هذا الفصل هو جزء من كتاب: بستان الروح جزء أول – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
التناول
«من يأكل جسدى ويشرب دمى،.
يثبت فى وأنا فيه» (يوحنا 6: 56).
يا لشرف وفاعلية هذا السر!
كيف نستفيد من هذا السر المقدس؟
ماهية التناول؟
معلومات عامة عن التناول.
صلوات قبل وبعد التناول.
يا لشرف وفاعلية هذا السّر!
كثيرة هى احسانات القدير ووافرة هى نعمته، وقوية هى قدرته، وعميقة هى محبته... حقاً لقد أجاد القديس غريغوريوس الثيولوغوس التعبير حينما قال فى قداسه الالهى «قدوس قدوس قدوس أنت أيها الرب وقدوس فى كل شئ... غير موصوفة هى قوة حكمتك، وليس شئ من النطق يستطيع أن يحد لجة محبتك للبشر... ».. يقول القديس يوحنا ذهبى الفم «كم منكم يقول الآن ليتنى كنت أرى هيئة الرب وشكله وملابسه. فها أنت تنظره وتلمسه وتأكله هو عينه، ثم تشتهى أن ترى ملابسه، مع أنه يعطيك ذاته، لا لتراه فقط بل لتلمسه أيضاً ولتأكله ولتأخذه فى داخلك.. فتأمل الكرامة التى كرمت بها، والمائدة التى تتمتع بها!! ان الذى تنظر اليه الملائكة وترتعد ولا تجسر أن تحدث به بلا خوف من أجل البهاء الساطع منه، هذا نفسه نحن نغتذى به، وبه نتحد... ».
إن كانت أعمال الله مملوءة عظمة وبهاء، لكن سر الافخارستيا (التناول المقدس) هو أبهاها جميعا. وان كان الله منحنا أسلحة روحية نحارب بها ونغلب، تلك التى تحدث عنها الرسول فى (أف 6: 11 - 16)، لكن هذا السر يعتبر ولا شك، أكثر تلك الاسلحة الروحية قوة ومضاء. ولا عجب فى ذلك فانه امتداد لذبيحة الصليب الكفارية التى بها قدم ابن الله الوحيد ذاته فداء عن العالم كله، وسحق الشيطان وكسر شوكة الموت وغلب الهاوية.. قال القديس مقاريوس الكبير «بهذا السر (التناول) تحفظون الاعداء ومن يتهاون بهذا السر فان قوات الظلمة تقوى عليه»...
بالتناول نتقوى للانتصار على أسباب الخطية واخصها الشهوة الداخلية وهجمات الشياطين، ومغريات العالم وعثرات، ولهذا دعته الكنيسة «خبز الاقوياء». ولا عجب فى ذلك فنحن نتناول ذلك الذى قيل عنه.
«أن قوة كانت تخرج منه وتشفى الجميع» (لو 6: 19)).
يقول القديس يوحنا ذهبى الفم «فلنقترب منه بايمان نحن المرضى. فان الذين كانوا يلمسون طرف ثوبه كانوا ينالون موهبة هكذا عظيمة، فكم بالأحرى ينال منه الذين يحصلون عليه كله ويتناولونه» (ميمر 50 فى انجيل متى). ويقول أيضاً «لنعد من هذه المائدة كأسود تضطرم فينا نار المحبة وترتعب منا الشياطين» (ميمر 64 فى يوحنا). ويقول القديس أمبروسيوس «اتخذ الرب يسوع ضيفاً لروحك، لأنه حيث المسيح فهناك جسده. فاذا رأى العدو هذا الضيف يغلق فى وجهه أبواب تجاربه، حينئذ يفر هارباً وتقضى ليلك ناعم البال» (عظة 8 على المزمور 118: 48).
أن أسلحة محاربتنا الروحية تستمد قوتها من النعمة الالهية التى لنا بدم المسيح، لكن هذا السر هو دم المسيح نفسه وجسده! وحينما نستخدم الاسلحة الروحية الاخرى نحارب أعداءنا بقوة المسيح، لكن فى هذا السر يقهر المسيح بنفسه أعداءنا بنا، لأنه سبق وقال.
«من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فى وأنا فيه» (يو 6: 56)).
وقال معلمنا بولس الرسول.
«فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى» (غل 2: 20)).
ولذا فحينما نقهر مقاومينا ونغلب أعداءنا، فإن دم المسيح هو الذى يغلب كما هو مكتوب فى سفر الرؤيا « وهم غلبوه (ابليس) بدم الخروف (المسيح) » (رؤ 13: 11)، أو كما قال داود النبى متنبئاً فى مزموره الخالد الذى مطلعه: الرب راعى فلا يعوزنى شئ.
«هيأت قدامى مائدة تجاه مضايقى» (مز 23: 5)).
أن هذه هى المائدة المقدسة التى رتبها الرب لنتقوى بها ضد أعدائنا الروحيين.
أن التناول من جسد الرب ودمه هو قوت للحياة وغذاء للروح. وهو الطعام الذى أعده الرب لخائفيه، كما قال الآباء القديسون فى تفسيرهم (مز 11: 4، 5) «صنع ذكر لعجائبه. حنان ورحيم هو الرب. أعطى خائفيه طعاماً. يذكر الى الابد عهده». ومن ثم فقد هتف الديس أوغسطينوس قائلاً «يا لس الاحسان. يا سمة الوحدة. يا وثاق المحبة. فمن أراد أن يحيا بك ويفوز بالحياة، فليقترب ويتناول هذا الجسد فيحيا» (مقالة 26 فى يوحنا). وكما أن المن قات بنى اسرائيل المسافرين فى البرية حتى دخلوا أرض الموعد (أورشليم الارضية)، هكذا الافخارستيا فأنه تقيت أنفسنا وتحفظها فى هذه الحياة الى أن تصل أورشليم السمائية.
أن وعود السيد المسيح التى تركها لنا وهو يؤسس هذا السر ويسلمه لتلاميذه الإطهار، تدعو الى وقفات طويلة، والى مزيد من التأمل:
«من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فى وأنا فيه»... الثبات فى المسيح: كيف يحدث، وما هو كنهه؟ نحن لا نعرف، ولا احد يعرف..!! كل ما نعرفه هو شئ عن بركات هذا الثبات وفاعليته. قال السيد له المجد.
«الذى يثبت فى وأنا فيه هذا يأتى بثمر كثير.. وأن كان أحد لا يثبت فى يطرح خارجا كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه فى النار فيحترق. أن ثبتم فى.. تطلبون ما تريدون فيكون لكم» (يو 15: 5 - 7)).
هكذا بالتناول يثبت المؤمن فى المسيح، والمسيح يثبت فيه، ويستطيع أن يردد مع بولس الرسول.
«حياتكم مستترة مع المسيح فى الله» (كو 2: 3)).
فما أعظم جودك يا الهنا وحبيبنا الذى أعددته لنا فى هذا السر!!
حينما حللت بمجدك على جبل سيناء قديماً، كان الجبل مضطرماً بالنار يدخن، وكان الامر هكذا «ان مست الجبل بهية ترجم أو ترمى بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفا حتى قال موسى وأنا مرتعب ومرتعد» (خر 19، عب 12: 18 - 21). فى العهد القديم كانوا لا يجسرون على أن يمسوا الجبل الذى حللت بمجدك عليه، وفى العهد الجديد يحملك الكاهن على يديه، كما حملتك العفيفة مريم على ذراعيها، بل نحن جميعاً نأكلك لنثبت فيك نحيا بك... مكتوب عنك انك.
«نار آكلة» (عب 12: 29).
، فكيف استحالت هذه النار التى تأكل الاشرار، الى نار تطهرنا من خطايانا، وتحرق كل زرع ابليس داخلنا، وتضرم قلوبنا حبا لك وشوقاً اليك؟!
وتتجاوز بركات هذا السر المقدس حياتنا الحاضرة الى حياتنا العتيدة. قال رب المجد.
«ان أكل أحد من هذا الخبز يحيا الى الأبد، والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم... من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الاخير» (يو 6: 15).
، 54). قال القديس ايريناوس «كيف يقولون أن ذلك الجسد الذى اغتذى من الرب ودمه، انما يصير الى الفساد ولا ينال الحياة؟! اذن فليعدلوا عن زعمهم أو فليكفوا عن الذبيحة» (ك 4 و18 ضد الغنوسيين). وقال القديس كيرلس الكبير (عمود الدين) «أعطانا جسده الحقيقى ودمه لكى تتلاشى بهما قوة الفساد، ويسكن فى أنفسنا بالروح القدس، ونصير شركاء بالقداسة، وأناسا روحيين أعلى من السماويين» (على متى 26: 26). وقال أيضاً « ولو كان الموت الذى أستولى علينا بسبب المخالفة قد أخضع الجسد البشرى لضرورة الفساد، فمع ذلك بما أن المسيح هو فينا بجسده، فاننا سنقوم بالتمام لأنه غير معقول وغير ممكن أن الحياة لا تحيى الذين هى فيهم» (فى يوحنا 6: 55).
انك بتناولك من السر الاقداس تقبل المسيح فى قلبك وفى داخلك. وما دخل المسيح مكانا الا باركه وقدسه وطهره: دخل احشاء مريم فجعلها ملكة السمائيين والارضيين. دخل بيت زكريا فامتلأ يوحنا من الروح وهو بعد فى بطن اليصابات. دخل مزود بيت لحم فصيره هيكلاً وفردوساً للملائكة والبشر. دخل مصر فأهبط أصنامها. دخل الاردن فقدس مياهه. دخل بيت تلميذه بطرس فأبرا حماته، وبيت يايروس فأقام ابنته من الموت. ولج بيت زكا فبرره، بيت مريم ومرثا فصارتا قديستين...
واذا كان الناس قد تمكنوا من حفظ الفواكه والخضر الى فترات طويلة بغير فساد، أفلا يحفظ جسد الرب ودمه الاقدسين حياتنا من فساد الخطية؟!!
كيف نستفيد من هذا السِرّ؟.
عرضنا لطرف من البركات التى نستأهل لها بتناولنا هذا السر. لكننا نسائل أنفسنا، لماذا لا نشعر بتلك البركات القدسية حينما نتقدم الى المائدة الربانية؟
والجواب على ذلك، لأننا لا نستعد الاستعداد الواجب اللائق بهذا السر العظيم، ولا نصرف الوقت أو نبذل الجهد فى هذا الاستعداد..
فلقد تعب نوح مدة مائة عام فى بناء الفلك الذى خلص به مع نفر قليل، وسليمان صرف سبع سنين بنى فيها هيكلاً للرب وأقام عيدا لتدشينه أستمر ثمانية أيام. وقرب الف ذبيحة سلامة.. ونحن لا نكاد نصرف نصف ساعة فى الاستعداد لنوال هذه النعمة العظيمة!!
وها نحن نعرض هنا لبعض الممارسات الروحية التى تعيننا بنعمة الرب على التمتع ببركات التناول المقدس. ويحسن أن نبدأ بهذه الممارسات منذ غروب اليوم السابق للتناول حتى ما نهيئ ذواتنا جيدا. وهذه الممارسات الى جانب حساب النفس والاعتراف التى تحدثنا عنها قبلاً.
أولاً: حرّك عواطفك واعدد ذاتك
أنت الآن فى غروب اليوم السابق للتناول. اجلس مع نفسك جلسة هادئة، لكى تحرك فى قلبك العواطف والاشواق المقدسة نحو حبيبك يسوع المسيح ربنا، الذى يقدم لك ذاته فى هذا السر المقدس. وأعلم أنك كلما أعددت ذاتك جيداً، كلما شعرت بتعزيات الله وبركاته تملأ حياتك عقب تناولك.
لقد سأل التلاميذ السيد المسيح «أين تريد أن نمضى ونعد لتأكل الفصح؟ » فأرشد الرب أثنين منهم الى.
«علية كلية مفروشة معدة» (مر 14: 15)).
فالسيد المسيح هو الذى اختار اذن المكان الذى أكل فيه الفصح مع تلاميذه، وأسس فيه سر الافخارستيا المجيد. لقد اختار «عليه، مفروشة، معدة» أن ذلك المكان الذى اختاره بما فيه من صفات له دلالات لا ينبغى أن تفوتنا..
لقد أسس الرب هذا السر فى علية (غرفة علوية)، أى فى مكان مرتفع فى أعلى المنزل. ألا يشير ذلك الى الرفعة؟!... فى حادث التجلى، حينما أراد المسيح أن يظهر مجد لاهوته الثلاثة من تلاميذه أخذهم الى جبل عال (مر 9: 2). وهكذا من يريد أن يلمس مجد الرب. عليه أن يرتفع بالتأمل. ثم كانت تلك العلية «مفروشة معدة»... ان الرب يريد ان تكون قلوبنا أيضاص مزينة بالفضائل معدة لاقتباله. انه لا يكفى أن نرفع الاقذار من الطريق فى حالة استقبال العظماء بل يجب أن يفرش الطريق ويزين. وهكذا نحن أيضاً لا يكفى أن ننظف قلوبنا من الادناس والخطايا، بل علينا أن نزينها أيضاً بمشاعر الحب والانسحاق.
أجلس مع نفسك وتأمل كيف أن مخلصنا يريد – باشتراكك فى هذا السر – أن تهيئ له مكانا فى قلبك حتى ما يصبح متحدا معك، ويساعدك فى أن تطرد عنك كل شهواتك، وتتغلب على كل أعدائك.. ورغبة مخلصنا فى الاتحاد معنا سامية جداً، ولا نستطيع أدراكها. أن الذى دفع مخلصنا الى ذلك هو حبه لنا. لكن لماذا أحبنا؟ نحن لا نعرف. كل ما نعلمه أنه أحبنا بلا سبب. وعبر عن ذلك بقوله.
« ولذاتى مع بنى آدم» (أم 8: 31)).
ان الله بترتيبه هذا السر المقدس يتنازل عن مجده، ويحول ذاته الى مأكل حتى ما تشبع نفوسنا ذلك الشبع الذى قال فيه.
«طوبى للجيال والعطاش الى البر لأنهم يشبعون» (مت 5: 6).
، وحتى ما ينقذ نفوسنا ويتحد معنا اتحاداً مذهلاً. فاذا كان الامر هكذا، فكم يجب علينا أن نجتهد فى اعداد نفوسنا لاقتباله؟!
فاذا كان موسى صنع تابوتا من خشب لا يعتريه فساد وغشاه بالذهب الخالص ليضع فيه لوحى الشريعة، فكم بالأولى يقتضى أن تكون النفس التى يدخلها رب الشريعة خالية من فساد الخطية، ومزينة بذهب الفضائل الالهية! واذا كان يوسف الرامى قد وضع جسد المخلص فى قبر جديد لم يدفن فيه أحد اكراماً له، حتى لا يكون الجسد المقدس حيث توجد النتانة ورمم الموتى، فكيف يتجاسر المسيحى ويقتبل الرب يسوع فى قلب قد دفنت فيه الاحقاد ومحبة العالم، وتفوح منه رائحة الشهوات الدنسة!!
اياك أن تتقدم الى هذه المائدة وأنت غير مستعد وليس عليك ثياب العرس (مت 22: 1 - 14). ان السيد المسيح أقام ابنة يايروس من الموت ثم أعطاها لتأكل... وأنت أيضاً أقم نفسك من موت الخطية بالتوبة الصادقة، ثم تقدم لتأكل من هذا الخبز السماوى... ان المن الذى عال به الله شعبه فى البرية، كان رمزا لجسده ودمه الأقدسين. وهكذا نحن فى برية هذا العالم، علينا أن نقتات بالمن الروحى. لكن المن لم يعط لبنى اسرائيل إلا بعد خروجهم من مصر – أرض العبودية – وعبورهم البحر الاحمر. هكذا لا يستحق أن يقتبل هذا الطعام الروحى الا من تحرر من أمر فرعون الروحى أى ابليس، وجاز بحر التوبة...
ثانياً تأمل فى محبة الله الفائقة
حول تفكيرك للتأمل فى محبة الله التى أظهرها لك الرب فى هذا السر. إن الله لم يكتف بخلقك على صورته كشبهه، ولم يكتف بارسال ابنه الوحيد لكى بآلامه الشديدة وموته المحيى ينقذك من عبودية ابليس ويردك الى رتبتك الأولى، لم يكتف بكل هذا، بل أعطاك أيضاً جسده ودمه غذاء لك وشفاء لأسقامك الروحية...
فكر مليا متى بدأ الله يحبك؟ هل فى نفس الوقت الذى بدأت أنت تحبه، أو قبل ذلك حينما كنت بعد طفلا وكان ملاكك كل حين ينظر وجه الآب الذى فى السموات؟ لقد أحبك الله قبل ذلك، قبل مجيئك الى هذا العالم، بل قبل أنشائه، منذ الازل!! فكما أن المرأة الحبلى تعد لجنينها المنتظر ولادته، الأقمطة والملابس والسرير الذى سيرقد فيه وما الى ذلك من اللوازم، ولو أنه لم يكن قد أتى بعد الى العالم، هكذا حينما حبلت بلك محبة يسوع المسيح ربنا، وقبل أن تلدك للخلاص، وتصيرك ابنا لله، بل منذ الأزل، كانت تعد لك كل ما تحتاج اليه من نعم ووسائط روحية «محبة أبدية أحببتك من أجل ذلك أدمت لك الرحمة» (أر 31: 3).
ان محبة السيد الرب لم تكتف بالخلاص الذى قدمه لنا والفداء الذى فدانا به، بل أعطانا وعدا وعهدا أبديا أن يكون معنا كل الايام حتى أنقضاء الدهر (مت 28: 20)، ووجوده معنا ليس فقط من ناحية عنايته، بل فى هذا السر أيضاً الذى فيه يكون بجسده وسط شعبه. نعم ما أبهى الاسم الذى سر الله أن يسمى به «عمانوئيل» الذى تفسيره الله معنا.
فى خلق العالم ظهرت قدرة الله العظيمة، وفى هذا السر تجلت محبته الفائقة الجليلة. لقد أولم احشويرش ملك فارس وليمة عظيمة دعا اليها وجهاء مملكته، استمرت ستة شهور متوالية (أش 1)، ولا شك أنها كانت حديث العالم وقتذاك.. ولكن هل تقاس وليمة أحشويرش بوليمة السيد المسيح القدسية التى دامت قرابة الفى عام وستبقى الى نهاية العالم؟! علماً أن أحشويرش قدم لمدعويه مأكولات أرضية، أما يسوع المسيح فقد قدم ذاته... لم يسمع فى التاريخ أن أحدا أطعم أولاده نفسه. بل على العكس سمعنا عن أمهات ذبحن أطفالهن فى مجاعات وأكلنهن!!
أن محبة السيد المسيح تتضح بجلاء اذا تأملنا الظروف التى أسس فيها هذا السر. لقد أسسه فى الوقت الذى كان الناس يتكتلون ضده، ويحيكون المؤامرات للتخلص منه بموته ميتة شنيعة. ففى الوقت الذى كان الناس يهيئون فيه وسائل موته، كان هو منشغلاً باظهار آيت حبه باعطائهم قوت الحياة!
فى الوقت الذى كان النجار يصنع صليبه، والحداد يعد المسامير التى ستخترق جسده المقدس، والحاقدون يجمعون أقسى انواع الشوك ليغرس فى جبينه الطاهر.. فى ذلك الوقت عينه كان يسوع يعد البشر بقوت الحياة الذى هو جسده!! قال القديس يوحنا ذهبى الفم «أى راع يغذى خرافه بأعضائه؟! ومالى أذكر الراعى، ونحن رأينا أمهات كثيرات دفعن أولادهن بعد أوجاع الولادة الى مرضعات تربيهن. وهو لم يطق أن يفعل معنا هكذا، بل شاء هو نفسه أن يغذينا بدمه، ويجعلنا مرتبطين ومتحدين بذاته بكل الوسائط».
ثالثاً وفى أتضاعه العجيب
اذا كنت قد تأملت فى محبة الله وأنت تعد ذاتك للتقدم للسر المقدس، فهلا حولت تفكيرك أيضاً للتأمل فى اتضاع مخلصك الذى يذهل العقول؟! انه لم يكتف بأظهار حبه لنا لكنه أظهره فى اتضاع.. بل أن عمق حبه ليظهر واضحاً فى فرط اتضاعه!! قال القديس أيرونيموس (جيروم) حينما أتوا اليه بالسرائر المقدسة ساعة نياحته «ما هذا الاتضاع يا سيدى، الذى تريد به أن تأتى الى خاطئ، وترضى – لا أن تؤاكله فقط – بل أن تؤكل منه ايضاً»! أن التأمل فى اتضاع السيد الرب يولد فى نفوسنا اتضاعاً، وبذا نستأهل لحوله فى هيكلنا الضعيف. فهو الذى فى أتضاعه أمرنا أن نتشبه به.
«تعلموا منى لانى وديع ومتواضع القلب» (مت 11: 29)).
ان كان العظيم الجبار القادر على كل شئ قد اتضع لأجلى ليرفعنى، أفما ينبغى على أن أتضع لأستأهل حلول الرب فى داخلى؟
ما هذا الاتضاع يا سيدى؟! ان السماء غير طاهرة فى عينيك، وتدعونى أنا الأثيم الدنس للدنو منك، بل للاتحاد بك بأكل جسدك! من كان يصدق هذا الكلام لو لم تكن أنت الذى نطقت به يا إلهى؟! أن اليصابات، حينما زارتها أمك الطاهرة قالت فى اتضاع.
«من أين لى هذا أن تأتى أم ربى الى» (لو 1: 43).
فكيف يكون شعورى حينما أتأمل أنى مزمع أن أقتبل – لا العذراء مريم، بل الهها وخالقها وفاديها؟!! واذا كان قائد المائة الوثنى قد وجد غير مستحق أن يذهب المسيح بيته ليشفى خادمه، وقال له.
«لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفى، ولكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامى» (مت 8: 8).
، فماذا يكون موقفى وشعورى وأنا الذى عرفت الحق، وأستنرت بالنعمة، وذقت الموهبة السماوية، وصرت شريك الروح القدس، وذقت كلمة الله الصالحة، وقوات الدهر الآتى (عب 6: 6)؟!!
رابعاً ممارسات قَبيل التّناول وبعده
الممارسات التى تحدثنا عنها آنفا تقوم بها فى اليوم السابق للتناول، فى الغروب أو المساء. يستحسن أن تنام مبكراً تلك الليلة حتى تنهض مبكراً فى صبيحة اليوم التالى لتستأنف استعدادك للتقدم الى السرائر المقدسة. اذا نهضت أثناء الليل خلال فترة نومك، فاملأ قلبك وفمك ببعض الكلمات ذات الرائحة الذكية التى يشتمها الرب، رائحة سرور ورضى، حتى بذلك تتعطرنفسك لاستقبال الختن السمائى، الذى يسهر وأنت نائم، ويقدم لك نعما ثمينة اذا ما أعددت ذاتك كما يجب.
(أ) صبيحة التناول:
فى الصباح قبل التوجه الى الكنيسة، افحص ذاتك فكريا، وحاول أن تستعرض كل الأوقات التى ابتعدت فيها عن الرب واخطأت اليه، منذ آخر مرة تناولت فيها حتى تلك الساعة. تذكر أنك احتقرت الهك فى كل مرة تعلقت فيها بالخطية... ضع كل خطاياك وشهواتك المخجلة على الهك ومخلصك، فهو الذى يحمل خطايا كل العالم. لكن باعد بين نفسك وبين اليأس والانزعاج، بل املأ قلبك بالرجاء، من أجل النعمة الفائقة التى أنت مزمع أن تنالها. تقدم الى الرب فى اتضاع، وأعدد له مظلة فسيحة فى قلبك حتى ما يدخل اليك ويستظل، ولكن ليس مع موسى وايليا فى هذه المرة كما حدث فى التجلى فوق الجبل، بل معك أنت مظهراً لك مجده، فتهتف من أعماقك «جيد يا رب أن تكون ههنا». حاول أن تقصى عن قلبك كل شهوة، واغلق بابه حتى تمنع أى أحد أو أى شئ من ولوجه سوى الرب وحده... فى طريقك الى بيت الله ذاك اليوم، جاهد أكثر من اى يوم آخر. أن تحفظ عقلك وقلبك فى الرب، وفيما أنت مزمع أن تقتبله بعد وقت قصير. ردد المزامير التى تتلى عادة فى الذهاب الى بيت الرب، وحرك قلبك بالعواطف نحو محبة الله واتضاعه على غرار ما ذكرناه سابقاً.
(ب) أثناء القداس الالهى:
قف فى مكان هادئ فى الكنيسة حتى لا تنشغل بما يقطع عنك سلسلة تأملاتك. وعندما يقترب وقت التناول. فكر فى عمق واتضاع: من هو يسوع المزمع أن ياتى اليك ويحل فيك، من أنت المزمع أن تقبله؟!
انه ابن الله العظيم الذى ترتعد منه السموات وكل القوات، هو قدوس القديسين. فى محبته لك أخلى نفسه آخذا صورة عبد، وهو الاله الحامل كل الاشياء بكلمة قدرته...
ومن أنت؟ أنك لا شئ. أنك عدم – بل صرت دون العدم بفسادك وشرك، أسوأ من كافة المخلوقات، وصرت أضحوكة الشياطين. لقد أحتقرت الهك وجابلك العظيم، وعوضاً عن أن تشكره على احساناته، دست بقدميك دمه الذى لا يقدر بثمن، المسفوك لأجلك (عب 10: 9). ومع كل ذلك ما زال يدعوك الى عشائه المقدس من أجل محبته الدافقة لك، التى لا تفتر ولا تتغير.. وليس هذا فقط، بل أن محبته تصل الى حد أنه يرغمك على الاقتراب منها، بتوعدات مخيفة.
«ان لم تأكلوا جسد ابن الانسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم» (يو 6: 53)).
. وكما انه لم يغلق دونك باب رحمته، فهو أيضاً لا يحول وجهه عنك حتى لو كنت فى خطيتك مستعبداً لكل الشهوات والرذائل.
(ﺠ) اللحظة الرهيبة:
وبعد أن تكون قد حصنت ذاتك برحمته، واستدفأت بمحبته، تقدم الى التناول المقدس فى رهبة وخشوع مردداً:
«يا ربى أنى غير مستحق أن أقبلك. لأنى أغضبتك مرارا كثيرة بخطاياى، ولم أنح بعد على أفعالى الاثيمة جميعها. انى غير مستحق يا الهى أن أقبلك فى داخلى لأنى لم أطهر بعد ذاتى مما لا يرضيك. لقد قبلت مريم أمك لأنها كانت «ممتلئة نعمة»، أما أنا فمملوء اثماً ومشحون رياءا. أنى غير مستحق يا ملكى أن أقبلك داخلى لأنى لم أسلم ذاتى تماما وبأخلاص لمحبتك يا الهى الكلى القوة والصلاح، اجعلنى – برحمتك ومحبتك – أهلاً لاقتبالك فقد أتيت اليك بإيمان».
وفى لحظة التناول حينما تفتح فاك للتناول من الجسد الطاهر، قل للأب الكاهن الممسك الجسد بيمينه «أخطأت حاللنى يا أبى» ثم أقبل بكمال الايمان والرجاء والمحبة، ذاك الذى به ومنه ومن أجله تؤمن وترجو وتحب... ضع لفافة التناول على فمك فى شوق وحرص، وكأنك تريد أن تخبئ كنزا عظيماً حتى لا يبصره أحد. نعم أن هذا هو الكنز المخفى فى الحقل، والؤلؤة الواحدة الكثيرة الثمن التى وجدها التاجر (مت 13)... أو كأنك تريد أن تخبئ النعمة العظيمة فى قلبك حتى لا تخطئ الى الرب. متشبهاً بداود العظيم حينما قال «خبات كلامك فى قلبى لكى لا آخطئ اليك».
(د) عقب التناول:
+ فى الكنيسة: بعد أن تكون قد تناولت من الجسد والدم الاقدسين وصرفت المناولة بالماء كما هو متبع فى كنيستنا، انتج مكانا هادئاً فى خورس المتناولين، وأغلق على نفسك فى أعماق قلبك الخفية، ناسياً كل ما هو موجود وصل الى الله قائلاً:
«ايها الملك الكلى القدرة فى السماء وعلى الارض.. ما الذى جعلك تدخل قلبى غير المستحق، فى حين انى بائس وفقير وأعمى وعريان؟! لا شئ يا سيدى، سوى حبك الذى لا يعبر عنه. أيها الحب غير المخلوق، وغير المدرك، وماذا تريد منى أنا المسكين؟! لا شئ كما أعرف سوى حبى لك. لا شئ سوى ألا تشتعل نار أخرى على مذبح قلبى سوى نار حبى لك، تلك التى تبيد كل حب غريب وكل رغبة غير مقدسة. أستمع يا رب الآن تعهدات قلبى. انظر الى، وأربط رغبتى برغبتك، وارادتى بارادتك. وكما أعطيتنى ذاتك بالتمام ها أنا ذاتى كلها لك حتى أكون بالتمام فيك.. من ذاتى ليس لى قوة كافية لأتمم هذا الأمر ولكنى واثق انى سأوفق لأنك منذ الآن معى».
وحتى بعد أن يعطى الكاهن التسريح للشعب لينصرفوا، لا تسرع أنت بالانصراف من الكنيسة، لئلا يلقاك اخوانك وأصدقاؤك وتتحدثوا سوياً فيما ينفع ولا ينفع، وربما انقلب الامر الى مزاح. بل انتظر بعض الوقت فى الكنيسة حتى تضمن انصراف المصلين، فضلاً عن استغلال مثل هذه الفرصة للصلاة والطلبة. حاول فى يوم تناولك أن تستفيد من النعمة التى نلتها وتخزن روحياً مما ينفعك فى أوقات جدبك الروحى التى قد تأتى عليك. ولذا ننصح بالحرص على التناول فى الايام التى نضمن فيها هدوءا بقدر الامكان، حتى يمكننا تنفيذ التدريبات الروحية التى نتحدث عنها، للاستفادة بقدر الامكان من فاعلية هذا السر المقدس. وعلى سبيل المثال لا ننصح بالتناول فى القداس الاول يوم الاحد بالنسبة لمن طبيعة أعمالهم التى سيمارسونها عقب التناول لا توفر لهم الهدوء المطلوب، ألا اذا دعت ضرورة الى ذلك.. وهذه هى ناحية من حكمة الكنيسة لأولادها حينما تامرهم ببعض الممارسات الجسدية مثل عدم البصق أو أخراج شئ من الفم فى يوم التناول، حتى يظل المتناولون – الى أطول وقت ممكن – متذكرين هذه النعمة التى اقتبلوها، فيحاولون أن يحافظوا على حياتهم، ويرفعوا مشاعرهم الى السماويات.
فى المنزل:
أقصد إلى منزلك مباشرة – وأن كان ممكنا فلا تشغل نفسك فى أى عمل جسدانى أو عالمى فى الفترة التى تعقب تناولك – ولا يدخل فى هذا بطبيعة الحال الخدمة الروحية واستذكار الدروس بالنسبة للطلبة... حاول أيضاً فى المنزل أن تنفرد بقدر أمكانك. لا تسرع الى تناول وجبة طعام، بل ادخل من توك معبأ بمشاعر مقدسة وأرفع صلاة الى الله أن يحفظ حياتك ويجعل تناولك فى ذلك اليوم خاتمة لحياة الانحلال والتهاون والفتور... الى آخر أمثال هذه الطلبات. سيكون لك فى المنزل فرصة أنسب مما كان لك فى الكنيسة عقب التناول، تستطيع أن تحدث الرب فيها بأكثر حرية عن مشاعرك نحوه وطلباتك اليه.
حاول أن تمضى يومك هذا فى هدوء. واعلم أن الشيطان يترصد خطواتك ويتربس بك وينصب لك شباكه ليوقعك فى خطية أو يلحق بك ضعفاً. فكن حذرا حتى من المضايقات البسيطة التى قد تقابلك. أن الشيطان فى ذلك يكون كالثعبان الذى يرتصد خروج البيضة من الدجاجة حتى ينقض عليها ليخطفها، وهو يتربص لك، وقد نلت نعمة عظيمة وتسلحت بسلام بنار قوى. جاهد أيضاً أن تزيد إيمانك بالسر المقدس الذى أقتبلته ليجعلك أكثر قداسة وبرا وبركة، فطوبى للذين آمنوا ولم يروا (يو 20: 29). يصف القديس باسيليوس الكبير، بأكثر أيضاح، الواجب الموضوع على التناول من السر المقدس، مستنداً الى كلمات بولس الرسول.
«فأنكم كلما أكلتم هذا الخبز، وشربتم هذه الكأس، تخبرون بموت الرب الى أن يجئ» (1كو 11: 26).
، فيقول أن هذا الموت احتمله ابن الله من أجل كل البشر. وهكذا أيضاً من أجل كل المتناولين.
«كى يعيش الاحياء فيما بعد، لا لأنفسهم، بل للذى مات لأجلهم وقام» (2كو 5: 15)).
ولذا فأن كل الذين يتقدمون الى التناول المقدس بإيمان يجب أن يكونوا مستعدين أمناء لوصايا الله وارادته، وان يضعوا أنفسهم من أجلها، وألا يعيشوا فيما بعد لأنفسهم – للعالم أو للخطية، لكن لله الذى أقتبلوه فى داخلهم بالتناول المقدس، ذاك الذى مات لأجلهم وقام، وأياك أن تشابه سكان أورشليم الذين قبلوا المسيح بالفرح والتهليل قائلين فى يوم أحد الشعانين «أوصنا.. مبارك الآتى باسم الرب»، وبعد قليل طردوه من المدينة. فى الصباح فرشوا ثيابهم أمامه، وفى المساء تشاوروا على نزع ثيابه عنه... بل كن أميناً فى محبتك ووفائك له، وأطلب اليه أن يثبتك فى طرق النعمة، ويحفظ عليك هذا الثوب الذى لبسته طاهراً نقياً..
ماهية التناول
والآن بعد ما عرضنا له من بركات التناول وفاعليته، نتساءل ما هى ماهية التناول أو ما هو غاية التناول اذن؟
(أ) هو عهد:
التناول هو عهد مقدس بين الله وشعبه به يكون لهم الهاً، ويكونون له بنين.
«هذه الكأس هى العهد الجديد بدمى الذى يسفك عنكم» (لو 22: 20).
وتكلم معلمنا بولس الرسول عن هذا العهد قائلاً.
«هوذا أيام تأتى يقول الرب حين أكمل مع بيت اسرائيل ومع بيت يهوذا عهدا جديدا، لا كالعهد الذى عملته مع آبائهم يوم أمسكت بيدهم لاخرجهم من أرض مصر، لأنهم لم يثبتوا فى عهدى، وأنا أهملتهم يقول الرب. لأن هذا هو العهد الذى أعهده مع بيت اسرائيل. بعد تلك الايام يقول الرب اجعل نواميسى فى أذهانهم وأكتبها على قلوبهم، وأنا أكون لهم الها وهم يكونون لى شعباً... لأنى أكون صفوحاً عن آثامهم ولا أذكر خطاياهم وتعدياتهم فى ما بعد» (عب 8: 8 - 12)).
وهذا العهد بين طرفينن وله امتيازات كما أن له واجبات ومسئوليات، وهذه وتلك واضحة من كلمات الرسل التى ذكرناها. أما العهد الاول الذى وضعه الله بينه وبين بنى أسرائيل عند أخراجهم من أرض مصر فكان هو «خروف الفصح» الذى كان رمزا للعهد الجديد الذى كان مزمعا أن يؤسسه بذبيحة الصليب، وكما نعلم أن التناول المقدس هو امتداد لذبيحة الصليب المقدسة...
(ب) وعضوية فى الكنيسة:
هو عضويتنا فى الكنيسة المقدسة أو بعبارة أخرى اننا جميعا أعضاء فى جسد المسيح الذى هو الكنيسة (أف 1: 23). قال القديس بولس الرسول.
«كأس البركة التى نباركها أليست هى شركة دم المسيح. الخبز الذى نكسره أليس هو شركة جسد المسيح. فاننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعاً نشترك فى الخبز الواحد» (1كو 10: 16).
، 17). ولذا يتناول المؤمنون ليكونوا فى عهد مع بعضهم البعض متحدين كأعضاء فى جسد واحد.
« وان كان عضو واحد يتألم فجميع الاعضاء تتألم معه. وان كان عضو واحد يكرم فجميع الاعضاء تفرح معه» (1كو 12: 26)).
ولذا تصلى الكنيسة فى القداس الباسيلى هكذا «أجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نتناول من قداساتك طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا لكى نكون جسدا واحدا وروحا واحدا... ».
(ﺠ) نعمة روحية.. للتقوى:
هو نعمة روحية عظيمة تهبنا نعمة الحياة، والثبات والنمو فيها بطريقة تفوق جميع الوسائل الروحة الأخرى. وقد تحدثنا عن ذلك قبلا... والكنيسة تعبر عن ذلك فتصلى فى بدء صلوات تقديس الخبز والخمر قائلة: « ووضح لنا هذا السر العظيم الذى للتقوى.. » نعم انه سر للتقوى وتصلى فى صلاة الخضوع التى تصلى سرا فى القداس الباسيلى بعد القسمة «نسأل ونطلب من صلاحك يا محب البشر لكى اذا طهرتنا كلنا تؤلفنا بك من جهة تناولنا من أسرارك الإلهية لكى نكون مملوئين من روحك القدوس، وثابتين فى ايمانك المستقيم، وممتلئين من شوق محبتك الحقيقية، وننطق بمجدك كل حين.. ».
معلومات عامة عن التناول
المواظبة على التناول
ان كان التناول من السر المقدس له من الشرف والبركة والفاعلية الحظ الأوفر والاسمى والاعظم بين سائر الوسائط الروحية الأخرى، فكم يجب علينا أن نسارع بهمة واشتياق واستعداد للتناول منه «طهارة لأنفسنا وأجسادناوأرواحنا»! وكم يب علينا أن نواظب على التزود دائماً من السر الأقدس!
انه لا يوجد ما يمنعك يا أخانا العزيز والمائدة قريبة منك، أن تتناول منها مجاناً، والاستعداد لها فى متناول يدك... لكن يوجد كثيرون يحجمون عن التناول أما تهيباً من السر العظيم وأما تهاوناً فى أمر خلاصهم، وسنتحدث عن ذلك.
يجب على كل المؤمنين أن يواظبوا على التناول من السر المقدس. انه لا يتطلب سوى الاستعداد الروحى، وهذا ما يجب أن نكون عليه دائماً. هكذا كان يفعل المسيحيون فى العصور المتقدمة. فكانوا يتقدمون للتناول من جسد الرب ودمه فى قداس الاحد من كل أسبوع. كان جميع المؤمنين بالكنيسة يتناولون كما نستدل على ذلك من كتب الكنيسة. ويحدثنا كاتب سفر أعمال الرسل من المؤمنين فى الكنيسة الاولى فيقول:
« وكانوا يواظبون على تعاليم الرسل، والشركة، وكسر الخبز والصلوات» (أع 2: 42)).
فبمداومتنا على الشركة المقدسة نشعر على الدوام بارتباطنا مع الله بالعهد المقدس للعيشة المرضية. ونحن نلمس هذه الحقيقة ظاهرة فيما لدينا من قوانين الرسل وآباء الكنيسة.. وقد ذكر يوستينوس الشهيد فى دفاعه أن الجسد المقدس كان يحمله خدام الكنيسة لمن عاقتهم ظروف قاسية عن مشاركة المؤمنين الحضور الى الكنيسة.
علينا اذن أن نتقدم للتناول بمواظبة أسبوعياً وفى القليل مرة كل أسبوعين، والاقل مرة كل شهر...
ورب محجم عن التناول يعترض قائلاً أن كثرة التناول تؤدى الى امتهان كرامة السر، وتكرار التناول يضعف تأثيره الخشوعى فى التنفس. وردا على هذين الاعتراضين نقول: التناول بما يسبقه من استعداد روحى، وما له من فاعلية سرية روحية، يوقظ الاحساس الروحى فى الانسان ويزيده خشوعا. ولو كانت هذه النظرية صحيحة لوجب علينا الامتناع بعض الوقت عن الصلاة الفردية حتى لا نفقد مشاعر الخشوع. لكن العكس هو الصحيح، فالصلاة كلما كثرت واتصلت، التهبت قلوبنا أكثر بالحب المقدس نحو الله. ولذا يأمرنا الكتاب أن نصلى «كل حين» و.
«بلا انقطاع» (لو 18: 1).
، 1تس 5: 17).
التناول فى المناسبات
وثمة بعض المسيحيين لا يتناولون الا فى مناسبات معنية، حددوها هم لأنفسهم، كيوم خميس العهد أو قداس سبت الفرح مثلاً. ونحن لا نعترض على التناول فى هاتين المناسبتين أو غيرهما، لكننا نعترض على قصر التناول عليهما فى الوقت الذى يجب أن نواظب على التناول فى فترات متقاربة حتى نظل فى العهد المقدس مع الرب.
وثمة فريق آخر من المسيحيين يتناولون فى مناسبات خاصة بهم. كالطلبة والطالبات الذين يتقدمون للتناول قبيل الامتحانات لكى يأخذ الرب بناصرهم، وكبعض الاشخاص الذين يحرصون على التناول فى يوم ذكرى ميلادهم مثلاً. ونحن لا نمانع فى الالتجاء الى الله فى وقت الشدة والضيق، والرب قد قال «ادعى وقت الضيق أنقذك فتمجدنى»، وأيضاً لا نمانع فى أن يبدأ الانسان عاماً جديداً من حياته الجسدية بناءاً مقدساً.. حسن جداً أن يتذكر الانسان خالقه فى أمثال هذه الظروف. لكن ينبغى أن يكون التناول – فى كل مرة نتقدم فيها – باستحقاق، فيسبقه توبة حقيقية، واعتراف كامل، حتى لا تكون – على الاقل – خطايا الانسان حائلاً بينه وبين رحمة الله فى نفس طلبته المادية..
ثم التقليد الذى درجت عليه الكنيسة والمسيحيون من تقدم الخطيبين لاقتبال هذا السر قبيل اتمام سر الزواج. أن الفكرة الاساسية فى هذا الامر، ان أحدا بطبيعة الحال لا يتناول الا بعد توبة صادقة واعتراف كامل. فاذا ما كان الانسان نقيا معترفاً متزوداً من الاسرار المقدسة فانه لن يحدث ما نراه من مشاكل الزواج الحالية التى تؤول الى القطيعة والانفصال فى بعض الاحيان. ولا خطأ فى تقليد الكنيسة وما درج عليه المسيحيون، انما الخطأ الذى يحدث فى أمثال هذه الحالات، هو أن التناول يتم بطريقة شكلية خالية من الروح. وقد لا يسبقه أعتراف ولا توبة، أو قد يسبقه اعتراف صورى. وغالباً ما يتم هذا التناول وهذا الاعتراف قبيل الزواج بيوم واحد، بحيث لا يمكن أن يساعد على استيفاء الحكمة الروحية التى من أجلها وضعت الكنيسة هذا التقليد. لأنه – بهذا الوضع الخاطئ – اذا اعترف أحد الخطيبين بمشاكل معينة، فبديهى أنه سوف لا يكون هناك مجال ولا وقت لعلاجها. وربما كان أحد الخطيبين يعترف لاول مرة فى حياته، والشخص المبتدئ فى ممارسة سر الاعتراف لا يمكن أن نتوقع منه فى هذه الحالة اعترافا كاملاً صريحاً. ونحن ننصح بأن يمارس الخطيبان سر الاعتراف من أول عقد خطبتهما، ان لم يكونا مواظبين عليه من قبل ذلك فى حياتهما، لان الامور الكنسية ليست مجرد طقوس جافة، وانما هى روح وحياة.
معنى التناول بإستحقاق
كثيرون يحجمون عن التناول من جسد الرب ودمه مع وجود الرغبة لديهم، ويرجع أحجامهم الى تهيبهم من السر وعدم فهمهم لمعنى الاستعداد الواجب للتقرب من الاسرار المقدسة، وتخيفهم وتهزهم كلمات الكاهن فى بدء صلوات الاواشى قبل مجمع القديسين فى القداس الباسيلى «اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نتناول من قدساتك طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا». وأيضاً كلماته قرب نهاية القداس «القدسات للقديسين». ثم كلمات الشماس التى يرددها قبيل التناول مباشرة «صلوا من أجل التناول باستحقاق من هذه الاسرار المقدسة.. ».. فما هو الاستعداد الواجب والتناول باستحقاق اذن؟
هل هو تقدم الانسان بلا خطية، وتطهير حياته من كل شر وشبه شر؟
من الامور الأولية فى الايمان المسيحى أن الجهاد الشخصى لا يكمل الانسان، انما يكون ذلك من عمل النعمة الالهية دون سواها.. وفى ذلك يقول معلمنا بولس.
«لأنه ان كان بالناموس بر فالمسيح اذن مات بلا سبب» (غل 2: 21)).
واحجامنا عن التقدم للتناول حتى نتكمل، معناه أننا نريد أن نكمل أنفسنا بانفسنا، لا أن نأتى الى الله بما فينا من نقائص وضعفات ليكملنا ونحن نعلم أن الابن الضال لم يقبل الى أبيه بعد أن خلع عنه ثيابه الرثة ولبس اللباس اللائق، بل ذهب لأبيه كما هو، وأبوه هو الذى وضع عليه الحلة الأولى، والحذاء فى قدميه، والخاتم فى يده!! هكذا حياتنا لا تتكمل الا باتصالها بالله.
أن الاستعداد الصحيح للتناول هو التوبة الصادقة من القلب عن اخطائنا الماضية كلها، والعزم من القلب على تسليم الحياة لله، والعيشة له فى قداسة وتقوى، والتخلص من كل ضعفات النفس المعطلة لعلاقاتنا به.
والتناول باستحقاق هو التقدم برهبة وخشوع وتقدير لعظمة هذا السر مع الشعور بعدم الاستحقاق للدنو منه. وعلى ذلك فان الانسان المسيحى يتقدم كمريض يلتمس دواء يبرا به من سائر أوجاعه.. وفى ذلك يقول القديس يوحنا ذهبى الفم تعليقاً على العبارة التى يقولها الكاهن «القديسات لقديسين» «ان الكاهن يقول القدسات للقديسين، والشعب يجاوب: حاشا اننا لسنا قديسين بل نحن خطاة وغير مستحقين لهذه التسمية. انما القدوس الوحيد، بل قدوس القديسين هو يسوع الذى تجسد لأجل خلاصنا. ولهذا يصرخ الشعب واحد هو الآب القدوس، واحد هو الابن القدوس، واحد هو الروح القدس آمين».
أما نداء الشماس فهو تحذير لمن يجرؤ على التقدم بغير مبالاة وبدون اكتراث، الأمر الذى أشار اليه معلمنا بولس بقوله.
«لأن الذى يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب» (1كو 11: 29)).
وعن نفس الامر قال أيضاً القديس بولس فى الآية السابقة لهذه.
«لكن ليمتحن الانسان نفسه، وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس» (1كو 11: 28)).
هذا هو بيت القصيد «ليمتحن الانسان نفسه»، ويرى هل هو اعتراف أعترافا أمينا.. وفى ذلك يقول القديس يوحنا ذهبى الفم أيضاً «فلا يتقدم أحد غافلاً ولا متراخيا، بل فلنبادر جميعنا بحماسة وحمية ونهضة.. ويجب أن نكون من كل جهة ساهرين لأن القصاص المعد للمشتركين بدون استحقاق ليس صغيرا. تفطن كم أنت أيضاً تتمرمر من الذى خانه والذين صلبوه. فاحترس اذن من أن تصير أنت أيضاً مجرماً فى جسد المسيح ودمه».
ويحدث أحيانا بعد العزم الكامل والدخول فى العهد مع الله اننا – بسبب الضعف البشرى الذى كان كثيرا ما يلحقنا – نقع فى نفس الخطايا القديمة التى عقدنا العزم على التخلص منها، ولا عن تعمد أو استهانة. لا تخف يا أخانا العزيز، فحتى عند حدوث ذلك لا نيأس بل لننهض متذكرين كلمات الرسول.
«يا أولادى اكتب اليكم هذا لكى لا تخطئوا، وان اخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً» (1يو 2: 1).
، 2).
الطهارة الجسدية اللازم للتناول
كما أن التناول من الجسد والدم الأقدسين يتطلب استعدادا وطهارة روحية، فهو يستلزم أيضاً طهارة جسدية واجبة:
1 - فى حالة الاحتلام والفيض المنوى عند الذكور يمتنع عن التناول فى نفس اليوم لأن ذلك يعتبر فطراً.
2 - فى فترات الطمث والولادة عند الانثى يمتنع عن التناول. فى حالة الولادة يمتنع مدة اربعين يوماً فى حالة المولود الذكر، وثمانين يوما فى حالة المولودة الانثى.
3 - يمتنع الازواج والزوجات عن المعاشرة الجنسية ليلة التناول باعتبارها فطرا.
على أنه فى الحالة الاولى بشقيها – الاحتلام والفيض – اذا تكرر حدوثها فى الليالى المزمع للشخص أن يتقدم فيها للتناول، يمكنه أن يكشف الأمر الى أب أعترافه، لأنه يحدث فى بعض الاحيان أن تكون أمثال هذه الاشياء حربا من عدو الخير ليحرم الانسان من التناول. وأب الاعتراف بعد استجلاء الأمر والوقوف عليه، يمكنه أن يوجههه التوجيه المناسب.
4 - ويجب أيضاً أن يتقدم المتناول بجسد نظيف مغتسل من هذه الامور الجنسية كلها، وبثياب أيضاً غير ملوثة بأى فيض من هذا النوع.
علاقة الكاهِن بالسِرْ
هناك نقطة أخيرة نريد أن نطرقها قبل الفراغ من هذا الموضوع، حتى لا يكون الشيطان بما يزرعه من شكوك فى أذهان بعض المؤمنين، حائلاً دون تمتعهم ببركات هذا السر الاقدس. فبعض الناس ممن يحجمون عن التناول يعللون أحجامهم بأن الكاهن المصلى شرير، أو له نقائص وعيوب ظاهرة. ويستتبع ذلك من وجهة نظرهم – أو هكذا يدعون – شكهم فى صحة هذا السر. ولو وقف الامر عند هذا الحد لهانت المشكلة، ولأمكن أن يقصدوا كاهنا آخر يرتاحون اليه والى تقواه. لكن الأمر يتعدى الكاهن الذى أعثروا فيه الى معظم الكهنة تقريبا، مما يوضح لنا الحقيقة، ويظهر جليا أن الشيطان وراء كل تلك الشكوك، ليحرم أمثال هؤلاء الناس من التمتع ببركات السر المجيد..
والسؤال الآن: هل لقداسة الخادم (الكاهن) علاقة باتمام هذا السر، وهل الاستحالة من خبز وخمر بسيطين الى جسد المسيح ودمه الاقدسين، لا تتم الا اذا صلى كاهن قديس؟
الحق أن خادم الاسرار – أى الكاهن – يجب أن يكون ذا ايمان وتقوى وقداسة تليق بالخدمة وقدسيتها وجلالها. لكن صحة الاسرار عامة لا تتوقف على ايمان الخادم أو صلاحه، وذلك لأن قوة السر والنعمة التى تمنح به لا تتعلق بخادمه، ولا تتوقف على استحقاقه، بل هى متعلقة باستحقاق وارادة مخلصنا يسوع المسيح، واهب النعمة، وهى نتيجة الكلمة الالهية الفعالة «هذا هو جسدى، هذا هو دمى، اصنعوا هذا.. ». فكما انه تعالى قال قديما للنور كن فكان وما يزال، وسوف يظل كائنا الى نهاية العالم، هكذا أسرار الكنيسة السبعة – ومنها التناول – لا تتعلق بتقوى الخدام أو بقوتهم، بل هى نتيجة حلول الروح القدس باستدعائهم اياه.
هكذا الخدام ليسوا سوى آلات منظورة يتمم الرب أسراره بهم، لايصالها الى أبنائه المؤمنين باسمه، بطريقة سرية غير منظورة. والعقل البشرى لا يمكن أن يصدق أن الله يجعل وصول نعمة للبشر أمرا مشروطا بصلاح الخدام. أضف الى هذا أنه لو كان أيمان الخادم وقداسته وصلاحه أمورا ضرورية لصحة مباشرة الأسرار وتوزيعها، لكن ذلك مثار تشويش عظيم فى نفوس قابلى الأسرار، ويزيد الشكوك فى كنيسة المسيح. وهذا بطبيعة الحال معطل لجنى ثمار الاسرار الالهية، خلافا للغاية السامية التى رتبها الرب لأجلها، ولوجد الانساان فى ريب وقلق دائمين بشأن صحة الاسرار التى يكون قد اقتبلها، اذ لا يمكن لاحد أن يتحقق هل خادم السر على جانب من الايمان الحقيقى والقداسة أم لا، اذا ن هذا يعرفه الله وحده فاحص القلوب ومختبر الكلى. وفضلا عن هذا فان الكاهن الخديم قد يكون اليوم تقيا، ويصبح غدا شريرا وبالعكس تبعا لتصرفه فى حرية الارادة الممنوحة له من الله كسائر البشر. ونحن نكتفى هنا بايراد بعض أقوال آباء الكنيسة القديسين فى هذا الصدد.
قال القديس غريغوريوس الثيئولوغوس فى خطاب له عن المعمودية «كل واحد مستحق أن تصدقوا أنه يطهركم ويكفيه لذلك أن يكون واحدا من الذين أخذوا السلطان ليغفروا الخطايا[1]، ولم يصيروا مرفوضين علانية (من الكنيسة) [2]. فانظروا أنتم كيف يجب أن تفتكروا. عندى خاتمان أحدهما من ذهب والآخر من حديد، وعلى كل منهما الصورة الملكية نفسها. فأطبع بكل منهما طبعة على شمع. فبماذا تمتاز طبعة الواحد عن طبعة الآخر؟ أنها لا تمتاز بشئ. فان كنت أنت ممتازا بحذاقة عقلك فاحكم فى طبع المعدن على الشمع، وقل لى أية صورة من هاتين الصورتين هى صورة الخاتم الذهبى، وأية هى صورة الحديدى، ولماذا الصورتان كلتاهما متشابهتان. فقابلوا على ذلك كل واحد من الكهنة الذين يعمدونكم، فالواحد يمكن أن يسمو على الآخر بالسيرة الروحانية، غير أن قوة المعمودية واحدة».
والقديس أوغسطينوس بعد أن أورد شهادة يوحنا المعمدان عن المسيح الواردة فى (يو 1: 33) وهى «هذا هو الذى يعمد بالروح القدس»، قابلها مع ما كتبه يوحنا الانجيلى فى (يو 4: 2) «مع أن يسوع نفسه لم يكن يعمد بل تلاميذه»، قال «أن عمد بطرس فيكون هو (المسيح) المعمد. وأن عمد بولس فيكون هو المعمد. وأن عمد يهوذا فيكون هو المعمد... لأن ما أعطى لواحد لا يختلف باختلاف الخدام، بل أنه متساو. فانه قال «هذا هو ا لذى يعمد». ويؤيد ذلك ما كتبه الرسول.
«ليس الغارس شيئاً ولا الساقى، بل الله الذى ينمى» (1كو 3: 7).
، لأن كل ما فى السر من القوة والفاعلية انما هو للمسيح. وليس للكاهن أى الخادم الا الخادمة، وهو لا يقدر أن يقاوم قوة الله» (فى يوحنا مقالة 6 عدد 7، 8).
وقال أيضاً فى كتابه الثالث ضد كراسكونيوس رأس 8 «لا فرق بين أن يوزع الاسرار خدام أبرار أو خطاة. فمثلها مثل البذار التى تلقى على الأرض بيد الفلاح سواء كانت نظيفة أو قذرة ويأتى بالثمر على السواء. ولو تعلقت فاعلية الأسرار بقداسة الخادم أو عدمها لتعلق خلاصنا بحريتهم».
ونخلص من كل ذلك الى أن الخدام ما هم الا آلات فى يد الرب يتمم بهم المسيح نفسه، بفعل روحه القدوس، تقديس هذا السر كما وباقى الاسرار أيضاً. وعلى ذلك فيجب ألا يساورنا أدنى شك فى صحة وفاعلية هذا السر بصرف النظر عن الخادم الذى يصلى. وعلينا أن نتقدم فى ثقة وايمان شاكرين محبة الله وحنوه ورحمته التى دبرت لنا «هذا السر العظيم الذى للتقوى».
تساؤلات
1 - التناول والصوم:
من الملاحظ أن بعض الآباء الكهنة يرفضون السماح للمفطرين مدة الصوم – أيا كان سبب فطرهم – بالتقدم للتناول من الاسرار المقدسة... ويتساءل هؤلاء الممنوعون من التناول، عن مدى قانونية هذا المنع.
الواقع أن هذا المنع ليس فى محله.. فالكنيسة المقدسة تعفى بعض أبنائها من الصوم. من هؤلاء المرضى والشيوخ والنساء الحواميل والمرضعات... واذا كانت الكنيسة تحل هذه الفئات من الصوم، فكيف تحرمهم من التناول؟ ان التناول أمر منفصل كلية عن الصوم، ولا يجب أن تمنع الكنيسة أحد أبنائها منه الا اذا كان تحت طائلة عقوبة كنيسة أو اذا كان فى حالة روحية لا تؤهله للتقرب من الاسرار المقدسة. ثم أن المؤمن ينال حلا من أب اعترافه عن فطره فى الصوم اذا كان لديه موانع أو ظروف تمنعه عنه. وليس لكاهن آخر ان يمتنع عن مناولة أى مؤمن لمجرد أنه غير صائم الصوم الكنسى العام..
2 - مدة الاحتراس:
كلمة «الاحتراس» مصطلح كنسى يقصد به المدة السابقة للتناول التى يمتنع خلالها المؤمن عن الطعام والشراب حينما يريد التقدم للاسرار المقدسة... ومعروف أن هذه المدة هى تسع ساعات.. فهل تسرى هذه الساعات التسع فى حالة القداسات التى تنتهى بعد الظهر كما فى أيام الصوم الكبير، تسع ساعات؟! قطعاً لا.. فان يومنا يبدأ من منتصف الليل – وعلى ذلك فيجب أن يكون الانسان صائما من منتصف الليل حتى يتناول..
أما الساعات التسع فتلاحظ فى القداسات التى تنتهى باكرا جداً كقداس سبت الفرح أو القداسات التى تقام ليالى الاعياد أو فى مناسبات مشابهة.
● أما عن الاحتراس عقب التناول ونقصد به عدم اخراج شئ من الفم، فيكون فى بقية يوم التناول.
3 - التناول وسلامة المعتقد:
● هل يجوز السماح للمنحرفين عن العقيدة الارثوذكسية بأن يتقدموا للتناول من الاسرار المقدسة فى الكنائس الارثوذكسية؟
بكل تأكيد، لا يجوز.. ويجب أن تكون الكنيسة يقظة وحذرة لهذا الامر.. ان الحق لا يتجزأ، بل هو كامل متكامل.. وهناك قوانين كنسية تحرم من يشترك فى اجتماعات من تعتبرها الكنيسة هراطقة. ان الامر فى غاية الخطورة، وعلى الكنيسة أن تظهر سلطانها لمن يريدون أن يتحللوا منه.
● وثمة سؤال واحد يرتبط بهذه النقطة...
هل يجوز للمؤمنين الارثوذكس – وبينهم المغتربون – أن يتناولوا من الأسرار المقدسة فى كنائس غير أرثوذكسية...؟
والاجابة أيضاً، أنه لا يجوز هذا الامر.. أما عن المغتربين فعلى الكنيسة أن توفر لهم الرعاية الكافية من خدامها..
صلوات
صلاة قبل تناول الأسرار المقدسة:
يا رب أنى غير مستحق أن تدخل تحت سقف بيتى لأنى انسان خاطئ فقل كلمة أولاً لتبرأ نفسى. قل لنفسى مغفورة لك خطاياك. انى مقفر وخال من كل صلاح، وليس لى سوى تحننك ورأفتك ومحبتك للبشر.. لقد تنازلت من سماء مجدك غير المدرك الى ذلنا وارتضيت أن تولد فى مزود حقير، فلا ترفض يا مخلصى القدوس أن تقبل الى نفسى الذليلة الحقيرة التى تنتظر حضورك البهى. أنك لم تستنكف من دخول بيت الابرص لتشفيه، فاسمح يا الهى بالدخول الى نفسى لتطهرها. لم تمنع الخاطئة من تقبيل قدميك فلا تحرمنى الدنو منك لتناول جسدك الطاهر ودمك الأقدس. بل فليصر تناولى للاشتراك معك، ولابادة كل ما هو دنس، ولاماتة أهوائى الرديئة، وللعمل بوصاياك المحيية، لشفاء نفسى وجسدى من كل خطية. ولقبول مواهبك، ولسكنى نعمتك، ولحلول روحك، وللاتحاد بك، والثبات فيك، لأحيا لمجد اسمك القدوس آمين.
صلاة عقب التناول من الأسرار المقدسة:
قد أمتلأ قلبى فرحاً ولسانى تهليلاً من قبل خلاصك. فلتعظم نفسى الرب وتبتهج روحى بالله مخلصى. لقد أقبلت اليك يا رب لتلبسنى حلة نقية تؤهلنى للدخول الى عرسك والاتكاء فى وليمتك. فليكن أتحادى بك اليوم دائماً، وليثمر لى أثمار البر والتقوى، لأنى به ازداد فى الفضيلة ثباتا ونموا، ويشتد ايمانى، ويتقوى رجائى، يضطرم سعير حبى. فليصر تناولى الآن علامة للخلاص، ولباسا للنعمة، وخاتماً للعفاف، وحلة للميلاد الجديد، وصيانة للحياة الروحية، وطهارة وقداسة للنفس والجسد، ونقاوة للحب، وفرحا وسروراً أبدياً، وعربوناً للسعادة، ولجواب حسن القبول أمام منبرك الرهيب.. أسلم ذاتى بين يدى حنوك، فاجعلنى واحدا معك، وسيرنى تحت ارادتك. استدع اليك عقلى وحواسى وارادتى لتباركها، وتكون طوع مشيئتك. احيى قلبى، وايقظ ضميرى، ونبه نفسى وشجعها. شتت جميع خيالات العدو، ومر الرياح أن تهدأ، وقل للزوابع أن تسكت، فيصير الهدوء العظيم... سر معى وهدئ روعى، أرو عطشى واضرم لهيب محبتك فى قلبى. تلاف بحنو ورفق كل ما ينقصنى. أمكث معى لأن النهار قد مال، ورافقنى الى النهاية فأنت وحدك غايتى وسعادتى. أنت وحدك يا رب الى الابد آمين.
[1] - أى نالوا درجة الكهنوت.
[2] - أى ليسوا من الهراطقة الذين حرمتهم الكنيسة.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.