هذا الفصل هو جزء من كتاب: بستان الروح جزء أول – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
الإتضاع
«من لا يريد أن يدخل من باب الاتضاع، فما يجد.
المرعى الالهى. ومن يريد ان يدخل من غيره فهو لص».
(القديس يوحنا الدرجى).
كلمة عامة عن الاتضاع.
الاتضاع فى حياة الرب وقديسيه.
الاتضاع أساس الفضائل.
ماذا يفعل الاتضاع؟
كيف نقتنى الاتضاع؟
أمور تساعد على الاتضاع.
حياتك على ضوء الاتضاع.
موقف الاتضاع من بعض الفضائل.
كلمة عامة عن الاتضاع
ما هو الاتضاع؟.
ليس الاتضاع مجرد مظهر خارجى يظهر به الانسان، كالملبس الخشن، أو الصوت الخفيض، أو الرأس المطرق الى أسفل. وليس هو مجرد كلمات يرددها الانسان عن نفسه على مسمع من الاخرين بأنه خاطئ وشرير وغير مستحق. وليس هو مجرد عبارات يرددها فى حضرة الله معلنا حقارته وذله ومسكنته.. ليس هو ذلك فحسب، لأنه لو كان كذلك فقط، لأمكن لكل انسان أن يكون متواضعاً. لكنه حياة يحياها الانسان، بين نفسه وبين الله فيها يشعر بأنه عدم، ولا شئ، بل أقل من لا شئ، وأن كل ما فيه من حسن وخير هو من الله، وأنه بدونه تعالى، تراب وظلمة وشر...
قال مار أسحق «ليس من يذكر زلاته وخطاياه لكى يتواضع يسمى متواضعاً، وأن يكن ذلك حسن جداً، الا أنه يدنو فقط من التواضع ويحاول أن يصل اليه. أما المتواضع الحقيقى فلا يحتاج الى أن يقنع ذاته أو يغصب فكره للشعور بالتواضع، أو خلق أسبابه، بل قد صار طبيعياً عنده، أن لا يحسب ذاته شيئاً بلا تعب». وقال القديس يوحنا الدرجى «ليس من يذم ذاته ويلومها هو المتضع، لأنه من ذا الذى لا يستطيع أن يحتمل نفسه؟! وانما المتضع بالحقيقة هو الذى يحتمل تعيير ومذمة غيره ولا ينقص حبه له».
وهكذا لا يكون الاتضاع أمرا هينا سهلا. لكنه يتطلب منا قهرا لمشيئاتنا وسحقا لميولنا المنحرفة، واماتة لشهواتنا الجسدية «من اراد أن يكون أولاً فليكن آخر الكل». هكذا علمنا رب المجد بحياته وأقواله.. ومهما رجع الانسان الى الوراء – متضعاً – فانه يرى يسوع ما زال وراءه باتضاعه العجيب، فيجاهد أن يرجع أيضاً.. ولكن هيهات أن يصل الى مبلغ الاتضاع الذى اتضعه القدوس الممجد، فيما فعله، لكى يرفعنا الى الآب..
وليس الاتضاع فضيلة قائمة بذاتها، لكنه أساس جميع الفضائل. بدونه لا نستطيع أن نقتنى فضيلة. بل ان كل فضيلة بدونه باطلة، ومرذولة من الله، وتحسب علينا لا لنا.
والاتضاع – أو انكار الذات كما يحلو لنا أن نسميه – لا يقتنى من مجرد القراءة فى الكتب، أو الاستماع الى أحاديث روحية عنه، أو حتى معاشرة القديسين، لكنه حياة عميقة بين النفس والله لا تهدأ، ولا تنتهى عند حد، يظل الانسان يجاهد فيها، حتى يتحرر من سجن الجسد، وقيود الخطية الخادعة..
انه الباب الضيق الذى يجب أن يلجه طالبو الملكوت، وهو الطريق الكرب الذى يجب أن يسلكوه، وهو الصليب الذى يحمله التلميذ الامين، مقتفياً خطوات معلمه وسيده، فى طريقه الى المدينة التى لها الاساسات التى صانعها وبارئها الله... وهل يوجد ضيق وكرب وصليب أقسى من أن يقهر الانسان ميوله، ويحتمل المذلة والمسكنة والعار؟!
انه امتحان دقيق لطالبى الرب.. قال الحكيم يشوع بن سيراخ «لأن الذهب يجرب بالنار، والناس المقبولين يجربون فى أتون التواضع» (سى 2: 5).
هكذا فهم الآباء القديسون التواضع، وعبروا عنه فى اقوالهم، كل بحسب أختباراته. وقد أجمل القديس يوحنا الدرجى بعضا منها، وزاد عليها فقال «قال البعض عنه انه نسيان كل ما فعله الانسان من الصلاح. وقال آخر هو أن يحسب الانسان نفسه أفشل الناس وأحقرهم وأكثرهم خطأ. وقال آخر هو أن يعرف العقل ضعفه. وقيل هو سحق النفس وجحد المشيئة. وأنا أقول أن الاتضاع نعمة فى النفس لا يعرفها الا الذين اقتنوها. قال الرب تعلموا منى فانى وديع ومتواضع القلب، أى ليس من ملاك، ليس من انسان، وليس من كتاب تتعلمون اتضاع القلب، ولكن منى. قال فتجدوا راحة لنفوسكم، أى راحة من الاوجاع والافكار الرديئة».
شرف فضيلة الإتضاع
1 - اذا كانت الكبرياء تعتبر أشر الخطايا، والأم التى تلد وتحتضن وتحصن خطايا كثيرة خطيرة، فبلا شك يكون الاتضاع من أولى الفضائل الأم التى تلد فضائل وتخلص من خطايا عديدة. بل تعتبر – كما سنرى – أساس جميع الفضائل على الاطلاق. ولذا فان من يتقن الاتضاع، يضع أساسا صالحاً متيناً لبنيان حياته الروحية، بل لقد شبهه أحد الآباء «بشجرة الحياة التى لا يموت آكلوها».
2 - ويزيد الاتضاع شرفا، أن السيد المسيح نفسه، هو الذى علمنا أياه فى مقدمة ما علمنا، سواء بمثال حياته أو أعماله أو تعاليمه الالهية. فالسيد المسيح لم يقل «تعلموا منى عمل العجائب، وشفاء المرضى وقيامة الموتى» بل قال تعلموا منى لأنى وديع ومتواضع القلب (متى 11: 29). وذلك لأن الاتضاع الحقيقى هو أقوى من الارتفاع، والتعبد لله بالاتضاع خي من عمل العجائب والآيات. بل أن معلمنا بولس الرسول يطلق على فكر الاتضاع «فكر المسيح»، فيقول «فليكن فيكم هذا الفكر الذى فى المسيح يسوع أيضاً، الذى اذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد، صائراً فى شبه الناس» (فى 2: 5 - 7) قال الانبا باخوميوس أب الشركة «أذا رأيت انساناً متواضع القلب طاهراً، فهذا أعظم من سائر المناظر، لأنك بواسطته تشاهد الله الذى لا يرى». وفى ذات مرة قال راهب للقديس تيموثاوس الناسك «انى أرى فكرى دائماً مع الله». فقال له القديس «الاعجب من هذا أن ترى نفسك تحت جميع الخليقة، فلا سقوط مع الاتضاع».
3 - ويأتى شرف هذه الفضيلة نتيجة فاعليتها: قال القديس أوغسطينوس «ان الاتضاع يجتذب الله اليه، مع أنه تعالى عال. فان أتضعت فهو يتنازل اليك، وأن تكبرت فأنه يبتعد عنك نائياً». كما قال أيضاً «أيها الاتضاع المقدس، ما اكثر رفعتك وتميزك عن الكبرياء! الكبرياء طردت الملائكة من السماء، والاتضاع جعل ابن الله ينزل من السماء ليتجسد على الأرض. الكبرياء أخرجت آدم من الفردوس، والاتضاع أدخل اللص اليه. الكبرياء بلبلت السن الجبابرة، والاتضاع ألف الناس المبلبلى الألسن. الكبرياء وسخت نبوخذ نصر وجعلته وحشاً برياً، والاتضاع أقام يوسف متسلطاً على مصر، وقدمه على شعب اسرائيل. الكبرياء أغرقت فرعون فى البحر الاحمر، والاتضاع رفع موسى وعلاه».
4 - ويأتى شرف هذه الفضيلة أيضاً، نتيجة مركزها بين الفضائل عامة. سئل القديس مقاريوس الكبير أب الرهبان «أى الفضائل أعظم؟ » فأجاب قائلاً «أن كانت الكبرياء تعتبر أشر الرذائل كلها، حتى أنها طرحت طائفة من الملائكة من علو السماء، قبلا شك يكون التواضع أعظم الفضائل كلها، لأنه قادر أن يرفع المتمسك به من الأعماق، حتى لو كان خاطئاً».
5 - ويكتسب التواضع هذا الشرف العظيم، من النعم الالهية التى تصاحبه وتأتى بسببه. قال القديس يوحنا الدرجى «اذا سمعت أن انساناً أدرك فى زمان يسير أمرا كبيرا، أما عدم الاوجاع، أو عمل العجائب، فأعلم أنه انما بلغ ذلك بالاتضاع». وقال مار اسحق «المواهب لا تمنح من أجل الأعمال ذاتها، وأنما من أجل الاتضاع الذى عملت به».
6 - ومما يزيد الاتضاع شرفا، أن الله يحب المتواضعين وينظر اليهم قال المرتل.
«الرب عال والمتواضعين يعاين» (أم 138: 6)).
بل يسكن معهم «لأنه هكذا قال العلى المرتفع، ساكن الابد، القدوس اسمه. فى الموضع المرتفع المقدس أسكن، ومع المنسحق والمتواضع الروح، لأحيى روح المتواضعين ولأحيى قلب المنسحقين» (أش 57: 15).
7 - الاتضاع هو اللباس المقدس الذى يلبسه القديسون ويتسربلون به (1بط 5: 5)، ويسلكون فيه (أف 4: 1، 2). قال معلمنا بولس.
«فالبسوا كمختارى الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات، ولطفا، وتواضعاً، ووداعة، وطول أناة» (كو 3: 12)).
8 - وفى العالم العتيد يتمتع المتضعون بمكانة خاصة مرموقة ويعتبرون الاعظم فى ملكوت السموات. قال رب المجد.
«فمن وضع نفسه مثل هذا الولد، فهو الاعظم فى ملكوت السموات» (مت 18: 4)).
9 - وأخيرا، فهى الفضيلة المسيحية التى لم يعرف علماء العالم وفلاسفته العظام أن يمارسوها أو يعلموها. فقد روى عن الفيلسوف العظيم أفلاطون، أنه صنع وليمة دعا اليها بعض الفلاسفة ممن عرفوا بالزهد فى مباهج الدنيا، ومن ضمنهم الفيلسوف ديوجنيس. وكان أفلاطون قد زين داره بالبسط والمفارش الثمينة. فدخل ديوجنيس بحذاء قذر وثياب رثة، وأخذ يدون تلك البسط والمفارش. فلما سأله أفلاطون عما يفعله أجابه «أنى أدوس كبرياء أفلاطون وتشامخه». فلما سمع أفلاطون هذه الاجابة، قال «نعم أنك تدوس تشامخ أفلاطون، لكنك تدوسه بتشامخ آخر»!
الإتضاع فى حياة الرب وقديسيه
الإتضاع فى حياة السَّيد المسيح
ان الاتضاع هو الثوب الجميل، العجيب حقا، الذى أرتداه رب المجد، وأظهر لنا ذاته فيه!! فما كان ممكنا للترابيين أن يروا اله الالهة ورب الارباب فى بهاء مجد لاهوته، وهو الذى قال قديماً لصفيه موسى النبى.
«لا تقدر أن ترى وجهى. لأن الانسان لا يرانى ويعيش» (خر 33: 20)).
فحينما حل بمجده قديماً على جبل سيناء، كان الجبل مضطرماً بالنار يدخن. وكان الامر هكذا «ان مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمى بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفا، حتى قال موسى، أنا مرتعب ومرتعد» (خر 19، عب 12: 18 - 21).
فى العهد القديم كانوا لا يجسرون على الاقتراب من الجبل الذى حللت بمجدك فوقه، وفى العهد الجديد – عهد النعمة والاتضاع – حملتك أمك الطاهرة، وحملك سمعان الشيخ على ذراعيه (لو 2: 28). أكلت وشربت مع البشر، بل قدمت ذاتك مأكلا حيا لهم ليثبتوا فيك وأنت فيهم.. لقد قيل عنك انك.
«نار آكلة» (عب 12: 29).
، فكيف استحالت هذه النار التى أفنت المضادين، وأبادت المدن (2بط 2: 6)، الى سلام يملأ العقل والفكر والقلب، حتى قيل عنك، أنك.
«سلامنا» (أف 2: 14).
!!
ما كان ممكناً للبشر أن يروا.
«القدوس الجالس بني تسبيحات أسرائيل» (مز 22: 3).
الا فى ثوب الاتضاع. لهذا كان القديس أوغسطينوس يقرن التجسد بالتواضع، ويقول فى ذلك أن ابن الله تجسد ليصالح البشر مع الله، وليشفى قلب الانسان من داء الكبرياء. فحقق الغاية الاولى بموته، والثانية باتضاعه. وهكذا كانت حياة لامسيح محبة وتواضعا وآلاما.
لقد أستعرض القديس باسيليوس الكبير حياة السيد المسيح من ميلاده الى موته، واستنتج منها أن المسيح علمنا بسائر أعماله فضيلة الاتضاع خاصة:
لقد أوضح الرب اتضاعه بمشاركته لطبيعتنا، حينما «أخلى نفسه آخذا صورة عبد، صائرا فى شبه الناس» (فى 2: 7). كما أظهره بولادته من أم فقيرة فى مكان حقير، دون أفقر فقير فى هذه الدنيا. وفى هروبه من وجه هيرودس الطاغية كأنه ضعيف، بينما هو ميناء المتعبين وملجأ الهاربين. وفى خضوعه لأمه الطاهرة ويوسف النجار (لو 2: 51). وفى تقدمه الى يوحنا المعمدان ليعتمد منه كأحد الخطاة. فى عيشة الفقر الاختيارى التى عاشها التى عبر عنها الرسول بقوله.
«فانكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح انه من أجلكم أفتقر وهو غنى لكى تستغنوا أنتم بفقره» (2كو 8: 9)).
وفى خضوعه للناموس، وفى دخوله أورشليم (مت 21: 5). وفى الاهانات الكثيرة التى لحقته من الكتبة والفريسيين ورؤساء الكهنة، التى ختمها بموته على الصليب ميتة العار واللعنة (مز 22: 6، 69: 9، أش 52: 3). الأمر الذى عبر عنه الرسول بقوله « واذ وجد فى الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب» (فى 2: 8).
لقد لاحظ القديسان أوغسطينوس وأيرونيموس، أن السيد المسيح بدأ عظته على الجبل بالحديث عن الاتضاع، بقوله «طوبى للمساكين بالروح». وهكذا يكون قد بدأ وعظه بالاتضاع، وسار فيه حياته كلها، وانتهى به بموته.
لقد عاش السيد الرب فقيرا، دون طير السماء وثعالب الحقل، حتى انه قال عن ذاته.
«للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الانسان فليس له أين يسند رأسه» (مت 8: 20)).
كان يخفى مجده، بينما يعلن عاره... فقد كشف مجده فوق جبل التجلى لثلاثة فقط من تلاميذه بينما أظهر عاره وموته لأمم كثيرة، حتى كتبت علة صلبه فوق صليبه بأشهر ثلاث لغات فى العالم آنذاك! وحتى هؤلاء التلاميذ الثلاثة الذين كشف مجده أمامهم، نجده يوصيهم – وهو نازل من الجبل – ألا يعلموا أحدا بما رأوا حتى يقوم ابن الانسان من الاموات (مت 17: 9). ولما أراد الشعب أن يقيمه ملكا عليهم اختفى عنهم (يو 6: 15)، وحينما أرادوا أهانته واحتقاره أسلم ذاته لهم بارادته. ولما كان الناس والشياطين يمدحونه كان ينتهرهم ليسكتوا، وحينما كان يشتم، كان يصمت ولا يفتح فاه!
لقد كانت الخطية الاولى التى اسقطت جنسنا هى الكبرياء فلا عجب أن رأينا الله يعالجها بالاتضاع.
وبعد، لعل أبرز صورة فى حياة رب المجد، وأروعها جميعاً، هى حينما انحنى وغسل أرجل تلاميذه، ومسحها بالمنشفة التى كان مترزاً بها (يو 13: 3 - 5). فبعد أن سجل يوحنا التلميذ الوديع، مجد لاهوت المخلص بقوله «يسوع وهو عالم أن الآب قد دفع كل شئ الى يديه وأنه من عند الله خرج والى الله يمضى» سجل اتضاعه العجيب فقال «قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة واتزر بها، ثم صب ماء فى مغسل، وابتدأ يغسل ارجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التى كان متزرا بها»... على أى شئ تدل تصرفات رب المجد حينما «خلع ثيابه، وغسل ارجل تلاميذه، ومسحها»؟ ان خلع الثياب يشير الى التخلى عن الكرامة الشخصية والمجد الذاتى، وغسل الأرجل يدل على وضع الذات الى أبعد الحدود، وعلى الخدمة المتضعة المنكرة لاتعابها، ومسح الارجل يظهر الحنان والعناية فى اتضاع بليغ..
وبعد أن أتم العملية أتبعها بالوصية الروحية، قال لهم.
«أتفهمون ما قد صنعت بكم؟ أتم تدعوننى معلماً وسيدا وحسنا تقولون لأنى أنا كذلك. فان كنت فأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض لأنى أعطيتكم مثالاً، حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً. الحق الحق أقول لكم انه ليس عبد أعظم من سيده، ولا رسول أعظم من مرسله. أن علمتم هذا فطوباكم أن عملتموه» (يو 13: 12 - 17)).
الإتضاع فى حياة القديسين
●.
«أن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه، ويحمل صليبه ويتبعنى» (مت 16: 24)).
●.
«من لا يحمل صليبه، ويأتى ورائى، فلا يقدر أن يكون لى تلميذا» (لو 14: 27)).
يعتبر انكار الذات شرطا أولاً من شروط التلمذة المسيحية. لقد فهم محبو الرب وأتقياؤه وقديسوه هذه الكلمات الذهبية، وحفروها على قلوبهم، وطبعوها بحروف من نور، فاستناروا هم بها، وأناروا لمن حولهم طريق الرفعة والمجد، لقد جاهدوا فى انكار ذواتهم، مترسمين خطوات مخلصهم فى أتضاعه العجيب، ترن فى آذانهم كلماته الالهية الخالدة «ليس التلميذ أفضل من معلمه، ولا العبد أفضل من سيده، يكفى أن يكون التلميذ كمعلمه، والعبد كسيده» وهكذا نالوا مجدا الهياً عظيماً.
فهم القديسون أن الاتضاع هو حجر الزاوية فى صرح بناء حياتهم الروحية. فركزوا جهادهم لاقتنائه، فكل أعمال النسك الاخرى لا تقوم بدونه، بل هى مرفوضة. ولقد أحسنت الام ثيؤدرة الراهبة التعبير عن ذلك بقولها «لا نسك ولا تعب ولا صوم يقوم مقام التواضع الكامل. لأن قيل عن انسان متوحد كان يخجر الشياطين، فسألهم قائلاً: بماذا تخرجون، أبالصوم؟ فقالوا: نحن ما نأكل قط. أبالسهر؟ فقالوا نحن لا ننام. أبترك العالم؟ فقالوا أن البرارى والخرائب سكننا. فقال لهم: فبماذا تخرجون أذن؟ فأجابوا: لا يوجد شئ يسحقنا سوى الاتضاع».
ولقد بلغ القديسون فى احتقارهم لذواتهم، حدا أذهل الشياطين – وأثام أسلحتها فى حروبها ضدهم، بل حطمها تحطيماً. ومن كان منهم – تقاتله الشياطين وجها لوجه – انتصروا عليها وقهروها بسلاح الاتضاع والمسكنة الروحية. فقد ذكر عن القديس الانبا انطونيوس فى جهاده ضد الشياطين التى كانت تقاتله عيانا، أنه كان يقول لها «يا أقويا ماذا تريدون منى أنا الضعيف؟ وما هو قدرى حتى تجمعتم على كلكم؟ ألا تعلمون أنى تراب ووسخ وكلا شئ، وضعيف عن قتل أحد أصاغركم؟ » كان يلقى بذاته على الأرض ويصرخ قائلاً «يا رب اعنى وقو ضعفى. يا رب لا تتخل عنى، ولا يقوى على هؤلاء الذين يحسبون انى شئ. يا رب أنت تعلم أنى ضعيف عن مقاومة أحد أصاغر هؤلاء». فكانت الشياطين اذا سمعت هذه الصلاة المملوءة حياة واتضاعاً تهرب منه، ولا تقدر على الدنو منه.
كانوا عمالقة فى الروح، ومع ذلك شعروا بأنهم خطاة – بل أكثر الناس خطية، فكانت حياتهم كلها دموعا لأجل هفوات وسهوات لحقتهم كبشر وهم لم يغصبوا أنفسهم على النوح والدموع تغصباً وقهرا، لكنها مشاعر وصلوا اليها، حينما اكتشفوا حقيقة أنفسهم على ضوء عظمة الله وأتضاعه وحبه. وهذا ما نلمسه فى أقوالهم. فلقد قال ابراهيم قديما عن ذاته أنه تراب ورماد (تك 18: 27). ولما سئل يوحنا المعمدان عن ذاته ورسالته، أجاب بأنه مجرد صوت صارخ فى البرية، ينادى الناس أن يقوموا طريق الرب (يو 1: 23). واعتبر القديس بولس العظيم ذاته قذارة العالم ووسخ كل شئ (1كو 4: 13)، بل انه ذاته اول الخطاة (1تى 1: 15).. والواقع إنهم لم يكونوا كذلك، بل أن أنكارهم لذواتهم هو الذى رفعهم فى نظر الله، وشدة مسكنتهم هى التى أبرزت فضيلتهم. أن القديسين يشبهون فى ذلك، الشجرة المحملة بالثمار الكثيرة، التى تميل بأغصانها نحو الأرض، بعكس الافرع الخالية من الثمر، التى ترتفع متشامخة الى أعلا! وهم أيضاً كالفحم المتقد تخفيه طبقة من الرماد تحجب رؤية ناره، لكن هذا لا يمنع الحرارة والدفء أن ينبعثا، يستدفئ بهما كل من يقترب منه!
والقديسون فى اتضاعهم، لم يكفوا عن الجهاد، ولم يطمئنوا الى ذواتهم طالما كانوا فى الجسد، رغم ما ادركوه من درجات روحية عالية. وهكذا غدت حياتهم سلسلة متصلة الحلقات من الجهاد فى طريق الكمال المسيحى، وخطوات ثابتة متلاحقة أرتقوا بها سلم السماء. ومن عبارات أحد القديسين التى قدمها نصيحة لأحد تلاميذه «اذا مدحك نكرك، فقل له: لماذا تمدحنى؟ ان المسافرين فى البحر، حتى ولو هدأ عنهم هيجانه، فما داموا بعد فى اللجة، فأنهم يتوقعون رجفاته وغرقه، وهم لا يطمئنون ولا ينخدعون بهدوئه حتى يصلوا الى الميناء. فكثيرون كانوا على فم الميناء لكنهم هلكوا».
وبالرغم مما وصلوا اليه من درجات روحية عالية، أستحقوا بسببها أنعامات ومواهب الهية، لكنهم – مع ذلك – كانوا حريصين على نسبة كل مجد، وكل عمل، بل كل شئ، لقوة الله. حتى ان القديس مقاريوس الكبير فى أحدى المعجزات – التى سأل فيها ميتا عن شئ فأجابه – لما رأى تلاميذه متعجبين، قال لهم «ليس من أجلى كان هذا الأمر، لأنى لست شيئاً. بل أنما صنع الله هذا من أجل أرملة هذا الرجل وأبنائه اليتامى».
كما كانوا حريصين كل الحرص على اخفاء فضائلهم. وكانوا حينما يضطرون الى ذكر شئ أو معجزة أو قوة الهية تممها الرب معهم – كنوع من التعليم لتلاميذهم – ما كانوا يسمحون لانفسهم أن يذكروها على أنها حدثت معهم بل كانوا ينسبونها الى غيرهم.
وقد قادهم سلوكهم فى طريق الاتضاع الى حالة روحية عالية، أسموها «الموت عن العالم». وهكذا عاشوا أمواتا عن العالم، لكن أحياء لله فى المسيح. ومن ثم احتملوا الاهانات والشتائم والمذلات، ووضح هذا الاتجاه فى حياتهم وتعاليمهم. قد أراد القديس مقاريوس الكبير أن يلقن هذا الدرس الى أخ جاء يسترشد به فقال له «امض الى المقابر أشتم الموتى». فمضى الأخ وشتمهم ورجمهم، وعاد وأخبر القديس بما عمله. فسأله القديس «أما أجابوك بشئ؟ » فقال «لا». فقال له القديس «اذن امض غدا وأمدحهم». فمضى الأخ ومدحهم قائلاً «يا قديسون، يا أبرار، يا صديقون» وعاد وأخبر القديس بما صنعه. فقال له «أما أجابوك بشئ؟ » فقال «لا». حينئذ قال له القديس «ان نت حقا قد مت مع المسيح ودفنت معه، فكن هكذا مثل أولئك الأموات، لأن الميت لا يحس بكرامة ولا باهانة، وبذلك تستطيع أن تخلص».
الإتضاع أساس الفضائل
أجمع القديسون على أن الاتضاع هو أساس جميع الفضائل. فالقديس كبريانوس يدعوه «أساس القداسة» ويدعوه القديس أيرونيموس «أول فضيلة المسيحيين». هم يشبهونه بجذر النبات أو الشجرة. فالاتضاع بالنسبة لبقية الفضائل كالجذر بالنسبة للشجرة. فى لا تقدر أن تنمو أو تثمر أو تعمر ما لم تمد أصولها وتعمقها جيدا فى التربة. وبقدر ارتفاع الشجرة الى أعلا، بقدر ما تعمق جذرها وتوغله فى باطن الأرض. وقد شبهه الآباء أيضاً بأساس المنزل. وقالوا أن الاساس الذى يلزم لاقامة بناء صغير، غير الذى يلزم لاقامة بناء ضخم. فكلما أردنا الارتفاع بالبناء الى أعلا وجب التعمق فى الاساس الى أسفل. هكذا الاتضاع الذى يحمل بناء حياتنا الروحية... أن الزهرة اذا أنفصلت عن أصلها ذبلت، هكذا الفضيلة اذا قطعت من أصل الاتضاع تجف سريعاً.
قال الاب يوحنا كاسيان «لقد كان من المسلم به عند الآباء النساك الأولين كمبدأ من مبادئ السيرة الروحية – أنه من المستحيل أن يقتنى أحد نقاوة القلب أو كمال فضيلة أخرى من الفضائل ما لم يعتقد أولا أن اجتهاده كله، وأتعابه جميعاً، ليس كافية فيما يطلبه، بل هى باطلة دون معونة ونعمة خصوصية من قبل الله، وهذا هو عين الاتضاع. لذا حكم القديسون أن هذا هو الاساس لكل الفضائل».
ولا يعتبر الاتضاع أساسا لكل الفضائل فحسب، بل سندا ومعيناً لها. فبسببه تتفاضل معونة الله جدا على الانسان المتضع. قار مار اسحق «أعلم أن قيامك فى العفة والفضيلة، ليس هو نتيجة حرصك أو فضيلتك بل أن النعمة الالهية هى الحاملة أياك على راحة يدها لئلا تتحرك فتنزل. اذكر هذا دائماً. واذا تعظم فكرك، فابك وأحزن وانتحب وتمرغ على الارض بوجهك واذكرك زلاتك، لعلك تنجو من هذا الفكر وتقتنى الاتضاع. فبمجرد أن يملأ عقلك فكر الاتضاع، تغفر لك خطاياك بغير عمل[3]!! وكم من خطايا عظيمة صعبة استطاع الاتضاع أن يرفعها».
لكن هل من تعارض بين القول بأن الاتضاع هو أساس الفضائل، والقول بأن الايمان هو الاساس؟ لا يوجد أدنى تعارض فى ذلك. فوضع الاساس لبناء منزل يقتضى شيئين: الحفر واستخراج التراب حتى نصل الى الارض الصخرية، ثم وضع الاساس. ودور الاتضاع هو الحفر والتعميق حتى يصل الانسان الى الصخر الذى هو المسيح (1كو 10: 4). وحينئذ يضع الحجر الاول. فأنت تحفر الارض جيدا بالاتضاع، متعمقاً فى معرفة ذاتك، مستخرجاً كل ما يوجد فيك من تراب منهال، أعنى الاتكال على الذات وحينئذ يكون الاساس الثابت القوى للايمان.
وها نحن نعرض لبعض أمثلة من الفضائل المختلفة لنرى كيف أن الاتضاع هو أساسها جميعاً، وأنها بدونه لا تقدر أن تقوم.
(1) الايمان:
يلزمه الاتضاع، فالفكر المتكبر لا يقبل الايمان بسهولة كما قال السيد المسيح.
«كيف تقدرون أن تؤمنوا، وأنتم تقبلون مجدا بعضكم من بعض» (يو 5: 44)).
والاتضاع ليس فقط ضرورياً لاقتبال الايمان، بل لحفظه أيضاً. وليس أدل على ذلك من أن الهرطقات تصدر من الكبرياء. قال معلمنا بولس الرسول «فى الايام الأخيرة ستأتى أزمنة صعبة لأن الناس يكونون.. متعظمين، مستكبرين، مجدفين» (2تى 3: 1، 2).
(ب) الرجاء:
يحتاج الى الاتضاع ليسنده ويدعمه. فالانسان يرجو ما ينظره، بل ما لا ينظره. الانسان المتكل على علمه وفهمه لا يقبل الاعتراف الا بما يراه، لكن ترجى الامور غير المنظورة يحتاج الى اتضاع فكرى.
(ﺠ) الحب:
والاتضاع والحب يتعاضدان ويؤازر كل منهما الآخر. قال القديس يوحنا الدرجى «لا شئ أفضل من الاتضاع والحب. لأن الاتضاع يرفع كما قال الرب والحب يمسك فى الارتفاع كما قال الرسول أن المحبة لا تسقط أبداً، ولا تبطل» (1كو 13). وحينما نتحدث عن الحب، نقصد حبنا لله، وحبنا بعضنا لبعض.
فمحبتنا لله يقومها الاتضاع ويقويها. فحينما يشعر الانسان بكثرة خطاياه، ورداءة سيرته، ويشعر الى جانب ذلك بأن الله ما زال أمينا فى محبته له وعنايته به، تكون مشاعر الاتضاع والانسحاق هذه سببا فى اضرام قلبه بمحبة الله. ونفس هذه المشاعر هى التى حركت القديسين – وما زالت تحركهم الى حب الله. وهكذا أنشدت العذراء مريم تسبحتها الخالدة.
«تعظم نفسى الرب، وتبتهج روحى بالله مخلصى لأنه نظر الى اتضاع أمته» (لو 1: 47)).
أما عن محبتنا بعضنا لبعضن فهى أكثر ما تكون حاجة الى الاتضاع فمما يثير البغضاء ويسبب القطيعة بين الناس سوء الظن والادانة والحسد، وهذه كلها تتولد عن الكبرياء. والانسان المتضع لا يحزن اذا لم يمدح أو أذا مدح أنسان آخر سواه، بل هو يحب الخير لجميع الناس، ويشعر أنهم مستحقون للاكرام أكثر منه، أو بتعبير القديس يوحنا المعمدان.
«ينبغى أن ذاك يزيد وانى أنا أنقص» (يو 3: 30)).
وبتعبير معلمنا بولس «مفتكرين شيئاً واحدا.. بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم» (فى 2: 2، 3). ولا شك أن أمثال هذه المشاعر كفيلة بأحكام الرابطة بين الناس وبعضهم. قال الرسول يوحنا الحبيب.
«بهذا قد عرفنا المحبة، أن ذاك وضع نفسه لأجلنا. فنحن ينبغى لنا أن نضع نفوسنا لأجل الاخوة» (1يو 3: 16)).
فضلا عن هذا، فان الناس يبغضون الانسان المتكبر لمسلكه معهم: فهو – أن أخطأ – لا يعترف بخطئه، وهو لا يطيع غيره، وهو لا يسامح لئلا يظن ذلك ضعفاً منه. وهو دائماً غضوب، متشبث بكفره، ثرثار فى الكلام، ظناً منه أن هذا السلوك يظهر شخصيته. أما الانسان الوديع المتواضع فهو على عكس ذلك تماما... أن البئر كلما كانت عميقة كلما كان ماؤها عذباً، والانسان بقدر ما يكون متضعاً بقدر ما يصبح حلوا محبوبا من جميع الناس.
وان كنا قد تكلمنا عن الاتضاع كعامل هام لتدعيم المحبة، فلا ننسى أن نقول أن الحب أيضاً من ناحيته يقوى الاتضاع ويدعمه. وتبدو هذه الظاهرة أيضاً فى علاقتنا بالله وبالناس. فشدة حب الله لنا يزيد انسحاقنا. فحينما نتأمل فى محبة الله التى جعلته يبذل ذاته الالهية عنا، وكيف انه احتمل الاهانة من الانسان الذى يعطيه «حياة ونفساً وكل شئ»، كل ذلك يحركنا الى الانسحاق والاتضاع.
(د) الصلاة:
تصبح خالية من القوة ان هى خلت من الاتضاع، بل هى مرفوضة. يقول ابن سيراخ «صلاة التواضع تخترق السحاب، ولا تزال حتى تصل، وتنصرف حتى يفتقدها العلى» (سى 32: 17). ويهوديت المتضعة لما جلست فى مخدعها لابسة المسح، جالسة على الرماد، صرخت نحو الله قائلة «لم ترض بالمتكبرين منذ البدء، بل ارتضيت دائماً يتضرع المتواضعين» (يهوديت 9: 11). وقد سر ربنا بصلاة العشار المنسحقة وامتدحه (لو 18: 12 - 14).
(ﻫ) باقى الفضائل:
وما ذكرناه عن علاقة الاتضاع بالفضائل السابقة، يذكر أيضاً فى الكلام عن بقية الفضائل كالتجرد والطاعة والعفة (الطهارة).. بل سنرى ونحن نعالج موضوع «حياة الطهارة»، كيف أن محاربات الزنا قد تشتد على الانسان فى بعض الاحيان، كتأديب له على كبرياء قلبه، وكيف أن الاتضاع والتذلل أمام الله يرفعان هذه القتالات.
ماذا يفعل الاتضاع؟.
للاتضاع بركات كثيرة. فحيث الاتضاع هناك يحل الاله الوديع ببركاته ونعمه وهو خيرمعين لنا فى جهادنا الروحى. قال مار افرام السريانى «من يشاء أن ينقل صخرة من موضعها، يضع رافعة تحتها لا فوقها، وحينئذ يدحرجها بسهولة. فهذا هو نموذج الاتضاع». ونستطيع أن نلمس بعض بركات الاتضاع فى النواحى الآتية:
1 - يرد الانسان الى رتبته الاولى:
كانت سقطة الانسان الاولى هى الكبرياء، فلا عجب اذا كان الاتضاع يرده الى رتبته الاولى قبل السقوط، بواسطة التجسد الالهى. الكبرياء أخرجت الانسان الأول من الفردوس، والاتضاع قادر أن يرده. بالكبرياء سقط الانسان وسقطت هيبته، وفقد سلطانه على ذاته وعلى كافة الخليقة التى خلقت لأجله ليتسلط هو عليها (تك 1: 28). وبالاتضاع ينهض الانسان، ويسترد هيبته، ويستعيد سلطانه على ذاته وعلى كل الخيقة. فالقديس بولس البسيط تلميذ الأنبا أنطونيوس، الذى بدأ حياته النسكية بعد سن الستين، أحرز فى سنوات قلائل نعمة عظيمة حتى أنه كان يعمل معجزات لم يعملها انطونيوس العظيم. لكنه كان يعملها بالاتضاع متقويا بصلاة معلمه الشيخ وطاعته له.
قال القديس الأنبا انطونيوس لتلاميذه «يا أولادى، ما الذى أحوج ربنا يسوع المسيح حتى شد وسطه بمنديل وشمر ساعديه، وصب ماء فى مغسله، وغسل أرجل الذين هم دونه؟! ألا يعلمنا الاتضاع بهذا المثال الذى صنعه؟ فكل الذين يريدون الرجوع الى رتبتهم الاولى، لا يمكنهم ذلك الا بالاتضاع.
2 - به تقهر الشياطين:
وهذه نتيجة طبيعية. فالشيطان المتكبر، الذى سقط من رتبته بسبب الكبرياء، لا يحتمل أن يرى انسانا متضعاً. ويخزى للغاية حينما يرى أنه بعد أن أسقط جنسنا كله بالكبرياء، يفلت الانسان من قبضة يده بالاتضاع. وحينما نشهر فى وجهه سلاح الاتضاع لا يسعه الا أن يولى الادبار فى خزى وعار!
لقد خبر هذه الحقيقة القديسون فى جهادهم، وتركوا لنا خبراتهم الروحية، بالاضافة الى ما راوه من رؤى، وما سمعوه من الشياطين – كاعترافات غير ارادية – عن ضعفهم، وسر غلبتنا.
ذكر عن القديس انطونيوس، أنه أبصر فخاخ الشيطان مبسوطة على الأرض كلها، فتنهد قائلاً «يا رب من يفلت من كل هذه؟ ». فأتاه صوت من السماء قائلاً «المتضعون يفلتون منها». وذكر عن القديس مقاريوس الكبير أن الشيطان التقى به ذات مرة فقال له « ويلاه منك يا مقاريوس. هوذا ما تصنعه أنت، أصنعه أنا كذلك: أنت تصوم، وأنا لا آكل. أنت تسهر وأنا لا أنام. ولكن بشئ واحد تغلبنى» فقال له القديس « وما هو؟ » فأجابه الشيطان «أنك بالاتضاع وحده تقهرنى». قال أحد الشيوخ الرهبان القديسين «اذا قال الراهب لصاحبه اغفر لى باتضاع، تحترق الشياطين». وقد ورد فى بستان الرهبان مصداقا لذلك – قصة عجيبة.
كان راهبان ساكنين فى البرية، بمحبة تقوية، فحرص عدو الخير على أن يفرق بينهما. ففى ذات ليلة أوقد أصغرهما سراجا ووضعه على المنارة. وبحيلة من الشيطان وقع السراج وانطفأ. حينئذ غضب الاكبر وضربه، فصنع الاصغر له مطانية وقال له «لا تضجر يا أخى طول روحك على، وأنا أوقده مرة أخرى». فلما أبصر الرب صبر الاخ الاصغر، عذب ذلك الشيطان الى الصباح. ثم ذهب ذلك الشيطان وأخبر رئيس الشياطين بما كان. وكان كاهن للاوثان موجودا حيث اجتمع ذلك الشيطان برئيسه. وشاء الرب المتحنن، أن يسمع ذلك الكاهن ما جرى بينهما من حديث، وما أن سمع كاهن الأوثان حديثهما، وكيف أن الشيطان أحترق من أتضاع ذلك الأخر، حتى ترك كل شئ وآمن وترهب. ومن بدء رهبانيته كان يمارس الاتضاع الكامل، وكان يقول «ان الاتضاع يقدر أن يقهر، ويحل ويبطل كل قوة العدو. فقد سمعت الشياطين لبعضهم بعضاً «كلما القينا السجس بين الرهبان، نجدهم يتلقونه بالاتضاع، ويعمل بعضهم لبعض مطانيات، فكانوا بذلك يبطلون قوتنا».
3 - يحفظ نعمة الله فى الانسان:
الاتضاع خير حافظ لنعمة الله فى الانسان. انه الجو الصالح الذى يحفظ النعمة حية، تعمل فينا. والانسان الذى يشهر فضيلته بقصد الظهور والمباهاة يعدما ويفقدها. ان الرماد يحفظ حرارة الفحم المتقد، ويخفيه عن الانظار، حتى ليبدو للناظر اليه، انه مطفأ. وعلى هذا النحو يحفظ الاتضاع حرارتنا الروحية، ويخفى فضائلنا فتحفظ. لقد كان فرعون مصر يقتل كل الاطفال الذكور الذين تلدهم العبرانيات فى زمان ولادة موسى. لكن موسى عاش لأن امه أخفته مدة.. هكذا الفضيلة – وهى مولود النفس – أن لم نخبئها من فرعون الروحى – اى ابليس – فلن يكتب لها الحياة والنمو.
4 - يرفع المتواضعين:
قال بطرس الرسول.
«تسربلوا بالتواضع، لأن الله يقاوم المتسكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة. فتواضعوا تحت يد الله القوية لكى يرفعكم فى حينه» (1بط 5: 5).
، 6). وقال يعقوب الرسول.
«اتضعوا قدام الرب فيرفعكم» (يع 4: 10)).
وقال الرب قديماً بلسان أشعياء النبى «الى هذا أنظر. الى المسكين والمنسحق الروح، المرتعد من كلامى» (أش 66: 2). قال القديس يوحنا الدرجى «أذا كان الشيطان سقط من السماء بالعظمة وحدها، فالاتضاع وحده يرفع الانسان الى السماء. ولهذا قال ربنا من يضع نفسه يرتفع، ومن يرفع نفسه يتضع».
ان قائد المئة الأممى، الذى قال عن ذاته فى اتضاع، انه غير مستحق لدخول السيد المسيح الى بيته، مدحه الرب وفضله على كل اليهود بقوله.
«لم أجد ولا فى اسرائيل ايماناً بمقدار هذا» (مت 8: 10)).
والفريسى الذى صلى فى الهيكل، وكانت له فضائل وحسنات، أخذ يعددها أمام الله لكن بزهو وتشامخ بقوله «لست مثل باقى الناس الخاطفين، الظالمين، الزناة، ولا مثل هذا العشار، أصوم مرتين فى الاسبوع، وأعشر كل ما أقتنيه» هذا الفريسى شجب، وفضل عليه العشار المنسحق القلب الذى صلى فى انسحاق قائلاً.
«اللهم ارحمنى أنا الخاطئ» (لو 18: 9 - 14)).
ويوحنا المعمدان الذى قال انه غير مستحق أن ينحنى ويحل سيور حذاء المخلص صار حبيباً له، ويده التى قال انها غير مستحقة لحل سيور حذائه، هى اليد التى كرمها الرب بأن وضعها على رأسه فى مياه الأردن، حين تقدم الرب فى اتضاع ليعتمد منه قائلاً.
«اسمح الان. لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل براً» (مت 3: 15)).
قالت حنة أم صموئيل النبى.
«الرب يقيم المسكين من التراب. يرفع الفقير من الزبلة للجلوس مع الشرفاء ويملكهم كرسى المجد» (1صم 2: 8).
وردد داود النبى نفس هذا المعنى فى مزموره (113). وقالت العذراء مريم فى تسبحتها الخالدة التى أنشدتها فى مسامع نسيبتها اليصابات «صنع قوة بذراعه شتت المستكبرين بفكر قلوبهم. انزل الأعزاء عن الكراسى ورفع المتضعين. أشبع الجياع خيرات، وصرف الاغنياء فارغين» (1: 51 - 53).
وربنا يسوع المسيح نفسه، بعد أن عرض الرسول بولس لاتضاعه العجيب قال «لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسما فوق كل اسم، لكى تجثوا باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء، ومن على الأرض» (فى 2: 7 - 10).
لقد رفع الاتضاع داود الفتى الصغير وملكه على اسرائيل. وكم من قديسين أتى بهم الاتضاع من زوايا النسيان، ورفعهم الى كرسى المجد. قال القديس مار افرام السريانى «اننا محتاجون الى التواضع لنجذب الرأفات الينا من اللهن لأنه قد كتب أنه بتواضعنا ذكرنا الرب، وانقذنا من أعدائنا».
5 - يكشف الأسرار ويؤهل للمواهب:
والله يكشف أسراره للمتضعين. فقد قال داود النبى.
«سر الرب لخائفيه» (مز 25: 14)).
وقال الحكيم أن سره عند المستقيمين (أم 3: 32). وليس أكثر من المتواضعين مخافة واستقامة. وقال ربنا يسوع المسيح، بعد ان وبخ كفرناحوم على كبريائها.
«أحمدك أيها الآب رب السماء والارض، لأنك اخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للاطفال. نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرة أمامك» (مت 11: 23 - 26).
، وليس الاطفال هنا سوى المتواضعين. قال مار اقحص «المواهب لا تمنح من أجل الاعمال ذاتها، وانما من أجل الاتضاع الذى عملت به». وقال «من الأحزان يتولد الاتضاع، وبالاتضاع تعطى المواهب. فالمواهب لا تعطى اذن للاعمال، ولا للأحزان، بل تعطى بسبب الاتضاع المتولد منها». كما قال أيضاً «قبل السقوط الكبرياء، وقبل المواهب الاتضاع».
6 - يثمر فرحا وسلاماً قلبياً:
ومن ثمار الاتضاع، الراحة النفسية، والسلام القلبى، والفرح الذى لا ينطق به. قال رب المجد.
«تعلموا منى لأنى وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم» (مت 11: 29)).
وقال داود النبى.
«بالرب تفتخر نفسى يسمع الودعاء فيفرحون» (مز 34: 2)).
كما قال.
«حولت نوحى الى فرح لى. حللت مسحى ومنطقتنى سروراً» (مز 30: 11)).
قال القديس الأنبا باخوميوس أب الشركة «كن متواضعاً لتكون فرحاً، لأن الفرح يتمشى مع الاتضاع».
أن القلق والاضطراب يعمل فى قلوب المتكبرين، والغيظ يأكل قلوبهم. ومن أمثلة ذلك هامان الذى امتلأ غيظاً على مردخاى لما لم يقدم له الاحترام الذى أراده (أس 5: 9). ومن الامور التى تسبب راحة للنفس الاعتراف بالخطأ. وهذه ناحية تميز المتضعين عن المتكبرين، الذين – بسبب كبريائهم – يحجمون عن الاحتراف بخطأهم – ظنا منهم أن ذلك يحط من قدرهم – فينعكس أثر ذلك فى حياتهم نتيجة عدم أمانتهم فى ممارسة سر الاعتراف، بسبب كبريائهم التى تستتر فى الخجل.
7 - يحكم المتواضعون:
قال سليمان الحكيم.
«يأتى الكبرياء فيأتى الهوان، ومع المتواضعين حكمة» (أم 11: 2)).
وقال أيضاً فى سفر الحكمة عن الحكمة ذاتها «جاءتنى الخيرات كلها جملة معها، والثروة التى لا تحصى بيديها» (حكمة 7: 11). وقال داود النبى.
«شهادة الرب صادقة تحكم الاطفال» (مز 19: 7)).
والأطفال هنا هم المتضعون. وقال يشوع بن سيراخ «حكمة المتواضع ترفع رأسه، وتجلسه فى وسط العظماء» (سى 11: 1).
قال القديس يوحنا الدرجى «الوداعة هى مفتاح باب المعرفة، لأن الله يعلم الودعاء طرقه». وقال القديس مار افرام السريانى «فى الرجل الوديع والمتواضع تستريح روح الحكمة». وقال القديس الانبا باخوميوس «كن متضعاً ليحرسك الرب ويقويك، فانه يقول انه ينظر الى المتواضعين. كن وديعاً ليحكمك الرب ويملأك معرفة وفهما، لأنه مكتوب أنه يهدئ الودعاء بالحكم، ويعلم المتواضعين طرقه».
8 - يعطى الصبر والاحتمال:
الانسان المتكبر دائم الشكوى، متبرم من الحياة، يشعر انه مظلوم وحقه مهضوم والناس لا يقدرونه حق قدره. وعلى العكس من ذلك المتواضع الذى يعرف نقائصه ويصبر على ما يأتى عليه من البلايا، وينسب الى ذاته اللوم فى كل شئ، ولا يقيم وزنا لتقدير الناس له، لأنه يستهدف ارضاء الله، ولسان حاله ما قاله ميخا النبى « ولكنى أراقب الرب، أصبر لاله خلاصى.. وأحتمل غضب الرب لأنى أخطأت اليه» (مى 7: 7، 9). هكذا نرى أن الاتضاع يدربنا على الصبر والاحتمال. قال يشوع بن سيراخ «يا بنى، اذا تقدمت لخدمة الرب. أعدد نفسك للتجربة، وضع قلبك واحتمل.. التصق بالله وكن صبورا.. كلما أتاك فأقبله واصبر على الوجع، وفى أتضاعك كن صبوراً» (سى 2: 1 - 4).
9 - يعين ويخلص من الضيقات:
رأينا كيف أن الاتضاع يدربنا على الصبر والاحتمال. والصبر والاحتمال – فضلا عن اكليلهما – فانهما يهونان من أمر التجارب والضيقات التى تحل بنا – سواء الضيقات والتجارب التى تأتى علينا من الله لامتحاننا وتزكيتنا، أو التى يسمح بها الرب أن تأتى علينا من عدو الخير لتأديبنا.. ان الاتضاع فضلاً عن ذلك فانه يوجد نوعا من العزاء للمتضايقين كما قال بولس.
«لكن الله الذى يعزى المتضعين عزانا» (2كو 7: 6)).
بل أنه يعطى خلاصا من الضيقات ذاتها كما قال داود النبى.
«اتضعت فخلصنى» (مز 116: 6)).
قال مار اسحق «يسمح الله بالتجارب والعوارض أن تأتى علينا – حتى القديسين – لكى ندوم فى الاتضاع. فاذا قسينا قلوبنا تجاه العوارض والتجارب، يشدد الله التجارب ويصعبها. أما اذا قابلنا التجارب باتضاع وقلب منسحق، فالله سوف يمزج التجربة بالرحمة». وقال «اذا نظرت النعمة فوجدت أن قلب الانسان ابتدأ يتحرك بفكر العظمة أو الاعتداد بالنفس، تتخلى عنه قليلا، ليمتحن بصعوبة الوقوف وحده قبال التجارب». قال أحد الآباء القديسين «الاتضاع خلص كثيرين بلا تعب. وتعب الانسان بلا اتضاع يذهب باطلا. لأن كثيرين تعبوا فاستكبروا وهلكوا».
وفى حروب الزنا والشهوة نجد أن الاتضاع من العوامل الهامة لرفعها وأبطالها. قال القديس أوغسطينوس «أن الواسطة الكبرى فى اقتناء العفة وحفظها، هو التأكد أننا عاجزون عن اكتسابها بذاوتنا واجتهادنا، لأن الذى يعتمد على ذاته وجهده يستحق أن يخسرها». قال الحكيم فى سفر الحكمة « ولما عرفت انى لا أستطيع أن أكون عفيفا أن لم يعطنى الله، ذهبت الى الرب وتضرعت اليه» (حكمة 8: 21)... ومصداقاً لذلك، أورد بلاديوس المؤرخ قصة عن الانبا بلامون، الذى كان قد طعن فى سنه، وبلغ السبعين من عمره، ومع ذلك لم يسترح من قتالات الزنا الصعبة. هذا القديس، أشتد عليه القتال اثنتا عشر سنة. وبقدر ما كان يجاهد، بقدر ما كانت القتالات تظل شديدة. وفى ذات يوم ظن أن الله أهمله، فسمع صوتا من السماء يقول له «اعلم أن سبب سماح الله بتجاربك هو لكى تعرف ضعفك وفقرك وقلة ما عندك. وعلى ذلك تجرد من كل اعتمادك على ذاتك، واتضع أمامى، والتجئ الى فقط فى كل شئ». فتعزى أنبا باكون جدا، وارتفع عنه القتال.
10 - يرفع غضب الله ويعطى اجابة للصلاة:
وقد أورد الكتاب المقدس أمثلة كثيرة عن ذلك. فقد قيل عن حزقيا ملك يهوذا «ثم تواضع حزقيا بسبب أرتفاع قلبه وهو وسكان أورشليم، فلم يأت عليهم غضب الرب فى أيام حزقيا» (2 أى 32: 26). وقيل عن منسى ملك يهوذا – الذى عمل الشر فى عينى الرب – وسباه جنود ملك آشور بعد أن قيدوه بسلاسل نحاس ووضعوا له خزامة، أنه لم تضايق مما حدث له «طلب وجه الرب الهه، وتواضع جداً أمام اله آبائه. وصلى اليه فاستجاب له وسمع تضرعه ورده الى أورشليم مملكته» (2 أى 33: 12). وأيوب الصديق الذى خاطب الرب باتضاع فى آخر تجربته قائلاً له «قد علمت أنك تستطيع كل شئ، ولا يعسر عليك أمر. فمن ذا الذى يخفى القضاء بلا معرفة. ولكنى قد نطقت بما لم أفهم. بعجائب فوقى لم أعرفها. اسمع الآن وأنا أتكلم. أسألك فتعلمنى. بسمع الاذن قد سمعت عنك، والآن رأتك عينى. لذلك أرفض وأندم فى التراب والرماد» (أى 42: 1 - 6). أيوب هذا، بعد هذه الكلمات، رفع الرب وجهه، ورد سبيه، وبارك آخرته أكثر من آولاه (أى 42: 9، 10، 12).
وليس أقوى من وصية الرب نفسه التى أعطاها لسليمان بن داود «فاذا تواضع شعبى الذى دعى أسمى عليهم، وصلوا وطلبوا وجهى ورجعوا عن طرقهم الردية، فاننى أسمع من السماء وأغفر خطيته وأبرئ أرضهم» (2 أى 7: 14).
كيف نقتنى الإتضاع؟
هناك أناس متضعون بطبيعتهم. ومن هؤلاء من ولدوا بسطاء، فمن شأن البساطة أن تقوى الاتضاع وتنميه. وهناك أناس اقتنوا الاتضاع عن طريق الجهاد الروحى، وممارسة التدريبات الروحية. على أى الحالات، يستطيع كل انسان أن يكون متضعاً، ان هو سلك الطريق الذى يقود اليه. ونحن لا ننكر أنه طريق صعب، بل هو عين الطريق الكرب ذى الباب الضيق الذى يدخل منه قليلون. لكن تعزيتنا أنه يوصل الى مدينة الفرح، التى هرب منها الحزن والكآبة والتنهد...
هو طريق طويل – ولا شك – ويحتاج الى تدرب مستمر، مع قهر الارادة والمشيئة، والتغصب فى أشياء كثيرة تضار رغبات النفس والجسد. والسلوك فى تدريب الاتضاع يكون صعبا وشاقا فى أوله، ثم ما يلبث أن يصبح أمرا محببا للنفس التى تمارسه بعد أن تتذوق حلاوته. قال القديس يوحنا الدرجى «فى الابتداء نبغض المديح بتغصب وتعب، ثم ينمو الاتضاع بفعل الفضائل فيحسب الانسان على كل ما يكمله من صلاح كل شئ، بل كالشئ المرذول، حتى نرى كأننا نزيد على خطايانا. وحينئذ يتحفظ العقل فى كيس الاتضاع، فلا يسرق من مناظر ومسموعات. واذا نما (الاتضاع) الى طبقة الكاملين، فلا أعرف أن اشرحه حينئذ. انه كالنبات الذى لا يقف نموه ما دام يسقى من ماء الفضائل الطاهرة».
وها نحن الان نتناول بعض الأمور التى تعيننا على اقتناء هذه الفضيلة. ونود أن ننبه الى أن حديثنا هنا، يكمله ما سيرد ذكره فى موضوعى الكبرياء والكرامة. فثلاثتها تؤلف وحدة واحدة تقودنا الى حياة انكار الذات.
(أولاً) التطلع الدائم الى اتضاع مخلصنا:
فى التطلع الدائم الى المخلص بركات لا تحصى. ويحضنا الرسول على ذلك بقوله.
«ناظرين الى رئيس الايمان ومكمله يسوع» (عب 12: 2).
، وبقوله أيضاص.
«كونوا متمثلين بى كما أنا أيضاً بالمسيح» (1كو 11: 1)).
وفى مقدمة البركات التى نجنيها من التطلع اليه، الوداعة والاتضاع. والرب نفسه يدعونا الى ذلك بقوله.
«تعلموا منى لأنى وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم» (مت 11: 29)).
قال القديس يوحنا الدرجى «قال الرب تعلموا منى لأنى وديع ومتواضع القلب. أى ليس من ملاك، وليس من انسان، وليس من كتاب تتعلمون اتضاع القلب، ولكن منى». وهكذا تتعلم الاتضاع من الاله الوديع. قال القديس مار افرام السريانى «ماذا نستطيع أن نقول لله، وماذا احتجنا أن يصنعه بنا ولم يفعله؟ أما رأينا الله نفسه متواضعاً بصورة عبد، لنتواضع نحن ونصير متواضعين؟ أما رأينا وجهه الأقدس الذى لا يصفه عقل، مبصوقاً عليه، لكى اذا شتمنا وانتهرنا لا لنوحش ونتنمر؟ بل أما شاهدنا ظهره مبذولاً للسياط لكى نخضع لمدبرينا؟ وما عاينا وجهه وقد لطم لكى اذا رفضنا لا نتنمر؟ هل ما سمعنا عنه انه لم يناصب، ولم يجاوب لكى لا نكون مستبدين برأينا ولا نجاوب؟ وأما سمعناه بقول أنا لا أعمل من ذاتى شيئاً حتى لا نصير نحن متعظمين مالكين مشيئتنا لذاتنا، وحاوين السلطان على ذاتنا. بل ترى أما سمعناه يقول تعلموا منى فانى وديع ومتواضع القلب، لنصير نحن ودعاء ومتواضعى القلب!! ».
(ثانياً) معرفة الانسان ذاته:
ان الذى جذب القديسين الى حياة انكار الذات، لم يكن جمال الاتضاع كفضيلة مقدسة فحسب، بل أيضاً – وهذا هو الاهم – اكتشافهم لحقيقة أنفصهم فى نور الله. فهباء الغبار فى الحجرة المظلمة لا يرى الا اذا دخلتها أشعة الشمس، وهكذا ذاواتنا – بما فيها من خطايا – لا نراها الا على ضوء الله. ومن ثم قال الآباء «ان معرفة الانسان لذاته، هى الواسطة الموصلة لمعرفته لله». ولقد جاءت هذه الحكمة، مؤمنة لجماع الفلسفة القديمة «أعرف نفسك». فيجب أن أعرف نفسى أولاً، ومتى عرفتها جيدا سأتضع. ولكن قبل أن أعرفها فلن يكون اتضاع كما ينبغى.
والاتضاع نتعلمه من مجرد القراءة فى الكتب، أو الاستماع الى تعاليم المعلمين، أو محاكاة القديسين. لأننا لو فعلنا ذلك – دون معرفة ذاواتنا – لجاء اتضاعنا ضربا من الزيف، ولونا من الرياء. قال مار اسحق «طوبى للانسان الذى يعرف ضعفه فان هذه المعرفة تكون له أساساً صالحاً، ومصدراً لكل خير. لأنه اذا عرف ضعفه ضبط نفسه من الاسترخاء وطلب معوة الله، وتوكل عليه». ويساعدنا على هذه المعرفة التامل فى النقاط الآتية:
(أ) التامل فى حقيقة ذاته:
لقد اقتبلنا وجودنا من الله مجانا، ونلنا خلاصنا منه مجانا أيضاً.
«اذ كنا بالطبيعة أبناء الغضب» (أف 2: 3)).
والله نفسه هو الذى دعانا من الظلمة الى نوره العجيب (1بط 2: 9). وهكذا أصبحنا أحباء بل أبناء. ولم يدفع الله الى ذلك أستحقا نا سباق أو لاحق بل مجرد جوده ورحمته، وما زال يسندنا ويحفظنا بيده القادرة على كل شئ لئلا نرجع فنسقط.
ثم من أنا؟ أنا تراب، بل أنا عدم ولا شئ. مر وقت كان العالم فيه موجوداً، ولم أكن أنا موجودا. خلق الله للتراب أولا، ثم خلقنى من التراب. بل أنا دون العدم فالعدم هو لا شئ، و«لا شئ» خير من الخطية التى أصنعها وأدنس بها ذاتى، وأهين بها الله. ان الله هو الذى خلقنى، وهو الذى يثبتنى، وما زال يرعانى. قال داود النبى.
«من خلف ومن قدام حاصرتنى، وجعلت على يدك» (مز 139: 5)).
انها يد الله أذن التى تثبتنى وترعانى لئلا أعود الى العدم الذى كنت فيه أولاً. ويوم يرفع الرب عنى هذه اليد – الى لحيظة قصيرة - أصير عدما. لقد تساءل الرسول قديماً قائلاً «ما هى حياتكم؟ » ثم أجاب.
«انها بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل» (يع 4: 14)).
وهكذا اوضح الرسول ماهية حياتنا. فهى من جهة حقيقتها «بخار»، ومن جهة مدتها «تظهر قليلاً»، ومن جهة نهايتها «تضمحل».؟
جمال الانسان، وعقله، وقوته، وبنيته، وحكمته، وجبروته، وسطوته، هذه كلها من الله. أما هو فى ذاته، فما زال – رغم كل التقدم الذى أحرزه فى شتى ميادين العلم والثقافة والرقى – ترابا من أرض، يرجع اليها كما كان، بينما ترجع الروح الى الله الذى أعطاها (جا 12: 7). وهذا الجسد الذى يفتخر به الانسان متعظماً، ما هو الا جيفة نتنة، سوف يرعى فيها الدود. وايوب الصديق الذى أدرك هذه الحقيقة قال «قلت للقبر أنت أبى، وللدود أنت أمى واختى» (أى 17: 14).
ومعرفة حقيقة الذى أمر نلمسه فى حياة رجال الله القديسين وأقوالهم وتصرفاتهم. فقد قال يعقوب أبو الآباء للرب.
«صغير أنا عن جميع الطافك، وجميع الامانة التى صنعت الى عبدك. فانى بعصاى عبرت هذا الاردن، والآن قد صرت جيشين» (تك 32: 10)).
وموسى الذى عرف ضعفه، حينما أراد الله أن يحمله مسئولية قيادة شعبه واخراجه من مصر، قال له.
«من أنا حتى أذهب الى فرعون، وحتى أخرج بنى اسرائيل من مصر» (خر 3: 11)).
ثم عاد وقال.
«استمع أيها السيد، لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس، ولا من حين كلمت عبدك. بل أنا ثقيل الفم واللسان» (خر 4: 10)).
وقال داود النبى والملك فى صلاته الوداعية فى شيخوخته « ولكن من أنا ومن هو شعبى حتى نستطيع أن ننتدب هكذا. آبائنا. أيامنا كالظل على الارض، وليس رجاء. أيها الرب الهنا، كل هذه الثروة التى هيأناها لنبنى لك بيتاً لاسم قدسك، أنما هى من يدك، ولك الكل» (1 أى 29: 14 - 16). قال مار اسحق «لا تعتمد على قوتك لئلا تترك لضعف طبيعتك، فتعرف ضعفك من سقطتك. وأعلم ان كل أمر يفتخر به الانسان، يسمح الله تعالى بتغييره ليتواضع».
(ب) التأمل فى خطاياه:
مما يعرفنى ذاتى أيضاً معرفتى لخطاياى ونقائصى وضعفاتى. ولذا كان القديس أوغسطينوس يصلى قائلاً «الهى، اعطنى أن أعرف ذاتى، وان أعرفك».. ويعيننا فى الوصول الى هذه المعرفة، تقييم ذواتنا على ضوء المقياس الكامل الذى هو كتاب الله المقدس. فهو السراج الذى ينير سبيلى فى الطريق الى الملكوت (مز 119: 105)، وهو الذى كتب لأجل تعليمنا (رو 15: 4). ولنتأكد أننا مطالبون بحفظ كل الوصايا الالهية الواردة به لنفعنا وتقويمنا. ومن هذه الوصايا حياة الكمال المسيحى (مت 5: 48)، والقداسة.
«التى بدونها لن يرى أحد الرب» (عب 12: 14)).
. ويوصلنى أيضاً الى معرفة ذاتى قياس نفسى بمن هم أفضل منى، سواء القديسين الذين نقرأ سيرهم، أو الابرار الذين ما زالوا عائشين بعد. فحينما أقيس جهادى بجهادهم، لا يسعنى الا الهتاف من القلب «اذا كان الصديق بالجهد يخلص فأين أظهر أنا الخاطئ».. ويعرفنى ذاتى وخطاياى، هدوئى مع نفسى، وجلوسى معها فى جلسات حساب، وقد تكلمنا عن ذلك فى موضوع التوبة وأخيراً يقودنى الى هذه المعرفة الالتصاق باناس روحيين مدققين فى حياتهم.
(ﺠ) التأمل فى تقلب ذاته:
ومن الامور التى يجب أن تعرفها عن ذاتك، انها مخادعة، فلا تعد تثق بها، ولا تطمئن اليها، ولا تنخدع ببعض المظاهر الخارجية، حتى لو كنت قد أحرزت بعض الفضائل، وأدركت بعض الدرجات الروحية العالية. قال الأنبا موسى الاسود «لا تثق بنفسك ما دمت فى الجسد، حتى تعبر عنك سلاطين الظلمة». ولقد حرص القديسون على ذلك فظفروا بالامجاد الروحية.
ومن القصص المعبرة التى تصور لنا هذه الحقيقة، ما ذكر عن القديس الانبا سيصوى الصعيدى ساعة نياحته. فلقد مرض هذا الاب الشيخ مرض الموت، فاجتمع الآباء الرهبان حوله، وسمعوه كأنه يخاطب قوما – وان كانوا لا يرونهم. فسألوه «ماذا تعاين يا أبانا؟ » أجاب «ها أنذا أعاين قوماً قد جاءوا لأخذ نفسى، وأنا أتضرع اليهم أن يمهلونى قليلا حتى أتوب». فقال له أحد الآباء الشيوخ « وان هم أمهلوك، هل تقدر الآن أن تنجح فى التوبة، وأنت فى هذه السن؟ ». أجابه القديس « وان كنت لا أقدر أن أعمل عملا، فانى اتنهد وأبكى». فقال له الآباء الشيوخ «ان توبتك قد كملت أيها الأب. فقال لهم «صدقونى، أنى لست أعرف من ذاتى اذا كنت قد بدأت الى الآن». ولما قال هذا أشرق وجهه كالشمس، حتى فزع الذين كانوا حوله. ثم نطق آخر كلماته قائلاً لهم «انظروا، ان الرب قال: ائتونى بتائب البرية» ولوقته اسلم روحه، وأمتلأ المكان من رائحة ذكية.
(ثالثاً) الفرح بالاهانات أو المحقرات:
كما أن الانسان ينمو فى حياته الروحية عامة، فهو أيضاً ينمو فى كل فضيلة. فالاتضاع، شأنه شأن الفضائل الاخرى ينمو بالجهاد والممارسة.. والفرح بالاهانات لا يصل الله الانسان دفعة واحدة. فى مبدأ الامر تقابل الانسان الاهانة فيتضايق منها وربما يثور ويغضب، ثم يتدرج الى درجة أعلا، فيتضايق بسبب الاهانة لكنه يضبط نفسه فلا يثور، ثم يرتقى الى درجة أعلا من السابقة، فلا يضرب داخلياً بل يكون فى حالة سلام قلبى، ثم بالجهاد يصل الى الحد الذى يفرح حينما يهان. كما ذكر عن الرسل حينما جلدوا من أجل كلمة الله والشهادة ليسوع المسيح «أما هم فذهبوا فرحين من أمام المجمع لانهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه».
وثمة درجة أسمى من هذه جميعا، وهى أن الانسان، لا يفرح بالاهانة فقط بل يسعى اليها. وقد ذكر عن راهب مجاهد كان يسكن فى البرية، فقام وجاء الى دير فى الصعيد، وكان كل آباء ذلك الدير قديسين. فبعد ما أقام عندهم أياما استأذن رئيس الدير أن يخلى سبيله. فلما سأله الرئيس عن السبب، أجاب قائلاً «انه لا يوجد ههنا تعب. والآباء كلهم قديسون، وأما أنا فانى خاطئ، أريد أن أمضى الى موضع حيث أهان وأشتم. لأنه بالازدراء والاهانة يخلص الخطاة». فتعجب رئيس الدير، وأخلى سبيله قائلاً له «امض وتقو».. فنلصبر اذن للاهانات والمحقرات التى تأتى علينا بل نفرح بها، عالمين أنها تخلصنا من المجد الباطل، وتنمى فينا الاتضاع. من أجل هذا قال معلمنا بولس.
«لذلك أسر بالضعفات والشتائم» (2كو 12: 12)).
(رابعاً) عدم الافتخار بالمواهب الروحية:
وهذه درجة – فى الاتضاع – تسمو على سابقاتها. لا عجب أن احس المريض بمرضه، والفقير بفقره، والمخطئ بخطاه. ولكن العجيب أن يعد الغنى ذاته بمنزلة الفقير، والقديس – الذى يكرمه الجميع – يحسب نفسه أشر الخطاة!!
ان لسان حال القديسين، فيما نالوه من مواهب وانعامات، ما قاله الاربعة وعشرون قسيسا للجالس على العرش «أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة، لانك أنت خلقت كل الاشياء، وهى بارادتك كائنة وخلقت» (رؤ 4: 11). أو بتعبير معلمنا بولس.
«ليس أننا كفاة من أنفسنا، بل كفايتنا من الله» (2كو 3: 5).
، «لان الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة» (فى 2: 13). فهم – والحال هذه – يشعرون أن كل شئ صالح مصدره الله، وأن.
«كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هى من فوق نازلة من عند أبى الانوار» (يع 1: 17)).
بل شعروا أن سر حياتهم، واستمرار نموهم، هو فى المسيح، حسبما قال.
«كما أن الغصن لا يقدر أن يأتى بثمر من ذاته، أن لم يثبت فى الكرمة، كذلك أنتم أيضاً ان لم تثبتوا فى» (يو 15: 4)).
وهكذا نسبوا كل ما فيهم من مواهب وانعامات روحية لله.
وقد حذر السيد المسيح تلاميذه الذين فرحوا بخضوع الشياطين لهم بقوله.
«لا تفرحوا بهذا.. رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء» (لو 10: 18).
، 20).
فالامر يحتاج الى معونة الهية خاصة تحفظ فينا نعمة الاتضاع مع وجود المواهب الروحية. قال القديس امبروسيوس «ان هذا الامر لا يستطيع أحد أن يتقنه ويقومه فى ذاته، الا بنعمة خصوصية عظيمة جداً» وليس أدل على ذلك من قول الرسول.
« ونحن لم نأخذ روح العالم، بل الروح الذى من الله، لنعرف الاشياء الموهوبة لنا من الله» (1كو 2: 12).
– قال الاب يوحنا كاسيان.
«كما ان الاعين الجسدية، حتى وان كانت صحيحة، لا يمكنها النظر بدون معونة النور، هكذا الانسان، وان كان بارا، لا يستطيع أن يفعل شيئاً صالحا ان لم يعنه نور النعمة «أن لم يحفظ الرب المدينة فباطل سهر الحراس» (مز 127: 1)).
(خامساً) ممارسات الاتضاع العملية:
كالملبس البسيط المتواضع، وترك الكماليات سواء فى الملبس أو المأكل أو المشرب، وخدمة الآخرين، والقيام بالمهام التى يترفع الآخرون عن القيام بها، والخضوع لمدبرينا ولمن يكبروننا سناً ومقاماً عن حب واتضاع حقيقيين، والاسراع بالاعتذار لمن أخطأنا اليهم عن شعور قلبى وتواضع حقيقى.. الخ.
ولهذه الممارسات أثر كبير فى اقتناء الاتضاع الحقيقى. من ناحيتين أولاً لأن الفضائل لا تقتنى الا بالعمل، وثانياً لما للافعال الخارجية من تأثيرات داخلية فى الانسان. والسيد المسيح نفسه حينما أراد أن يعلمنا الاتضاع علمنا اياه بطريقة عملية، فأنحنى وغسل أرجل تلاميذه، وأوصاهم أن يفعلوا هم أيضاً هكذا.
قال القديس باسيليوس الكبير: «ان العلوم والمهن لا تكتسب الا بالممارسة. فمن يريد اكتساب علم الفلسفة أو النحو أو البلاغة أو صناعة من الصناعات، يلزمه ممارستها بالعمل ليحصل على اتقانها والتمهر فيها. هكذا الاتضاع وسائر الفضائل الادبية لا يمكننا اقتناءها الا بالعمل». وقال القديس أوغسطينوس «ان الانسان الخارج والباطن متحدان أحدهما بالآخر، وكل منهما شديد التعلق بالآخر لدرجة كبيرة، حتى انه متى اتضع الجسد وتنازل، أحدث فى القلب باطناً حركة التواضع. فلذلك اذ تنحنى أنت متنازلا الى تقبيل أقدام أخيك، يحدث هذا بالفعل فى قلبك حركة الاتضاع أو يقويها أن كانت موجودة فيه قبلا. فالاتضاع الخارجى أمام الاخوة، كخدمتهم وتقبيل أقدامهم، والملبس الفقير، والوظيفة الدنيئة، هذه جميعها تولد الاتضاع فى القلب. وان كان موجودا فيه، فهى تحفظه وتنميه».
(سادساً) نصائح عامة:
(1) لا تقل كلاماً أمام آخرين، يأتيك بسببه مديحا، حتى لو كان هذا الكلام فى ظاهره ذما وتحقيرا لذاتك. فبعض الناس يظهرون حقارتهم أمام الآخرين – فى عبارات أو أفعال – لكى يمدحوهم.
(ب) اذا مدحك الناس عن فعل حسن، فأسرع وقدم الشكر لله الذى أعانك فى ذلك العمل، وأعطاك نعمة فى أعين الناس. لكى أن وجدت أن فكر العظيمة بدأ يرادوك، فللحال تذكر خطاياك التى سترها الرب، فلم يعرفها الناس. وحينئذ ستشعر أنك غير مستحق للمديح.
(ﺠ) لا تتظاهر بفعل شئ ليراه الناس ويمدحوك بسببه. قال رب المجد.
«احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكى ينظروكم، والا فليس لكم أجر عند أبيكم الذى فى السموات» (مت 6: 1)).
وكل ما تعمله أعمله من أجل الله الذى منه تنتظر حسن الجزاء.
(د) لا تبرر ذاتك فى اخطائك.
« وتعلل بعلل فى الخطايا» (مز 141: 4).
، وتلتمس لنفسك الاعذار كما يعفل أهل العالم، كما قال أيوب «أن كنت قد كتمت كالناس ذنبى لاخفاء أثمى فى حضنى» (اى 31: 33). بل كن صريحا مع نفسك، وأمينا فى محاسبتها، واسرع بالاعتذار لله وللناس.
(ﻫ) أعتبر كل الناس أفضل منك «لا شيئاً بتحزب أو بعجب بل بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم» (فى 2: 3).
(و) لا تحب المتكآت الاولى ومراكز الصدارة، فقد وبخ الرب الكتبة والفريسيين على ذلك (مت 23: 6).
(ز) اذا كنت فى مجلس فلا تسرع بالكلام قبل الباقين، كأنك أكثر منهم فهما ورجاحة عقل، بل أن أمكن فكن آخر من يتكلم، شاعرا أنه يوجد من هو أفضل وأحق بالكلام منك. قال القديس الانبا باخوميوس «اتضع فى كل شئ، واذا كنت تعرف جميع الحكمة، فاجعل كلامك آخر الكل».
(ح) لا تطلق لمخيلتك العنان فى أفكار العظمة (أحلام اليقظة)، حتى لو بدت أنها من أجل مجد الله وانتشار ملكوته. كأن يتخيل انساناً انه أصبح أسقفاً يدبر شئون الكنيسة بنشاط، ويعمل اصلاحات جبارة.. احترس من هذه، فان شيطان الكبرياء يستتر خلفها.
أمور تساعد على الإتضاع
1 - أفعال التوبة:
أعمال التوبة عامة، تساعدنا على حياة الاتضاع. فالاتضاع - وان كان هو أساس الفضائل جميعها ويدعمها – فهو أيضاً يتغذى بالفضائل الاخرى وينمو بها. ومن ثم قال القديس يوحنا الدرجى «هناك علاقة بين هذه الثلاثة: التوبة، والنوح، والاتضاع. فأولاً تطحن النفس بتعب التوبة الحقيقية مثل الدقيق، ثم يعجن بماء الدموع - دموع النوح – مثل العجين، ثم يخبز بنار الاتضاع المنعم من الله مثل الخبز. وحينئذ يكون الخلاص من الاوجاع كما قال النبى «اتضعت فخلصنى» وقال أيضاً «التوبة تنهض الانسان، والنوح يقرع باب السماء، واتضاع الفكر يفتح باب الملكوت».
2 - الشعور بالغربة:
قال القديس يوحنا الدرجى «الغربة التامة تسبب الاتضاع». فالانسان الذى يشعر انه غريب فى هذه الدنيا، لا يهمه أن يعرفه الناس، ولا يهمه اكرامهم ومديحهم له. فالشعور بالغربة يولد فينا الشعور «بالموت عن العالم»، وهذا هو سند قوى للاتضاع. والانسان الذى يملك عليه الشعور بالغربة، اذا يشعر انه ليس له هنا مدينة باقية، يطلب العتيدة بأوفر اجتهاد، مردد كلمات المرتل.
« ويل لى فان غربتى قد طالت على» (مز 20: 5)).
وحياة الغربة – فضلا عن ذلك لها معونة خاصة من الرب، حتى أن المرتل يقول.
«الرب يحفظ الغرباء» (مز 146: 9).
، ويقول معلمنا بولس عنهم.
«لذلك لا يستحى بهم الله أن يدعى اللهم» (عب 11: 16)).
3 - احتمال الضيقات فى صبر:
ذكرنا قبلا ونحن نتحدث عن بركات الاتضاع، أنه يعين ويخلص من الضيقات. ونضيف هنا، أن احتمال الضيقات بصبر ينمى فينا الاتضاع. قال مار اسحق «يترك الله البلايا والتجارب على محبى البر، حتىي عرفوا ضعفهم. اذن أن البلايا تولد الاتضاع. وربما كسر قلبهم بأوجاع طبيعية، وربما لشتيمة الناس لهم وأمتهانهم. وأحياناً بالفقر والمرض والاحتياج، وأحياناً أخرى بالخذلان ليأتى عليهم الشيطان بأفكار قذرة، وكل ذلك عساهم يحسون بضعفهم فيتضعوا» وقال الرب قديماً عن شعبه.
« وانا أيضاً قد سلكت معهم بالخلاف. وأتيت بهم الى أرض أعدائهم، الى أن تخضع حينئذ قلوبهم الغلف ويستوفوا حينئذ عن ذنوبهم» (لا 26: 41)).
وقال مار اسحق «حقا يا رب انك لا تكف عن اذلالنا بشتى التجارب والالعاب الى أن تتضع نفوسنا». كما قال أيضاً «بواسطة التجارب ندنو من الاتضاع، ومن يدوم بلا أحزان أو تجارب، باب العظمة والكبرياء مفتوح أمامه».
4 - التجرد:
حب القنية فى شتى صورها ومظاهرها، يزيد ارتباط الانسان بالعالم ويحببه فيه ويقيده بقيوده. والتجرد من هذا الحب الخاطئ المنحرف، يحلنامن قيود العالم فنحيا حياة «انطلا الروح». ولا شك أن التجرد من المقتنيات يولد فينا المسكنة الروحية التى امتدحها الرب وافتتح بها تطويباته فى العظة على الجبل (مت 5: 3). ولذا نصحنا الآباء القديسون أن نحيا حياة التجرد لنصل به الى الاتضاع. قال مار اسحق «المضبوط بأمور هذا العالم الزائل، والمرتبط ولو بشئ منها، لا يستطيع أن يكون متواضعاً ولا نقى القلب. لأن المتواضع يكون ميتا للعالم، والعالم ميت له، فلا يستحيل قلبه الى محبة شئ منه. لذلك أن أردت أن تكون متواضعاً، فأول كل شئ حل نفسك من أمور العالم، واتبع الله بالرجاء والايمان والحب، وعوض العالم الذى تركته تاخذ حياة لا تزول».
حياتك على ضوء الاتضاع
نستعرض الآن بعض الممارسات الروحية فى حياتنا على ضوء هذه الفضيلة. والغرض من هذا، الا تظل الفضيلة مجرد معلومات نظرية، بل تصبح جزءاً منا نقتنيها ونحيا فيها وبها. وطبعاً سوف لا نعرض لجميع ممارساتنا فى الحياة، وانما نورد أمثلة لبعض منها، وعليك أنت يا أخانا أن تقيس على ذلك فى بقية أمور حياتك.
1 - الصلاة:
كثيرا ما يتملكنا الغرور نتيجة المواظبة على بعض الممارسات الروحية فمثلاً انسان مواظب على الصلاة، فيبتدئ يشعر أنه أصبح انساناً قديسا، لمجرد أنه يصلى. والأمر يزداد فى قياسه متى انعم عليه الرب ببعض الدموع فى الصلاة مثلاً. وهكذا تصبح الصلاة مادة للغرور، عوض أن تكون بركة لصاحبها. لا تفتخر يا أخى بصلاتك، أذ هى لا تقاس بنماذج الصلاة التى تركها لنا رب المجد لنقتدى بها، حينما كان يمضى الليل كله فى الصلاة فى الجبل، أو حينما كان يجاهد فى الصلاة كما حدث فى بستان جثسيمانى ليلة آلامه. وهى لا تقاس أيضاً أن هى قورنت بصلوات رجال الصلاة، الذين كانت حياتهم كلها صلاة...
أين أنت من الانبا أرسانيوس العظيم، الذى كان فى ليالى الآحاد ينتصب للصلاة وقت الغروب والشمس خلفه، ويظل هكذا طوال الليل فى مناجاة مع الله، حتى تشرق الشمس فى عينيه فى صبيحة اليوم التالى، فيحس - بهذا فقط – أن الليل قد انقضى، فيحزن لان الشمس الطبيعية حرمته من شمس البر!! وأين أنت من القديس الانبا بيشوى الذى كان يربط شعر لحيته فى حبل يتصل بسقف مغارته، حتى يغالب النوم والطبيعة الجسدية؟! وأين أنت من القديسين الشابين اليافعين مكسيموس ودوماديوس، ابنى أحد أباطرة الدولة الرومانية (البيزنطية)، اللذين أحتقر العالم فى جراة مذهلة؟ فقد كانت صلاة أحدهما تظهر فى شكل عمود من نور يصل من فمه الى السماء، بينما تخرج شهب نارية من فم الاخر، كما عاين ذلك القديس مقاريوس الكبير. أين أنت من القديس الانبا تيجى (الانبا رويس)، الذى ظل يتأمل ثمانى ساعات دفعة واحدة فى أحدى صلواته فى عبارة «أبانا الذى فى السموات»؟! ثم أين أنت من أيليا النبى، الذى أغلق السماء وفتحها بصلاته، فلم تمطر السماء ثلاث سنين وستة أشهر (يع 5: 17)؟!!
أن الصلاة فى حقيقتها ليست وقفات تقفها أمام الله فى فترات خاصة لكنها حياة بأكملها يسمونها «حياة الصلاة»، ولذا قال داود العظيم.
«أما أنا فصلاة» (مز 109: 4)).
لقد أوصانا الرب أن نصلى بلجاجة، وفى كل حين، وبلا انقطاع (1تس 5: 17)، فهل أنت هكذا فى صلاتك؟
ثم ماذا عن صلاة الايمان، والصلاة بالروح وبالذهن (1كو 14: 15)، والمواظبة عليها فى سهر وشكر (كو 4: 2)، وباقى عناصر الصلاة التى نحن مطالبون بها، حتى تكون صلواتنا مقبولة.
وحتى لو أتممت كل ذلك هل يصبح هناك مجال للافتخار والزهو بصلواتنا؟ أنت فى ذاتك عبد بطال حتى لو فعلت كل البر. أنت لم تقف للصلاة الا حينما حركك روح الله الى ذلك. ألم تقرأ كلماتك الرسول «لاننا لسنا نعلم ما نصلى لأجله كما ينبغى. ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها. (رو 8: 26) أن فكر الصلاة الذى به تصلى ليس من ذاتك بل من الله، وكلمات الصلاة، بل «موهبة النطق»... هذه كلها منه، ومشاعر الحب هى منه أيضاً... وبالجملة فان كل شئ هو منه لان «منه وبه وله كل الاشياء».
اذن، حينما تقف لتصلى، أشعر بمذلة وانسحاق، وقدم طلباتك بمشاعر المسكنة. فان كنا نطلب من عظماء العالم بمذلة ومسكنة لكى تقضى حوائجنا، أفلا نفعل مثل ذلك حينما نسأل أبا الارواح؟ انه اختبار جميل فى انعاش الصلاة. فقبل أن تبدأ صلاتك، أصمت قليلا وأنت واقف خاشع أو جاث على ركبتيك أو ساجد تحت أقدام المخلص، وفكر فى حقارة اذتك وفى تنازل الله ومحبته، التى جعلتك أهلا أن ترفع صوتك وتشارك غير المرئيين فى تسابيحهم. أن فعلت ذلك فستشعر بتعزيات الله تنسكب عليك فى تلك الصلاة. أن السائل لا يسأل الناس صدقة وهو فى ملابس فاخرة والا لاغلقوا أحشائهم دونه، هكذا وأنت تسأل الله أتضع وتذلل حتى يتحنن عليك...
2 - فى الصوم:
أن المسيحية فى سموها وروحانيتها لم تفرض علينا الصلاة والصوم فرضاً، انما علمتنا أنهما سر الغلبة ومفتاح النصرة، كما علم رب المجد.
«هذا الجنس (الشيطان) لا يمكن أن يخرج بشئ الا بالصلاة والصوم» (مر 9: 29)).
فلا يكن شعورك وأنت صائم أنك تقوم بعمل يستحق أجرا أو مثوبة من الله. أنت لا تصوم من أجل الله بل من أجل ذاتك، لتلجم به جسدك المشاغب، حتى لا يجعلك هزءاً أمام الناس.. وصومك ليس هو من أجل قوتك الروحية، بل من أجل ضعفك. وانقطاعك عن الطعام لوقت متأخر اليس هو مادة للزهو بل وسيلة لتقويم ذاتك المنحرفة. ثم أن الصوم يمارس فى كل الاديان - حتى الوثنى منها – وهو لا قيمة له ما لم يقترن بالروحانية والصوم عن الخطية.
ثم أن صومك هذا لا يقارن، أن هو قيس بأصوام القديسين الذين غلبوا الطبيعة الجسدية فى صورة مدهشة، فضربوا أرقاماً عالية فى الصوم، من أجل زيادة الالتصاق بالله. أين أنت من الصوامين الحقيقيين؟ أين أنت من موسى النبى الذى صام أربعين يوماً، والأنبا بيشوى الذى كان يصوم عشرين يوماً، عشرين يوماً؟ أين أنت من القديس مقاريوس الاسكندرانى الذى كان فى الاربعين المقدسة يأكل ورقة كرنب مسلوقة كل يوم أحد حتى لا تصغر أنفس الاخوة المبتدئين فى حياتهم النسكية؟ بل أنت من كثير من القديسين الذن كانوا ينقطعون تماماً عن الطعام فى الاربعين المقدسة؟!!
وحتى لو أتممت كل ذلك، فلا يعتبر صومك مقبولاً ما لم تقرنه بالامتناع عن الخطية، أو بتعبير الكنيسة فى قسمة الصوم المقدس «فلنصم عن كل شر بطهارة وبر... ».
3 - فى الصدقة:
ما هو احساسك وأنت تعطى صدقة؟ هل فيما تقدم عشورك لله، يملأك شعور بأنك قمت بواجبك الذى أمرك به الله، وأوفيته حقه؟
من جهة الكم، أعلم أن تقدمة العشور هى الحد الادنى للعطاء، وأنها كانت خاصة بالعهد القديم. أما فى العهد الجديد - عهد النعمة والبذل – فنحن مطالبون أن نبيع كلما لنا ونعطى صدقة (لو 12: 33)، وأن نكتفى بمجرد القوت والكسوة (1تى 6: 8)، وأن نكون أسخياء فى العطاء (1تى 6: 18)، وان نعطى المسرور.
«لأن المعطى المسرور يحبه الله» (2كو 9: 7).
ومن وجهة الكيف، قدم عطاياك وضع صدقتك فى انكار ذاتك، حتى تأخذ أجرك كاملا من أبيك الذى يرى فى الخفاء (مت 6: 1). لا تصنع صدقتك من أجل الناس لكى يمدحوك، ولا تصوت قدامك بالبوق ليشيد الناس ببرك ورحمتك وفضلك، فانك بهذا تستوفى أجرك..
أن المال الذى تتصدق به ليس هو لك، بل هو لله، والله لم يعطك هذا المال لتكون غنياً لنفسك (لو 12: 21)، بل لتصبح غنياً فى أعمال صالحة (1تى 6: 18). لقد دخلت الى العالم عريانا، وستخرج منه عريانا أيضاً..
ثم مهما تصدقت، وكنت سخياً فى عطائك، فأنت لا تعطى الا جزء من مالك، بينما يوجد كثيرون أعطوا كل مالهم، ومعه أعطوا ذواتهم للرب. ومن أمثلة هؤلاءالقديس الانبا أنطونيوس أب الرهبان الذى فرق كل ثروته، والقديسان ببنوده المتردى وبطرس العابد، اللذان باعا نفسيهما وتصدقا بالثمن. والقديس الانبا ابرآم أسقف الفيوم الشهير صانع العجائب الذى كان مثلا حياً عالياً للرحمة فى جيله. والعظيم المعلم ابراهيم الجوهرى الذى ضرب المثل بكثرة رحمته، حتى أن بعض المتسولين تنافسوا فيما بينهم يوماً لكى يثيروه بكثرة سؤالهم، فأخذ أحدهم منه ذات صباح ثمانى عشرة مرة صدقة، وفى كل مرة كان يتعمد هذا السائل أن يعرفه انه هو الذى أخذ منه منذ برهة قصيرة، لكنه كان يعطيه أيضاً، وأخيرا صاح السائل متعجباً من كثرة أحسانه. فكان جواب المعلم ابراهيم على ذلك «ان ما لدى من مال هو وديعة اودعها لدى السيد المسيح، أفلا أردها حينما يطلبها منى؟ » بل لقد بلغ من شدة حبه لاعمال الاحسان، انه بعد انتقاله الى السماء، تصدق بمبلغ على أحد المعوزين، وذلك بواسطة رؤيا ظهرت له، وقال له فيها أن يذهب الى «فلان» ويأخذ منه مبلغ كذا، كان قد اقترضه منه. فعلا تم ذلك!!
موقف الإتضاع من بعض الفضائل
هل يتعارض الاتضاع مع الصيت الحسن؟
هل من تعارض بين ما يجب أن يكون عليه الانسان من اتضاع، وبين ما يجب أن يتمتع به من صيت حسن وسمعة طيبة؟
ليس هناك أى تعارض. فليس الاتضاع – كما سبق القول – أن يلبس الانسان ملابس رثة، وينسب الى ذاته أفعالاً ذميمة، ويتصرف تصرفات خاطئة، وإنما الاتضاع حياة نحياها فى الداخل، وان كانت تأخذ بعض المظاهر الخارجية التى لا تستهدف رؤية الآخرين لها، لكنها تكون صادرة عن أفكار داخلية. ومما لا شك فيه اننا جميعاً مطالبون بان نكون قدوة فى كل شئ ومنها الاتضاع. وأن كنا – بطبيعة الحال – نسعى أن نقدم باتضاعنا قدوة، والا خرجنا عن دائرة اتضاع! فتمتع الانسان بالسمعة الطيبة والصيت الحسن لا يتعارض مع اتضاعه، بشرط الا يسعى هو لكى يحوز الصيت وتلك السمعة. اننا مطالبون بالتمتع بالصيت الحسن كما بالاتضاع، هذا وصية الهية، وتلك وصية الهية أيضاً. قال معلمنا بولس.
«متجنبين هذا أن يلومنا أحد فى جسامة هذه المخدومة منا. معتنين بأمور حسنة ليس قدام الرب فقط بل قدام الناس ايضاً» (2كو 8: 20).
، 21). وقال أيضاً «أخيرا أيها الاخوة، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كل ما هو مسر. كل ما صيته حسن. ان كان فضيلة وان كان مدح. ففى هذا افتكروا» (فى 4: 8). كما قال.
«لسنا نجعل عثرة فى شئ لئلا تلام الخدمة. بل فى كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الله» (2كو 6: 3).
، 4). وقال القديس بطرس الرسول.
« وأن تكون سيرتكم بين الامم حسنة، لكى يكونوا فى ما يفترون عليكم كفاعلى شر، يمجدون الله فى يوم الافتقاد، من أجل أعمالكم الحسنة التى يلاحظونها» (1بط 2: 12)).
وقال السيد المسيح قبل كل هؤلاء «لكى يروا أعمالكم الحسنة، فيمجدوا أباكم الذى فى السموات».
وإذا اضطررنا – كخدام مثلاً – بحكم الظروف أن نتكلم عن شئ من أتعابنا فى الخدمة مثلاً، وكان لا مفر من ذلك، فلا مانع من الكلام بشرط أن نعطى المجد لله. وهذا ما فعله معلمنا بولس الرسول فى رسالته الى كنيسة كورنثوس، اذ دافع عن سلطانه الرسولى، من أجل صالح الخدمة، واضطر فى ذلك أن يتكلم عن جهاده وأتعابه فى خدمة الكلمة، قال «بل أنا تعبت أكثر منهم جميعهم». لكنه استدرك فى اتضاع قائلاً « ولكن لا أنا، بل نعمة الله التى معى». كما قال فى نفس الموضع.
«أنا الذى لست أهلا لأن أدعى رسولاً لأنى اضطهدت كنيسة الله» (1كو 15: 9).
، 10). وقال فى رسالته الثانية «أهم خدام المسيحن أقول كمختل العقل فأنا أفضل» ولكنه يستدرك فى اتضاع أيضاً ويقول.
«أن كان يجب الافتخار فسأفتخر بأمور ضعفى.. فبكل سرور افتخر بالحرى فى ضعفاتى لكى تحل على قوة المسيح. لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لاجل المسيح. لأنى حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوى» (2كو 11: 33).
، 12: 9، 10).
هل الاتضاع يضاد روح الاقدام؟
سبق أن ذكرنا أن «الموت عن العالم» و«التجرد» يغذيان الاتضاع ويقوياه، وهذا أمر بديهى. فمن مات عن العالم، من أى شئ يخاف، ومن تجرد عن محبة الشهوات والمقتنيات لاى سبب يخضع؟! ومن ثم قال القديس أوغسطينوس قوله الشهير «جلست على قمة العالم لما أحسست انى لا أشتهى شيئاً، ولا أرهب شيئاً». وعلى ذلك يكون الاتضاع عاملا هاماً فى تقوية روح الشجاعة والاقدام.
الانسان الذى أنكر ذاته لكى يظهر الله فيه وبه، شعاره قول الرسول.
«فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى» (غل 2: 20)).
وأن كان المسيح حياً فى، فهل يصيبنى خوف؟ أو يلحقنى جبن؟ ان سر أتضاعنا هو فى معرفة ضعفنا، وسر أقدامنا هو من الذى قال.
«قوتى فى الضعف تكمل» (2كو 12: 19)).
وهكذا باتضاعنا، نستند الى قوة المخلص.
قال سليمان فى نشيده.
«من هذه الطالعة من البرية، مستندة على حبيبها» (نش 8: 5)).
هذه هى النفس الظافرة، الطالعة من برية العالم، مستندة على حبيبها الرب. ان هذه الآية توضح مبدأ هاماً، هو أن أفعالنا كلها، نستند فيها على مخلصنا. وقال معلمنا بولس الرسول.
« ولكن بنعمة الله أنا ما أنا، ونعمته المعطاة لى لم تكن باطلة، بل أنا تعبت اكثر من جميعهم. ولكن لا أنا بل نعمة الله التى معى» (1كو 15: 10)).
والفقرة الاخيرة من هذه الآية « ولكن لا أنا بل نعمة الله التى معى» هى الاستناد على الحبيب وقال الرسول أيضاً «أستطيع كل شئ فى المسيح الذى يقوينى» (فى 4: 13). والفقرة الاخيرة فى هذه الآية «فى المسيح الذى يقوينى» هى الاستناد على الحبيب. ان الاستناد على ذراع الرب يسوع يعطى شجاعة وقوة، ولذا قال اشعياء النبى « وأما منتظرو الرب فيجدون قوة، يرفعون أجنحة كالنسور، يركضون ولا يتعبون، يمشون ولا يعيون» (أش 40: 31).
ان الانسان المتواضع، متدرب على كل الظروف والاحوال. يعرف كيف يصمت فى وقت الصمت، ويتكلم فى وقت الحاجة الى الكلام، ويقدم فى وقت الحاجة الى الاقدام. قال معلمنا بولس الرسول «فانى قد تعلمت أن أكون مكتفياً بما أنا فيه. أعرف أن أتضع، وأعرف أيضاً أن استفضل فى كل شئ، وفى جميع الاشياء، قد تدربت أن اشبع وأن أجوع، وأن استفضل وأن أنقص» (فى 4: 11، 12). كما قال أيضاً.
«بل فى كل شئ نظهر أنفسنا كخدام لله.. بمجد وهوان، بصيت ردئ وصيت حسن، كمضلين ونحن صادقون، كمجهولين ونحن معروفون، كمائتين وها نحن نحيا» (2كو 6: 8).
، 9).
[3] - لا ينكر مار اسحق أعمال التوبة الأخرى، بل يقصد أن اتضاع الفكر يجعل الله يرفع عنا الحروب والقتالات، التى كثيرا ما تكون نتيجة تخلى النعمة الالهية عنا بسبب كبريائنا.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.