هذا الفصل هو جزء من كتاب: بستان الروح جزء أول – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
بَعض خطَايا اللسان
«كثرة الكلام لا تخلو من معصية. أما الضابط شفتيه فعاقل» (أم 10: 19).
الكذب.
الحلف (القسم).
النميمة والاغتياب والذم.
شهادة الزور.
الشتيمة.
كلام الهزل.
التملق.
التذمر.
خطايا اللسان كثيرة، ولا يمكننا بطبيعة الحال أن نأتى عليها جميعاً، أو أن نوفيها حقها، لأن كلا منها يحتاج الى بحث مستقل، لكننا نحاول أن نلم بها المامة سريعة.
الكذب
هو أن يتكلم الانسان بخلاف الواقع مع العلم به.
لماذا يكذب الناس؟
(أ) يستغل الكذب عادة لاخفاء الذنوب والخطايا الاخرى، فبعد أن يرتكب الانسان اثماً، يلجأ الى الكذب ليخفى به أثمه وفعله الشائن.
(ب) وقد يلجأ اليه من أجل نفع شخصى، كدفع ضرر وجلب خير أو قضاء مصلحة... الخ.
(ﺠ) وقد يدفع الانسان الى الكذب الرغبة فى المزاح، كما يحدث فيما يسمونه «كذبة ابريل» أو الرغبة فى التهكم على الآخرين، خصوصاً من كانوا أضعف منه، أو أقل ثقافة ومركزا، بقصد المسرة الذاتية.
(د) وقد يكذب الانسان بسبب حالة نفسية يعانى منها نتيجة تربيته الاولى المبكرة، مما يجعله هياباً متردداً، يشعر بالخوف يطارده فى كل عمل يعمله. ويقول العلماء أن الكذب من المشكلات التى تتصل اتصالا وثيقاً بالخوف. ويرى بعض الباحثين أن الكذب الحقيقى عند الاطفال لا ينشأ الا عن الخوف، والغرض الاساسى منه حماية النفس. وقد يحدث أن يكبر الانسان بعد أن تكون هذه الحالة قد استحالت فيه الى عقدة نفسية تلازمه.
(ﻫ) وقد يكون الدافع للكذب عوامل نفسية أخرى كالشعور بالنقص أو الخجل، كالشاب الذى يجالس مجموعة من الشباب المستهترين الذين يفاخرون بمغامراتهم الشريرة، فينتحل هو الآخر قصصا ومغامرات مجاراة لهم. وكالشاب الذى ينشأ فى عائلة فقيرة ويندمج فى أوساط أرقى من مستواه الاجتماعى، فيكذب خجلا وهو يتحدث عن نسبه وعائلته.
( و) وبخلاف الاسباب التى ذكرناها، قد يكون الدافع للكذب عوامل لا شعورية خارجة عن الارادة لا محل لذكرها.
على أية الحالات، فأيا كان الدافع للكذب فهو شر وخطيئة، لأنه يتنافى مع شريعة الكمال والمحبة التى لا تطلب ما لنفسها ولا تفرح بالاثم. ويكفى أن الب يسوع سر أن يدعو ذاته «الحق». وبسبب الكذب يدخل الغش فى المعاملات، وتهدم عائلات. وهو يجر الى الحلف الباطل والنزاع والخصام وانواع كثيرة من الرذائل.
خطورة الكذب:
1 - ترجع خطورة الكذب ألى أنه يستر خطايا أخرى. أن شيطان الكذب يتعاون تعاونا وثيقاً مع باقى الخطايا، ويشجعها ويساعد عليها، فحينما يفعل الانسان فعلاً قبيحاً شائناً، ويفلح فى اخفائه بالكذب، فان ذلك يشجعه على التمادى فيه. ومن عادة الشياطين أنهم بعد أن يوقعوا الانسان فى خطية ما، يتركوه لشيطان الكذب يدبر معه الخطط التى تلى ذلك.
2 - وثمة علاقة كبيرة بينه وبين بعض الخطايا الاخرى كالسرقة والغش. فقد وجد الباحثون فى جرائم الاحداث بنوع خاص، أن من اتصف بالكذب يتصف عادة بالسرقة والغش أو العكس. ولا غرابة فى ذلك اذا علمنا أن هذه الخصال الثلاث، تشترك فى صفة واحدة، وهى عدم الامانة. فعلى حين أن الكذب هو عدم الامانة فى وصف الحقائق، نجد أن السرقة هى عدم الامانة نحو ممتلكات الآخرين، وأن الغش هو عدم الامانة فى القول أو الفعل بشكل عام.
3 - أن من يكذب يرتكب خطية ضد الله باعتباره.
«الحق» (يو 14: 6).
، وضد من يكذب عليه، وضد ذاته المخلوقة على صورة الله ومثال. وقد نهى الرب عن الكذب منذ القديم، فقال لشعبه:
«لا تسرقوا ولا تكذبوا ولا تغدروا أحدكم بصاحبه» (لا 19: 11)).
4 - وهو يتنافى مع الحياة الجديدة التى لنا فى المسيح. يقول الرسول.
«لا تكذبوا بعضكم على بعض، أذ خلعتم الانسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذى يتجدد للمعرفة حسب صورة خالفه» (كو 3: 9)).
وحينما نصح هذا الرسول مؤمنى كنيسة أفسس ان لا يشاركوا أمم فى سلوكهم وأوصاهم أن يخلعوا من جهة التصرف السابق الانسان العتيق الفاسد ويلبسوا الانسان الجديد المخلوق بحسب الله فى البر وقداسة الحق، أردف بعد ذلك ناصحاً.
«لذلك أطرحوا عنكم الكذب وتكلموا بالصدق كل واحد مع قريبه لاننا بعضنا أعضاء البعض» (أف 4: 22 - 25)).
ونلاحظ هنا أن نصيحة الرسول بخصوص الكذب تأتى فى مقدمة نصائحه التى تلت ذلك عن الغضب والغيظ والسرقة والسخط والتجديف والحنث (أنظر أف 4: 25 - 32)، مما يدل على أن الكذب مصدر كثير من الرذائل الاخرى. وأولى بالمؤمن أن يتخلص من رذيلة الكذب قبل أية رذيلة أخرى.
5 - ويكفى لاظهار خطورة الكذب وبشاعته، ان الكذاب ينتسب للشيطان، بل يعتبر ابناً له. وقد أعلن لنا الرب ذلك بقوله عن الشيطان.
«لانه كذاب وأبو الكذاب» (يو 8: 44)).
وأعلن الحكيم مقدار مقت الله للكذب بقوله.
«كراهة الرب شفتا كذبن أما العاملون بالصدق فرضاه» (أم 12: 22)).
وعلى العكس من ذلك الصدق الذى هو أحدى صفات الله. قال الرب بلسان أشعياء النبى «أنا الرب متكلم بالصدق، مخبر بالاستقامة» (أش 45: 19). وقال عنه الرائى: «الشاهد الامين الصادق» (رؤ 3: 14).
هل من مبرر للكذب؟
ليس هناك مبرر للكذب. فالكذب شر على الاطلاق ويتنافى مع طبيعة الله الخيرة، فليس هناك كذب مذموم وآخر مقبول. ولا تقر المسيحية الواناً مختلفة للكذب! فليس هناك كذب أبيضً كما يدعى البعض. فنحن كأبناء الله الذى «شاء فولدنا بكلمة الحق» علينا أن نسلك فى الحق.
ليس هناك مبرر للكذب مهما كان الدافع اليه مستقيماً أو مقدساً، فالغاية لا تبرر الوسيلة بحال من الاحوال كما يتوهم البعض، فلا تحفظ فضيلة على حساب فضيلة أخرى، ولا تنفذ وصية بكسر وصية أخرى.
رب سائل يقول «اذا كان كذبى ينقذ حياة الانسان أو مستقبله مثلاً، ألا يعتبر خيراً فى هذه الحالة؟ » والجواب على ذلك بالنفى. فالكذب خطا، والشخص الذى لم يجد وسيلة لانقاذ حياة الانسان سوى الكذب هو انسان عمل عملين فى وقت واحد احدهما خير والآخر شر. فعلى الرغم من أن له عذره وانه لم يكن كامل الارادة، وأنه كان حسن النية ومستقيم الغرض، الا أن هذا كله لا يمنع من أن الكذب خطأ، ولكن هذا كله يخفف المسئولية عن هذا الخطأ ويشفع فى مرتكبه.
والتجربة أظهرت أن كل مشكلة تحل على أساس الكذب، انما يكون حلها وقتياً، لا يلبث أن ينتج عنه أخطاء أخرى فضلا عن أنه يكون على حساب صالح الآخرين. ولكى نوضح ذلك نسوق المثل الواقعى التالى:
«أم توجهت الى ناظرى احدى المدارس الثانوية بالقاهرة تشكو اليه الفوضى الشديدة بأحد فصول الثانوية العامة التى كان ابنها طالبا فيها، مما يسئ الى مصلحة ابنها ولا يتيح له الاستفادة الكاملة بمجهود الاساتذة المدرسين. استدعى ناظر المدرسة الطالب وواجهه بأقوال أمه وشكواها، ففوجئ الطالب بذلك ووقع فى مأزق حرج، لان ناظر المدرسة طالبه بأن يذكر له أسماء الطلبة الذين يحدثون الفوضى فى الفصلز فأسقط فى يد الطالب واضطر الى ذكر أسماء ثلاثة من زملائه على كره منه. ولما مثل هؤلاء أمام ناظر المدرسةن سأل أحدهم أن كان يدخن السجاير فأنكر. فطلب الى أحد مدرسيه – وكان واقفاً – أن يعاين أصابعه ويشمها ليتحقق من هذا الامر.. كان الطالب يدخن السجاير بالفعل، ولكن المدرس أخذته الشفقة وأجاب ناظر المدرسة بالنفى، شفقة منه على ذلك الطالب، لأنه كان مفصولاً من مدرسة أخرى بسبب سوء سلوكه. وهكذا انتهى الموضوع، ربما بنصيحة أو بعقاب تافه، واستمر الطالب المذكور فى مسلكه السابق أثناء القاء الدروس. ونحن نرى أن المدرس أساء الى التلميذ ذاته لانه بكذبه، شجعه على الاستمرار فى سلوكه، الذى بسببه فصل من مدرسة أخرى. وأساء الى بقية تلاميذ الفصل الذين يضيع التلميذ المستهتر وقتهم الثمين. وأساء الى نفسه لانه لم يكن صادقاً فارتكب خطية. وأساء الى الحق ذاته لانه أخفاه. هذا بالاضافة الى آخرين أساء اليهم بطريقة غير مباشرة، مثل أهل ذلك التلميذ الذين ليس من صالحهم أن يشب ابنهم هكذا فاشلاً، وأهل بقية تلاميذ الفصل بما عساه ينجم عن تضييع وقتهم وعدم استفادتهم الفائدة المرجوة، والمجتمع كله نتيجة وجود عضو منحل فيه. وكان الاولى بالمدرس أن يقول الصدق، ويتحمل الطالب العقوبة فان ذلك أنفع له ولغيره. ولا نظن أن المدرس بتصرفه هذا قد حل مشكلة ذلك الطالب ومشكلة أربعين طالباً معه بالفصل.
لقد أختبر كل الصادقين أن حبل الكذب قصير وانه لا يوصل الا الى نجاة مؤقتة أن حدثت نجاة. أما الصدق فأنه ينجى من العقاب الابدى أولاً، وغالباً ما ينجى أيضاً من الشر فى هذا العالم أو فى القليل يخفف العقوبة.
ولا ننكر أن هناك مواقف على جانب كبير من الحروجة تتطلب عدم الصدق الحرفى، وتحتاج الى كثير من الحكمة واللباقة والكياسة. مثال ذلك طبيب يعالج مريضاً حالته الصحية متأخرة. بماذا يجيب لو سأله المريض عن حالته الصحية؟ قطعاً لا يمكن أن يجيب اجابة صريحة لان ذلك يسئ الى صحة المريض. وواجب الطبيب أن يدخل الطمأنينة الى نفس المريض لان ذلك يساعده على الشفاء، بل تعتبر الطمأنينة جزءا هاما من العلاج. وعلى الطبيب فى هذه الحالة أن يكون حكيماً فى اجابته بحيث لا يكذب ولا يحطم نفسية المريض بصدقه. وما اوردناه فى هذا المثل يصلح قياسا للنسج على منواله فى الحالات المتشابهة.
مما يدخل تحت الكذب:
ويدخل تحت الكذب المبالغة المقصودة فى القول، وتعمد عدم تحرى الدقة فى التعبير. وهذه – وان كانت تدخل تحت موضوع الكذب – فهى أيضاً خطية مركبة لان لها هدفاً آخر بحسب الغاية التى من أجلها قيلت. ومن أمثلة ذلك من يبالغ بغرض الافتخار والمباهاة والكبرياء، أو من يبالغ بقصد الحاق الاذى والضرر بالآخرين.
ويدخل أيضاً تحت الكذب: الكلام الذى يقصد به قائلة أن يكون مبهماً أو ملتوياً بقصد أعطاء معلومات غير سليمة.
وقد يلبس البعض الكذب ثوباً آخر، حتى لا يبدو سافراً، وهم يحسبون ذلك من قبيل الحكمة أو الحذق... أن هذا التصرف وأمثاله لا تخرج عن كونها كذباً.
عقوبة الكذب:
(1) عقاب زمنى:
(أ) مهما أتقن الكذاب كذبه، فلابد وأن يفتضح، حتى لو نجح فى ذلك مرة ومرات. الله نفسه الذى قال.
«ليس مكتوم لن يستعلن، ولا خفى لن يعرف» (مت 10: 26).
، والذى.
«ينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب» (1كو 4: 5).
وهو الذى يفضحه ويظهر كذبه. واذا كان الكذب من صنع الشيطان، واذا كان الرب قد قال.
«كل ما قلتموه فى الظلمة يسمع فى النور، وما كلمتم به الاذن فى المخادع ينادى به على السطوح» (لو 12: 3).
، فان الكذاب وكذبه لا يثبتان. قال الحكيم.
«شفة الصدق تثبت الى الابد، ولسان الكذب أنما هو الى طرفة العين» (أم 12: 19)).
(ب) أما النتيجة الطبيعية لافتضاح الكذاب أن يفقد تقدير الناس وأحترامهم وثقتهم به وبكلامه. ان كلماته كلها تقاس بمقياس الشك وتوضع فى ميزان الر قبل تصديقها وقبولها، حتى لو قال حقاً وصدقاً وذلك نتيجة الفكرة السابقة التى تكونت عنه.
(ﺠ) واذا كان افتضاح الكذابين وما يترتب عليه من فقدان ثقة الناس واحترامهم لهم، أنها تعتبر عقاباً أدبياً ينزلونه هم بأنفسهم على أنفسهم فانهم ينالون عقابا مادياً أيضاً. فجيحزى الذى كذب على معلمه أليشع، انتقل اليه برص نعمان السريانى (2مل 5: 20 - 27). وحنانيا وسفيرة اللذان كذبا على الرسل سقطا لوقتهما ميتين بعد أن سمع حنانيا توبيخ القديس بطرس.
«لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس... أنت لم تكذب على الناس بل على الله» (أع 5: 3 - 10)).
(2) عقاب أبدى:
ولا يقتصر الامر بالنسبة للكذاببين على ما يلحقهم من عقاب فى هذه الحياة الدنيا. بل يتعداه الى الحياة الابدية أيضاً. قال داود النبى.
«تهلك المتكلمين بالكذب» (مز 5: 6).
، وقال الحكيم سليمان.
«شاهد الزرو لا يتبرأ والمتكلم بالاكاذيب لا ينجو» (أم 19: 5)).
ويوحنا الرائى الذى دون لنا ما سيكون فى العالم العتيد، حدثنا عن مصير الكذابين قال « وجميع الكذبة نصيبهم فى البحيرة المتقدة بنار وكبريت» (رؤ 21: 8). وتتمة الآية السابقة ترينا أن الكذابين سيكونون فى بحيرة واحدة مع غير المؤمنين والرجسين والقاتلين والزناة والسحرة وعبدة الاوثان!!
علاج الكذب:
ذكرنا ونحن نستعرض دوافع الكذب، أسباباً ودوافع مختلفة له. وفى علاجه يلزم علاجا خاصا لكل من هذه الاسباب.
يحتاج الامر الى اقتناع فكرى بقبح الكذب الذى يسئ به الانسان الى ذاته. ويجلب لها الاحتقار حينما ينكشف الكذب. بل وأكثر من هذا أن أحداً لا يصبح مستعداً لتصديق من تكرر كذبه لانه «كذاب».
ويحتاج الامر أيضاً الى اقتناع فكرى بعدم جدوى الكذب، أن كان الانسان يلوذ به طلباً للنجاة. فلقد اختبر كل الصادقين ان حب الكذب قصير وأنه لا يوصل الا الى نجاة مؤقتة، ان حدثت ثمة نجاة. أما الصدق فهو أن لم ينج نجاة كاملة – فهو على الاقل يخفف العقاب الزمنى وينجى كلية من العقاب الدهرى.
والكذب الذى يدفع اليه الخوف يلزم لعلاجه شجاعة قلبية نتيجة تمسك الانسان بخالقه «لأنه على اتكل فأنجيه، أستره لأنه عرف اسمى. معه أنا فى الشدة أنقذه وأمجده» (مز 91). علينا أن نقبل أى ضرر قد يأتى علينا من جراء صدقنا، بضمير مستريح. ولنعلم ان العدو الشرير كثيراً ما لوح بأضرار تقع علينا فى حالة قولنا الصدق. ولكننا ما أن تمسكنا بالهنا وبصدقنا، حتى تبدد العدو من أمامنا، وظهر تلويحه خيالاً وعلينا ان نقتدى بالفتية الثلاثة، الذين قالوا فى شجاعة نادرة، حينما هددوهم بالالقاء فى النار اذا لم ينكروا الههم، «يا نبوخذصر» لا يلزمنا أن نجيبك عن هذا الامر. هوذا يوجد الهنا الذى نعبده، يستطيع أن ينجينا من أتون النار المتقدة، وأن ينقذنا من يدك أيها الملك. والا فليكن معلوماً لك أيها الملك أننا لا نعبد آلهتك، ولا نسجد لتمثال الذهب الذى نصبته» (دا 3: 16 - 18).
وبوجه عام. فان الكذب يحتاج فى علاجه الى توبة صادقة وحياة مقدسة مع الرب. فقد قلنا أن الكذب يأتى كخطوة ثانية بعد الخطية التى يفعلها الانسان، بقصد اخفائها والتستر عليها. وحينما نحيا مع الله الحياة المرضية سنجاهد للتخلص من أخطائنا، فلا نلجأ الى الكذب لاخفائها!
وحينما يحيا الانسان حياة الروح يصبح – أن هو ضعف أو سقط فى خطية – مستعدا للاقار به والاعتراف عنها والاعتذار لمن أخطأ وأساء اليه. بل يصبح مستعداً – عن طيب خاطر – لتحمل العقوبة التى يستحقها. ومع هذه الحياة المقدسة سيسمو الانسان عن البغضة والكراهية، ويزداد حبه لجميع الناس وعطفه عليهم، فلا يعود يسر بالحاق الأذى بهم.
أما الكذب الذى تدفع اليه عوامل نفسية – كما سبق أن ذكرنا – فأنا نرى أن الاعتراف والوجود فى أجواء روحية مقدسة يصلح أن يكون علاجاً لأمثال هذه الحالات سواء بواسطة الأب الروحى – أن كان ذلك فى امكانه – وأما بواسطة اخصائيين نفسيين عن طريقه أيضاً.
واجب المربين:
وهناك واجب هام ملقى على كاهل المربين خاص بموضوع الكذب وخطايا اللسان عامة – سواء أكان هؤلاء المربون والدين أم معلمين، أخوة أو مرشدين – عليهم واجب نحو الصغار. يقول العلماء أن الطفل اذا نشأ فى بيئة تحترم الصدق قولا وعملاً، فطبيعى جداً أن ينشأ أميناً فى كل أقواله وأفعاله. هذا بالاضافة الى توافر العوامل اللازمة لتحقيق حاجاته النفسية الطبيعية من اطمئنان وحرية وتقدير وعطف وشعور بالنجاح واسترشاد بتوجيه صالح. فاذا توافر هذا كله للطفل، فانه لا يلجأ الى التعويض عن نقص أو التغليف ضد القسوة أو الانتقام أو غير ذلك من الاتجاهات التى تجد فى أنواع الكذب صورا مناسبة للتعبير عن نفسها.
الحلف
الحلف أو القسم، كما يعرفه اللاهوتيون، هو استدعاء اسم الله للشهادة، أما على صدق قول أو توثيق وعد. ويعتبر حلفاً أيضاً، أستخدام أقسام أخرى، غير اسم الله، حسبما يقول يعقوب الرسول.
« ولكن قبل كل شئ يا أخوتى، لا تحلفوا لا بالسماء ولا بالارض، ولا بقسم آخر. بل لتكن نعمكم نعم ولاكم لا، لئلا تقعوا تحت دينونة» (يع 5: 12)).
أسباب القسم:
(أ) توكيد لصدق قولهم.
(ب) اظهار لبراءتهم من خطأ أو تهمة نسبت اليهم.
(ﺠ) على سبيل التعود لاتفه الاسباب، وربما لغير سبب.
لماذا لا نقسم؟
(أ) اذا كان الحلف هو استدعاء اسم الله للشهادة، فيعتبر من الاستهانة بالاسم العظيم أن نستدعيه للشهادة سواء حقاً أم كذباً. وقد نهانا الرب يسوع عن الحلف كلية بقوله.
«لا تحلفوا البتة لا بالسماء لأنها كرسى الله، ولا بالارض لأنها موطئ قدميه. ولا بأورشليم لأنها مدينة الله العظيم. ولا تحلف برأسك لأنك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء. بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير» (مت 34: 5 - 37)).
والسيد المسيح قبل أن يورد الآيات السابقة عن الحلف قال.
«أيضاً سمعتم أنه قيل للقدماء لا تحنث بل أوف للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة.. » (مت 5: 33).
، 34). ومعنى ذلك أن الرب يسوع بعد أن أشار الى ما كان متبعاً، أعطى الوصية ناهياً ايانا عن القسم بأية صورة أو بأى شئ. ويقول القديس يوحنا ذهبى الفم فى هذا المعنى «ان قلت وأى ضرر يصيب من أقسم عن ضرورة، أجبتك وأى وزر أذن على من لا يؤمن. فحيثما وجد تجاوز الناموس فلا اعتبار حينئذ للضرورة مطلقاً، اذا الضرورة هى شئ واحد، وهى أن لا يصير الواحد عدوا لله».
(ب) لاحظ قول الرب.
« وما زاد على ذلك فهو من الشرير» (مت 5: 37).
، أى فهو من الشيطان. ويؤكد هذا المعنى يعقوب الرسول بقوله.
« ولكن قبل كل شئ يا أخوتى لا تحلفوا لا بالسماء ولا بالارض ولا بقسم آخر. بل لتكن نعمكم نعم ولاكم لا لئلا تقعوا تحت دينونة» (يع 5: 12)).
قال الحكيم ابن سيراخ «لا تعود فمك الحلف، وتسمية العلى لا تحلف بها» (سى 23: 9).
(ﺠ) ان العلة التى لأجلها لا يجوز لنا أن نحلف، هى أننا لا نملك الشئ الذى نقسم به. فأنا لا أملك ذاتى حتى أقسم بها، ولا أملك شعرة واحدة من شعر رأسى، ولا أملك تغيير لونها، ولذا لا يجب أن أحلف برأسى. أما الرب فهو وان كان أقسم بذاته فى بعض الاحيان فى العهد القديم (تك 22 - 16، أش 45: 23)، فما ذلك الا لانه يملك ذاته. ومع أن الله يملك ذاته وله أن يقسم بها، فانه لم يرد فى البشائر الاربعة أن السيد المسيح – وهو الله الذى ظهر فى الجسد – أقسم على الاطلاق، بل كان حينما يريد أن يؤكد شيئاً هاماً كان يقول «الحق الحق أقول لكم» (أى صدقونى، أو ما أقوله لكم هو الصدق).
وحينما أعطانا الرب يسوع وصية عدم الحلف، أعطاها وصية مطلقة فى كلمات قاطعة لا تقبل التأويل. وعلى ذلك فلا يجوز الحلف بالله أو بالقديسين والشهداء ولا بأى مكان أو شئ آخر.
(د) ويخشى أن نحن أبحنا استخدام القسم، ان الانسان قد يقسم فى نوبة غضب أو مجال تفاخر.. وعندما يزول السبب الذى لاجله أقسم، يجد نفسه مقيدا بالقسم ويظل الشيطان يلح عليه ويزعجه لكى يتممه. وهذا ما حدث مع هيرودس الملك، اذ لما رقصت ابنة هيروديا فى حفل ميلاده وسر بها « وعد بقسم أنه مهما طلبت يعطيها». فلما طلبت رأس يوحنا المعمدان على طبق.
«اغتم الملك، ولكن من أجل الاقسام والمتكئين معه أمر أن تعطى. فأرسل وقطع رأس يوحنا فى السجن» (مت 14: 6 - 10)).
الحلف على سبيل العادة:
نلاحظ أن الحلف قد صار عند البعض مجرد عادة كلامية، ينطقون به دون تفكير، فيرددون اسم الله ويؤكدون به كلامهم، وهم لا يقصدون توكيدا. ولا شك أن هذه خطية محزنة، تكمل فيهيا كل معانى الخطية. فان النطق باسم الله بطريق العادة، وعلى سبيل القسم، يدل على ضمير واسع، يتسع للتغاضى عن ارتكاب المعاصى، والضمير السليم لا يقبل التغاضى عن المعاصى.
عاقبة الحلف:
1 - أن الذين يتعودون القسم يسيئون الى ذواتهم دون أن يدروا، لأن كلامهم لا ينال التصديق الذى يناله كلام انسان عرف عنه الصدق دون حلف. بل أن احترام من لا يحلف لوصية الله المقدسة التى تقضى بعدم الحلف تعطى الناس فكرة عن مدى تقواه، وتدفعهم الى تصديقه. قال القديس يوحنا الاسيوطى «الحلف الدائم هو الكذب بالحقيقة. والكلام الخالى من الحلف هو المملوء حقاً».
2 - وللرب الاله نقمة عظيمة على المستهينين باسمه الاقدس وكرامته. قال زكريا النبى.
« وقعدت ورفعت عينى ونظرت واذا بدرج طائر، فقال لى ماذا ترى؟ فقلت انى أرى درجا طائرا طوله عشرون ذراعا وعرضه عشر أذرع. فقال لى هذه هى اللعنة الخارجة على وجه كل الارض. لان كل سارق يباد من هنا بحسبها. وكل حالف يباد من هناك بحسبها. انى أخرجها يقول رب الجنود فتدخل بيت السارق وبيت الحالف باسمى زورا وتبيت فى وسط بيته وتفنيه مع خشبة وحجارته» (زك 5: 1 - 4)).
وقال يشوع بن سيراخ «الرجل الكثير الحلف يمتلئ اثماً، ولا يبتعد عن بيته العذاب» (سى 23: 11). لقد شرب بيشاصر الملك الخمر فى آنية الرب فانتقم منه الله انتقاماً عظيماً (دا 5: 22 - 27). ومثل هذا يحل بكل من يجعل اسم الله لقمة سائغة فى فمه مثل بيلشاصر. ولذا قال الرسول.
«اسم الله يجدف عليه بسببكم» (رو 2: 24)).
علاج الحلف:
1 - الذين يحلفون تأكيدا للكذب يرتكبون أثما مضاعفا. وطبعا لا سبيل لأن يقلعوا عن الحلف الا باقلاعهم عن الكذب الذى يدفعهم الى الحلف.
2 - واذا كان الدافع للحلف، هو الرغبة فى أن يصدقنا الآخرون، فنحن غير ملزمين بذلك، ولندع الله يقنعهم بصدق أقوالنا وبراءة ساحتنا، ولا شك أنه سيفعل. على الانسان فى كل مشكلة تعترض حياته وتتطلب كسر وصية من وصايا الله، أن ينظر الى الله فى ناحية والى الخطية فى الناحية الاخرى، ويوازن بينهما، واضعا نصب عينيه القول الالهى «ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه».
3 - واذا كان الدافع الى الحلف هو الرغبة فى أن يصدقنا الآخرون، نظرا لأن عدم تصديقهم لكلامنا يرجع الى الفكرة السيئة التى تكونت عندهم عنا بسبب حياتنا السابقة المنحرفة، حتى لو كنا تركنا حياتنا الاولى بما فيها من كذب – فى هذه الحالة أيضاً نترك الله يعمل والوقت يظهر حياتنا الجديدة. فالشخص الذى تكلمه، أن كان لا يصدقك مرة ومرتين وثلاث مرات، ولكنه فى النهاية سيصدقك.
4 - أما الذين تعودوا الحلف لسبب تافه أو لغير سبب أصلا، فهؤلاء يلزمهم اقتناع فكرى بجسامة هذه الخطية، مع السلوك فى تدريب يومى الى أن يقلعوا عن ذلك، ولا شك فى أنهم سيصلون بالتدريج. ويشير القديس يوحنا ذهبى الفم بتدريب صارم على الذين تعودوا الحلف فيقول «متى شاهدت نفسك أو أحد غلمانك وأولادك يقسم بحلف مؤكد دائماً، فمره أن لا يطعم طعاماً بالكلية، وأفعل هذا مع ذاتك أن كنت متعودا الحلف، لأنه متى تأدب اللسان الجرئ، لا يعود يجسر بعدها على الحلف، لان تضور الجوع يجعله يتعفف عن ذلك». ويقول أيضاً «أدب يا هذا أصدقاءك وأهل منزلك. لأن اللسان متى هذب يفر من القسم فراره من المرارة».
وعليهم أيضاً أن يصلوا فى كل صلاة طالبين نعمة الرب للاقلاع عن هذه العادة. وليدرب هؤلاء أنفسهم أيضاً على استعمال الفاظ مثل «صدقنى» بدل لفظ القسم.
النميمة والاغتياب والذم
وهذه ثلاث خطايا يجمع بينها شبه كثير، وتهدف الى غاية تكاد تكون واحدة. فالنميمة هى اظهار الكلام بقصد الوشاية، ورفعه على وجه الاشاعة والافساد. والاغتياب هو ذكر شخص بما فيه من السوء فى غيبته. والذم هو ضد المدح. أما غايتها فهى التعريض بالناس وتشويه سمعتهم أمام الآخرين وهدم حياتهم أدبياً – أن مرتكبى هذه الخطايا ينطبق عليهم وصف الحكيم.
«الرجل اللئيم ينبش الشر، وعلى شفتيه كالنار المتقدة» (أم 16: 27)).
أسبابها:
وهذه الخطايا كما أوضحناها تحرض عليها أفكار الادانة أو الحقد أو الحسد، وهذه بدورها تصدر عن الكبرياء وقلة المحبة.
خطورتها:
1 - ان الله يمقت هه الخطايا ويبغض مرتكبيها، لان خلفها تستتر خطايا أخرى كالكبرياء والبغضة والحقد والحسد... وقد نهى الرب عنها قديماً بقوله.
«لا تسع فى الوشاية بين شعبك. لا تقف على دم قريبك. أنا الرب» (لا 19: 16)).
وحينما أخذ يعدد رجاسات أورشليم على لسان حزقيال النبى قال.
«كان فيك أناس وشاة لسفك الدم» (خر 22: 9)).
وقال داود النبى عن النميمة.
«الذى لا يشى بلسانه، ولا يصنع شرا بصاحبه، ولا يحمل تعييراً على قريبه.. الذى يصنع هذا لا يتزعزع الى الابد» (مز 15: 1 - 5)).
وقال عن الاغتياب.
«لم أضع أمام عينى أمرا يخالف الناموس.. الشرير لا أعرفه. لا الذى يغتاب صاحبه سرا هذا أقطعه. مستكبر العين ومنتفخ القلب لا أحتمله» (مز 101: 3 - 5)).
وأما عن الذم فيقول يعقوب الرسول.
«لا يذم بعضكم بعضاً أيها الاخوة. الذى يذم أخاه يدين أخاه، يذم الناموس ويدين الناموس» (يع 4: 11)).
وعلى الرغم من أن البشائر الاربعة لم تمدنا الا باليسير جداً من تعاليم يوحنا المعمدان «سابق الرب وأعظم مواليد النساء»، لكن هذا اليسير تضمن تعاليماً بخصوص هذه الخطايا، وذلك مما يدل على أهميتها. قال لجنديين ردا على سؤال لهما عما يفعلونه.
«لا تظلموا أحداً، ولا تشوا باحد» (لو 3: 14)).
قا الحكيم ابن سيراخ «لا تكن نماماً ولا تؤاخذ بلسانك فتخزى. لأن على السارق الخزى والندامة له. والذم الخبيث لذى اللسانين» (سى 5: 14).
ليس أدل على مدى مقت الله لهذه الخطايا، من أنه يفضحها، ولن يتوانى عن اظهار براءة عبيده المفترى عليهم. حدث فيما كان الرب يسوع يخرج شيطاناً من رجل أخرس، أن بعض اليهود قالوا أنه «ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين». ولكن للحال.
«رفعت امراة صوتها من الجمع وقالت له طوبى للبطن الذى حملك والثديين اللذين رضعتهما» (لو 11: 15).
، 27).
2 - ومن جهة الناس فهم يبغضون هذه الخطايا، لأنها تهدم الاشخاص والبيوت وتزرع البغضة والخصومة بين الاصدقاء وتوقع بينهم، ولذا قال الحكيم.
«رجل الاكاذيب يطلق الخصومة والنمام يفرق الاصدقاء» (أم 16: 28).
وقال أيضاً.
«بعدم الحطب تهدأ النار، وحيث لا نمام يهدأ الخصام» (أم 26: 2)).
بل أن الناس يعدونها أشد قبحا من السرقة، فالسارق يسرق الاشياء المادية التى يمكن تعويضها، أما النمام فيسلب صيت الناس وأعراضهم، وهما شيئان لا يقومان بمال حسبما يقو الحكيم.
«الصيت أفضل من الغنى» (أم 22: 1)).
3 - ويزيد من خطورتها انها لا تتمشى مع الحياة الجديدة التى يحياها الانسان بعد أن تمس النعمة الالهية قلبه. وليس أدل على ذلك من قول زكا رئيس العشارين للرب يسوع «ها أنا يا رب أعطى نصف أموالى للمساكين، وان كنت قد وشيت بأحد أرد أربعة أضعاف». فكان جواب الرب على مشاعر زكا التى صيغت فى هذه الكلمات.
«اليوم حصل خلاص لهذا البيت» (لو 19: 8).
، 9).
4 - والملتصق بهذه الخطايا يسئ الى نفسه أكثر مما يسئ الى غيره. فاساءاته الى الابرياء سيكشفها الله، ويرد كيده الى نحره، ويظل هو الوحيد ذا السمعة الرديئة. قال داود النبى.
«رجل لسان لا يثبت فى الارض» (مز 140: 11)).
أنه كمن ينظف فتيلة الشمعة أو شريط مصباح الغاز فان ضوءهما يزداد قوة وبهاء بينما تتلوث أصابعه. ولا يلبث أن ينفر منه الناس ويحترسون منه لانهم يخشون أن يتناولهم بلسانه مثلما يتناول غيرهم.
القديسون وهذه الخطايا:
ومن أجل قبح هذه الخطايا وخطورتها، أوصانا الله الا نتصل بأصحابها ولا نخالطهم كما يقول الحكيم.
«الساعى بالوشاية يفشى السر، فلا تخالط المفتح شفتيه» (أم 20: 19)).
وأكد هذا المعنى الآباء القديسون فى نصائحهم. قال أحد الاباء ينصح تلاميذه «لسان الثعبان اخف من لسان الشيطان.. من أجل أنه يهيج اضطراباً وحروباً كثيرة بين الاخوة، ويقيم فتنا وشروراً وسط أهل السلامة، ويغرق مجامع كثيرة. لسان النمام لا يفترق عن لسان الحية. فالاصلح أن تسكن مع الحية والعقرب من أن تسكن مع ذى لسان نمام. والآن أنا أوصيكم أن تهربوا من النمام هروباً عظيماً. وحتى أن كان متوحد أو سائح أو مجاهد نمام، فاهربوا منه. وان كان أبوك أو أخوك نماماً فاخرج عنه خارجا فالاصلح أن تقيم مع أسد وليؤة من أن تقيم مع نمام فلا تسنح أن تهرب منه بعيداً لئلا يقتلك بسمه الذى للخطية».
وقد أوصانا الآباء القديسون أيضاً أنه اذا جمعنا مكان واحد مع انسان وبدأ يتكلم بالشر على آخرين فلا نجاريه ولا نستحى منه، بل فلنحول الحديث الى أمر آخر نافع، أو نظهر عدم استعدادنا لسماع مثل هذا الكلام. قال القديس مقاريوس الكبير «أحفظوا أسماعكم من كلام النميمة لتكون قلوبكم نقية».
شهادة الزور
وهذه خطية مركبة لأنها تنطوى على كذب وحلف باطل. وربما كانت ضد المحبة حينما تستهدف الاساءة الى أحد الطرفين المتنازعين. وذلك باخفاء الحقائق وكتمها عن القضاة أو المحكمين ليقضوا بغير الصواب والعدل. فتضيع حقوق أحد الطرفين، وربما امتهنت كرامته وثلم صبته.
الله وشاهد الزور:
وقد أفرد الرب لشهادة الزور وصية خاصة، هى الوصية التاسعة من الوصايا العشر، قال.
«لا تشهد على قريبك شهادة زور» (خر 20: 16)).
ان الله «حق» و«محبة» والذين يشهدون بالزور يقاومون الحق ويشوهونه ويعملون ضد ناموس المحبة، ويساعدون على نشر الظلم وتوسيع نطاق الغش. ولذا لا نعجب اذا رأينا الوحى الالهى يحذرنا من السقوط فى هذه الخطية تحذيرا رهيباً بقوله.
«لا تضع يدك مع منافق لتكون شاهد ظلم» (خر 23: 1)).
كما أمر قديما أن يعاقب شاهد الزور بأن يفعل به ما كان ينوى أن يفعله بأخيه (تث 19: 16 - 19). قال الحكيم.
«شاهد الزور لا يتبرأ والمتكلم بالاكاذيب لا ينجو» (أم 19: 5)).
واجبنا ازاء الشهادة:
تتجاذب الانسان المطلوب للشهادة مشاعر عاطفية كثيرة خصوصا اذا كانت تبرئة المذنب تتوقف على شهادته، وكان لا يترتب على هذه التبرئة ضرر يلحق بانسان آخر – أو هكذا يعتقد هو. لكن ليعلم شاهد الزور أنه بخطيئته يرتكب عدة خطايا.
(أولاً) فى حق نفسه لانه يرتكب عملا ممقوتا لدى الرب كما يقول الحكيم.
«مبرئ المذنب، ومذنب البرئ كلاهما مكرهة الرب» (أم 17: 15)).
(ثانياً) فى حق من شهد زورا لصالحه اذ ربما العقاب الذى سيناله فى هذه الحياة الدنيا يكون سببا فى نجاته من العقاب الابدى.
(ثالثاً) فى حق الله معطى هذه الوصية. ومفروض فينا أن نقدم دليل حبنا لله كأبناء خاضعين له بحفظ وصاياه بض النظر عن أى اعتبار آخر،.
«ان كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى» (يو 14: 15)).
حينما يستدعى انسان للشهادة فى أمر ما أو فى قضية من القضايا عليه أن يشهد بالحق ويجرد ذاته من كل الدوافع والعواطف الخيرة، غاضاً الطرف عن كل الاعتبارات. ان الرحمة والمحبة وصيتان الهيتان، كما أن الشهادة بالحق وصية الهية كذلك. فكيف نتمم وصية بالتغاضى عن وصية أخرى. وكيف نحفظ الاولى بكسر الثانية؟!
ربما كانت الشهادة المطلوبة لحسم نزاع بين شخصين، وربما كانت بين شخصية حقيقية وأخرى معنوية (كمصلحة حكومية أو هيئة عامة أو شركة مثلاً). وربما شجع الانسان على شهادة الزور فى الحالة الثانية شعوره بأنه لا يلحق ضررا بانسان آخر. لكننا نعود ونؤكد أن الوصية هى الوصية، وحفظنا لها هو دليل حبنا لالهنا.
ربما طلب من الانسان تأدية الشهادة فى قضية، وعليها يتوقف مستقبل انسان يعرفه، كالفصل من وظيفته أو الحكم عليه بالسجن أو الحاق ضرر جسيم به. لا يجب علينا أن نفكر فى النتيجة، لان الغاية لا تبرر الوسيلة بل يجب أن تكون الغاية جيدة ومقدسة والوسيلة جيدة ومقدسة كذلك، بل علينا أن نكون أمناء فى أداء الشهادة. أما مشاعر الحب والعاطفة والرحمة، فالله أكثر منا حباً لذلك الانسان وأكثر عطفاً عليه. وهب أننا كنا متأكدين من براءة هذا الانسان فلنؤذ الشهادة كما يليق بالحق والصدق.
حينما تتحرك فيك الرغبة لشهادة الزور – حتى لو كانت بدافع خير – فعليك أن تتذكر الشاهدين اللذين شهدا زورا على الرب يسوع أمام قيافا رئيس الكهنة، وبموجب شهادتهما حكم عليه بأنه مستوجب الموت (مت 26: 60، 61).
الشتيمة
الشتيمة عبارة عن كلام ذم يقال لانسان فى مواجهته، وغالباً ما تصدر عن غضب يحركه حقد أو حسد أو بغضة أو غيرة دينية منحرفة. وقد تستخدم أحياناً فى مجات الهزل والفكاهة.
موقفنا من الشتيمة:
يتساءل البعض عن موقفنا حينما نشتم، ويقولون «الا يجوز الشتم – ولو على سبيل التخويف أو التأديب؟ الا يجوز أن يستعمله الوالدون مع أبنائهم، والمربون مع تلاميذهم، والرؤساء مع مرؤوسيهم، والمخدومون مع خدمهم؟ ».
1 - كمشتومين:
ليس أنفع لبنيان حياتنا الروحية من النظر الدائم الى رئيس ايماننا ومكمله الرب يسوع المسيح (عب 12: 2) الذى قال عنه القديس بطرس.
«الذى (المسيح) اذ شتم لم يكن يشتم عوضاً، واذا تألم لم يكن يهدد، بل كان يسلم لمن يقضى بعدل» (1بط 2: 23)).
فليس لنا حينما نشتم أن نجاوب شاتمينا بمثل كلامهم. فالرب قد علمنا أن نبارك لاعنينا ونصلى لاجل الذين يسيئون الينا (مت 5: 44، 45). وقال القديس بولس.
«باركوا ولا تلعنوا» (رو 12: 14)).
وقال القديس بطرس.
«غير مجازين عن شر بشر ولا عن شتيمة بشتيمة، بل بالحرى مباركين. عالمين أنكم لهذا دعيتم لكى ترثوا بركة» (1بط 3: 9)).
حدث قديماً أن شمعى بن جيرا شتم داود النبى وهو ملك على اسرائيل، ورشقه بالحجارة.. اراد أحد اتباع داود أن يقتل ذلك الرجل الشاتم. لكن داود – وهو ملك – قال فى وداعة كاملة.
«دعوه يسب، لأن الرب قال له سب داود. ومن يقول لماذا تفعل هكذا. لعل الرب ينظر الى مذلتى ويكافئنى الرب خيرا عوض مسبته» (2صم 16: 5 - 12)).
. حدثنا بستان الرهبان عن أخ مجاهد عفيف، شتمه انسان سمعته غير جيدة. فما كان من الاخ العفيف الا أن أجابه قائلاً «كنت قادراً عن أن أجيبك بما يوافق كلامك هذا، ولكن ناموس الهى يغلق فمى».
واحتمال الشتائم وعدم مقابلتها بالمثل تولد فى النفس اتضاعا، يستأهل الانسان بسببه نعما جزيلة. ولذا قال الرسول بولس.
«لذلك أسر بالضعفات والشتائم.. لاجل المسيح، لانه حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوى» (2كو 12: 10)).
2 - كشاتمين
إذا كنا مطالبين بالا تخرج كلمة رديئة من أفواهنا (أف 4: 29). فكيف يشتم الانسان أخاه الذى على صورة الله؟! ان ذاك الذى تشتمه سواء كان مرؤوساً أو خادماً، فهو انسان مثلك مخلوق على صورة الله. ان اللسان الذى به نصلى ونبارك الله الآب لا يليق به أن يستخدم فى لعن الناس وشتمهم. وفى ذلك يقول يعقوب الرسول.
«لا يصلح يا أخوتى أن تكون هذه الامور هكذا. ألعل ينبوعاً ينبع من نفس عين واحدة العذب والمر» (يع 3: 10).
، 11).
هذا هو موقفنا كمسيحيين مدعوين لحياة القداسة، وللميراث الذى لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل المحفوظ فى السموات. أننا لم نقرأ عن السيد المسيح – الذى وهو فى الجسد تعرض واحتمل صنوف الاهانات – انه شتم أو أخرج من فمه الطاهر كلمة نابية «ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه» (أش 53: 7).
أن ليس هناك مبرر للشتيمة، ولو كانت على سبيل التخويف أو التأديب. فالانسان اذا كان صالحاً، لا يمكن أن تصدر عنه شتيمة – لا مصطنعة ولا متعمدة – لأن.
«من فضلة القلب يتكلم الفم» (مت 12: 34)).
ثم أن الشتم ليس هو وسيلة التخويف أو التأديب. هذا فضلاً عن أن أمثال هؤلاء الشتامين مسئولون أمام الله عن اعطاء نماذج صالحة لابنائهم أو لرؤوسيهم لو لخدمهم. لكن ليس معنى كلامنا هذا الامتناع عن استعمال عبارات التأنيب والتوبيخ. قال الرسول بولس لتلميذه تيموثاوس « وبخ، أنتهر» (2تى 4: 2). لكن هذه تختلف عن الفاظ الشتيمة.
قد يظن البعض ممن يشغلون وظائف معينة أن بعض المرؤوسين لا ينتجون الا بالشتائم والتخويف ولذا فهم مضطرون الى ذلك. لكن هذا ينافى الواقع لان الشتم ليس من مقومات قوة الشخصية، فضلا عن أن هناك وسائل وطرق أخرى لتقويم المرؤوسين المستهترين. ولعل التوجيه الصالح واظهار العطف كفيلان باخجال المتراخين والمتهاونين وشحد هممهم.
علاج الشتيمة:
تحتاج الشتيمة فى علاجها الى اقتناع فكرى بخطاها وقبحها وأثرها السئ، والى حياة روحية عامة يحياها الانسان.
فالشتيمة كثيرا ما تصدر عن انفعال غضبى، ومقابلتها بشتيمة مماثلة، يزيد هوة الخلاف وحدة البغضة بين المتشاتمين. انها كالنار التى تزداد اشتعالا وترتفع ألسنتها كلما ألقى اليها وقود جديد. فحينما تواجه بالشتيمة قابلها بالوداعة والهدوء، فهما كالماء التى تطفئ النيران المتأججة. تشبه بمعلمك، فتطفئ.
«جميع سهام الشرير الملتهبة» (أف 6: 16)).
ونحن نعلم من كلمات الحكيم أن.
«الجواب اللين يصرف الغضب، والكلام الموجع يهيج السخط» (أم 15: 1)).
والرسول يعلمنا الا نقاوم الشر بالشر بل نغلبه بالخير (رو 12: 21). واذا استطعت أن تضبط ذاتك فى موقف اهانة أو شتيمة وجهت اليك، فلا تصغر نفسك فى عينيك ولا تعتبر ذلك ضعفاً ومذلة بل عن قوة ونصرة، فالحكيم يقول.
«البطئ الغضب خير من الجبار، ومالك روحه خير ممن يأخذ مدينة» (أم 16: 32)).
وكعلاج الشتيمة يتطلب الامر حياة روحية عامة كما ذكرنا، لأن الشتيمة ليست خطية قائمة بذاتها، والا لهان الامر، ولامكن الجهاد ضدها، لكنها تعبير عن خطايا أخرى كالغضب الذى هو بدوره مظهر لاوجاع أخرى كامنة فى الانسان كالحقد والحسد والبغضة.. الخ، وهذه الاخرى صادرة عن قلة الحب. ولذا علينا أن نعالج الداء من أساسه.
اما اذا كانت الشتيمة من النوع الذى تعود عليه اللسان وأصبحت ترد فى سياق الحديث المألوف، فالامر يتطلب تدقيقاً ومحاسبة النفس مساء كل يوم، كنوع من التدريب على ضبط اللسان ضد هذه الخطية. هذا اذا كان الانسان يجاهد من أجل حياة روحية مقدسة.
الشتيمة كعادة:
نحلاحظ على بعض الناس أن الشتيمة تجرى على ألسنتهم كالماء. والاخطر من ذلك أن الشاتم قد لا يقصد ما تحمله شتيمته من معنى. بل وصل الامر بالبعض أن يقصد بشتيمته المازحة مديحاً، فى حين يقصد البعض الآخر بها فى مجرى الحديث العادى نوعا من الاستحسان!! وما سبق أن قلناه فى الحلف الذى ينطق به البعض على سبيل العادة نكرره هنا أيضاً ونقوله، ان نالانسان الذى تجرى الشتيمة على لسانه دون تفكير، انسان قد أفسد ضميره، وعليه أن يوقظ ضميره فيسير فى طريق التدقيق والحساسية.
وكأمور تساعد على الاقلاع عن هذه الخطية، الصلاة الى الله والطلبة من أجل هذا الامر، لكى يعطى الرب المعونة اللازمة. وعلى الانسان المهزوم من هذه الناحية أن يدرس الظروف التى يرتكب فيها مثل هذه الخطية، حتى اذا ما اقتربت هذه الظروف انتبه الى الاحتراس من هذه الخطايا. كأن يلاحظ مثلاً انه يشتم حين يمزح مع اخوانه، أو حين يمزحون معه مستعملين الشتيمة، فينزلق الى استعمالها. وحينئذ يبدى اهتماماً خاصاً بهذه المواقف. ولا شك أنه عن طريق محاسبة نفسه وتدريبها سيصل فى النهاية – بنعمة الله – الى الاقلاع عنها، واحلال الكلمات الجيدة محلها.
عاقبة الشاتمين:
ولا تستهين يا أخانا بالشتيمة كأنها أمر تافه لا يؤبه له، لا يدانى بقية الخطية التى تبدو فى نظرنا جسيمة. لذلك حذرنا الرسول بولس من مخالطة الشتامين بقوله لمؤمنى كنيسة كورنثوس.
«ان كان أحد مدعوا زانياً او طماعاً أو عابد وثن أو شتاماً أو سكيراص أو خاطفاً أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا» (1كو 5: 11)).
ويرسم لنا الكتاب المقدس صورة مروعة لعاقبة الشتامين فى الحياة العتيدة. فيقول معلمنا بولس.
«لا تضلوا. لا زناة ولاعبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعوا ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله» (1كو 6: 9).
، 10) فلننظر الآن بامعان الى عاقبة الشتيمة المرة، حتى لا تستخف بها. أن مرتكبيها محصون مع الزناة وعبدة الاوثان ومرتكبى الخطايا القبيحة الشائنة..!! وجميعهم ليس لهم نصيب فى ملك المسيح الأبدى.
كَلام الهَزل
فى سبيل التسلية الباطلة والمزاح، ينجس الانسان نفسه بالعبارات القبيحة والنكات البذيئة، وسرد النوادر والقصص المعثرة، والتغنى بالاغانى الخليعة.
يتوهم المازحون أن المزاح وما يتخلله من كلام هزلى لا يليق، ما هو الا وسيلة لقطع الوقت والتسلية. لكن ليس هذا هو طريق أولاد الله الذين يحيون بالروح للروح، ويتهللون بالروح أيضاًن ان طريقنا هو طريق النعمة والخلاص، وتسليتنا ونحن نقطعه هما الشركة مع الحبيب مع احبائه كما يقول الرسول «ان كانت تسلية ما للمحبة» (فى 2: 1).
ان كلام الهزل يدخل تحت الكلام الردئ الذى يتنافى مع حياتنا كأولاد لله. لقد علمنا الرب أننا سوف نعطى حسابا يوم الدين عن كل كلمة بطالة تخرج من أفواهنا (مت 12: 36). وهكذا أوصانا الرسول بقوله.
« وأما الآن فاطرحوا عنكم أنتم أيضاً الكل: الغضب، السخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم» (كو 3: 8)).
ولا يقتصر الامر على عدم التكلم بكلام الهزل القبيح، بل يجب أيضاً عدم مجالسة المستهزئين. وقد طوب المرتل فى فاتحة مزاميره من لا يجلس فى مجلس المستهزئين (مز 1: 1). وأكد نفس هذا المعنى أرميا النبى بقوله « وجد كلامك فأكلته، فكان كلامك لى للفرح ولبهجة قلبى. لأنى دعيت باسمك يا رب اله الجنود. ألم أجلس فى محفل المازحين مبتهجاً» (أر 15: 16، 17).
ويتوهم المازحون أنهم وحدهم السعداء بهزلهم ومزاحهم، ويرمون غيرهم، ممن لا يشاركونهم هزلهم وخلاعتهم، بالجمود والرجعية. وأحياناً يضعف بعض صغار الشبان حينما يرمون بهذه الصفات وأمثالها، فيجارون زملاءهم فى سلوكهم.. لكن ليسمع هؤلاء وأولئك كلمات الرب نفسه.
« ويل لكم أيها الضاحكون الآن لانكم ستحزنون وتبكون» (لو 6: 21).
، 25). وليسمعوا أيضاً كلمات القديس بولس.
«فلا يسم بينكم كما يليق بقديسين.. القباحة، ولا كلام السفاهة والهزل التى لا تليق» (أف 5: 3).
، 4)، أن فرح أولاد الله فرح قلبى عميق، وصفه الرسول بأنه.
«لا ينطق به ومجيد» (1بط 1: 8)).
يظن مدمن المزاح وكلام الهزل أنه بقدر ما يتجاوب معه بعض الناس فى الضحك، بقدر ما يكون (خفيف الدم) محبوباً لديهم. لكن ليعلم المسكين ان الناس حينما يخلون الى أنفسهم ينعتونه (بخفة العقل)!
من شان كثرة المزاح وكلام الهزل انهما يطفئان حرارة الروح، حتى لو كان المزاح بريئاً والكلمات المتبادلة فيه بريئة كل البراءة. انه يفعل بحرارة الروح، ودفء القلب، ما يفعله الماء بالنار المشتعلة. يقول القديس يوحنا الدرجى «المزاح مبطل التخشع، مبدد العقل، مفسد التحفظ، مبدد الحرارة، مشوش الصلاة».
ونريد أن نلفت نظر بعض الخدام الذين يلجأون الى استخدام طريقة مثيرة للضحك فى أثناء تعليمهم ووعظهم ليكسبوا حب المخدومين، ظنا منهم أن ذلك الحب يمهد لكلماتهم فى قلوبهم، أو بحجة التمشى مع روح العصر حتى لا ينفر المخدومون من الوعظ والتعليم. لكن ليعلم هؤلاء الخدام أن وعظنا وخدمتنا تستهدف توبة سامعينا. ولم تكن التوبة فى يوم من الايام وليدة الضحك، بل الندم على خطايانا وفتور محبتنا للرب. هذا فضلاً عما يترتب على هذه الطريقة من امتهان لبيوت الله وقدسية كلامه، وتعويد المؤمنين الاستهانة بها أيضاً.
ليس معنى كلامنا هذا أن الانسان يكون كئيباً حزيناً بينه وبين نفسه، ثقيل الظل فى معاملاته مع الآخرين. بل لقد أوصانا القديس بولس أن نفرح فى الرب كل حين (فى 4: 4)، وأن نلبس.
«أحشاء رأفات ولطفا وتواضعاً ووداعة» (كو 3: 12)).
ويدخل تحت كلام الهزل، عبارات التهكم التى يتندر بها البعض على الآخين بقصد التسلية – لا تسلية هؤلاء الذين يتهكمون عليهم، بل أنفسهم! فيتهكمون مثلاً على انسان ضعيف أو فقير أو عاجز أو أعمى أو أخرس أو مجنون أو دميم الخلقة... وقديما حذر الرب شعبه من مثل هذه الخطية فقال.
«لا تشتم الاصم، وقدام الاعمى لا تجعل معثرة، بل أخش الهك. أما الرب» (لا 19: 14)).
ربما خلق بعض هؤلاء بتلك الصورة التى تتهكم أنت عليها. ألا يعتبر تهكمك فى هذه الحالة تعييراً للرب؟! قال الحكيم.
«المستهزئ بالفقير يعير خالقه» (أم 17: 5)).
وقال أشعياء النبى «فالآن لا تكونوا متهكمين لئلا تشدد ربطكم» (أش 28: 22).
ان فى التهكم جرحا لشعور أخوتنا الضعفاء والفقراء والمقعدين.. وهذا يتنافى مع ناموس المحبة التى تعمنا.
«أننا بعضنا أعضاء البعض» (أف 4: 25).
، والتى تطالب الاقوياء أن يحتملوا ضعف الضعفاء ولا يرضوا أنفسهم (رو 15: 1). وهو يتنافى أيضاً مع روح الاتضاع المسيحى الذى يمنعنى من امتهان الآخرين وازدرائهم بل حتى من مجرد التعالى عليهم.
وأخيراً نريد أن ننبه الى نقطة هامة. وهى أننا محتاجون الى التدقيق فى كلماتنا ومعاملاتنا. فثمة أشخاص أعتادوا أستخدام بعض العبارات – التى لا تتفق مع الكمال المسيحى – على سبيل المزاح، وهم لا يشعرون بخطأها. وأمثال هؤلاء محتاجون الى مراجعة ما أعتادوا أن يقولوه من الفاظ وعبارات.
التمَلق
وهذا خطأ آخر من اخطاء اللسان يستخدمه بعض الوصوليين لبلوغ مآربهم. وهم فى سبيل تحقيق ذلك، يتملقون الاغنياء والعظماء وذوى السلطان ويطنبون فى مديحهم حتى لو كان ذلك على خلاف ما يعتقدون به فى قلوبهم وضمائرهم.
والتملق خطية، لأنه ضد الصراحة والحق. والسيد المسيح لم يتملق أحدا. وهكذا كان سابقه يوحنا المعمدان الذى كان لا يفتأ عن توبيخ هيرودس لما اغتصب امرأة أخيه لتكون زوجة له، وفضل أن يموت شهيدا عن أن يكتم الحق ولا يعلنه. وقد حذرنا الرسول من هذه الخطية بقوله.
« وانما أقول هذا لئلا يخدعكم أحد بكلام ملق» (كو 2: 4)).
ويقود التملق الى الرياء، وهو الذى لاجله كال السيد المسيح الويلات للكتبة والفريسيين (انظر مت 23). والمرائى يتشبه بيهوذا الذى لما جاء ليسلم سيده لاعدائه، تظاهر له بالحب المغشوش حتى أنه قبله وهو يقول له.
«السلام يا سيدى» (مت 26: 49)).
والرب الذى هو – الحق ذاته – يبغض هذه الخطية لانها فضلاً عن كونها ضد الصدق والحق، فانها تتضمن كذبا، لانها لا تعبر عن الواقع. قال داود النبى.
«يتكلمون بالكذب كل واحد مع صاحبه بشفاه ملقه (متملقة بقلب مختلف يستأصل الرب جميع الشفاه الملقة واللسان المتكلم بالعظائم» (مز 12: 2).
، 3).
ويعتبر تملقاً، مجاراة الآخرين فى آرائهم الخاطئة وأخطائهم اللفظية (كذم الآخرين مثلاً)، حرصاً على صداقتهم أو خشية أغضابهم، مع علمنا أن ذلك خطأ، ويضاد ما نعتقد به. ان الحق هو الحق، والحق هو المسيح نفسه. ضد هذه الحقيقة نصب عينيك حتى لا تجامل انساناً وتحرص على صداقته، بينما تغضب الرب.
ليس معنى تحاشى التملق، أن نتعمد الجفاف والخشونة فى معاملاتنا وأحاديثنا مع الرؤساء وذوى المراكز، فتأتى خالية من روح اللطف والمجاملة بل لنكن لطفاء مع الجميع، معطين الكرامة لمن تحق له الكرامة، منكرين ذواتنا، ولكن فى الوقت نفسه نكون متمسكين بالحق الى يرضى الله وترضى عنه ضمائرنا.
التَذمُر
التذمر يصدر عن نفس غير سليمة:
وكلام السخط يعبر عما فى القلب من الضيق وعدم الرضا. وهنا نتساءل: هل يتكلم الانسان بسخط نتيجة لاشمئزازه من شئ فاسد حوله، فيعبر عن نفس مريرة لأنها مريضة فى ذاتها، تستخدم الامر الذى يبدو فاسدا فى العالم المحيط بها وعاء تصب فيه قئ المرارة الساكنة فيها؟!
لو كانت النفس سليمة، وقابلها شئ فاسد لحدث شيئان:
الاول أن تحاول أن تتكشف ما فى هذا الشئ من نواح صحيحة، كأن ترى فى انسان يسبب لها تعبا، نواحى سليمة، فتبدأ فى التعاون معه على أساسها، مثلما يقول الكتاب.
«سراج الجسد هو العين. فان كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيراً. وان كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً» (مت 6: 12)).
وقوله «كل شئ طاهر للطاهرين، وأما للنجسين وغير المؤمنين، فليس شئ طاهرا بل قد تنجس ذهنهم أيضاً وضميرهم» (تى 1: 15).
والثانى أن تحنو على الضعيف وتلتمس له عذرا، ولا يدفعها ضعفه الى الاشمئزاز منه، بل الى العطف عليه ومد يد المساعدة اليه. ولعل هذا ما يعبر عنه الشاعر بقوله:
وعين الرضى عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدى المساوئا.
فلو أن رجلا فى بيته نظر الى النقص فى تنظيم البيت، بعين بسيطة، لتقدم لمساعدة العاملين فى البيت حتى يتلاقى النقص. ولو أنه نظر الى النقص بروح النقد والسخط، لكبر النقص أمام عينيه ولرأى كل شئ آخر معيباً، ولصارت لغة تعنيف وتأنيب. أما عين أبناء الله فهى عين المحبة والعطف، ترى النواحى الطيبة فى الناس، وتحنو عليه فى أخطائهم وتساعدهم فى هدوء ومحبة، كقول الكتاب.
«أيها الاخوة أن انسبق انسان فأخذ فى زلة ما فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة... احتملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح» (غل 6: 1).
، 2).
والنفس السليمة المحبة، تعبر عن نقدها للامور بالفاظ مشبعة بالعطف والتشجيع على تصحيح الخطأ. هى لا تتكلم بسخط أو بتذمر متمثلة برب المجد. والسخط فى أغلب الاحايين تعبير عما فى النفس من مرارة نتيجة متاعبها الخاصة ويعبر عن التذمر بالفاظ شديدة، ونقد لاذع، وكلام فاسد.
لقد حدث أن أنتقد أهل كورنثوس الرسول بولس، وقالوا فيه كلاما غير صحيحن وتبرموا به. ولقد تعب الرسول كثير فى اصلاح ما فى نفوسهم من شر، حتى نجح. وفى سياق وصف حالهم قال مرة.
«فمنا مفتوح اليكم أيها الكورنثيون. قلبنا متسع، لستم متضيقين فينا، بل متضيقين فى أحشائكم، فجزاء لذلك أقول كما لاولادى كونوا أنتم أيضاً متسعين» (2كو 6: 11).
، 12). وهذا القول يبين أن تذمرهم لم يكن لعيب خارج عن نفوسهم.
التذمر يجر الى خطايا أخرى:
على أن التذمر يدفع المتذمر الى كراهية غيره، والتلفظ عليه بألفاظ الذم والافتراء مما يفسد جو التفاهم ويقيم جوا من التشويش. كما ان المتذمر يسمح لمشاعر الكبرياء والحسد والتحزب أن تتمكن منه. وفى هذا يقول الرسول لاهل كورنثوس أيضاً.
«انى أخاف اذا جئت أن لا أجدكم كما أريد، وأوجد منكم كما لا تريدون. أن توجد خصومات ومحاسدات وسخطات وتحزبات ومذمات ونميمات وتكبرات وتشويشات» (2كو 12: 20)).
والتذمر يجر الانسان الى التجديف على الله. فالمتذمر يرى بركات الله بمنظار أسود، فلا يشكر بل يجدف. وهو حينما لا يدركه حكمة الله فى أم من الامور، لا يفعل مثلما فعل القديس بولس حينما هتف قائلاً.
«يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء. لان من عرف فكر الرب أو من صار له مشيراً» (رو 11: 33).
، 34)، بل يجدف على الرب مثلما فعل بنو اسرائيل الذين بعد ما خرجوا من مصر، ووصلوا الى حدود كنعان وأرسلوا الجواسيس فدرسوها وعادوا محملين بعينات من بركات نادرة، لم يشكروا الرب الذى أعانهم وتمم مواعيده لهم ولآبائهم، بل نسوا كل شئ. نسوا مساعدات الله لهم على الشعوب القوية التى قاومتهم وشاعت بينهم مذمة الرب، وقرروا أن الرجوع الى أرض العبودية وعبادة الاوثان أفضل من التقدم نحو أرض الحرية وعبادة الاله القدوس. فكان أن غضب الله عليهم، وقرر ألا يدخل احدا منهم أرض الموعد، بل أن يموتوا جميعاً فى البرية، ويقيم من بعدهم جيلاً جديداً، يولد فى البرية، لم يتلوث عقله بعبادة الاوثان (سفر العدد 13، 14).
وفى التحفظ من هذه الروح يقول الرسول.
«ليرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خبث» (اف 4: 31)).
وواضح من هذه الآية أنها تفصل بدقة مختلف القضايا التى يعبر عنها اللسان نتيجة المرارة التى فى القلب، كالغضب والصياح والتجديف. كما يقول نفس هذا الرسول فى رسالته الى كولوسى.
« وأما الآن فاطرحوا عنكم أنتم أيضاً الكل: الغضب، السخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم» (كو 3: 8)).
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.