هذا الفصل هو جزء من كتاب: بستان الروح جزء أول – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
الصمت
لماذا مُدِحَ الصمت؟.
تكلم القديسون عن الصمت كفضيلة هامة، دربوا أنفسهم عليها وعاشوا فيها وأختبروها ودونوا لنا اختباراتهم عنها. ورب سائل يقول: اذا كان الكلام نافعاً ومفيدا على النحو الذى ذكرناه، فلماذا يعتبر الصمت من الفضائل الهامة، ولماذا أحبه القديسون وعاشوا فيه؟
والجواب على ذلك هين ويسير، وهو أن التعرض لاخطاء اللسان الكثيرة سهل وميسور، ومن ثم كان لابد من لجام قوى للسان، والصمت من أقوى هذه الالجمة وأنفعها. أضف الى هذا أن القديسين وجدوا أن الانسان يتقن الكلام بالصمت بعكس العلوم والمعارف الاخرى التى يتقنها بكثرة ممارستها. وفى ذلك يقول القديس باسيليوس الكبير «ان حسن التكلم لا يكتسب الا بالصمت وممارسته المتصلة». ويقول القديس ايرونيموس «لنتعلم نحن أيضاً الصمت قبل كل شئ، لكى نستطيع أن نتكلم فيما بعد حسناً».
ولا يظن أحد أن ضبط اللسان يقود الى كبت المشاعر، وتعقيد النفس، الامر الذى يتولد من الكبت الذى يصفه علم النفس. ان هناك فرقا كبيرا بين ضبط اللسان والكبت. فالكبت هو أن تكون شهوة فى النفس لا يعبر عنها بسبب الخوف، بينما يتمنى الانسان أن يؤديها.
أما الضبط فهو أن يضبط الانسان نفسه أو لسانه، الذى هو أداة التعبير عن المشاعر. فالكبت ضغط وحرمان وحزن، أما الضبط فهو جهاد وتنقية وفرح بالجهاد والانتصار.
واليك بعض ما قاله بعض الآباء فى الصمت:
قال القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس «ليت للكلام منفعة كمنفعة السكوت! » وقال أيضاً «حينما غصبت على الكلام وجدت ألا أتكلم الا عن الصمت، حتى أقود الناس الى الصمت بالصمت والكلام. هذا هو رأيى فى السكوت، وهذه فلسفتى فى الكلام».
وقال القديس يوحنا ذهبى الفم «السكوت نمو عظيم للانسان لأنه يعطى القلب عزلة دائمة، ويجلب الدعة ويبعد الغضب. وهو قرين النسك، ويولد المعرفة ويحرس المحبة. السكوت هو كمال الفلسفة. من يمارس السكوت يقدر أن يتمسك بجميع الحسنات الاخرى». وقال القديس الانبا أنطونيوس فى نصيحة له لاولاده الرهبان «الزموا السكوت لان الساكت مقامه عند الله فى زمرة الملائكة».
لكن ليس كل صمت أو سكوت أمرا يمدح. فهناك أوقات ينبغى فيها الكلام، بل ويعتبر عدم الكلام تقصيرا، وأمرا يستوجب اللوم. سئل القديس الانبا بيمين ذات مرة «أيهما أصلح، الكلام أم الصمت؟ » فأجاب «ان الصمت من أجل الله جيد، كما أن الكلام من أجل الله جيد كذلك».
والصمت الحقيقى هو صمت الافكار والقلب. فقد يوجد انسان يمارس الصمت ظاهرياً، لكن عقله يموج بأفكار كثيرة خاطئة باطلة، بينما يوجد آخر يتكلم طول يومه ومع ذلك فهو ملازم للصمت. قال القديس الانبا بيمين فى هذا المعنى «قد تجد انساناً يظن أنه صامت لكن فركه يدين آخرين. فمن كانت هذه صفته فهو دائماً يتكلم. وقد تجد آخرا يتكلم من أول اليوم الى آخره، ومع ذلك يلازم الصمت، أعنى انه لا يتكلم كلمة بلا منفعة».
بعض بركات الصمت
1 - بالصمت نرى أنفسنا على حقيقتها فى مرآة. نرى عيوبنا وأخطاءنا. قال مار اسحق «اذا انقطع الانسان عن كثرة الحديث مع الناس. فهو يرجع الى ذاته ويقوم تدبير سيرته حسناً أمام الله».
2 - وهو فرصة لانطلاق النفس فى عبادتها وعلاقاتها بالله. فبالصمت ينجمع العقل الى ذاته بينما يتشتت من كثرة الكلام. ولقد أعتبره القديس أرسانيوس العامل الاول فى تطهير عقل الانسان. وقال الانبا أشعياء الاسقيطى «أحبب السكوت أكثر من الكلام، لأن السكوت يجمع والكلام يبدد».
3 - وحينما يصمت الفم تهدأ النفس، فتستطيع أذن الانسان الداخلية أن تسمع صوت الحبيب الذى يقرع على باب القلب. فتفتح له ليدخل (رؤ 3: 20). وعلى العكس من ذلك، فان كثرة الكلا تسبب اضطراباً للنفس فلا تتمكن من أن تسمع صوت الله. ولذا قال القديس يوحنا الدرجى «أذن الساكت تسمع من الله العجائب».
4 - وبصفة عامة، فان الحياة الروحية فى مجموعها تزدهر وتنمو بالصمت. فالاناء الموضوع على النار يغلى بسرعة اذا كان غطاؤها محكماً. قال الاب الشيخ الروحانى «ان كان لسانك متعودا كثرة الكلام، فقلبك منطفئ من حركات الروح النيرة. أما اذا كان فمك ساكنا بهدوء، فقلبك يشتعل دواما من حرارة الروح». ومن عباراته الشهيرة «سكت لسانك يتكلم قلبك، وسكت قلبك ليتكلم الله». وقد علم الآباء النساك أن الصمت يميت الأفكار فى القلب. قال الانبا بيمين «من يضبط فمه فان أفكاره تموت، كالجرة التى يوجد فيها حيات وعقارب وتسد فوهتها فانها تموت».
5 - والصمت يعطى الانسان فرصة للتفكير فى هدوء فيأتى أفكارا ناضجة، ولذا قال الجامعة.
«الحلم يأتى من كثرة الشغل، وقول الجهل من كثرة الكلام» (جا 5: 3)).
6 - والصمت، وان كان يفيدنا فى اكتساب حسن التكلم مع الناس، فهو أيضاً يعلمنا الكلام مع الله – وبعبارة أخرى هو معلم من معلمى الصلاة. قال القديس يوحنا الدرجى «مع الرجل الصامت تقف القوات السماوية لتشترك معه فى التسبيح والعبادة، بل وتتوق أن ترافقه على الدوام».
7 - وهو يقودنا الى الاتضاع. قال مار اسحق «الفرق بين حكمة الروح وحكمة العقل، ان الاولى تقودك الى الصمت، والثانية تدفعك الى التبجح والملاججة. والصمت الحكيم يقودك الى الاتضاع. أما التبجح والعناد فيقودك الى الصلف والكبرياء».
8 - وبالجملة فان الصمت لجام قوى للجسد كله. ولذا قال يعقوب الرسول.
«هو ذا الخيل نضع اللجم فى أفواهها لكى تطاوعنا، فندير جسمها كله. هو ذا السفن أيضاً وهى عظيمة بهذا المقدار وتسوقها رياح عاصفة، تديرها دفة صغيرة جداً الى حيثما شاء قصد المدير. هكذا اللسان أيضاً» (يع 3: 3 - 5)).
أرأيت يا أخى كيف أن الرسول يعقد مقارنة بين اللجام ودفو السفينة من ناحية، واللسان من ناحية أخرى؟ ووجه الشبه أن الانسان فى كل، يستطيع أن يتحكم فى الخيل أو السفينة أو الجسد. ويكمل الرسول هذه الفكرة بقوله.
«ان كان أحد لا يعثر فى الكلام فذاك رجل كامل قادر أن يلجم كل الجسد أيضاً» (يع 3: 2)).
ومن ناحية أخرى فان الصمت قد يصلح دليلا على مقدرة الانسان فى ضبط حركات جسده وشهواته. قار مار اسحق «اذا أردت أن تعرف رجل الله، فاستدل عليه من دوام سكوته». قال الحكيم.
«مدينة منهدمة بلا سور، الرجل الذى ليس له سلطان على روحه» (أم 25: 28)).
وقد علق القديس ايرونيموس على هذه الآية بقوله «كما ان المدينة التى لا سور لها معرضة لأن تؤخذ وتنهب من الاعداء، هكذا من لا يكون مصاناً بسور الصمت، يستهدف دائماً لحروب الشيطان، وفى خطر من أن يغلب».
أمثلة لرجال الصمت
سار جميع الآباء النساك دون استثناء فى تدريب الصمت حتى أتقنوه. لكن التاريخ يحتفظ لنا باسماء بعض الآباء الذين ضربوا بسهم وافر فيه. ومن أمثلة هؤلاء:
القديس الانبا ارسانيوس معلم أولاد الملوك، الذى عشق الهدوء والصمت واتخذ له شعارا، عبارته المشهورة «كثيرا ما تكلمت فندمت، أما عن سكوتى فما ندمت قط». وصاغ شاعر كلماته هذه فى قالب شعرى فقال:
ما أن ندمت على سكوتى مرة ولقد ندمت على الكلام مرارا.
والقديس الانبا أغاثون الذى لما أراد أن يدرب ذاته على الصمت، وضع فى فمه حجرا لمدة ثلاث سنين حتى أتقن الصمت!.
والقديس العظيم يوحنا الاسيوطى (التبايسى) الذى ظل حافظا الصمت لمدة ثلاثين سنة لم ينطق خلالها بكلمة واحدة. فقد قيل عنه أنه أقام ثلاثين سنة فى مغارة لا يقابل أحدا، وكانوا يعطونه حاجته من طاقة. والذين كانوا يأتون اليه كان يتفاهم معهم عن طريق الكتابة. وحدث مرة أن أربعة لصوص لما نظروا كثرة الجموع التى تأتى ا ليه بسبب موهبة الشفاء التى أنعم بها الرب عليه، ظنوا أنه يحتفظ بأموال فى مغارته. فقصدوا مغارته ليلاً لينقبوا بابها فضربوا بالعمى وبقوا واقفين خارج المغارة الى الصباح. ولما أتى الناس أمسكوهم وأرادوا أن يسلموهم للوالىز فتكلم معهم القديس قائلاً: «ان لم تتركوا هؤلاء الناس فنعمة الشفاء تذهب عنى» فتركوهم. وقبل أن عبارته هذه هى الوحيدة التى نطق بها خلال مدة الثلاثين عاما.
والقديس الانبا بموا بعد أن ترك العالم وسكن البرية، قصد أحد الشيوخ القديسين وطلب منه نصيحة تعينه فى حياته الجديدة. فتح الشيخ فاه بما قاله داود النبى.
«قلت أتحفظ لسبيلى من الخطأ بلسانى» (مز 29: 1)).
فلما سمع القديس بموا هذه الآية قال له «يكفى أيها المعلم، لا تعلمنى شيئاً آخر الى أن أحفظ هذه». رجع الى قلايته ولم يعد للشيخ. فلما قابله الشيخ بعد ذلك بمدة، سأله عن سبب عدم توجهه اليه ليأخذ درسا آخر، أجابه القديس بموا «صدقنى يا أبى أننى لم اتعلم الدرس الاول جيداً». وبعد سنين كثيرة، سأله أحد أصدقائه أن كان قد انتهى من درس داود الاول (يقصد المزمور السابق ذكره)، فأجاب قائلاً «ان لى خمسا وأربعين سنة أهذ (أردد) فى هذه الآية التى سمعتها، وبالجهد أمكننى أن أمارسها بالعمل قليلا. وقد قال القديس ذلك فى اتضاع، لأن بلاديوس يذكر عنه، أنه كان قد أتقن الصمت جيدا، حتى أنه سئل عن شئ، لا يجيب قبل أن يرفع قلبه أولاً ا لى الله ويستشيره فيما يقوله. وقد اعانه الله فى السير لحفظ هذه الفضيلة، حتى قيل عنه انه لم يبكته ضميره، ساعة انتقاله على كلمة قالها وندم عليها.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.