضع نفسى. ولذلك كان داود النبى يقول.

«لانى عارف بمعاصى. وخطيتى أمامى فى كل حين» (مز 51: 3).

، حتى بعد أن قال له ناثان النبى.

«الرب أيضاً قد نقل عنك خطيتك لا تموت» (2صم 12: 13)).

5 - معرفة المقياس الحقيقى للعظمة:

كانت مقاييس العظمة فى نظر أبناء العالم – وما تزال – هى المقاييس المادية، كالجاه والعظمة والنفوذ، والمال، والثروة، والمراكز العالمية، والدرجات العلمية.. الخ. كانت هى الخطأ الاول الذى ارتكبه الانسان الاول، وبسببه طرد من الفردوس، وخسر بركات كثيرة، وبسببه أيضاً مازال يفقد نعما وفيرة.

لكن السيد المسيح، فيما أراد أن يصحح الاوضاع، أبان خطأ تلك المقاييس العالمية بأقواله، كما أظهر بشخصه المبارك وحياته وهو فى الجسد أن انكار الذات وما يصاحبها من المسكنة الروحية والزهد فى مباهج الدنيا، هى مقياس العظمة الحقيقى.

ففى الوقت الذى فتح أحضانه للاشرار، وأوسع لهم صدره، وغفر للزانيات وقال لواحدة منهن امسكت فى ذات الفعل.

« ولا أنا أدينك. أذهبى ولا تخطئ أيضاً» (يو 8: 2 - 11).

، نجده يحمل على الكبرياء والمتكبرين فى شخصية الكتبة والفريسيين، ويكيل لهم الويلات (أنظر مت 23)، كما ندد بعبادة التظاهر وحب الرئاسات والمتكآت الاولى، وقال فى ذلك الوقت.

«لأن من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع» (لو 14: 11)).

كما قال أيضاً.

«اكبركم يكون خادماً لكم» (مت 23: 11)).

ولما طلبت أم ابنى زبدى منه أن يجلس ابناها، واحد عن يمينه والآخر عن يساره، وكان نتيجة ذلك أن اغتاظ بقية التلاميذ، دعاهم يسوع وقال لهم.

«أنتم تعلمون أن رؤساء الامم يسودونهم، والعظماء يتسلطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم. بل من اراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً، ومن أراد أن يكون فيكم اولاً فليكن لكم عبداً. كما أن ابن الانسان لم يأت ليُخدم بل ليِخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مت 20: 20 - 28)).

وشخصية يوحنا المعمدان الذى شهد عنه رب المجد بأنه «أعظم مواليد النساء» توضح لنا السر الحقيقى للعظمة. فقد جاء هذا فى بشارة الملاك لابيه زكريا.

«لانه يكون عظيماً أمام الرب» (لو 1: 15)).

وهكذا تكون العظمة الحقيقية هى العظمة «أمام الرب». هى عظمة الفضيلة، والشركة المقدسة مع الآب السماوى. وهى عظمة حياة الروح وحياة التجرد والزهد فى العالم ومباهجه. وهى عظمة المثل العليا الروحية وفى مقدمتها انكار الذات.

ماذا عن أعظم مواليد النساء؟ ماذا عن مكانته وقوته، وعزته وسطوته، وثروته وثقافته؟ لم يكن على شئ منها بحسب مفهوم المجتمع. لكن كان.

«صوت صارخ فى البرية اعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة» (مر 1: 3).

لم يكن يلبس البز والارجوان، لم يكن طعامه من موائد الملوك والعظماء، ولم تكن له ثروة ورثها عن أجداده، أو مركز تقلده عن أبيه. ومع كل ذلك كان الملك يرهبه، وكان رؤساء الكهنة يعملون له حساباً كبيراً، وكان الشعب يجله كنبى عظيم، وكانت الجموع تخرج اليه معتمدين، معترفين بخطاياهم. وبالجملة فقد كان عظيماً امام كل الناس. لانه كان عظيماً أمام الله». ولعل سر عظمته كائن فى انكاره لذاته، وزهده فيما يتكالب عليه غالبية الناس، بل ويفنون حياتهم فى سبيل تحصيله.

وماذا عن بولس رسول يسوع المسيح ربنا، وفيلسوف المسيحية..؟ بولس العظيم الذى اختطف الى السماء الثالثة. وسمع كلمات لا ينطق بها، ولا يسوغ لانسان أن يتكلم بها (2كو 12: 4).. بولس العظيم صانع المعجزات الذى كانت المناديل والعصائب التى تلقى عن جسده تشفى الامراض وتخرج الارواح الشريرة.. بولس المبشر العظيم الذى له أتعاب كثيرة فى الكرازة تفوق أتعاب أى من الرسل (2كو 11: 23 - 33). لكنه مع ذلك كان يقول أن لا يوافقه أن يفتخر. وان كان يجب الافتخار فسيفتخر بأمور ضعفه (2كو 11: 30). بولس المبشر صاحب الشخصية الروحية الجبارة، الذى وهو سجين أرتعب منه قاضيه – فيلكس الوالى – أثناء استماعه اليه وهو يحدثه عن.

«البر والتعفف والدينونة» (أع 24: 25)).

. بولس الكارز بالخلاص الذى من فرط اعجاب الناس به، نادوا به الها وأرادوا ان يقدمه له الذبائح، لكنه مزق ثيابه (أع 14: 11 - 14).

بولس هذا، كان سر عظمته انكاره لذاته. لقد حسب ذاته انه كأقذار العالم ووسخ كل شئ (1كو 4: 13). نسى كل شئ: علمه وفلسفته ومعارفه وخدمته وأتعابه فيها. رفض كل كرامة عالمية قدمت له. أظهر ضعفه فحلت عليه قوة الرب، وأعلن جهله فأخذ من الله حكمة.

«ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون» (1كو 2: 6)).

ولا عجب فى ذلك. حسب أنه سمع من الرب قوله.

«تكفيك نعمتى لأن قوتى فى الضعف تكمل» (2كو 12: 9)).

هذا هو سر العظمة الحقيقية. ان نكون عظماء فيما للرب عظماء فى التقوى والفضيلة. عظماء فى حياة الروح. عظماء فى حياة الزهد والتجرد الاختيارى..


[4] - هذا كان اسمه وعمله قبل رهبنته.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

الكرامة

‹

الإتضاع

سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية
سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية