هذا الفصل هو جزء من كتاب: بستان الروح جزء أول – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
الغضب
« ولو أقام الغضوب أمواتا، فما هو مقبول عند الله».
(مار اسحق).
نوعان من الغضب.
الغضب المقدس.
الغضب الخاطئ من جهة سببه.
الغضب الخاطئ من جهة طريقته ونتائجه.
وجوب الابطاء فى الغضب.
معاملة الغضوبين.
بعض نصائح لمن يغضبون.
(1) نوعَان مِنَ الغضب
ليس كل غضب خطية. فهناك نوعان من الغضب، أحدهما لازم ومقدس والآخر باطل وشرير. ويمكن التفريق بينهما بمعرفة سبب الغضب وطريقته وتطوراته. ولذلك لم يقل السيد المسيح «كل من يغضب على أخيه يكون مستوجب الحكم» وانما «كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم».
هذا الغضب الباطل يكون الدافع اليه سبباً شخصياً وليس سببا الهياً. كما قد تصحبه اخطاء منها عدم ضبط الاعصاب، والاهانة والتجريح، والسب واللعن، وقد يمتد الى العراك والضرب، والى القتل أحياناً. من هذه الاخطاء وأمثالها حذر بولس الرسول بقوله.
«اغضبوا ولا تخطئوا» (أف 4: 26).
، ومن أجلها أيضاً قال يعقوب الرسول أن.
«غضب الانسان لا يصنع بر الله» (يع 1: 20)).
هذا الغضب الشرير هو الذى قال عنه سليمان الحكيم.
«الحجر ثقيل والرمل ثقيل، وغضب الجاهل أثقل منهما» (أم 27: 3).
معتبرالغضب نوعا من الجهل أى عدم الحكمة. ولذلك قال أيضاً.
«لا تسرع بروحك الى الغضب، لأن الغضب يستقر فى حضن الجهال» (جا 7: 9)).
وقال كذلك.
«تعقل الانسان يبطئ غضبه» (أم 19: 11)).
(2) الغضبُ المقدس
أما الغضب المقدس فيكون الدافع اليه غيرة طاهرة على اسم الله ومقادسه ووصاياه، ورغبة صادقة فى الدفاع عن الحق فى غير ما فرض شخصى. ويعتبر عدم الغضب فى أمثال هذه الحالات تقصيرا فى واجب مقدس يدان عليه الانسان لعدم شهادته للحق، أو لاستهانته بأمور لا يصح السكوت عليها.
وليس أدل على لزوم الغضب المقدس من أن موسى الذى لم يكن يوجد له مثيل فى حلمه ووداعته، الذى قال عنه الوحى الالهى.
« وأما الرجل موسى فكان حليماً جداً أكثر من جميع الناس الذين على وجه الارض» (عدد 12: 3).
، موسى هذا قال عنه الكتاب أيضاً انه لما أبصر العجل الذهبى الذى صنعه بنو اسرائيل وسجدوا له.
«حمى غضب موسى، وطرح اللوحين من يديه وكسرهما فى أسفل الجبل. ثم أخذ العجل الذى صنعوه وأحرقه بالنار وطحنه حتى صار ناعماً وذراه على وجه الماس وسقى بنى اسرائيل» (حر 32: 19).
، 20). ووبخ هرون أخاه الاكبر حتى تذلل هرون قائلاً.
«لا يحم غضب سيدى. أنت تعرف الشعب أنه فى شر... » (خر 32: 22)).
واليهو بن برخئيل، الرجل الهادئ الذى جلس فى أدب صامتاً طول مدة حديث أيوب وأصحابه الثلاثة، مبرراً ذلك بقوله لهم «أنا صغير الايام وأنتم شيوخ، لذلك خفت وخشيت أن أبدى لكم رأيى. قلت الايام تتكلم وكثر السنين تظهر حكمة» (أى 32: 6، 7). اليهو هذا - «لما كف الرجال الثلاثة عن مجاوبة أيوب لكونه بارا فى عينى نفسه» - يقول عنه الكتاب أخيرا «فحمى غضب اليهو بن برخئيل.. على أيوب حمى غضبه، لانه حسب نفسه أبر من الله. وعلى أصحابه الثلاثة حمى غضبه لانهم لم يجدوا جواباً واستذنبوا أيوب» (اى 32: 1 - 3). وكان غضب اليهو مقدساً بدليل أنه هو الوحيد بين أصحاب أيوب الذى لم يوجه له الله لوماً (أى 42: 7، 9)، وكان معتبرا فى حديثه ممثلا لكلام الله...
ونحميا، لما وجد اليهود – أثناء بناء السور – يقرضون أخوتهم بالربا ويستذلونهم، ولما سمع صراخ الشعب بأذنيه، يقول «فغضبت جداً حين سمعت صراخهم وهذا الكلام». وهكذا وبخ العظماء والولاة على الربا واضطرهم أن يكفوا عنه ويرحموا الشعب (نح 5: 6، 7، 10).
وبولس الرسول الذى دعانا كثيرا الى السلوك بوداعة (أف 4: 2)، ولما كان سائراً فى أثينا يقول عنه الكتاب انه.
«احتدت روحه فيه اذ رأى المدينة مملوؤة أصناماً» (أع 17: 16)).
وكلم الناس حتى استهزأ به البعض قائلاين «ترى ماذا يريد هذا المهذار أن يقول! ».
ولماذا نضرب أمثلة من الناس والسيد المسيح نفسه غضب على اليهود مراراً. ومن أمثلة ذلك أنهم لما راقبوه ليروا هل يشفى صاحب اليد اليابسة فى يوم السبت، يقول الكتاب.
«فنظر حوله اليهم بغضب حزينا على غلاظة قلوبهم» (مر 3: 5)).
ولما دخل الهيكل ووجد فيه الباعة.
«قلب موائد الصيارفة وكراسى باعة الحمام ولم يدع أحد يجتاز الهيكل بمتاع» (مر 11: 15).
، 16). ووبخهم بقوله «مكتوب بيتى بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص».
كل هذه أنواع وصور من الغضب المقدس الخالى من الغرض الشخصى، وأمثالها فى الكتاب المقدس كثيرة.
(3) الغضب الخاطئ من جهة سببه
قد يكون الدافع الى الغضب هو فى حد ذاته خطية، وحوادث الكتاب المقدس تثبت ذلك، وتعطينا أمثلة لهذا النوع من الغضب الشرير.
قد يغضب البعض عن حسد. ومثال ذلك غضب اليهود على السيد المسيح عندما سمعوا الاطفال يهتفون له فى الهيكل. اذ يقول الكتاب.
«فلما رأى رؤساء الكهنة والكتبة العجائب التى صنع والاولاد يصرخون له فى الهيكل ويقولون أوصنا لابن داود، غضبوا وقالوا له أتسمع ما يقول» (متى 21: 15)).
ولم يكن غضبهم طبعاً عن غيرة مقدسة لسماع صوت صراخ الاطفال فى الهيكل، لانهم فى نفس الوقت تغاضوا عن ضجيج الباعة فى الهيكل، وتركوا الناس يشترون ويبيعون فيه، كما تركوا فيه موائد الصيارفة وأقفاص الحمام دون أن تتحرك غيرتهم على كرامة بيت الله، وانما كان الامر مجرد حسد.
وقد يكون من أمثلة هذه الغيرة او الحسد، ما فعله الابن الاكبر (فى مثل الابن الضال) من أنه «غضب ولم يرد أن يدخل» لما رأى وسمع الاحتفاء بمجئ أخيه الضال. ويظهر الحسد فى قوله لابيه.
«... وجديا لم تعطنى قط لافرح مع أصدقائى. ولكن لما جاء ابنك هذا الذى أكل معيشتك مع الزوانى ذبحت له العجل المسمن» (لو 15: 25 - 30)).
وقد تكون المنافسة هى الدافع الى الغضب فى حالة نجاح المنافس الآخر، ومن أمثلة ذلك غضب عيسو على يعقوب أخيه الذى تعقبه مرتين وأخذ منه البكورية.
وقد يكون سبب الغضب هو خوف على ضياع ربح مادى، حتى لو كان سبب ضياعه هو منفعة روحية. ومن أمثلته غضب ديمتريوس الصائغ وسائر الصناع على بولس الرسول خوفا من او تؤدى محاربته لعبادة الاصنام الى ضياع رزقهم من تلك الصناعة. فأنهم.
«لما سمعوا امتلأوا غضباً، وطفقوا يصرخون قائلين عظيمة هى ارطاميس الافسسيين» (أع 19: 21)).
ولم تكن تدفعهم غيرة دينية على عبادتهم الوثنية، وانما قول ديمتريوس لهم «أيها الرجال، أنتم تعلمون أن سعتنا هى من هذه الصناعة... ».
وقد يغضب أحدهم على آخر لأنه لم ينفذ له رغبة شريرة. ومثال ذلك غضب بالاق على بلعام لانه لم يتنبأ له بالسوء على بنى اسرائيل ولم يشأ أن يلعنهم له. وفى ذلك يقول الكتاب.
«فاشتعل غضب بالاق على بلعام وصفق بيديه. وقال بالاق لبلعام: لتشتم أعدائى دعوتك، وهو ذا أنت قد باركتهم الآن ثلاث دفعات... » (عدد 24: 10)).
وقد يغضب البعض بسبب عدم احتماله أن يبكته آخر على خطاياه، مثل غضب اليهود على السيد المسيح عندما ذكرهم بأشخاص أمميين فاقوهم فى الصلة بالله. فلما قال لهم أن «أرامل كثيرات كن فى أسرائيل فى ايام ايليا.. ولم يرسل ايليا الى واحدة منهن الا الى امرأة أرملة الى صرفة صيداء. وبرص كثيرون كانوا فى اسرائيل فى زمان اليشع النبى ولم يطهر واحد منهم الا نعمان السريانى»،.
«امتلأ غضباً جميع الذين فى المجمع حين سمعوا هذا» (لو 24: 28)).
(4) الغضب الخاطئ. من جهة طريقته ونتائجه
قد يغضب انسان فيفقد أدبه، أو يفقد وداعته، أو يفقد أعصابه... وقد يغضب انسان فتتحرك يده أو ينساب لسانه فى غير ما ضابط. قد يغضب انسان فيروعك منظره، عينان تقدحان شرراً، حاجبان معقودان، شفتان مزمومتان أو صوت متهدج عال. وقد تنظر اليه فتجده ينتفض أو يرتعبش وقد غلى الدم فى عروقه. ومثل هذا اللون من الغضب كثيرا ما تنتج عنه أمراض جسدية متعددة..
كل هذه مظاهر لغضب غير سليم فقد فيه الانسان السيطرة على أعصابه. وأما فى الداخل فقد يكون ما هو أشر من هذا: قساوة، مرارة، غيظ، حقد، رغبة فى الانتقام، كراهية، شر... وقد يطفح بعض هذا على اللسان فتخرج منه ادانة للآخرين وشتيمة وتشهير، مع تبرير للذات.. وقد يتطور الى العراك والى القتل أو الى الرغبة فى ذلك، أو ينتهى الغضب بخصومة أو عداوة أو قطيعة، أو يؤدى الى عقدة نفسية تتركز فى أعماق الانسان بحيث لا يكون مستعدا فى المستقبل للتفاهم مع الشخص الذى كان السبب فى غضبه. وقد يكون من مظاهر هذه العقدة سوء الظن فى تصرفات هذا الشخص جميعها حتى البرئ النافع، وعدم احتمال النفس لسماع مديح عنه فى أى أمر مهما كان فى موضعه...!
هذه كلها دلائل على أن هذا الغضب «لم يصنع بر الله» تعارضه مع فضائل أساسية. ولهذا نصحنا بولس الرسول بقوله.
«ليرفع بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خبث. وكونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين» (أف 4: 31).
، 32). واعتبر أن اللطف والوداعة وطول الأناة والسلام من ثمار الروح القدس (غل 5: 22، 23). ودعانا الى هذه الفضائل بقوله.
«فالبسوا كمختارى الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفا وتواضعاً ووداعة وطول أناة، محتملين بعضكم بعضاً ومسامحين بعضكم بعضاً» (كو 3: 12).
، 13).
ومن أمثلة الغضب الشرير ما فعله اليهود مع الرب لما بكتهم على خطاياهم، اذ يقول الكتاب.
«فامتلأ غضبا جميع الذين فى المجمع حين سمعوا هذا. فقاموا واخرجوه خارج المدينة وجاءوا به الى حافة الجبل الذى كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه الى أسفل» (لو 4: 28).
، 29). ومن أمثلته ما فعله شمعون ولاوى اللذين قال عنهما أبوهما يعقوب «فى مجلسهما لا تدخل نفسى.. لانهما فى غضبهما قتلا انساناً». ولذلك لعن غضبهما بقوله.
«ملعون غضبهما فانه شديد وسخطهما فانه قاس» (تك 49: 6).
، 7). وهذه القسوة فى الغضب هى التى عصفت بعيسو حتى عزم على قتل أخيه (تك 27: 43).
(5) وجوب الإبطاء فى الغضب
كثيراً ما يكون الغضب وليد التسرع والاندفاع. بينما لو تروى الانسان وفكر جيدا قبل أن يثور ثورته، لاستطاع أن يصرف الامر بحكمة أو يوجد له تغليلاً، أو على الاقل يهدئ نفسه ويضبط أعصابه ويغضب فى هدوء دون أن يخطئ.
ولذلك نصحنا يعقوب الرسول بقوله.
«ليكن كل انسان مبطئاً فى التكلم مبطئاً فى الغضب» (يع 1: 19)).
وقال سليمان الحكيم.
«تعقل الانسان ببطئ غضبه» (أم 19: 11)).
وقال أيضاً.
«بطئ الغضب كثير الفهم، وقصير الروح معلى الحمق» (أم 14: 29)).
والله تبارك اسمه وصف هو أيضاً بأنه بطئ الغضب (خر 34: 6، ويوئيل 2: 13).
لذلك اهرب من غضبك. وفكر كثيرا قبل أن تغضب. ضع نفسك فى موقف المغضوب عليه محاولاً أن تعرف بما يجيب وبماذا يعتذر...
(6) معاملة الغضوبين
قال سليمان الحكيم.
«لا تستصحب غضوباً، ومع رجل ساخط لا تجئ» (أم 22: 34)).
وفسر ذلك فى موضع آخر بقوله.
«الرجل الغضوب يهيج الخصام، والرجل السخوط كثير المعاصى» (أم 29: 22).
لذلك لا تعرض نفسك لتجربة لا تحتملها. أبعد عن مصاحبة الغضوبين وعن الاختلاط بهم لئلا تفقد سلامك الداخلى، أو لئلا تفقد سلامك معهم. وأن ألقت بك الظروف الى شخص غضوب، فحاول أن تنفلت منه بسرعة، أو تغير موضوع الحديث الذى سبب غضبه. أن تحدثت مع انسان فى موضوع ما وثار، فلا تكمل معه هذا الموضوع ولا تحاول أن تخرج فيه بنتيجة. أعرف أن محدثك غير مستعد له فى ذلك الحين، فاتركه الى فرصة أخرى يكون هادئاً فيها وأكثر استعداداً.
لا تقف فى وجه الغضوب عند ثورة غضبه. وانما اذكر حكمة رفقة التى عندما رأت غضب عيسو على أخيه يعقوب قالت ليعقوب.
«أهرب الى أخى لابان الى حاران. وأقم عنده أياماً قليلة حتى يرتد سخط أخيك عنك وينسى ما صنعت به» (تك 27: 45)).
واذكر قول الوحى الالهى فى سفر أشعياء «هلم يا شعبى أدخل الى مخادعك وأغلق أبوابك خلفك. أختبئ لحيظة حتى يعبر الغضب» (أش 26: 20). أما اذا لم تستطع الهروب فافعل الآتى:
فكر فى أن هذا الشخص الثائر قد تكون له ظروف داخلية متعبة من نواح صحيه أو اجتماعية أو مالية أو علمية... وأن هذه الظروف ضغطت عليه وأوجدت ضيقاً فى نفسيته. ومن واجبك ألا تزيد أحمالا ثقلاً، وانما عليك أن تحتمله وتعزيه وتخفف عنه. ربما يكون هذا الشخص فى حاجة الى علاج والى خدمة روحية منك. وربما يكون الله هو الذى دفعه الى طريقك وكشف لك غضبه، لتهتم به بطول روحك وسعة صدرك ووفرة محبتك.
تذكر أن هذا الغاضب هو أخ لك. لا تحسبه عدوا، وانما أحسبه فريسة لعدو مشترك لكليكما.
فكر فى نفسك وراجعها. ربما تكون أنت هو المخطئ وقد أثرته بأقوالك أو بتصرفاتك أو بماض لك معه لم يسترح له. فان وجدت شيئاً من هذا – وقد تجد – حينئذ توجه باللوم الى نفسك، واعتذر له وطيب خاطره.
تذكر قول القديسين أن «النار لا تطفئها النار، وانما يطفئها الماء. وكذلك الغضب لا يطفئه الغضب وانما المحبة وطول الروح». واذكر قول سليمان الحكيم.
«الجواب اللين يصرف الغضب... » (أم 15: 1).
وقوله.
«اللسان اللين يكسر العظم» (ام 25: 15)).
ولا تنتقم مطلقاً لنفسك، فقد قال بولس الرسول.
«لا تنتقموا لانفسكم أيها الاحباء... بل اعطوا مكانا للغضب» (رو 12: 19)).
تكلم برفق وهدوء وطيبة قلب مع الغضوبين، وليكن وجهك باشا ليس فيه أثر للغيظ. بل أن سليمان الحكيم يرتفع بنا درجة أعلى فيقول.
«الهدية فى الخفاء تفثاً الغضب» (أم 21: 14)).
لا تحسب للغضوب تصرفاته أثناء غضبه أو ما يتفوه به وقتذاك من الفاظ، ولا تدع شيئاً من ذلك يترك أثراً فى نفسك، فانه فى حالة غير طبيعية. تأكد أنه سيندم – من تلقاء ذاته – على تصرفاته عندما يهدأ.. وفى حديثك معه أثناء غضبه تجاهل أخطاءه، كأنها لم تصدر أطلاقاً...
(7) بعض نصائح لمن يغضبون
ليس مصدر الغضب دائماً هو أفعال الآخرين الخاطئة وأثاراتهم، بل نقطة ضعف فينا فقد لا تكون أفعال الآخرين أو تصرفاتهم تدعو الى الغضب ومع ذلك نغضب. أن نقطة المداد (الحبر) تلون الماء فى فنجان صغير، لكنها لا تفعل نحو ذلك فى مسطح كبير من الماء. وهكذا التصرف الذى يثير شخصاً غضوباً، قد لا يسبب اثارة أو انفعالاً لانسان وديع. فحينما تغضب يا أخانا لا تلتمس العذر لذاتك، وتأتى باللائمة على الآخرين، بل لم نفسك وأنبها، وجاهد ضد خطية الغضب...
فقد ذكر عن أب راهب كان ساكناً فى دير، مداوماً على الصمت، لكنه كان يغضب فى بعض الاحيان أثناء صلاته ببعض الاخوة. فقال فى نفسه «أمصى واسكن وحدى فى قلاية، وحيث أنه لن يكون هناك أحد ساكنا معى فسوف أهدأ ويخف عنى وجع الغضب». فخرج وسكن وحده فى مغارة وفى أحد الايام ملأ (القلة) ماء ووضعها على الأرض، ولوقتها تدحرجت وانسكب ما فيها. فأخذها وملأها مرة ثانية ووضعها، فانسكبت كذلك، وهكذا مرة ثانية. فغضب وأمسكها وضربها على الارض فتحطمت. فلما هدأ رجع الى ذاته وعلم أن الشياطين قد سخروا منه. فقال لنفسه «هوذا قد انغلبت وأنا فى الوحدة كذلك. فلأذهب الى – الدير لانه فى كل موضع يحتاج الانسان الى جهاد وصبر ومعونة من الله».
هناك نصيحة وقائية نذكرها أولا وهى: تعود اللطف وطول الاناة والوداعة والهدوء والاحتمال والمحبة، ودرب نفسك كثيراً لاكتسب هذه الفضائل التى تبعد الغضب. ردد كثيرا الصلاة التى علمتنا الكنيسة تلاوتها كل صباح وهى قول بولس الرسول.
«اطلب اليكم أنا الاسير فى الرب أن تسلكوا كما يحق للدعوة التى دعيتم اليها بكل تواضع القلب والوداعة وطول الأناة محتملين بعضكم بعضاً بالمحبة، مسرعين الى حفظ وحدانية الروح برباط الصلح الكامل.. » (أف 4: 1 - 4)).
وبالاخص رددها فى فكرك فى الاوقات التى تتعرض فيها لموقف الغضب.
أدرس الاسباب التى تثير غضبك، وحاول أن تعالجها، أو أن تبعد عنها وتتجنبها. وكذلك أعرف مع من الناس تكون أكثر استعداداً للغضب، وحاول أن تصفى قلبك من جهة هؤلاء وتصلح علاقتك بهم، أو على الاقل كن أكثر حذرا فى ملاقاتهم ومعاملتهم متجنباً ما يثيرك أو يثيرهم.
أن كان سبب غضبك هو ارهاق أعصابك أو تعبك أو أى سبب جسدى آخر، فاعمل على معالجة نفسك، أو حاول عدم تعريض نفسك لمثيرات فى أوقات تعبك وارهاقك وضيقك، والا فما ذنب الآخرين والسبب هو فيك من داخل؟!
لا تفرض للناس مثلاً عليا ربما تكون أعلى من مستوياتهم وتعاملهم بحسبها، فأن أخطأوا غضبت وثرت، ولا تعمل على ان تسير كل الامور حسب هواك وتفكيرك ووفق مبادئك الخاصة. فالناس مختلفون فى نفسياتهم وعقلياتهم وروحياتهم ونظرتهم للامور. لذلك لا تحزن اذا خالفك أحد فى الرأى وتحمس لنقطة تراها أنت خاطئة، أو اذا تصرف تصرفا لا يعجبك. ليس الجميع يا أخى صورة منك، ولن يمكنك أن تجعلهم كذلك. وأن تصورت ذلك ممكناً، فهو لن يكون ممكناً بغضبك وثورتك.
وان كانت أخطاء الناس هى سبب غضبك، فاحذر من أن تقيم نفسك رقيباً على أعمال الناس، ودرب نفسك على عدم التدخل فى ما لا يعينيك لانك لو تعقبت أخطاء كل من يصادفك من الناس وصببت جام غضبك عليها، لفقدت أعصابك وسلامك قبل أن تصلح أحدا، ولوجدت فى كل ناحية ما يؤذيك وما يثيرك. وانما اهتم بما يدخل فى نطاقك وحدك وما تكون أنت المسئول عنه أمام الله والناس، وهذا أيضاً أصلحه «بوداعة الحكمة» كما يقول الرسول (يع 3: 13) وذلك لان.
«الحكمة التى من فوق هى أولاً طاهرة ثم مسألة مترفقة مذعنة مملوءة رحمة... » (يع 3: 17)).
ان غضبت فلا تترك غضبك يستمر طويلاً. وأنما حاول أن تصرفه وتهدئ نفسك بسرعة. تذكر قول الرسول.
«لا تغرب الشمس على غيظكم» (أف 4: 26)).
أرصد أو تذكر أخطاءك التى تقع فيها أثناء غضبك، ودرب نفسك على تكرها. أشكر الله على أن هذا الغضب قد كشف لك نقائص مختلفة داخلك، وأبدأ بمعالجتها، مستفيداً من كل مرة تحتد فيها وتغضب.
أعترف لله فى كل صلاة أنك غضوب، وأسأله أن يرفع عنك هذا المرض ويعطيك روح وداعة. اطلب هذا بلجاجة، وتأكد أنك ستناله، لان الله نفسه يريده لك.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.