حياة التوبة

حياة التوبة

«أن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون».

(لو 13: 5).

ماذا تفعل الخطية؟

وماذا تفعل التوبة؟

الاله الرحوم الذى نعبده.

كيف أتوب؟

فضائل يتميز بها التائب.

أمثلة للتائبين.

من أقوال الآباء فى التوبة.

خلق الله الانسان طاهر قديسا، على صورته ومثاله. لكنه بعصيانه للخالق وسقوطه فى الخطيئة، تغيرت طبيعته وسقط من رتبته، وفقد أشياء كثيرة.. فدق الفردوس الذى كان يتنعم فيه بوجوده فى حضرة الله، وفقد سلامه وفرحه وسلطانه كتاج للخليقة... فقد أشياء كثيرة لا تقدر قيمتها، ولا يقيم ثمنها. ولم يبق سوى الخطية وآثارها، يتلوى من أشواكها، ويعانى من مر مذاقها، ويسرى فى جسده زعاف سمها.. نقض بيده خيمة مسكنه فعصفت به رياح الشهوات، وتعرى بارادته من ثوب البر فعانى من برودة الاثم، ونأى بنفسه عن شمس البر، فلم يستدفئ بحرارتها، أو تكتحل عيناه برؤية نورها وضيائها...

والآن قبل أن نستقبل سفينة النجاة لنجوز بها بحر التوبة فى طريقنا الى ميناء الخلاص، يحسن بنا أن نقف قليلا لنناقش سؤالا ضرورياً هاماً...

لنعرض سؤالا مزدوجاً: ما هى الخطية، وماذا تفعله:

ما هى الخطية:

الخطية التى نستخف بها – حتى ما يبدو منها تافهاً – هى تعد على الله، وتمرد عليه (يع 2: 11)، وهى عصيان ضد الله وهى ضلال..! بل هى الموت عينه.. هكذا عبر الرب يسوع عن الابن الضال «كان ميتاً فعاش! » وكان ضالا فوجد (لو 15: 32).

والخطية هى ضعف وانهزم وفشل. لأن الانسان لم يستطع أن يضبط نفسه، بل خضع لسلطان الخطية وعبوديتها.

ماذا يفعل الخطية؟

(1) القلق وفقدان السلام:

بالخطية فقد الانسان سلامه وورث بدله القلق. وهكذا يكون القلق قرين الخطية، يأتى فى ركابها ويستقر معها، وعلى هذا النحو يفقد الانسان الراحة القلبية الهادئة نتيجة حلول الله فى هيكله. وبعبارة أخرى يفقد سلامه الداخلى الذى هو من أعظم عطايا الله للانسان، ووصفه الرسول بأنه «يفوق كل عقل» (فى 4: 7). قال اشعياء النبى. «أما الأشرار فكالبحر المضطرب، لأنه لا يستطيع أن يهدأ، وتقذف مياهه حمأة وطيناً. ليس سلام قال الهى للأشرار» (أش 57: 20 و21). فما اروع تشبيه النبى للشرير «لا يستطيع أن يهدأ»، حتى لو أراد الهدوء فهو لا يستطيع فالسلام ثمرة من ثمار الروح القدس (غل 5: 22)، والقلق ثمرة من ثمار الخطية، وليس شركة للظلمة مع النور.. قال داود النبى.

«ليست فى عظامى سلامة من جهة خطيتى» (مز 28: 3)).

ان للشرير خصماً ينازعه ويقلقه، ولا يكف عن منازعته واقلاقه حتى يثوب الى رشده ويتوب عن خطايا، ذلك الخصم هو الضمير الذى – حسب تفسير الآباء – أشار اليه السيد المسيح وأمرنا أن نرضيه..

«كن مراضياً لخصمك سريعا ما دمت معه فى الطريق.. » (مت 5: 25).

، ولنا دليل على ذلك من حياة قايين بعد أن قتل أخاه هابيل. فقد صرخ الى الله قائلاً.

«من وجهك اختفى، وأكون تائهاً وهارباً فى الارض، فيكون كل من وجدنى يقتلنى.. وجعل الرب لقايين علامة لكى لا يقتله كل من وجده» (تك 4: 12 - 15)).

لقد كانت تلك العلامة التى جعلها الرب لقايين، حتى لا يقتله أحد، سبباً فى ازدياد تأنيب ضميره..!

وهكذا نجد أن الانسان طالما هو بعيد عن الله يظل فى قلق حتى يعود اليه، لأن الله أراد الا يجد قلبنا مكانا يرتاح اليه الراحة الكاملة فيرجع اليه.. هكذا فعلت الحمامة التى أطلقها نوح، فلما لم تجد راحتها فى العالم عادت الى الفلك. ويونان الذى هرب من وجه الله، فظلت أمواج البحر وزوابعه تطارده وتقاومه، ولم يجد سبيلا للنجاة الا بالرجوع الى الله فطلبه وهو فى بطن الحوت.. اننا نقرأ عن كثير من المجرمين والقتلة الذين – بعد أن فشل رجالا الأمن فى وضع أيديهم عليهم – أسلموا ذواتهم بارادتهم واعترفوا بجرائمهم حتى بعد وقوعها بسنوات. وذلك كله يرجع الى أنهم فضلوا الاعتراف، وما يترتب عليه من قصاص وعقاب، عن الهرب والاختفاء، ووخز الضمير وثورته..

والواقع انه ليست هناك كارثة تنزع سلام الانسان كالخطيئة، ولا مصيبة أشد هولاً من الوقوع فى براثنها. لقد فقد أيوب بقره وغنمه وجمله وغلمانه وأولاده جميعاً فى يوم واحد، ولم تكن نكبته فى كل ذلك كنكبة داود العظيم فى خطيئته. فما استطاعت تجربة أيوب أن تنزع سلامه واطمئنان نفسه، فنسمعه يقول «عريانا خرجت من بطن أمى وعريانا أعود الى هناك. الرب أعطى والرب اخذ فليكن اسم الرب مباركاً». أما داود المسكين فنسمعه يقول بعد سقطته « وبدموعى أبل فراشى».. «خطيتى أمامى فى كل حين».

(2) الحزن والكآبة:

ويأتى مع الخطية الحزن والكآبة. فالفرح من ثمار الروح القدس (غل 5: 22) والحزن والكآبة من ثمار الخطية. فالشعب الاسرائيلى فى السبى البابلى كانوا جالسين على أنهار بابل تحيط بها أشجار الصفصاف الجميلة. لكن تلك المناظر الطبيعية لم تنسهم مرارة الاسر الذى كانوا يعانونه.. بل نراهم مزجوا مياه أنهارهم بمجارى دموعهم وعوض أنغام الطرب علت أصوات البكاء والنحيب.. هناك على أشجار الصفصاف علقوا قيثاراتهم. أذ ليس محل للفرح فى ل الاسر «على أنهار بابل هناك جلسنا فبكينا عندما تذكرنا صهيون» (مز 137).

أن هذا المزمور يذكرنا «بالاسر الروحى» ويعطينا صورة للنفس التى أسرها الشيطان من أورشليم مدينة الملك العظيم (مت 5: 35) إلى بابل مدينة الزوانى (رؤ 14: 8، 18: 2) ففقدت سلامها وفرحها قائلة فى صوت أسيف «كيف نسبح تسبحة الرب فى أرض غريبة.. »!!

(3) قطع الرجاء:

هكذا رأينا أن القلق والحزن والكآبة هى ثمرة من ثمرات الخطية.. فيها سم الموت. قد تكبر هذه الثمرة، وقد تؤدى بصاحبها وحاملها الى حد القنوط وقطع الرجاء، فالانتحار... أن أعلى نسبة للانتحار توجد فيما يسمونه بلاد المدينة، أو بالأحرى حيث الاباحية والمرتع الخصب للخطية.

(4) أساءة العلاقة بالناس:

وأن كانت الخطية أحرمنى سلامى مع الله وعلاقتى الطيبة معه، فهى تفعل نحو ذلك فى علاقاتى مع اخوتى من بنى البشر. فان كانت المحبة هى رباط الكمال، الذى يحكم الرابطة بن الناس فالخطية تفعل عكس ذلك. لان الخطية فى حد ذاتها تعد.

«كل من يفعل الخطية يفعل التعدى أيضاً. والخطية هى التعدى» (1يو 3: 4).

– هى تعد على وصايا الله، وهى تعد على الناس أيضاً. ماذا نقول فى القاتل والسارق والضارب والزانى؟ ألا يعتبر بخطاياه هذه متعديا على غيره؟!! فماذا عساه يفعل مثل هذا المعتدى فى علاقات الانسان بالآخرين؟!!

(5) تسبب غضب الله:

والخطية تهيج غضب الله على الانسان. فبسببها لعن الله الارض التى خلقها وأحسن تكوينها فقال لآدم بعد أن أخطأ.

«ملعونة الأرض بسببك» (تك 3: 17)).

. وبسببها أحرق الرب مدينتى سدوم وعمورة بما فيهما وصارتا رمادا. وجعلهما «عبرة للعتيدين أن يفجروا»، ولم تجد فيها شفاعة ابراهيم ولا سكنى لوط (2بط 2: 5، 6).. وبسببها ايضاً ضرب الرب بنى اسرائيل فى البرية فسقط ثلاثة وعشرون الفا بعد أن زنوا مع بنات موآب (1كو 10: 8) ولو كان الأمر على خلاف ذلك، فما الذى أبكى داود العظيم ليلا ونهارا حتى صار يبل فراشه بدموعه يمزج شرابه بعبرات عينيه..؟!!

وهى تحرم الانسان من معونة القدير. فبنو اسرائيل الذين سار الرب أمامهم، وأعطاهم غلبة على شعوب وأمم تفوقهم عددا وعدة، تخلى عنهم بسبب خطية فرد واحد منهم هو عاخان بن كرمى، فانهزموا أمام قرية عاى الصغيرة (يش 7). فالخطية تفصل بيننا وبين الهنا فلا تصل صراخاتنا اليه «ها أن يد الرب لم تقصر عن أن تخلص، ولم تثقل اذنه عن أن تسمع، بل ان آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين الهكم، وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع» (أش 59: 1 و2). وقال داود النبى.

«ان راعيت اثما فى قلبى فلا يستمع لى الرب» (مز 66: 18)).

وبالتالى هى: تمنع عنا خيرات الرب وعطاياه «آثامكم عكست هذه وخطاياكم منعت الخير عنكم» (أر 5: 25).

(6) تجلب العار والأمراض:

ولا شئ يجلب العار للنفس، والفشل فى الحياة، مثل الخطية.

«فالبر يرفع شأن الأمة، وعار الشعوب الخطية» (أم 14: 34)).

وان أردت أن تعرف قوة هذه الكلمات، فانظر الى الزناة والسكيرين والمدمنين على المكيفات والمخدرات..

وبالاضافة الى ذلك، فقد تسبب امراضاً للجسد كما يتبين ذلك من كلمات رب المجد فى انجيله المقدس. فمثلا نجده يقول لمريض بيت حسدا الذى مكث مريضا، ثمانى وثلاثين سنة.

«ها أنت قد برئت. فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر» (يو 5: 14)).

(7) تجلب الخوف:

وأخيراً فان الخطية تذل الانسان وتحط من قدره. فهى تورثه الخوف (رؤ 21: 8). والخجل (تك 2: 25، أم 13: 5)، وتفقده سلطانه حتى على ذاته فيصبح مستعبدا للعادات السيئة التى لا يملك التحرر منها. ويتملكه الخوف من أقل الأشياء وأتفه الكائنات كالحيوانات الضعيفة والحشرات الحقيرة، بعد أن كان يحيا فى الفردوس مع الحيوانات التى تعرف الان باسم الحيوانات المفترسة دون أن يناله منها أدنى اذى، بل كانت جميعها خاضعة له بموجب السلطان الالهى الذى ناله من الله (تك 1: 26). لكن الانسان تخلى عن السلطان طواعية بسقوطه فى الخطيئة، وهكذا بدأ الخوف يعرف طريقه الى الانسان. لكننا بحياة التوبة نجاهد لنصل الى حالة البر التى كان عليها آدم قبل السقوط.. وهكذا سمعنا عن قديسين كثيرين تآنسوا مع الوحوش.

ماذا تفعل التوبة؟

التوبة هى رسالة المسيحية.. فيوحنا المعمدان، الذى هيأ الطريق أمام المسيح دعا الناس الى التوبة (مر 1: 4). والرب يسوع نفسه كرز بانجيل التوبة. وهكذا أوصى تلاميذه أن ينادوا فى الناس بالتوبة «توبوا لأنه قد اقترب منكم ملكوت الله».

ان كلمة «مطانية» هى كلمة يونانية، وتعنى التوبة.. وهى فى اصلها اللغوى تعنى تغيير القلب وتغيير اتجاه الحياة.. وهكذا نجد أن التوبة فى المفهوم المسيحى تعنى الحياة الجديدة، أو جدة الحياة.. هكذا عبر بولس الرسول عن هذا المفهوم بقوله.

«ان كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة. الاشياء العتيقة قد مضت. هو ذا الكل قد صار جديد» (2كو 5: 17)).

فالمسيحية تنادى بالجدة فى كل شئ، وتعلم ألا يجعل أحد رقعة جديدة على ثوب عتيق، أو يجعل خمرا جديدة فى زقاق عتيقة (مت 9: 16، 17). وكلمات رب المجد هذه تلقى ضوءا على المفهوم السليم للتوبة.. أنها تغيير كامل شامل للحياة كلها، وليس مجرد وضع رقع على الثوب العتيق..

هكذا فهم القديسون التوبة، ونعتوها بأروع النعوت.. فقالوا عنها مثلا أنها: صلح مع الله، ومعمودية ثانية، وتطهير للخطايا، ومحو للآثام، ورجوع الى الله. انها تصلح ما أفسدته الخطيئة، وتبنى ما هدمته المعصية. تجدد قلب الخاطئ، وتلبس الآثم حلة البر. انها تطرد عنا أعمال الظلمة وقوات الشر. تعافى المريض بالخطية، وتقيم الموتى بالذنوب والآثام. هى بحر يغسل جميع الدنسين ويطهرهم.. انها تجتذب من الطرقات الى الملكوت، ومن السياجات تدخل الى عرس الختن..

بالخطية نخسر كل المواهب والفضائل والنعم، والتوبة تعيدها الينا. طريق التوبة طريق أمين. وهى باب مفتوح للخلاص لا يغلق اذ هو صدر الله الحنون.

«من يقبل الى لا أخرجه خارجاً» (يو 6: 27)).

التوبة تهدئ غضب الله. فقد رحمت أهل نينوى بعد أن ندم الملك والرعية. والآباء والأمهات والأبناء، ناثرين الرماد على رؤوسهم، لابسين المسوح، جالسين فى التراب.

الإله الرحوم الذى نعبده

(1) رحمة الله يتغنى بها الأنبياء والرسل

تستند فكرة التوبة على صفة الرحمة فى ذات الله. هذه الصفة التى اهتم الله بتثبيتها فى عقول البشر، الذين يعرف ضعف طبيعتهم، عن طريق مواعيده المتكررة الثابتة الاكيدة فى كتابه المقدس. وهكذا تغنى بالرحمة الانبياء والرسل والقديسون، مبشرين البشر بها. فقال الله قديماً لشعبه.

«الرب اله رحيم ورؤوف، بطئ الغضب وكثير الاحسان والوفاء. حافظ الاحسان الى الوف. غافر الاثم والمعصية والخطية» (خر 34: 6).

، 7).

أما داود العظيم ذو القيثارة الملائكية فقد تغنى فى كثير من مزاميره بمراحم الله الواسعة الكثيرة. بل بلغ به التحمس فى أحدها أن أخذ يحث نفسه أن تشترك معه وهو يشدو لحنه العذب، بقوله «باركى يا نفسى الرب وكل ما فى باطنى ليبارك اسمه القدوس.. الذى يغفر جميع ذنوبك الذى يشفى كل أمراضك.. الذى يكللك بالرحمة والرأفة.. الرب رحيم ورؤوف طويل الروح. لا يحاكم الى الابد ولا يحقد الى الدهر. لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا، لأنه مثل ارتفاع السموات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه. كبعد المشرق من المغرب أبعد عنا معاصينا كما يترأف الاب على البنين يترأف الرب على خائفيه. لانه يعرف جبلتنا يذكر أننا تراب نحن» (مز 103). وفى موضع ثان قال مسبحاً.

«الرب حنان ورحيم، طويل الروح وكثير الرحمة. الرب صالح للكل ومراحمه على كل أعماله» (مز 145: 8).

، 9). وفى موضع ثالث.

«رحمتك يا رب قد ملأت الأرض» (مز 119: 64).

وفى موضع آخر يقول مناجياً الله.

«رحمتك أمام عينى» (مز 26: 3).

وتسمو الرحمة ويرتفع قدرها فى نظر النبى والملك حتى تغدو فى نظره أنها أهم من الحياة فيقول.

«لأن رحمتك أفضل من الحياة» (مز 63: 3)).

أما يونان النبى الذى انذر مدينة نينوى بالدمار بسبب خطاياه، فنجده وقد تضايق من فرط مراحم الله، قال فى تنهد وتأوه.

«آه يا رب. اليس هذا كلامى اذ كنت بعد فى أرضى. لذلك بادرت الى الهرب الى ترشيش، لأنى علمت انك اله رؤوف ورحيم، بطئ الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر» (يون 4: 2)).

وهكذا غدت مراحم الله العظيمة مادة لتأمل رجال الله القديسين على نحو تأملهم فى الطبيعة وما فيها، فيقول أرميا النبى «أردت هذا فى قلبى: من أجل ذلك أرجو أنه من احسانات الرب اننا لم نفن. لأن مراحمه لا تزول هى جديرة فى كل صباح. كثيرة أمانتك» (مراثى 3: 21 - 23). وكأنى بهذا النبى كان يرى ويلمس هذه المراحم جديدة فى كل صباح. تلك كانت التعبيرات فى العهد القديم..

أما فى العهد الجديد، عهد الفداء والخلاص والنعمة، فنجد الرسل وهم يتحدثون عن الفداء والخلاص يبرزون رحمة الله فى هذا الفداء المجانى، والخلاص الذى صنعه الرب لنا. ولا عجب فى ذلك فعمل الفداء كله قائم على أساس رحمة الله. فلولا الرحمة ما كان فداء وخلاص، «فقد أحبنا بلا سبب» من أجل رحمته الكثيرة. ونجد هذه الفكرة واضحة فى كتابات كتبه العهد الجديد ورجاله.

فزكريا أبو يوحنا المعمدان بعد أن امتلأ من الروح القدس نسمعه يقول عن ابنه يوحنا متنبئاً.

« وأنت أيها الصبى نبى العلى تدعى لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعد طرقه. لتعطى شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم. بأحشاء رحمة الهنا التى بها افتقرنا المشرق من العلاء، ليضئ على الجالسين فى الظلمة وظلال الموت، لكى يهدى أقدامنا فى طريق السلام» (لو 1: 76 - 78).

وبولس الرسول يقول.

«الله الذى هو غنى فى الرحمة من أجل محبته الكثيرة التى أحبنا بها، ونحن أموات بالخطايا أحيانا معا المسيح» (أف 2: 4).

، 5). وقال أيضاً «لا بأعمال فى بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس» (تى 3: 5). ومعلمنا بطرس يقول فى رسالته.

«مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذى حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حى بقيامه يسوع المسيح من الاموات» (1بط 1: 3)).

2 - الرحمة وعملية الفداء:

لكن ما علاقة الفداء القوية برحمة الله؟

ان هذا يتعلق بقضية الغفران عامة. فلولا رحمة الله ما كان غفران، وما أفلحت توبة. فأنا أتوب من أجل الحصول على غفران خطاياى، فلو لم يغفر الله لى خطاياى فما فائدة التوبة؟ فلنأكل ونشرب ونلهو لاننا غدا نموت.

ولكن كيف يغفر الله لى ذنوبى وآثامى؟ إلا يكون فى الغفران تناقض مع وصايا الله التى نهت عن الخطية، وتوعدت فاعليها بالقصاص والعقاب؟! أو بعبارة أخرى، ألا يكون فى الغفران تناقض مع عدل الله الذى يقضى بأن.

«أجرة الخطية هى موت» (رو 6: 23).

؟!!

كان يمكن أن يكون كذلك لو لم يكن لرحمة الله دخل وعمل. فالرحمة تظهر وتتقدم، وتتقابل مع عدل الله فى طريق القصاص. وهذا ما يصوره داود النبى تصويرا بديعاً بقوله.

«لأن خلاصه قريب من خائفيه. ليسكن المجد فى أرضنا الرحمة والحق التقيا. البر والسلام تلائما» (مز 85: 9).

، 10). ورحمة الله لم تلغ عدله، ولم تبطل عمله، لكنها أوجدت حلا، وهذا الحل قائم فى أن الله يموت فداء عن الانسان الذى أخطأ. الله غير المحدود يتخذ جسدا مثلنا ليفدى الانسان الذى استحق عقابا غير محدود نتيجة وصية الله غير المحدود. ذلك الفداء الذى لم يكن ممكنا لملاك أو رئيس ملائكة أو نبى أن يتممه.

3 - الله الرحوم يعد بالمغفرة للتائبين:

نستطيع القول فى ثقة ويقين، اننا الآن فى عصر الرحمة، التى ما بعدها رحمة.. الرحمة التى احتملت الاهانات والتعييرات حتى الموت. فلنقبل اليه تائبين، نادمين، معترفين بخطايانا، مقرين بآثامنا، واثقين من صدق مواعيده، وأنه ما زال فاتحا احضانه، منادياً الجميع «تعالوا.. وأنا أريحكم»،.

«من يقبل الى لا أخرجه خارجاً» (يو 6: 37)).

هو مستعد ان ينسى خطايانا ويترك آثامنا، ويتغاضى عن جهالاتنا ولا يعود يذكرها، بل يطرحها فى بحر النسيان «من هو اله مثلك غافر الاثم، وصافح عن الذنب لبقية ميراثه. لا يحفظ الى الابد غضبه فانه يسر بالرأفة. يعود يرحمنا، يدوس آثامنا وتطرح فى أعماق البحر جميع خطاياهم» (ميخا 7: 18، 19).

ما أكثر مواعيد الله التى تشجعنا لنقبل اليه تائبين. لقد وعدنا بان ينسى كل خطايانا الماضية لنصبح معه وبه وفيه خليقة جديدة. قال الرب بلسان حزقيال النبى «اذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التى فعلها وحفظ كل فرائضى، وفعل حقا وعدلا فحياة يحيا. لا يموت. كل معاصيه التى فعلها لا تذكر عليه. فى بره الذى عمل يحيا. هل مسرة أسر بموت الشرير يقول السيد الرب، الا برجوعه عن طريقه فيحيا. واذا رجع البار عن بره وعمل اثماً، وفعل مثل كل الرجاسات التى بفعلها الشرير. أفيحيا؟ كل مرة الذى عمله لا يذكر فى خيانته التى خانها، وفى خطيته التى أخطأ بها يموت» (حز 18: 21 - 74). وقال بلسان اشعياء النبى.

«ليترك الشرير طريقه ورجل الاثم أفكاره، وليتب الى الرب فيرحمه، والى الهنا لأنه يكثر الغفران» (اش 55: 6).

، 7). وقال القديس بطرس الرسول.

«توبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم، لكى تأتى اوقات الفرج من وجه الرب» (أع 3: 19).

،.

« وهو لا يشاء أن يهلك أناس، بل أن يقبل الجميع الى التوبة» (2بط 2: 9)).

. فيالها من أقوال الهية تريح النفوس المتعبة وتدخل الطمأنينة الى القلوب الواجفة...

ولكن الدرة الكريمة التى تزين تاج الرحمة الذى توج به رب المجد هامة الخطاة، هى أقواله وأمثاله التى تركها لنا ناطقة بحبه، معلنة رحمته داعية الجميع للتوبة. ومن هذه الامثال ما اورده القديس لوقا الانجيلى فى الاصحاح الخامس عشر من بشارته.

أفتتح البشير هذا الاصحاح بالكلمات الآتية:

« وكان جميع العشارين والخطاة يدنون منه ليسمعوه. فتذمر الفريسيون والكتبة قائلين: هذا يقبل خطاة ويأكل معهم. فكلمهم بهذا المثل قائلاً... » (لو 15: 1 - 3)).

أما الامثلة التى ضربها رب المجد ردا على تذمر الفريسيين والكتبة فى تلك المناسبة، مبرهناً على حبه العميق للخطاة، فهى ثلاثة: مثل الخروف التائه (الضال)، ومثل الدرهم المفقود، ومثل ا لابن الضال (الشاطر). وكل مثل من هذه الامثلة ناطق بمحبة الله للخطاة البعيدين وحدبه عليهم بصورة عجيبة، تدعو الى كثير من الدهشة، وتحمل الانسان فى النهاية على الاستسلام لدعوة التوبة، وهو يقول فى صوت متهدج من فرط الخجل.

«يا رب ماذا تريد أن أفعل» (أع 9: 6)).

لكن دعنا نتأمل فى أحد هذه الامثلة وهو الخاص بالابن الضال (لو 15: 11 - 32).

4 - مثال الابن الضال:

فالابن الذى ترك بيت أبيه، هو مثال للنفوس التى تترك الله وبيته ذلك الابن مسافر الى كورة بعيدة حيث بذر فيها ماله بعيش مسرف، وهناك أحتاج، فاشتغل برعى الخنازير، واشتهى أن يملأ بطنه من الخرنوب... هذه كلها صور لما تقود اليه الخطية والبعد عن الله. هذا الابن بمجرد أن شعر بسوء ما آل اليه حاله، قام ليرجع الى أبيه ويعتذر له طالباً الصفح. وهذه تشير الى طريق التوبة وخطواتها. يقول السيد المسيح عن ذلك الابن «فقام وجاء الى أبيه، وأذ كان لم يزل بعيدا، رآه ابوه فتحنن، وركض، ووقع على عنقه وقبله». ما أقوى هذه الكلمات، وما أروع هذا التعبير، الذى أراد الرب أن يصور به حبه الشديد للخطاة وحنوه عليهم...

« وإذ كان لم يزل بعيداً رآه أبوه». على أى شئ تدل هذه الكلمات، الا على الانتظار؟ الأب فى عاطفته الأبوية، ينتظر ابنه الذى تركه فى غير أسف، وطالب ما يخصه من مال فى غير خجل!! فان كان هذا هو حال الأب الجسدى الذى تشوب حياته النقائص فكم تكون مشاعر الآب السماوى نحو أولاده؟!! وهو الذى يوبخنا فى موضع آخر من الانجيل المقدس بقوله.

«فان كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحرى أبوكم الذى فى السموات يهب خيرات للذين يسألونه» (مت 7: 11)).

ثم ما هى نتيجة رؤية الأب لابنه الضال؟ «تحنن، وركض، ووقع على عنقه، وقبله». كل هذه الخطوات من جانب الأب نحو ابنه تمت قبل أن يتفوه الابن بكلمة اعتذار واحدة لابيه، أو حتى يقدم دليلا على ذلك.. وربما كانت هذه الخطوات من جانب الاب أيضاً أمراً لا يتناسب معه. اذ كيف يركض (يجرى) الاب: الم يكن هذا جديرا بالابن الشاب، واليق به؟! لكنها المحبة التى تنسى كل الاساءات وتمحو كل السيئات. وأن ذلك الاب الجسدى أظهر حباً بهذا المقدار نحو ابنه الذى تمرغ فى حماة الاثم. فكم يكون حب الله لابنائه، الذين اقتنصهم عدو الخير لارادته، وقيدهم بقيود الظلمة، وأذلهم تحت سلطانه؟! الا يحنو عليهم، ويفكهم من قيوده، ويحررهم من عبوديته، ويمتعهم ببنوته؟! ألا يفعل ذلك وهو القائل بفمه الالهى الطاهر.

«لا يحتاج الاصحاء الى طبيب بل المرضى.. لأنى لم آت لأدعو ابرارا بل خطاة الى التوبة» (مت 9: 12).

و13).

كانت هذه المشاعر من جانب الأب، فماذا فعل الابن نحو أبيه؟ كان الابن وهو بعد فى الكورة البعيدة، قد تعاهد مع نفسه أن يقول لأبيه معتذراً حينما يلقاه «يا أبى أخطأت إلى السماء وقدامك. ولست مستحقاً بعد أن أدعى لك ابنا. اجعلنى كأحد أجراك». وحدث لما تقابل مع أبيه ان قال نفس هذه الكلمات، لكن الاب لم يدعه يقول العبارة الاخيرة منها «اجعلنى كأحد اجراك». وهذا التصرف من جانب الاب له أهميته ودلالته فى علاقتنا بالله فنحن لا نفقد بنوتنا للآب السماوى، مهما ارتكبنا من معاصى وشرور. ولذا فالكنيسة المقدسة لا تعيد المعمودية – التى بها ننال نعمة البنوة لله – حتى فى حالة رجوع الانسان المرتد عن الايمان. ومن هنا كان علينا ألا ننسى ابداً أبناء الله، تبنانا لذاته، وقدم دمه الالهى ثمناً لهذه البنوة «عالمين انكم افتديتم لا بأشياء تفنى، بفضة أو ذهب.. بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب دم المسيح» (1بط 18، 19). ان كلمة «أبانا» هى الكلمة الشجية ذات النغم العذب التى يلذ للرب سماعها فأمر تلاميذه أن يكرروها.

«متى صلبتم فقولوا أبانا الذى فى السموات» (لو 11: 2)).

ثم ماذا بعد هذا فى هذه القصة؟ ماذا بعد أن قدم الابن المتمرد توبة واعتذار؟ لقد صدر أمر الاب لعبيده «اخرجوا الحلة الاولى وألبسوه، واجعلوا خاتماً فى يده، وحذاء فى رجليه. وقدموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح. لأن ابنى هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد». كان الابن عرياناً من جراء الخطية (تك 3: 7)، فكساه أبوه. وهذا ما تفعله التوبة، اذ تلبس الآثم حلة البر كما يقول القديس الشيخ الروحانى.. ونحن نسائل أنفسنا «ألم يكن الابن الاكبر الذى عاش فى طاعة أبيه، خليقاً بها؟! ». لكنها أحشاء الرأفات التى للاباء، فالابن المريض يتمتع بعطف أبيه أكثرمن بقية أخوته، وهكذا مريض الروح يتمتع بعطف الآب السماوى أكثر من التسعة والتسعين الذين لا يحتاجون الى الطبيب (أو الى شفاء). أما الخاتم الذى جعلوه فى يده، فهو علامة العهد بين الآب وابنه، أنه لا يعود يذكر تعدياته. لقد كان كل اهتمام الاب أن يكسو عرى أبنه. لكى يعود له مظهر الابن فى بيت أبيه وكأنه لم يفعل شراً.

ان الابن لم يقدم لابيه سوى مشاعر صيغت فى كلمات، أما الاب فعوض هذه خلع عليه من خيراته. وهكذا نحن فى علاقتنا مع أبينا السماوى ليس لنا سوى مشاعرنا القلبية نقدمها فى عبارات وعبرات. فيقبلنا إليه ويغنينا من فيض غناه، ويهبنا عطايا روحية، ومواهب قدسية، عوض ما خسرناه بالخطية..

فانظر يا أخى الى مراحم الهنا التى لا يعبر عنها، وحنوه عليك، ومحبته لك، واشتياقه الى خلاصك، حتى فى الوقت الى تهينه وتغيظه وتكون سببا فى التجديف على اسمه المبارك العظيم..

كيفَ أتوبُ؟.

1 - حاسب نفسك:

الخطوة الأولى فى طريق التوبة هى محاسبة النفس. اجلس مع نفسك وحاسبها على نحو ما فعل الابن الضال. استعرض حالات شقائك وتعبك وقلقك وفقدان سلامك، وقل لذاتك «كم من أجير لابى (السماوى) يفضل عنه الخبز «النعم الروحية»، وأنا أهلك جوعاً (روحياً).. ما الذى سلبنى سعادتى وراحتى وفرحى وسلامى..؟ ما الذى جنيته طوال ليل حياتى المظلمة نتيجة أفعالى الاثيمة؟ ان كنت صريحاً مع نفسك، وأميناً فى محاسبتها فستكون الخاتمة، وقفة خاشعة أمام الله، وصلاة خارجة من قلب ملؤه الخجل، ووجها منكساً الى أسفل، وعينين دامعتين، ويدا تقرع على الصدر فى ندم، وشفتين ترددان نفس كلمات ذلك الابن (يا أبى أخطأت الى السماء..).

والحق أن حساب النفس يعتبر – ولا شك – من المقومات الاساسية للحياة الروحية. تكلم عنه قديسون وأفاضوا فى أهميته. فنحن قد نخجل من مكاشفة الآخرين بمكنونات دواخلنا ودقائقها، لكننا لا نخجل من أنفسنا. وقد لا نتقبل فى رضى تأنيب الآخرين ولومهم، أو فى القليل توجيههم، لكن نفوسنا لن تتململ منا حين نلومها ونقرعها ونقسو عليها...

ولا تقتصر منافع حساب النفس على الناحية السلبية، أى نواحى مراجعة الاخطاء، بل أيضاً تمتد إلى النواحى الإيجابية نعنى بها الفضائل. فالنفس الانسانية من شأنها أن تفتر عواطفها المقدسة بسهولة بسبب ميول الجسد الرديئة، ما لم ترتق مرارا باجتهاد وتغصب انها كالطائر الذى اذا نوقف عن تحريك جناحيه أثناء طيرانه لا يستطيع أن يرتفع الى أعلا.

حاسب نفسك اذا لتعرف اخطاءها وعيوبها ونقائصها، ومتى عرفتها ووقفت عليها. فلم نفسك وأنبها بقسوة. نحن نهدف من هذا العمل الى التغلب بأنفسنا على عيوبنا والتخلص من أخطائنا التى نستعبد لها. استعرض الظروف التى صاحبت خطية معينة مثلاً، والاشخاص والمواقف التى ساعدت على الوقوع فيها.

مثال:

فمثلاً اذا كنت تغضب كثيرا، فقل لنفسك وأنت تحاسبها «لماذا غضبت و(فلان) يكلمنى اليوم؟ ماذا قال لى؟ ماذا فى كلامه؟ ألم يكن ممكناً أن آخذ كلامه ببساطة؟ وهب أن كلامه يدعو للاثارة، فأين الاحتمال اذن، والسيد المسيح احتمل كثيرا؟ وهل الاهانة التى ظننت انها لحقتنى كالاهانات التى احتملها ابن الله؟ هل أنا تلميذ أمين للرب الذى قال «ليس التلميذ أفضل من معلمه.. يكفى أن يكون التلميذ كمعلمه والعبد كسيده».. أن سبب غضبى على «فلان» هو ضعف محبتى له، فلم آخذ كلامه بمحبة، ثم تسرعى فى الكلام... ألخ». وهكذا فى كل ضعفات الانسان. والغرض من ذلك لكى تعالج نفسك بنفسك، فتسد منافذ الخطية التى تنفذ منها اليك فلا تتعرض لها، وأيضاً لكى تتدرب على الاعتماد على نفسك والتدقيق فى حياتك الروحية حسبما يقول الرسول.

«فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق» (أف 5: 15)).

تحذير

ان تذكرنا لخطايانا أمر جيد يجلب لنفوسنا خشوعاً. لكن نريد أن ننبه الى أمر قد يستغله عدو الخير لمضرتنا... يحدث أحيانا حينما يتذكر الانسان خطاياه ليندم عليها، أن أبليس يحاول اقتياده بالفكر ثانية الى جو الخطية التى يريد تذكرها ليقدم عليهان ويستثير فيه المشاعر القديمة. وقد تحدث هذه الحالة بوضوح فى خطايا الشهوة الجنسية والغضب والحقد والمجد الباطل. ولذا تصلى الكنيسة المقدسة فى القداس الالهى «طهرنا من كل دنس، ومن كل غش، ومن كل رياء ومن كل فعل خبيث، ومن تذكار الشر الملبس الموت... ». فبمجرد انتباهك الى هذه الحرب الجديدة اقطع هذه الافكار. وان كان الشيطان سيحاربك عن هذا الطريق فاتركه نهائيا واستخدم وسيلة أخرى تجلب لنفسك ندما وخشوعاً..

متى تكون محاسبة النفس؟

أما أنسب الأوقات لحساب النفس من أجل نمونا الروحى فهى:

+ عقب الخطية مباشرة حتى نندم عليها ونتوب عنها.

+ آخر كل يوم حتى نصفى الحساب اليومى ونبدأ فى اليوم التالى صفحة جديدة.

+ قبيل التوجه للاب الكاهن للاعتراف، حتى يكون اعترافنا كاملا.

+ فى نهاية كل أسبوع باعتباره وحدة زمنية، نأخذ عقبه يوم راحة للجسد. وحبذا أن تقترن راحة الجسد براحة الروح.

+ فى نهاية كل عام. فاذا كنا بنعمة الرب قد سلكنا فى خوفه ذلك العام وشعرنا بمعونته فى حياتنا نهتف شاكرين.

«كللت السنة بجودك وآثارك تقطر دسماً» (مز 65: 11)).

واذا كانت حياتنا غير مرضية، ونبت الشوك فى حقلنا الداخلى، وشجرة حياتنا حملت ورقا ولم تعط ثمرا، نتذكر الصوت الصارخ فى البرية.

« والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيد تقطع وتلقى فى النار» (مت 3: 10).

فنتضرع الى الرب فى تذلل وانكسار قائلين.

«يا سيد اتركها هذه السنة أيضاً» (لو 13: 8)).

وقد ذكر القديس غريغوريوس النزينزى (الثيؤلوغوس) عن المسيحيين القدامى أنهم كانوا يمارسون حساب النفس السنوى فى عيد الظهور الالهى (الغطاس)، أى فى تذكار عماد السيد المسيح، لأنهم كانوا يجددون فى ذلك اليوم ما عاهدوا الله به فى يوم عمادهم.

تنتهى بصلاة:

وعلى أى حال، يجب علينا فى نهاية جلسة حساب النفس أن نرفع صلاة الى الله، أما معترفين بذنوبنا وضعفاتنا طالبين الغفران والعون، وأما شاكرين معونته ونعمته طالبين ان يسندنا الى النهاية لكى نخلص. حتى فى حالات حساب النفس عقب الخطية مباشرة، يمكننا أن نرفع القلب الى الله أما فى ندم وتوبة، وأما فى شكر وحمد، حتى لو كنا فى الطريق العام وسط الزحام..

2 - فكر فى عواقب الخطية:

فكر فى عواقب الخطية التى سبق الكلام عنها فى صدر هذا الموضوع، وأعلم أنها تهين الله جداً. وتهيج غضبه عليه، وتفصلك عن الهك، وتحرمك سلامك، وتورثك القلق. وان لم يكن الامر هكذا، فما الذى أبكى القديسين على خطاياهم السالفة، ومن هؤلاء داود النبى، الذى وهو ملك عظيم، كان يبكى بكاء كثيرا، بل بلغ به الامر الى حد انه تعب من تنهده ندماً، وكانا يعوم كل ليلة سريره، وبدموعه يبل فراشه، وساخت من الغم عيناه (مز 6: 6، 7). كل ذلك فعله داود من أجل خطية أرتكبها، وهو المرنم الحلو، صاحب العود والقيثارة، وكان دائما يقول.

«خطيتى أمامى فى كل حين» (مز 51: 3)).

أما نحن فلا نبالى بخطايانا، وحينما نشعر بضيق نفسى نحاول أن نسرى عن أنفسنا بوسائل مصطنعة مسكنة، فنذهب الى أماكن اللهو والتسلية، وكان حريا بنا أن نفتش ذواتنا ونثوب الى رشدنا ونرجع عن غينا ونكتشف الخطايا الرابضة عند باب قلبنا... تذكر خطاياك وجهالات صباك وابك عليها ان أمكنك ذلك، فدموعك تغسل ذنوبك. يقول القديس يوحنا ذهبى الفم «أنظر ذاتك أيضاً فانك متى تذكرت خطيتك فالله لا يذكرها، وان نسيتها فالله لا ينساها».

3 - الراحة والخلاص هما فى المسيح وحده:

كن على يقين أن الراحة الحقيقية والفرح الكامل، والسلام الذى يفوق كل عقل، لا ولن يحصل عليه انسان الا بالمسيح وفى المسيح الذى قال.

«تعالوا الى يا جميع المتعبين والثقيلى الاحمال وأنا أريحكم» (مت 11: 28)).

وهو الذى أعطى تلاميذه سلامه الكامل، وتركه لهم ولكل المؤمنين باسمه، عطية دائمة مقدسة تفوق عطايا الدنيا كلها.

«سلاماً أترك لكم. سلامى أعطيكم. ليس كما يعطى العالم أعطيكم أنا» (يو 14: 27).

ضع فى قلبك أن الخلاص من الخطية ومن سلطانها انما هو بالمسيح وحده، بالايمان باسمه، والايقان بقوته ومعونته، والرجاء فى رحمته، وباستخدام وسائط الخلاص التى رسمها لنا فى كنيسته. اذا.

«ليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطى الناس به ينبغى أن نخلص» (أع 4: 12)).

فمهما جاهدنا بقوتنا الذاتية ضد الخطية، ومهما احكمنا تفكيرنا للتخلص من ميولنا المنحرفة، وكبح جماح شهواتنا، فلن نستطيع ذلك بدون السيد المسيح الذى قال.

«بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً» (يو 15: 5)).

فاياك أن تتكل اذن على ما تظن أنه قد ينفعك. اياك أن تعتمد على ارادتك أو حكمتك أو معرفتك الروحية. ان هذه كلها – دون الاتكال على ذراع الله القوية – لا تنفعك. اجعل الله كل شئ فى حياتك. وتذكر كلمات المرتل.

«ان لم يبن الرب البيت فباطلاً تعب البناؤون. ان لم يحفظ الرب المدينة فباطلاً يسهر الحارس» (مز 127: 1).

حقا ان لم يبن الرب بناء حياتى الروحية، وان لم يحرس مدينة أورشليم الداخلية (القلب) فباطل هو كل جهادنا وسهرنا على خلاص أنفسنا.

4 - تأمل فى تفاهة العالم وبطلانه:

أنظر يا أخى الى العالم فى تفاهته لا فى غروره. وأعلم انه باطل الاباطيل الكل باطل. استعمل العالم ولا تدعه يستعملك. واحيا فى العالم ولا تدعه يحيا فى قلبك. لقد سبقتك الى هذا العالم كثيرون، منهم ملوك ورؤساء وعظماء. لكن أين هم الآن؟ هل اذا ذهبت الى المقابر تستطيع أن تميز عظام الملك من عظام رعيته، أو عظام السادة من عظام عبيدهم، أو عظام الحكماء والفلاسفة من عظام السفهاء والجهلاء؟!

اياك يا أخى أن تلهيك امجاد العالم الزائلة وغروره الباطل عن الاهتمام بخلاص نفسك، فتهمل أمر خلاصك وتؤجل توبتك. ان امجاد العالم الزائلة هى الفخ الذى ينصبه لك عدو الخير. فقد تجاسر ابليس وتقدم الى رب المجد مجرباً « وأراه جميع ممالك العالم ومجدها. وقال له أعطيك هذه جميعها»... أما الرب فقد انتهره بقوله.

«اذهب يا شيطان» (مت 4: 8).

، 10). ان غرور العالم يشبه المصباح الذى يجذب اليه الفراش الجميل، فيحوم حوله وهو يرقص طربا، ثم ما يلبث أن يسقط فى داخله فيحترق لوقته.. ما أروع ما قاله الأب صاحب «انطلاق الروح» فى شعره النسكى، مشيرا الى ذلك الغنى الغبى:

سأهدم فى المخازن ثم ابنى

وأجمع فضتى وأضم تبرى

وأغرس لى فراديسا كبارا

بأثمار وأطيار زهر

وأسعد بالحياة ومشتهاها

وأنعم فى رفاهية وخير

وابنى معبد للمال ضخماً

أقدم فيه قربانى وشكرى

وماذا بعد هذا ليت شعرى

سألقى الموت مهما طال عمرى

وهذا المال يا ويحى عليه

سأترك كل أموالى لغير

وأفنى مثل مسكين فقير

وأرقد مثله فى جوف قبر

ونسمة قبره ستهب حولى

ولا تفريق بين غنى وفقر

5 - أعرف قيمة نفسك:

لو عرفت قيمة نفسك لما أهملت أمر خلاصها ولما توانيت عن توبتها. ان نفسك لهى اسمى وأثمن من العالم وما فيه. الم يقل رب المجد.

«ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. أو ماذا يعطى الانسان فداء عن نفسه» (مت 16: 26).

، فكأن ربح العالم كله لا يساوى خسران النفس! أن نفسك ثمنها دم المسيح الذى سفك على الصليب لاجل خلاصك. ومن العجيب حقاً، أنه يوجد أناس، ليس أذل واحقر لديهم من نفوسهم فى نظرهم. فمتى تلوثت أحذيتهم بالطين حالاً يسرعون بتنظيفها، واذا أنشت ثيابهم يبادرون برتقها، أما تنظيف نفوسهم، وتقويم طريقتهم، فأمر لا يأبهون له ولا يهتمون به. ماذا تنتظر يا أخى؟! اننا الآن فى زمن الرحمة، وغدا – فى السماء – سنصبح فى زمن العدل... أن أنت أهنت العدل ههنا يمكنك الالتجاء الى الرحمة، لكن أن أنت أهنت الرحمة فالى من تلتجئ حينئذ؟!

6 - لا تؤجل التوبة:

لا تؤخر التوبة أو تؤجلها، فكثيرون ممن هم فى الجحيم الآن، انتقلوا من هذا العالم على أمل التوبة فى مستقبل حياتهم، ولكن الموت عاجلهم وباغتهم ولم يمهلهم. احذر أن تشابه الخمس العذارى الجاهلات اللائى جاء العريس ولم يكن مستعدات. فأغلق الباب وبقين خارجاً، وعبثاً صحن وصرخن وقرعن الباب قائلات «يا سيد أفتح لنا» فقد كان الجواب.

«الحق أقول لكن أنى ما أعرفكن» (مت 25: 11).

، 12). وذلك الغنى الذى أخصبت كورته، فلم يفكر فى أمر خلاصه بل فكر فى توسيع مخازنه..

«أقول لنفسى يا نفسى لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة: استريحى وكلى واشربى وافرحى» (لو 12: 16 - 20)).

نعم كان لهذا الغنى خيرات كثيرة. لكن لم تكن له سنون كثيرة! فقد كان صوت الله له فى نفس تلك الليلة مفزعاً «يا غبى، هذه الليلة تطلب نفسك منك» ان ذلك الانسان لم يستحق أن يسمع من الله سوى كلمة «يا غبى».

يقول الحكيم.

«لكل شئ زمان، ولكل أمر تحت السموات وقت» (جا 3: 1).

، فما هو وقت التوبة يا ترى؟ ليس هو زمان الشيخوخة على اى حال.. فالملح يوضع على اللحم لكى يحفظه من النتن، لكن ماذا ينفع الملح اللحم بعد أن يكون قد انتن؟! ربما لا يجدى تأجيل التوبة إلى زمن الشيخوخة بعد أن تكون قد فاحت من الانسان رائحة الخطية؟! ذكر عن أحد المصورين أنه على الرغم من مهارته، كان يبدأ فى رسم صورة الانسان مبتدئاً من القدمين. فكان يحدث أحياناً أن المساحة التى يرسم عليها لحجم الصورة، فتظهر الصورة بغير رأس، أو برأس غير كاملة. هكذا يوجد كثيرون عظماء وأذكياء، لكنهم يؤجلون التوبة وهى الرأس. فهل تصبح الصورة بغير رأس معبرة؟ هكذا الحياة بغير توبة غير مقبولة قال أحد الآباء «التوبة هى الآم، اهتم بالأم تلد لك بنين» والمقصود بالبنين هنا الفضائل.

ورب قائل يقول « ولماذا لا أؤجل التوبة وما هى الاضرار التى قد تحدث نتيجة لذلك؟ » والجواب هو أنه ربما تحدذ فى الفترة التى أجلت فيها التوبة أن تتكشف أماممى صور لذيذة للخطية، فأتعلق بها أكثر، ويفتر حماسى للحياة المقدسة. وقد تحدث انحرافات فى طريق حياتى، اذ من يدرينى أن الشعور بالاشتياق الى حياة فضالة مقدسة سيظل ملازماً لى فى مستقبل أيامى وحياتى.. ربما فى هذه الفترة تحدث انحرافات فى أفكارى وتتغير نظرتى للحياة الروحية العامة، ويصعب فى أيى امكان تنفيذ المبادئ الروحية فى هذا العالم. وربما يحدث أيضاً فى فترة التأجيل أن تضعف أرادتى ونيتى للتوبة والحياة المستقيمة. أضف الى هذا أن فرصة التوبة اذا تهيأت لى ولم أستجب لها، فقد تتعقد أمامى المسائل والظروف. فلا تؤجل التوبة أو تؤخرها أذن.

7 - أحذر من اليأس:

لكن حينما تتذكر خطاياك وتضعها أمامك، ربما حاول أبليس أن يقودك إلى اليأس وقطع الرجاء، فاحترس منه. أنظر الى سيدك فى محبته للخطاة ولترسم صورته فى مخيلتك وأمام عينيك وهو فاتح احضانه داعيا الجميع اليه لكى يريحهم من نير الخطية ويحررهم من عبودية أبليس. لا تخف فنحن لم نأخذ من الله روح العبودية للخوف بل أخذنا روح التبنى الذى به نصرخ يا أبا الآب (رو 8: 15). أطلب من الله فيهبك توبة وغفراناً «توبنى فأتوب لأنك أنت الرب الهى» (أر 31: 18).

ليست طلبة مقبولة لدى الله مثل الطلبة التى لأجل خلاص النفس، ففيها نطابق ارادة الله بل نفعل ما يسره، حسبما يقول معلمنا بولس «لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله، الذى يريد أن جميع الناس يخلصون والى معرفة الحق يقبلون» (1تى 2: 3، 4). وقد أطلب من الله طلبات خاصة فلا أحظى باستجابتها، لأنه يرى أنها ليست لخلاص نفسى، حتى لو كانت تلك الطلبات للحصول على فضائل معينة مثلاً! فقد يكون طلبى للفضائل قبل الاوان فى وقت يرى الله فيه أنى فى حالة روحية لا تسمح لى باقتبالها، فتكون النتيجة وقوعى فى الغرور والمجد الباطل، وهذا ما لا يشاؤه الله. أما الطلبة التى من أجل خلاص النفس فلن يرفضها الله أبداً، اذ هى ارادته. قال القديس مار اسحق « ليس شيئاً محبوباً لدى الله، وسريعاً فى أستجابته، مثل انسان يطلب من أجل زلاته وغفرانها».

اليأس الذى تكلمنا عنه، والذى قد يأتى به عدو الخير، هو نتيجة تذكر خطايانا وبشاعتها. لكن هناك نوعاً آخر من اليأس قد يأتى به علينا الشيطان، فى بدء طريق التوبة والجهاد، وهو أن يصعب لنا الطريق ويضع أمامنا العراقيل، ويحاربنا بالملل والضجر.. كل ذلك حتى نيأس من أول الطريق. لكن لنعلم جيداً أن طريق الملكوت ليس مفروشاً بالورود والرياحين. يكفى وصف المسيح له، إن بابه ضيق ومسلكه شاق وكرب (مت 7: 14). فى بداية طريق التوبة والحياة مع الله يرجع كثيرون الى الوراء. لقد أخرج الرب بنى اسرائيل بذراع قوية من مصر، ولكن ما أن وصلوا الى البرية حتى عاودهم الحنين الى أرض مصر العبودية بما فيها من خيرات جسدية ففضلوا الثوم والكرات فى ظل العبودية، عن طعام الملائكة فى ظل الحرية فى البرية.

هناك مبدأ هام فى الحياة الروحية هو مبدأ «التغصب» ويقصد به أن لا يترك الانسان ذاته الى راحتها وحريتها. فلو خلدت ذواتنا الى الراحة لما صلت ولا صامت ولا جاهدت فى أى ميدان روحى. قال السيد المسيح.

«ملكوت السموات يغصب والغاصبون يختطفونه» (مت 11: 12)).

وأكد هذا المعنى القديس بولس الرسول فى قوله.

«لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية» (عب 12: 4)).

وبقدر ما نغصب أنفسنا لحياة التوبة والصلاح والجاهد بقدر ما تأتينا معونة الله. قال القديس مارس أسحق «بقدر ما يشقى الانسان ويجاهد ويغصب نفسه من أجل الله، هكذا معونة الهية ترسل اليه وتحيط به، وتسهل عليه جهاده وتصلح الطريق قدامه... ».

لكن لا يستمر الامر هكذا شاقاً فى كل طريق الملكوت، بل أن مواعيد الله تشجعنا، وتعزياته الخفية، وصوته الصادر من داخلنا يؤازرنا ويقوينا، بل يأتى الوقت حينما يرى الرب تمسكنا به وقهر ميولنا من أجل حبه، ويرفع عنا الحروب والقتالات. قال القديس مكاريوس الكبير «الانسان الذى يرغب أن يأتى الى الرب.. كل ما يغصب نفسه لاجله ويعمله وهو متألم بقلب نافر غير راضِ، سوف يأتى عليه يوم يعمله برضى وقبول».. وما أروع التشبيه الذى أوردته القديسة سفرنيكى «جهاد عظيم وتعب يلقى المتقدمين الى الله فى البداية، وبعد ذلك فرح لا ينطق به، كمثل الذين يلتمسون أن يوقدوا نارا، ففى أولها تدخن وتدمع عيونهم، وفيما بعد ينالون المطلوب. ولانه قد قيل أن الهنا نار آكلة، فلنسكب دهن العبران لتشتعل النار الالهية داخلنا».

8 - كل الخطايا قابلة للغفران:

لا توجد خطية غير قابلة للمغفرة مهما بلغت فظاعتها وشناعتها، طالما للانسان نية التوبة. قال رب المجد.

«الحق اقول لكم أن جميع الخطايا تغفر لبنى البشر والتجاديف التى يجدفونها. ولكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة الى الأبد بل هو مستوجب دينونة أبدية. لانهم قالوا أن معه روحاً نجسة» (مر 3: 28 - 30)).

والتجديف على الروح القدس، الذى لا يغفر، والذى ورد ذكره فى هذه الآية، ليس هو خطية مجردة، بقدر ما هو حالة روحية معينة يصل فيها الانسان الى الفساد الطوعى والعناد والمقاومة المقصودة للمعرفة الصريحة وتأنيبات الضمير الشاهد بتأثير الروح القدس فى القلب.. فهو والحال هذه ليس كخطية الزنى أو القتل أو السرقة مثلاً. فقد يرتكب الانسان أبشع الخطايا، وقد يتكلم بجهالة ضد أبن الله، ويجدف عليه بعدم ايمان على نحو ما كان عليه بولس الرسول قبل تجديده، لكن كل ذلك يغفر بفعل وتأثير الروح القدس الذى يقوده الى التوبة. أما الذى يعتاد رفض عمل الروح القدس وتأثيره، ويتعمد اخماد صوت ضميره الذى يؤنبه، فهو يحرم من الغفران حرماناً أبدياً، اذ يفقد كل وسيلة لارشاده وتأنيبه، لأن مهمة الروح القدس اثارة القلوب وأرشادها ثم اقناعها بالحق...

« ومتى جاء ذاك الروح القدس يبكت العالم على خطية... » (يو 16: 8)).

فالروح القدس هو الذى يبكتنى على خطاياى فأتوب، فإن أنا رفضت عمل الروح القدس فى داخلى – أى جدفت عليه – فسوف لا أتوب، وبالتالى لا تكون لى مغفرة. قال مار اسحق السريانى «ليست خطية بلا مغفرة الا التى بلا توبة».

9 - ولكن احذر التهاون وتذكر الدينونة:

بعد أن تحدثنا اليك طويلاً يا أخانا عن «مراحم الله الواسعة» ومحبته للخطاة واستعداده لقبولهم مهما كانت خطاياهم، نود أن نسر اليك ملاحظة هامة:

أياك أن تفهم خطا مراحم الله الواسعة.. أياك أن تطمع فى مراحمه أكثر من اللازم وتقول انه محب للبشر وشفوق ولن يعاقب أولاده، لئلا تصبح نظرتك وفكرتك عن رحمة الله حافزاً لك على التهاون، ودافعاً للتمادى فى حياة التراخى والشر. فكما أن الله رحوم فهو عادل أيضاً وان كانت «مراحمه على كل أعماله» كما يقول داود النبى (مز 145: 9). ولن يكون الله رحوماً وليس عادلاً، ان هذا يتنافى مع كماله الالهى.

قال القديس يوحنا ذهبى الفم «قل لى يا من لا تؤمن بالعقاب العتيد، ما الذى جلب الطوفان المخوف فى زمان نوح البار، وأغرق ساكنى الدنيا قاطبة... من أرسل البروق والصواعق على أرض سدوم وعمورة وأحرق سبع مدن مع أولئك القتلة مضاجعى الذكور وأبادهم جميعاً.. من أغرق فرعون وجنوده فى البحر الاحمر، من أباد الستمائة ألف من اليهود فى البرية، من أحرق محلة ابيرام، من أمر الارض أن تفتح فاها وتبتلع قوزح وداثان وأبيرام أحياء، من قتل فى أيام داود سبعين الف نفس، من قتل من الاشوريين خمسة وثمانين ألفاً فى ليلة واحدة؟ فأى جواب لك ترد به على هذه كلها؟ ». أياك أن تطمع فى رحمة الله بتطرف وبفهم خاطئ. استمع الى قول السيد المسيح وهو يخاطب أولئك الذين أخبروه عن الجليليين الذين خلط هيرودوس دماءهم بذبائحهم والثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج فى سلوام.

«أن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون» (لو 13: 15)).

قلنا قبلاً اننا الآن فى زمن الرحمة وغدا سنكون فى زمن العدل، وشتان بين طريقتى الله فى معاملة البشر فى الحالين!! فقد تجسد الرب الاله وأتى الى عالمنا وصنع فداء أبدياً لبنى البشر، وسيأتى أيضاً دفعة ثانية فى مجده ليدين الأحياء والأموات ويعطى كل واحد كنحو أعماله. وفى مجيئه الاول «اخلى نفسه آخذا صورة عبد صائراً فى شبه الناس.. ووضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب» (فى 2: 7، 8). لم يكن أحد يعرفه. أتى كراع يطلب الخروف الضال لكن فى مجيئه الثانى سيأتى دياناً للأرض كلها. سيتأتى فى مجده ومجد أبيه يحيط به ملائكته وقديسوه. سوف لا يكون فى مغارة حقيرة ومزود للبهائم، وسوف لا يكون محكماً عليه كأحد الاثمة، مصلوباً بين لصين. بل سيأتى جالساً على منبر حكمه العادل.. فى مجيئه الاول كان لا يصيح ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته، قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ. لكن حينما سيأتى فى مجده سيأتى بصوت البوق والرعود وتساقط الكواكب وتزعزع قوات السموات، وانحلال العناصر محترقة بضجيج. فى مجيئه الاول كان طويل الروح، متأنيا على الخطاة، لا يدينهم وهو الديان، حتى انه قال للزانية.

« ولا أنا ادينك» (يو 8: 11).

، وقال لمن سأله أن يقول لاخيه أن يقاسمه الميراث.

«يا أنسان من أقامنى عليكما قاضياً أو مقسماً» (لو 12: 14)).

احتمل المجدفين وسمع الشاتمين وسامحهم، لكنه فى المجئ الثانى سيأتى دياناً عادلاً يعطى كل واحد حسب عمله.

فى مجيئه الاول جاء ختنا (عريسا)، خطبنا لذاته، وقال لكل نفس فى محبة ووداعة بلسان داود النبى.

«أسمعى يا ابنتى وأنظرى وأميلى أذنك وأنسى شعبك وبيت أبيك، فان الملك قد اشتهى حسنك» (مز 45: 10).

، 11) شبهنا بالعذارى اللائى ينتظرن العريس، وقدم فى سبيل ذلك مهراً غالياً - دمه الذكى الكريم. لكن فى مجيئه الثانى سيأتى كملك غاز، فاتح منتقم من قوم عصاة متمردين، سبق أن أرسل لهم رسل خير وسفراء سلام، لكنهم طردوا كل هؤلاء ولم يسمعوا لهم بل قتلوا من قتلوا واهلكوا من اهلكوا.. هذا هو المجئ الثانى، مجئ الرب للدينونة، يوم اعلان الحكم.

«تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين فى القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات الى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات الى قيامة الدينونة» (يو 5: 28)).

فى ذلك اليوم لا يدرى ماذا يفعل فاعلوا الاثم «ملوك الأرض والعظماء والاغنياء والامراء والاقوياء وكل عبد وكل حر أخفوا أنفسهم فى المغاير وفى صخور الجبال، وهم يقولون للجبال والصخور اسقطى علينا واخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف لانه قد جاء يوم غضبه العظيم ومن يستطيع الوقوف» (رؤ 6: 15 - 17). لكن شكرا لله الذى أطال أناته علينا وأعطانا فرصة لنصنع أثمارا تليق بالتوبة، ورفع الفأس فى حنو عن أصل الشجرة، وتركها هذه السنة أيضاً. فلنفتد الوقت لأن الايام شريرة، ولننتبه الى ذواتنا، ونستيقظ من غفلتنا، لان نهار حياتنا قد بدأ يميل...

فضائل يتميز بها التائب

حياة التوبة هى حياة مميزة، لها طابعها الخاص، ولها فضائلها التى تنبع من قلب التائب وتظهر واضحة فى حياته. وبمقدار ما تكون التوبة حقيقية ومن عمق القلب، هكذا أيضاً تكون هذه الفضائل قوية وواضحة فى حياة التائب وتصرفاته، بحيث اذا لم توجد فيه لا نستطيع أن نحكم عليه بأنه تائب حقاً.

فما هى هذه الفضائل التى يتميز بها التائب؟ أنها:

1 - أنسحاق النفس:

الانسان التائب هو أنسان قائم من الخطية، شاعر بالوحل الذى كان غارقاً فيه. كل خطاياه ونجاساته، وكل نقائصه وسقطاته، مرتسمة أمامه لم ينسها بعد... كلها تذكره بضعفه، وبشر قلبه السريع الانجذاب الى الاثم. وكلها تذكره بمعجزة عن مقاومة الخطية والشيطان والجسد والعالم. كلها عار له ولطخ فى حياته. ولهذا فهو فى خزى أمام نفسه وأمام الله.. هو منسحق النفس من الداخل، قبل أن يظهر أنسحاقه خارجاً للنفس. انه مثل شخص استيقظ من سباته، فاذا به يجد ذاته فارغاً أمام الله. لم يعمل قدامه شيئاً من الصلاح. كلما يلقى نظرة على حياته، تصغر نفسه فى عينيه. فماضيه حقير قدامه، كله سواد وقذارة. أما مستقبله فهو غير مضمون. وقد يرجع فيه كالكلب الى قيئه. ويسقط ثانية كما سقط من قبل مرات!!

انسحاق النفس وتذكر الخطايا أمران متلازمان فى حياة التوبة: أن نسى الانسان خطاياه، برد انسحاقه. وان تذكر لنفسه أعمال بر حاضره، زال الانسحاق وانتهى. وسعيد هو الانسان الذى لا ينسى خطاياه أبدا. بل يضعها امامه كل حين. أى دموع يقتنى، وأى تواضع، وأى غفران! قال الانبا نطونيوس «ان تذكرنا خطايانا ينساها لنا الله. وان نسينا خطايانا يذكرها لنا الله».

اثنان فى حياة التوبة منسحقا النفس يذكران خطاياهما. أحدهما طال به الزمن فى حياة التوبة. ولطول الزمن ينسى خطاياه، فيذكر ذاته بها، وتعود ذاته فتتذكر وتنسحق. وكثر جهاده فى الحياة الجديدة، وكثر بره، وغطى على خطاياه فنسبها، ولكنه يعود فيذكر ذاته بها فتنسحق. أما الثانى فلم ينس خطاياه ابداً، لانه لم يستطع أن ينسى. هى مائلة أمامه كل حين، لا عامل الزمن يغطيها. ولا البر الجديد يخففها. يحدث هذا لصاحب النفس الحساسة والعاطفة المرهفة والضمير اليقظ. بل انه كلما يمر به الزمن، ويتنفتح أمامه آفاق جديدة فى حياة القداسة، تزداد خطاياه حينئذ بشاعة فى عينيه، ويشعر فى نفسه بمرارة أكثر وندم أشد... هذا الانسان صاحب النفس المنسحقة، لا يسمح للبر الجديد أن يغطى خطاياه ويسلبه انسحاقه، بل هوعلى العكس يبسط خطاياه على هذا البر الجديد فيغطيه، أو يضعها حائلا بينه وبينه فلا يراه.

طوباه ذلك القديس التائب الذى يجلس الى نفسه كل يوم. يذكر خطاياه ويبكت ذاته عليها، ويعترف به مرة أخرى أمام الله. ويبكى من أجلها قدامه طوباه أن تذكر خطاياه كلما مدحه الناس أو مدحه الشياطين أو مدحته نفسه. طوباه أن أتخذ من أفعاله الجديدة أيضاً مادة لانسحاق جديد، شاعرا أن خطاياه ليست من أعمال زمن غابر قد مضى، وانما هى متجددة كل ويوم، تحتاج فى كل يوم الى توبة جديدة وندم جديد...

طوباه ذلك التائب النامى فى النعمة، الذى يفتش دائماً فى نفسه ويكشف ضعفاتها ويعرضها أمام الله. طوباه لانه ليس فقط لم ينس خطاياه، وانما على العكس – تتكشف أمامه كل يوم خطايا جديدة لم يكن يعرفها، فى ماضيه وفى حاضره. طوباه ذلك الانسان الذى يصلح موازينه الروحية، ويزن نفسه من جديد فيجد نفسه أنه ما يزال ناقصاً وفى الموازين الى فوق. طوباه كلما تتكشف له فضيلة جديدة، فى وصية أو فى سيرة قديس، أنه لا يكتفى بتدريب نفسه عليها مستقبلاً، بل يقيس أيضاً عليها ماضيه فيكتشف نقصاً كان فيه وهو لا يدرى...

مغبوط هو ذلك القديس المبارك الذى يدرك أن انسحاق النفس ليس هو فضيلة للمبتدئين، تلازمهم فى الايام أو الشهور الأولى من حياتهم فى التوبة، ثم تفسح مجالاً لفضائل أخرى كلما دخلوا فى حياة الصلاة والتأمل والرؤى والثيئوريات والدهش والاستعلانات! طوباه أن أخذ الانسحاق رفيقاً له طوال غربته على الارض وعاش عمره فى «حياة الانسحاق». أن بولس الرسول ظل يذكر خطاياه – مع أنها عن جهل، وبدافع غيرة مقدسة – حتى بعد أن اختطف الى السماء الثالثة ورأى أشياء لا ينطق بها. بعد سنوات طويلة فى «آيات وعجائب وقوات» وفى «مناظر الرب واعلاناته»، يعود فيقول.

«أنا الذى لست أهلاً لأن أدعى رسولاً لانى اضطهدت كنيسة الله» (1كو 15: 9)).

..

2 - الدموع:

الانسان التائب دموعه حاضرة باستمرار. كلما يقف أمام الله يبكى، وكلما يذكر خطاياه يبكى، بل أن رأى خطايا غيره يبكى أيضاً. فى وحدته، فى قراءته، فى مطانياته، فى مزاميره، وفى أحاديثه أحياناً.. فى كل ذلك دموعه منسكبة. ان داود النبى يرينا أن دموعه لم تفارقه حتى فى رقاده (مز 6)، بل وفى طعامه أيضاً «لقد أكلت الرماد مثل الخبز، ومزجت شرابى بالدموع» (مز 102).

ليست هى دموع الخوف، وانما هى دموع الحساسية، دموع الندم والشعور بالنقص. دموع محب شعر أنه أهان حبيبه وأحزنه. ومع أن الخطية غفرتن الا أن النفس الحساسة لا تستطيع أن تتصور كيف وصل بها الحد أن فعلت ذلك، ويعصرها الخزى والندم فتبكى.. يستطيع الانسان أن يفكر قبل أن يعمل العمل، فان لم يعجبه فهو ما يزال حرا بامكانه أن يرفضه ولا يعمله. أما أن كان قد عمل العمل وانتهى الامر، وليست أمامه بعد حرية لا للتفكير ولا للاختيار، فليس أمامه اذن – ان كان العمل خاطئاً – الا أن يبكى... بكاء العاجز الذى لا يستطيع أن يرد عملا قد عمل، يمكنه أن يعتذر، أو يطلب الصفح، أو يغطى الخطأ بعمل آخر فاضل، أو يعالج النتائج السيئة أو... الخ، ولكن لا يمكنه أن يمنع ذلك العمل من أن يعمل، فقد عمل وأنتهى الامر. وحينما تنغلق الأبواب هكذا أمام الانسان، ينفتح حينئذ أمامه باب الدموع، فيدخل منه لعله يجد فيه بعض العزاء.

كثيرة هى الدموع التى سكبها القديسون. سيرهم ملأى بها. بعضها دموع حب، وبعضها دموع فرح، وبعضها مشاركة وجدانية، وبعضها دموع توبة وعن هذا نتكلم. من أمثلة الحساسية الجميلة فى حياة ا لتوبة ما رواه القديس العظيم الانبا ببنوده عن نفسه. قال «عندما كنت صغيرا، وجدت خيارة ملقاة على الارض وقعت من الجمالين، فالتقطتها وأكلتها وكلما اتذكر هذه الحادثة أبكى» حدث ذلك وهو طفل فى العالم، ثم كبر وترهب، وازداد فى النعمة جداً، وصار رجل معجزات، وخلف القديس العظيم أبا مقار الكبير فى رعاية وأبوة الاسقيط، وصار شيخاً فى الفضيلة وأبا لكثيرين، ومع ذلك «كلما يذكر تلك الحادثة يبكى»...

3 - اتخاذ المتكأ الأخير:

الأنسان المنسحق فى الداخل، هو منسحق فى الخارج أيضاً. لأن مشاعره الداخلية لابد أن تظهر فى تصرفاته. فى داخله يعرف يقيناً أنه خاطئ ونجس وأقل من الناس جميعاً. خطاياه – فى نظره – ثقيلة جداً، أثقل من خطايا الناس كلهم معاً لذلك فهو لا يدين أحد، بل كلما يرى خطية الانسان، يشتهى لو كانت خطاياه خفيفة هكذا وليست فى بشاعتها التى يقشعر منها ضميره. واذ هو يدرك أنه أقل من الناس جميعاً، تراه يتخذ دائماً المتكأ الأخير بينهم شاعرا أنه لا يستحق أيضاً هذا المتكأ الاخير، لأنه لا يستحق الاتكاء اطلاقاً مع الناس، اذ لو عرفوا حقيقته لنبذوه من بينهم واشمئزوا منه.

لذلك اذا دعى الى اجتماع أو حفلة خاصة أو جلسة روحية لبعض من أولاد الله المباركين، يلبى الدعوة وهو خجل من نفسه، يقول فى داخله «من أنا حتى أجلس مع هؤلاء القديسين؟! مبارك هو الرب الذى يكشف لهم خطاياى، والا كانوا يتحاشون لقياى». وهكذا يدخل الاجتماع فلا يجلس فى المتكآت الأولى بل ينزوى فى مكان لا يطمع فيه أحد، ومع ذلك يشعر أنه يشوه جمال تلك الجلسة الروحية بوجوده، ويخيل اليه أنا نشاز أو شئ غريب، فيوبخ نفسه قائلاً «أشاول أيضاً بين الانبياء؟! »...

وان ذهب الى الكنيسة يعتريه تردد كبير قبل أن يدخل وأخيرا يدخل فى خوف كما يدخل السارق متسللا الى بيت. ويقف فى ركن غير ملحوظ وهو يصلى قائلاً «لا يحل غضبك يا رب على هذا المكان المقدس بسببى» ومع أنه لم يجلس فى الصفوف الاولى، ولم يصل الى الجرأة التى تساعده على دخول المذبح، ومع أنه لا يخطر على باله أن يقف على منبر أو يرفع صوته بلحن، الا أنه فى متكئه الاخير يظل خائفاً لئلا يراه أحد معارفه القدامى، فيتعجبوا من وجوده فى الكنيسة، ويهمس الواحد منهم فى اذن أخيه «كيف يجرؤ هذا الشرير أن يدخل الى ههنا؟! »...

هذا «المتكأ الاخير» صحبه فى كل مكان وفى كل تصرف. فمثلا اذا تكلم الناس، يصمت هو كغير مستحق للتكلم. وان دعى لابداء رأيه أو أتاه فكر بهذا، يجيبه هاتف قوى من أعماقه قائلاً «كيف أتكلم عن الصالحات وأنا انسان شرير؟ الصمت أفضل». وان اضطر للكلام، يكون آخر المتكلمين وهو يحتج على ذاته بقوله «من أنا حتى أتكلم؟ »، وتبدو معانى هذه العبارة واضحة فى حديثه وفى أسلوبه...

فى تصرفاته كلها، يقدم غيره على نفسه. ويبعد عن كل موقف فيه كرامة. ويعطى الكرامة لكل واحد. يحترم الكل، ويعامل الكل بتوقير، سواء فى ذلك الصغير أو الكبير جاعلاً نفسه آخرهم جميعاً.. يقول لنفسه فى تأكيد «كل هؤلاء سيدخلون ملكوت السموات قبلى وتكون درجتهم أعلى منى... هذا لو وجدت مستحقاً أن أكون معهم هناك». حتى الخطاة يحترمهم ايضاً. لا يدينهم بل يحنو عليهم مشفقاً، لأنه جرب الخطية وعرف شدتها وقسوتها ويشعر أن هؤلاء فى خطيتهم أفضل منه لأنهم لم ينحدروا الى الدرك الذى أنحدر اليه فى خطيته.

قد يقول الناس عن هذا الشخص انه متواضع ولكنه فى الواقع لا يفعل ذلك حباً فى فضيلة التواضع، وانما شعوراً منه بعدم الاستحقاق. ولذلك ان أهمله الناس أو تجاهلوه، قد لا يحس ذلك، وأن أحس لا يضطرب فى الداخل وانما يقول لنفسه «عادل هو هذا التصرف وحسن، وأنا لا أستحق سوى هذا»..

ولذلك يحصل أيضاً على فضيلة الاحتمال لأن كل ما يأتيه من ضيقات أو اساءات يشعر فى عمق قلبه انه مستحق له ومستحق لأكثر منه ويقول فى نفسه «هذا من أجل خطاياى». وهكذا لا يستاء من شئ ولا يغضب من أحد، بل يهتف مع اللص اليمين «نحن بعدل جوزينا». ودائماً يجلب الملامة على نفسه، واثقاً ان خطاياه هى السبب فى كل شئ...

4 - الاتضاع:

هذا الانسان المنسحق النفس، الشاعر باستحقاقه لكل لوم، الذى يلوم نفسه باستمرار، طبيعى أن يسلك باتضاع. لا يستطيع أن ينتفخ فى شئ أو على أحد. ولا يكل أحدا بسلطان. لا يمدح نفسه، ولا يتحدث عن أعمال حسنة له، لأنه يعرف لنفسه أعمالا أخرى شنيعة، ولا يرى من العدل أن يعطى الناس فكرة غير صحيحة عن نفسه، بأن يظهر لهم ما هو حسن ويخفى ما هو ردئ... كلما حورب بالتحدث عن نفسه، وبأن يقص على الناس خبراته الروحية الجديدة، وتعزيات النعمة له، يقول « وهل أستطيع أيضاً أن أخبرهم عن باقى حياتى وأظهر لهم نجاساتى كلها؟! ». وكما أنه يرفض أن يمدح نفسه، كذلك لا يقبل مدحاً من أحد، ولا يسعى الى ذلك. وفى ذلك يقول لنفسه «ان من كان مثلى خاطئاً لا يستحق مديحاً من أحد، والا فهو مرائى يظهر للناس بغير حقيقته».. وهكذا أيضاً لا يبرر ذاته فى شئ. ولا يدافع عن نفسه فى كل ما يوجه اليه، مهما كان مظلوماً. وان حورب من الداخل يقول لنفسه «لماذا أحزن واحتج اذ نسب الى هذا الشر الذى لم أعمله، بينما لم أحزن ولم أحتج عندما نسبت الى فضائل ليست فى وأعمال حسنة لم أعملها؟ وماذا يكون هذا الشر – ان عرف عنى – الى جوار الشرور الكثيرة التى اقترفتها فى حياتى؟ وان كنت فى هذه المرة بالذات لم أرتكب هذه الخطية التى ينسبونها الى، فقد ارتكبتها قبل ذلك مرات فى حياتى، فوصفى بها ليس ظلماً ولا تجنياً. حقا أننى بعدل جوزيت».

5 - الحرص:

أن الانسان التائب، الذى جرب الخطية وعرف ضغطاتها وعنفها، كما عرف أيضاً ضعفه ازاءها وعجزه كثيرا عن مقاومتها، تراه بحرص كثيرا فى سلوكه... يخاف جدا من السقوط، لذلك يحترس من الصغائر التى تبدو لغيره توافه لا تعثر ولا تسقط، لئلا تقوده الى الكبائر التى «كل قتلاها أقوياء». أنه – فى توبته لا يشعر أبداً بأنه أكبر من الخطية، بل على العكس يشعر أنه ضعيف عن مقاتلة أصغرها. لذلك يهرب من الخطية ومن كل طرقها وكل أسبابها. ومن كل الطرق المؤدية الى طرقها.

لعل هذا الحرص الشديد كان أحد العوامل الأساسية التى جعلت قديسى التوبة المشهورين، لا يعودون الى خطاياهم القديمة مرة أخرى بعد توبتهم.

6 - امتزاج فضائله جميعاً بروح التوبة:

الفضائل معروفة فى أسبابها ومظاهرها. ولكن فضائل التوبة مميزة بروح خاص، تمتزج دائماً بالانسحاق والشعور بعد الاستحقاق... مثال ذلك الصوم. كثيرون يصومون. أما التائب فصومه من نوع خاص. هو لا يصوم ليكتسب فضيلة الصوم، ولا ليقهر جسده ويذلله فحسب، انما هو أيضاً يشعر أنه لا يستحق الطعام. هو يقول لنفسه أحياناً «كثيرون فعلوا أفعالى هذه، وهم الآن فى السجون، لا يتمتعون بالحرية كما لا يجدون ما يأكلون، وأنا ههنا حر وأتمتع بالطعام! وما ذلك ألا لسبب واحد وهو أن أخطائى مخفاة... وهؤلاء المسجونون أفضل منى: أولاً لانهم شهروا فى خطاياهم، أما أنا فمرائى أخفى خطاياى. وثانياً لأنهم نالوا عقوبتهم ههنا، أما أنا فلم أنل أية عقوبة. فلا أقل اذن من أن أحرم نفسى من بعض ملاذ الطعام، يكفيها ما أخذته من لذات الخطية الدنسة»... هنا تحضرنا قصة وردت فى بستان الرهبان عن جندى تاب وتنسك. فلما عرف موضعه قصده الناس وأكرموه. فلما وجد أنه صار فى راحة، ترك ذلك المكان وهو يقول لنفسه: فلنمض حيث نأكل طعام البهائم، ما دمنا قد فعلنا أفعال البهائم؟

وما قلناه عن الصوم، نقول مثله أيضاً عن الزهد والتجرد والدموع، والصلاة... الخ.

تساؤلات

1 - هل للتوبة مراحل يجتازها التائب؟

ان كان بعض القديسين التائبين – من أمثال أوغسطينوس وموسى الأسود قد تابوا بصورة فجائية وكاملة، نتيجة مؤازرة النعمة لهم حسبما رأى الله من حسن استعدادهم القلبى، لكن الامر الشائع أن للتوبة مراحل يجتازها التائب....

● المرحلة الاولى وهى مرحلة الندم على الخطية على نحو ما ذكرنا سابقاً.

● يدخل التائب بعد ذلك فى مرحلة الصراع مع الخطية... ليس معنى الندم أن الشيطان لا يقربه ولا يحاربه، بل انه يحاول معه محاولات يائسة، ويجلب له تذكارات الخطايا السالفة، ونصب له فخاخاً جديدة، ويحاول بكل وسيلة أن يربط هذا التائب بحياته السابقة... وعلى التائب أن يكون يقظاً لحيل ابليس فى هذه المرحلة، ويلقى بذاته فى الاوساط الطاهرة، ويربط نفسه بهما. فهو من جهته له حيل للخطية، وان كان ينأى بنفسه عنهما... هذه المرحلة هى التى عبر عنها الرسول بولس بقوله «الجسد يشتهى ضد الروح، والروح يشتهى ضد الجسد. وهذان يقاوم كلاهما الآخر».

● ان ثبت التائب فى المرحلة السابقة، ينتقل الى مرحلة جديدة، وهى انتصاره على الخطية عقلياً... ونعنى بذلك أقتناعه فكريا بخطأ الخطية وكل وسائلها والطرق المؤدية اليها... وهذه الخطوة نصر له على الخطية ولا شك.

● لكن ليس معنى الاتقناع العقلى بخطأ الخطية وقبحها ونتائجها السيئة، أن الانسان تخلص منها كلية ونهائياً... قد يكون هناك ثمة صراع فى داخله لتركها من القلب، حيث تربض كل الشهوات الخاطئة التى استعبد لها فترة طويلة. ويحتاج التائب فى هذه المرحلة الى جهاد من نوع خاص وتدرايب روحية يدرب ذاته عليها بارشاد الأب الروحى.

● كل هذا لا يعنى بالضرورة أن هذا الانسان التائب قد وصل فى جهاده الى كمال التوبة... فكمال التوبة هى كراهية الخطية والتنافر معها، وهو ما يعبر عنه معلمنا بولس «كونوا كارهين الشر» ان كراهية الشر تلقائياً وتنافر الانسان معه، وعدم الانجذاب اليه، هو كمال التوبة...

2 - الحياة مع الله تتسم بالفرح، وحياة التوبة ندم وحزن على الخطية... كيف يتلازمان فى حياة التائب؟

لا تناقض بين الفرح والحزن فى حياة التائب... انه يحزن فى رجاء، وفى نفس الوقت يفرح برجوعه الى الله... ان الرجاء فضيلة مسيحية كبرى الى جانب الايمان والمحبة (1كو 13: 13). ومفروض أن حزن التائب وندمه على خطاياه السالفة يمتزجان بالرجاء. ومن شأن الرجاء أنه ينشئ فرحا وسلاماً وهدوءاً.

أن حزن التائب ينصب أساساً على أنه أهان الله، وقابل حبه الفائق بجحود ونكران... لكنه فى الوقت نفسه يضع أمامه مواعيد الله بقبوله للخطاة وفرحه برجوعهم، وترتسم أمامه الصورة الحية الدائمة التى قدمها الانجيل للمسيح المخلص الذى ما أتى ليدعو أبراراً بل خطاة الى التوبة... كل هذه الامور التى تبرز أمام التائب محبة الله الفائقة، تجعله ينفض عنه مشاعر الخوف غير البناء، لأنه لا خوف فى المحبة (1يو 4: 18).

وفضلاً عن ذلك فان الفرح الذى يغمر قلب التائب النادم، يأتيه نتيجة احساسه أنه قد وصل الى الله فعلاً... الله الذى كشف له ذاته، وبكته بروحه على خطاياه، وأنار أمامه طريق الحياة الحقيقى..

واذ يقرأ كلمات القديس بولس الرسول – الذى كان قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً «كلما كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً»، يذوب قلبه داخله أمام محبة الله وحنانه، وكيف انه قابل شروره باحسانات وانعامات... وهكذا تمتلئ عيناه بدموع غزيرة، لكنها فى هذه الحالة دموع تجمع بين الانسحاق من حب الله، والفرح بخلاصه العجيب...

أمثِلة للتَّائِبينَ

1 - داود النبى والملك (2 صم 11، 12):

وقعت عينا داود الملك على امرأة تستحم، فما لبثت الخطية أن أسكرته فلم يعد يقاومها، فاستعبدته بلا شفقة وأسقطته فى تلك الجريمة الشنيعة، خطية الزنى والقتل. فتدخلت مراحم الله العجيبة، وأرسلت ناثان النبى منبهاً داود فاستيقظ داود واعترف بخطيئته فى اتضاع وانسحاق، فقبل الله توبته الصادقة بالصفح والغفران. واعلن ذلك ناثان النبى أيضاً بقوله «الرب قد نقل عنك خطيتك لا تموت». ومع كل ذلك بكى داود كثيراً على هذه الخطية، وكان يبل فراشه بالدموع ويصرخ قائلاً «خطيتى أمامى فى كل حين». هكذا تاب داود وكان صادقاً فى توبته، وأحب الله داود وقبله...

2 - القديس موسى الأسود (القرن الرابع):

بدأ حياته قاتلاً ولصا بل رئيس عصابة لصوص، وختمها قديساً عظيماً ناسكاً، بل مرشداً لربوات من القديسين وطالبى الرب... شاء الرب الاله المتحنن أن يعرفه ذاته. فبينما كان منطلقاً ذات مرة فى وادى النطرون – ربما هربا من حفظة الأمن الذين كانوا يتعقبونه – وجد نفسه وجها لوجه أمام شيخ راهب قديس. ويبدو أنه قد سئم حياة القتل والنهب... أخذ قلبه يتفتح لكلمات الشيخ. عزم على التوبة، وقرر البقاء فى البرية (شيهيت بوادى النطرون) واشتاق الى حياة الرهبنة. تقدم الى مرشده القس ايسيذوروس واعترف بخطاياه. بدأ حياة الجهاد، وكان عنيفاً فى جهاده ونسكه، محاولا بذلك أن يعوض ما فاته فى حياة الاثم والشرور، فكان مرشده كثيرا ما ينصحه بأن يخفف من جهاده ضد الشياطين... تتلمذ على يديه كثيرون فيما بعد، وكان ذائع الصيت فى البرية كلها، وما زال جسده يرقد الى جانب جسد مرشده فى تابوت واحد بدير البرموس...

3 - القديس أوغسطينوس (354 – 430م):

من أعظم معلمى الكنيسة شرقاً وغرباً. وهو الكاتب والمؤلف والفيلسوف الكبير. وهو أيضاً الأسقف والقديس، الذى فاقت توبته آثامه السالفة، وقداسته جهالات شبابه. كانت أمه من المسيحيات التقيات جداً. لقنته أصول المسيحية والحياة الروحية فى مهده. لكن ما كاد ينهى دروسه الاعدادية على أيدى أساتذة وثنيين، حتى كان قد نسى مبادئ الدين ولم يبق منها سوى أضواء ضئيلة أخذت تتلاشى شيئاً فشيئاً من عقله وقلبه. ثم كانت قراءته لكتب فلاسفة وشعراء الوثنية فأتت على ما تبقى... ومن ثم أنحرف انحرافاً شديداً وتمرغ بعنف فى حمأة الشهوة والزنى، حتى أنه بعد توبته قال عن نفسه فى كتاب أعترافاته «لقد كنت أخجل من عدم فعل الشر بوقاحة خالية من الحياء»... لكن الأم التقية لم تهدأ وأخذت تسعى خلف ولدها من مكان إلى مكان ذارفة العبرات السخينة حتى أن القديس امبروسيوس الذى شاهدها تبكى مرة بحرقة قال لها «ثقى يا امرأة انه لا يمكن أن يهلك ابن هذه الدموع».

عرف طريق الرب فى سن الثلاثة والثلاثين وبدأ حياة التوبة والدموع... توفيت والدته بعد أن فرحت بتوبة ثمرة بطنها.. أما هو فباع أملاكه ووزع ثمنها على الفقراء وترهب وبدأ حياة النسك والصلاة والدرس والتأليف وخدمة الله والكنيسة. رسم قساً فأسقفاً على احدى مدن شمال أفريقيا، وصار أعظم فلاسفة المسيحية ومن أشهر مفسرى الكتاب المقدس. كما جاهد فى سبيل الدفاع عن الايمان والرد على الهراطقة وكان حجة للعقيدة فى عصره. ومازالت كتبه العديدة بين أيدينا حتى الآن، ولعل أشهرها كتاب «الاعترافات» الذى ما زلنا نقرأ فى صدره عبارته الخالدة «لقد خلقتنا لك يا الله، وقلوبنا ستظل قلقة حتى ترتاح فيك».

4 - القديسة بائيسة (القرن الرابع):

ولدت فى منوف من أبوين غنيين تقيين، نسجت على منوالهما فى حياة التقوى، فلما توفيا جعلت منزلها مأوى للغرباء والمساكين، وظلت تنفق مالها فى هذا السبيل حتى نفذ. احتال عليها قوم اردياء، واستمالوا فكرها حتى حولت بيتها الى ماخور للفساد، استقبلت فيه كل راغب فى الخطية. سمع بخبرها شيوخ الرهبان فى برية شيهيت فحزنوا جداً، وكلفوا القديس يوحنا القصير أن يقصدها ليخلص نفسها من الهوة التى ترددت فيها. فما أن رآها حتى قال لها «لماذا أستهنت بالسيد المسيح، وأتيت هذا الامر الردئ؟ » فارتعدت وذاب قلبها من تأثير كلماته. أما هو فانحنى الى الارض باكيا. فقالت له «ما الذى أبكاك؟ ». أجابها «لأنى أعاين الشياطين تلعب على وجهك. فلهذا أنا أبكى عليك». فقالت له «هل لى توبة؟ » أجابها «نعم، ولكن ليس فى هذا المكان». فقال له «خذنى الى حيث تشاء» فقال لها «تعالى» فنهضت مسرعة خلفه حتى دخل الاثنان البرية. ولما أمسى الوقت قال لها «ارقدى هنا» وانتحى هو بعيدا عنها. وفيما هو يصلى فى نصف الليل، شاهد عمودا من نور نازلاً من السماء متصلاً بالأرض وملائكة الله حاملين نفسها. اقترب منها فوجدها قد فارقت الحياة. فألقى ذاته على الأرض وصلى الى الله طويلاً لكى يعرفه مآلها، خصوصاً وأن الحياة لم تمتد بها لتقدم ثمار التوبة الصالحة. وفيما هو يصلى سمع صوتاً قائلاً «ان توبتها قد قبلت فى الساعة التى تابت فيها أكثر من الذين تابوا منذ سنين كثيرة، ولم يظهروا حرارة توبتهم مثلها». وبعد ما وارى جسدها التراب مضى فأعلم شيوخ البرية بما جرى فمجدوا الله. والكنيسة القبطية تعيد بتذكار نياحتها فى الثانى من شهر مسرى.

5 - القديسة مريم المصرية (النصف الأول من القرن الخامس):

خرجت من بيت أبيها وقصدت الاسكندرية فى سن الثانية عشر من عمرها لكى تحيا فى تلك المدينة الصاخبة حياة الاثم والفجور. استمرت سبع عشرة سنة تتمرغ فى حمأة الخطية، اسقطت خلالها شباباً كثيرين باغراءاتها... وذات يوم أبصرتها سفينة مزدحمة بالمسافرين الى الشام، ولكى يعيد ركابها عيد الصليب فى أورشليم. فوجدتها فرصة سانحة لاشباع شهوتها الدنسة.

وفى أورشليم حاولت الدخول الى الكنيسة كما يدخل سائر المسيحيين للتبرك من خشبة الصليب المقدسة فشعر أن يدا غير منظورة تمنعها من الدخول وتقصيها. كررت هذه المحاولة دون جدوى... تخشعت نفسه فأخذت تتأمل قبح سيرتها... بكت أمام أيقونة للعذراء، وقطعت عهداً أمام الله بنذر بقية حياتها لعبادته فى البرية، أن سمح لها بالدخول والتبرك من الصليب المقدس.. وفعلاً تم لها ما أرادته.

انصرفت من تلك الكنيسة وقصدت كنيسة أخرى، حيث أعترفت على كاهنها وتزودت بالأسرار المقدسة ثم انطلقت الى برية الاردن ولها من العمر تسع وعشرون سنة... عاشت هذه القديسة التائبة فى تلك البرية سبعا وأربعين سنة، فى عبادات شاقة ونسك زائد، مقاتلة الشيطان الذى كان يحاربها بأفعالها القديمة... وقد سلكت فى سيرة السواح، وأعطاها الله روح نبوءة ومعرفة الغيب. ولم تر خلال تلك الفترة انساناً حتى التقى بها فى آخر سنة من عمرها الأنبا زوسيما القس الذى وقف على سيرتها ودونها لنا. وناولها من الأسرار المقدسة قبل وفاتها.

6 - الشماس حبيب فرج ( + سنة 1941):

وهذا انسان عرفناه عن قرب، وكان يخدم فى صفوف مدارس الاحد. بدأ حياته بعيداً عن الله، وانتقل اليه نفساً بارة تقية، دون بخط يده فى مفكرته الخاصة تاريخ وساعة نياحته!! بدأ حياته شاباً عنيداً منصرفاً عن الدين، شأنه فى ذلك شأن أى شاب ممن عاشوا فى العالم وللعالم... ظل أحد الشباب يلح عليه أن يحضر درس الكتاب بكنيسة الانبا انطونيوس بشبرا، ولكنه كان يرفض فى اصرار. وأخيراً قبل الذهاب على ألا يفتقده أحد، فيما بعد اذا لم يرد المواظبة على الاجتماع.

تأثر بالكلمات التى سمعها فى الكنيسة ورأى فى الليل رؤيا عجيبة: السيدة العذراء وقد أخذته الى الجحيم، ورأى من فيه يتلوون ويبكون فانزعجت نفسه وطلب أن يخرج من ذلك المكان سريعاً. ثم أخذته الى الفردوس، وهناك رأى الآباء الابرار منيرين، وبدأت العذراء تعرفه بهم: هذا ابراهيم، وهذا داود النبى... وهذا الانبا أنطونيوس... الخ. رأى هؤلاء القديسين جالسين على كراسى نورانية عجيبة ولاحظ أن أحد هذه الكراسى شاغراً لا يجلس عليه انسان، فسأل باندهاش « ومن الذى ترك كرسه هكذا.. وكرسى من هذا؟! ». اجابته العذراء «ألا تعرف كرسى من هذا؟ أن هذا هو كرسيك أن أنت تبعت يسوع... ».

انتهت الرؤيا واستيقظ من نومه أكثر ما يكون حباً واشتياقاً واضطراماً لهذا الكرسى الذى ينتظره، وظل طوال حياته القصيرة يصلى من أجل الوصول اليه... بدأ حياة التوبة والجهاد الروحى العنيف. التحق بعد فترة بوظيفة فى وزارة الاشغال بطريقة معجزية، وظل بها حتى انتقل الى السماء. وقد تمجد الله فيه بحياة مقدسة تقوية، وأظهر فيه بعض الآيات. كان يشاهد أحياناً نور يحيط به وهو يصلى بمفرده فى غرفته الخاصة، وكانت يداه المبسوطتان الى أعلا تريان كأنهما شموع موقدة... وأخيراً رقد وانضم الى آبائه وهو فى سن السابعة والعشرين.

من أقوال الآباء فى التوبة

1 - مار افرام السريانى:

تعالوا يا احبائى، هلموا يا أبائى واخوتى. يا رعيه الآب المختارة، يا جند المسيح الموسومين. تعالوا اسمعوا قولا يخلص نفوسكم. هلم نتج ما دام الموسم قائماً. تعالوا نجد حياة أبدية. هلم نبتاع خلاصا لنفوسنا. املأوا اعينكم دموعاً، فللوقت تنفتح أعين ذهنكم. تعالوا جميعاً: أغنياء وفقراء، رؤساء ومرؤوسين، شيوخاً وشباباً، بنين وبنات.. كل من يريد أن ينجو من العذاب الدهرى، ويرث الملك الأبدى...

لنتضرع مع داود النبى قائلين «اكشف عن عينى فأتأمل عجائب من شريعتك»، «انر عينى لئلا أنام الى الوفاة»، ولنهتف كما هتف الأعمى «يا ابن الله أرحمنى». فان منعنا قوم وانتهرونا حتى نصمت، فلنصرخ نحن أكثر ولا نضجر من الصراخ الى ان يفتح يسوع – المعطى النور – أعين قلوبنا. تقدموا الى المسيح، أقتربوا منه واستضيئوا فلا تخزى وجوهكم...

لنتب يا أخوتى ما دام لنا وقت، فقد سمعتم قول المسيح «انه يصير فرح فى السماء بخاطئ واحد يتوب». أيها الخاطئ لم تتوانى، لم تيأس أن كان يصير فرح فى السماء اذا تبت، فممن تخاف؟ أن الملائكة يسرون وأنت تتوانى! سيد الملائكة هو الكارز بالتوبة وأنت تهرب؟ الثالوث الطاهر المسجود له يستدعيك وأنت تتنهد...!

فى تلك الساعة كل أحد ينال حسب عمله. كل واحد يحمل حمله، وكل واحد يحصد ما زرع. كلنا نقف عراة قدام عرش المسيح، وكل يجيب عن نفسه... فى تلك الساعة لا يستطيع أحد أن يغيث أحدا. لا أخ أخاه، ولا والدون أبناءهم، ولا أولاد آباءهم، ولا أصدقاء خلانهم، ولا رجل قرينته..

لم لا نستعد ولدينا وقت؟ لم نتهاون بالكتب المقدسة وبكلمات المسيح؟ أو تظنون أن أقواله وأقوال قديسيه لا تديننا فى ذلك اليوم أن لم نحفظها ونعمل بها؟... قد سمعتم ما يقوله الرب للتلاميذ الذى يسمع منكم يسمع منى ومن يخالفكم يخالفنى. وفى موضع آخر يقول من يخالفنى ولا يسمع أقوالى أنا لا أدينه، لكن له من يدينه. القول الذى قلته ذاك يدينه فى اليوم الأخير..

طوبى للذين عطشوا وجاعوا فانهم هناك سيشبعون، وويل للشباعى فانهم هناك يجوعون ويعطشون. طوبى لمن افتقروا وبكوا فانهم هناك يضحكون ويعزون، وويل للذين يضحكون الآن فانهم هناك سينوحون ويبكون بلا فتور.. طوبى للذين رحموا، فانهم هناك سيرحمون، وويل لمن لا رحمة لهم...

الذى انحدر من حضن الآب، وصار لنا طريقاً للخلاص يعلمنا التوبة بصوته الالهى قائلاً: «ما جئت لادعو ابرارا بل خطاة الى التوبة» وأيضاً «لا يحتاج الاصحاء الى طبيب بل المرضى». فان كنت أنا الذى أول هذه الأقوال فلا تسمعنى اطلاقاً، وأن كان الرب نفسه يقولها فلم تتهاون بحياتك متوانياً عنها؟! ان عرفت أن لذاتك جراحات من الأفكار والافعال غير مشفية فلماذا تتوانى عن جراحاتك المكتومة؟ ممن تخاف؟! أمن الطبيب؟ أنه ليس قاسياً، ولا عديم التحنن والرحمة. انه لا يستعمل دواء غير مقبول وكاوياً لأنه يداوى بالكلام فقط. أن شئت أن تتقدم اليه فهو مملوء خيرية وتحنناً. جاء لأجلك من حضن الآب. من أجلك تجسد لتتقدم اليه بلا خوف. من أجلك تأنس ليشفى جراحاتك الخفية، وبمحبة جزيلة يدعوك قائلاً: أيها الخاطئ تقدم وأبرأ بسهولة. أطرح عنك ثقل الخطايا. قدم تضرعا. ضع على قبيح جراحاتك دموعاً. لأن هذا الطبيب السماوى الصالح يشفى الجراحات بالدموع والتنهد! هل تعلم أيها الحبيب فى أية ساعة يأمر الطبيب السماوى فيغلق باب مداواته؟ أطلب اليك أن تتقدم وتحرص أن تبرأ، فانه يشتاء أن يفرح بتوبتك الموكب السماوى.

الى متى أيها الصديق تخدم الجسدانيات الحاملة الموت وتتعبد لها؟ والى متى تحتمل العدو وتكمل كل حين ما يسره ويؤثره؟ تمسك بمشورتى فتحييك وطهر نفسك مع جسمك. تقدم الى المخلص بتوبة حارة.. حد عن العقرب الذى عرفت لدغته. اهرب بحرص من الحية التى اختبرت سمها، لأن من يصدم الحجر رجله مرتين فهو أعمى واحمق لا يبصرما يجب أن يهرب منه. أنظر الى نينوى المفعمة بالرذائل، كيف أمر الله بسرعة دمارها وسقوطها. فلما عاين المتنعمين لابسين مسوحاً، وفى الرماد والجوع والصوم والنوح والبكاء والدموع مرتعدين، تراءف ورحم وخلص، أشفق وتعطف وحل بصلاحه النقمة التى توعدهم بها، أحتمل أن يكون نادماً أفضل من أن يظهر قاسياً..

2 - ماريوحنا سابا (الشيخ الروحانى):

أيتها الرحمة الفائقة، ما أوفرك؟! يا من أعطيت لنا نحن الموتى بالخطايا رحماً مقدسا الذى هو التوبة، يلد بنين جدداً من عتقاء، أطهارا من أنجاس، منيرين من مظلمين. من لا يعجب من رحمتك يا ربنا، ومن لا يعترف لنعمتك، يا من أتيت الى الميلاد لتلدنا من بطن التوبة على شبهك كشبه مريم والدتك. السبح لك يا أبا الكل، يا من أعطيتنا أما جديدة بالميلاد الجديد. وان كنا بصبوتنا قد تنجسنا بكل نتن لكنها تجلى وتطهر وتحسن، وتغطى تحت أطرافها مثل المربية، أولئك الذين ولدوا منها حتى يصلوا الى عندك محبوبين وأحباء...

كما ان آدم الجسدانى من حواء يولد له بنون بشبهه لعالمه الجسدانى كذلك المسيح أبو العالم الروحانى، من المعمودية والتوبة، يولد له بنون بشبهه للعالم الروحانى، كما ينادى لهم رأس حياتهم «توبوا فقد أقترب منكم ملكوت السموات». فكيف نجدها (التوبة) أن كانت قريبة؟ يا أبانا أرنا أياها.. أنها على الباب اللطيف الضيق، وكل من يصبر لصعوبته المظلمة، ويخرج منه يلقى لوقته ملكوت النور ويتنعم. وذلك الباب الذى لمدخل الحياة، فانه فى أى بلد يوجد داخلكم وبابها هذا هو التوبة... التوبة هى أم الحياة، وطوبى لمن يولد منها، فانه لا يموت. وكما ينادى المسيح لخواصه بالتوبة، كذلك يبعد الشيطان الناس عن سماع هذا النداء، وبالمكر واللهو يغطى قلوبهم. التوبة هى ترياق لأوجاع الخطية القاتلة، وعذاب عظيم للشيطان مضادها. أنها تخلص وتعتق المسبيين الذين سبوا بشره، وأتعابه التى تعبها فى سنين كثيرة، تضيعها التوبة فى ساعة واحدة...

أنها التوبة التى تجعل الزناة بتوليين كما تجلى النورانى الذى علاه الصدأ. أنها من الماخور الى البرية تجتذب لعمل الملائكة (الرهبنة) والمضيئون الذين احتقروها تركتهم فنزلوا الى الجحيم السفلى. هى تدخل مخادع الزانيات وتجتذب الزناة وتلدهم من حضنها بتوليين للمسيح... هى تقلع الشجرة التى أثمارها سم الموت وتغرس شجرة الحياة بفردوسنا... أنها تزور الأموات، وكل من بلعه الموت ودنا من احضانها شقت الموت وأخرجته من جوفه.. هى نار تحرق الزوان، ومياه تربى الزروع المقدسة.. هى شفيعة المسبيين، فاذا تقدموا وسألوها تنهض لحمايتهم وتعتذر عنهم. فمن ذا الذى لا يحبك أيتها التوبة يا حاملة جميع التطويبات الا الشيطان، لأنك غنمت غناه، واضعت قناياه، وجعلته فارغاً من الارث الذى سباه... ذاك هو مبغضك بالحق لأنك دائماً تقاومينه. فما من انسان وقع بين يديه ولحقته، وصار فريسة لغذائه: وما من انسان دعاك وهو بين أسنانه، ألا وتكسرين أسنانه تخلصينه... وما من انسان اصطاده وأنت بعيدة ودعاك، الا وبسرعة لحقت به وخلصته. من أجل هذا هو (الشيطان) يبغضك لأنك بالأكثر أبغضته.

ليس من تمسك برجائك ونزل الى الجحيم، ولا من صعد الى السماء بدونك، من يرى الله بغيرك؟! من تمسك برجائك ووقع فى يد الشيطان؟! من تطهر ولم تكونى أنت التى غسلته؟ من الذى سقى زرعه من مطرك ولم يحصد منه أثمار الفرح؟ ومن صبغ وجهه كل ساعة بقطراتك ولم يبصر الله فى قلبه؟ من اتخذك شفيعة ولم تفتحى أمامه أبواب خزائن الله؟ أنت خلصت داود من الخطية... صدر الحكم على أهل نينوى بالهلاك ولكنك تجبرت وقمت وخلصتيهم.

مباركة أنت يا أم الغفران (التوبة) يا من اعطانا أياك الآب المملوء رحمة. لا يغضبك اذا طلبت اليه، لأنه أعطاك أن تكونى شفيعة للخطاة. لا يغلق بابه أن سألته. لقد سلم لك مفاتيح الملكوت..

صَلاة للتوبَة للقِديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين

اللهم أغفر لى أنا الخاطئ لأنى لا أستطيع أن أرفع عينى اليك لأنى أخزى من أجل كثرة آثامى... اللهم لا تحسب على آثامى بل أصنع معى رحمة فى ملكوتك. الهم أنى اتضرع اليك وأسألك من أجل نفسى وجسدى البائسين. أعطنى أن أصنع أرادتك، ولترشدنى رحمتك. أيها الرب الاله أغفر لى خطاياى واستر على آثامى، نجنى من غضبك ورجزك. ماذا أقول حين مثولى بين يديك، وبما أتزكى حين تحاكمنى؟ يا يسوع المسيح دبرنى واسترنى من أهوال أمواج لجة الشيطان. ضع سلامك واسمك القدوس على أيها الرب الساكن فى السموات، لتدركنى رحمتك وتسترنى. لا تسلمنى بيد العدو. انى القيت كل اهتمامى عليك أيها المسيح ابن الله فلا تتركنى عنك. أذا ملت الى الشر لا تتركنى ولا تدعنى أسير حسب شهواتى الرديئة. لا تدع تبكيتى ليوم دينونتك العظيم. لا تقض على كاستحقاق خطاياى. استر فضية عريى أمام منبرك المرهوب. طهرنى كى لا يوجد دنس فى نفسى بين يديك. أيها الاله محب البشر، حصن نفسى بدمك الكريم. اللهم اضبط أهواء الخطية التى فى بخوفك، وأيقظنى من سنة الغفلة التى تنتج من نبع الخطية الردئ، واحفظنى من الضلالة والزلق بشفتى. اجعل ملاكك الطاهر طارداً عنى كل تجديفات الخطية. أهلنى لأن يجد روحك هيكلا فى. هب لى أن تسبحك نفسى وروحى كل أيام حياتى. اللهم استجب لى ككثرة رحمتك، واقبل منى صلاتى وابتهالى بين يديك. نجنى لكى لا أخطئ اليك، واعطنى سبيلا أن أصنع مشيئتك. لا تنزع نعمتك منى وتبعدنى من معونتك. احفظنى لك هيكلا مقدسا. طهر قلبى ولسانى وجميع حواسى. انتزع منى القلب الحجرى وأنعم على بقلب منسحق لأتضرع أمامك. لا ترفضنى بما أنك دعوتنى لأنى عاجز جداً لأجل خطاياى. ارحمنى يا من له سلطان الرحمة. اجعلنى مستحقاً أن أباركك كل الاوقات الى النفس الاخير. ثبت كلماتك المقدسة فى قلبى ونفسى. نجنى من جميع فخاخ الشرير. دبر سيرتى كما يرضيك. تراءف على واسمع صراخى. استجب لتضرعى واقبل صلاتى. لا تبعد صلاتى منك ولا رحمتك عنى. فلتدخل صلاتى أمامك. انصت لصوتى وليدخل اليك صراخى. لتستقم صلاتى أمامك كرائحة بخور طيبة بين يديك. لا تحاكم عبدك فانه لا يتزكى أمامك أحد. فان لك الملك والقوة والمجد الى الأبد آمين.

صَلاة لتقرير العزم على الحياة مع الله

أيها الآب القدوس الذى لا تشاء أن يهلك أحد، بل أن يقبل الجميع الى التوبة، أشكرك لأنك أطلت أناتك علىن واحتملتنى فى شرورى الكثيرة، وأتيت بى الى هذه الساعة... كم مرة عاهدتك يا الهى أن أحيا فى طاعتك، ولا أهين جلالك الاقدس، ومع ذلك كسرت هذا التعهد وحدث عن وصاياك... أيهاالاله الرحوم يا من أعلنت عظم محبتك للخطاة فى شخص ابنك يسوع المسيح ربنا، هبنى نعمة أن أرضيك وأحيا فى طاعتك الى النهاية... قونى يا إلهى فأنا ضعيف أمام أعدائى الكثيرين المحيطين بى.. أنت تعلم يا ربى كل شئ، أنت تعلم انى احبك، وان كان حبى ضعيفاً.. لا سلام يا الهى بعيداً عنك، ولا راحة الا فى الحياة معك، ولا أمان ولا دوام لشئ مما فى العالم، فهذه كلها تزول... لكن مبارك أنت ايها الإله الامين فى محبتك، الذى ليس عندك تغيير ولا ظل دوران... أيها الآب السماوى، فى ضعفى وشقاوتى وطياشة أفكارى، أستودع نفسى لنعمتك القادرة أن تخلص الى التمام الذين يتقدمون اليك... أسلم نفسى بين يديك واثقاً بحمايتك لى، مؤمنا بأنك قادر ان تحفظ وديعتى الى ذلك اليوم. اختم يا الهى على تعهدى هذا بالبركة، واحفظنى بلا دنس ولا عثرة فى يوم ظهورك، ولك كل مجد من الآن والى الأبد آمين.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

الإعتراف

‹

هدف الكتاب ومنهجه

سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية
سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية