الفصل العاشر ساعد طفلك كى يتعلم كيف يتعامل مع الغضب

الفصل العاشر ساعد طفلك كى يتعلم كيف يتعامل مع الغضب

السيدة (م) أرملة لديها طفلين، لا يوجد زوج بجانبها، وبينما كانت تجهز الطعام لطفليها 6 سنوات للبنت و8 سنوات للولد) سمعت صوتاً مدوياً فأحسنت أن هناك مشكلة، ولما ذهبت معتقدة أنهما كانا يلعَبان، وجدت الولد يضرب أخته على ظهرها وهى تصرخ بصوت عالى. قال الولد أن أختى سرقت منى كتابى، أجابت البنت بأنها لم تفعل ذلك. وما كان من الأم إلا أنها جذبت الولد من ذراعه وضربته على ظهره كما فعل هو مع أخته – وصرخت فى وجهه قائلة: "إذهب إلى حجرتك ولا تخرج منها حتى آذن لك. ثم ألتفت الأم للبنت وقالت لها: وكم مرة حذرتك من أن تلمسى أشياء تخص أخوك. فقالت البنت: لم أفعل ذلك، كنت فقط أحاول أن أصعد على الكرسى كى أشاهد التليفزيون فضربنى.

قالت الأم: "لا أريد أن أسمع هذا الكلام، حتى طهى الطعام لا أستطيع أن أجهزه بدون أن تتعاركا سوياً، إذهبى أنت الأخرى إلى حجرتك ولا تخرجى منها قبل أن آذن لك" ثم ردت البنت على الأم قائلة: "أنت دائماً تلومينى" ثم هرولت البنت إلى حجرتها.

وعندما ذهبت الأم لتجهيز الطعام وسمعت صراخ إبنتها وهى تبكى وتغلق الباب بشدة.

لقد أدركت الأم أنه كان من الممكن أن تعالج الآخر بطريقة أفضل ولكن كيف؟

من أهم مسئوليات الوالدين تجاه أولادهم هى أن يعلموا أولادهم كيف يتعاملون مع الشعور بالغضب بطريقة سليمة. ومع ذلك يشعر كثير من الوالدين بالعجز أمام هذه المشكلة.

وعندما نلاحظ كيف يغضب أولادنا نشعر بالألم، ويكون رد فعلنا سلبياً. ومن هنا قررت أن أعالج هذا الموضوع فى هذا الفصل.

والحقيقة أن كل الأطفال يشعرون بالغضب، فنحن لسنا بحاجة أن نمنعهم أن يغضبوا. ولكن مهمتنا تكمن فى أن نعلمهم كيف يسيطرون على غضبهم، وكيف يتعاملون معه.

وبسبب طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء، فإن الآباء هم أكثر الناس تأثيراً فى الطريقة التى يتعامل بها الأطفال مع غضبهم، وهذا يجعلنا أنه يجب علينا أن نعطيهم الفرصة كى نعلمهم مهارة التعامل مع الغضب بشكل إيجابى. ولكن من الممكن أن يكون هذا حقيقة مفزعة لأننا إذا ما نحن فشلنا فى هذا الأمر فإن أبنائنا سوف يعانون عندما يصلوا إلى مرحلة البلوغ.

إن معظمنا لديه الرغبة فى أن يتعلم كيف يساعد أولاده كيفية التعامل مع الشعور بالغضب بطريقة سليمة.

عزيزى القارئ... دعنى أشاركك بعض المبادئ الهامة، والتى أعطيتها للكثير من الآباء والأمهات فى جلسات المشورة. وهذه المبادئ بسيطة فى فهمها ولكن ليست بسيطة فى تطبيقها، لأن تطبيق هذه المبادئ لا يحتاج فقط إلى إنتباهك الشديد وإنما أيضاً يحتاج لإرشاد الروح القدس.

وما يفرحنا دائماً هى الحقيقة التى تقول أن الروح القدس دائماً على إستعداد كى يساعد كل إنسان بأمانة لتنفيذ تعاليم الكتاب المقدس.

أولاً: الحب يأتى أولاً:

دعنى أبدأ أراه أنا شخصياً أنه أهم شئ. ركز على تلبية إحتياجات طفلك العاطفية، لأن الحب هو أساس العلاقة الصحيحة السليمة بين الآباء والأبناء. ولو لم يشعر الطفل بمحبة والديه فهذا سوف يشعره بمزيد من الغضب، وليس هذا فقط وإنما سوف يجعله رافضاً لأى محاولات من والديه كى يصلح طريقته فى التعامل مع الغضب. ولو لم يشعر الطفل بالحب فهذا وحده سوف يشعره بالغضب، لأن هناك شئ دفين فى نفسية الطفل يقول له: إن الآباء والأمهات موجودون كى يحبوا أطفالهم. وإذا لم يشعر الطفل بحب والديه سوف يشعر أنه يتعرض للظلم، وهذا سوف يجعله يغضب وبشدة. وهنا نحن نتذكر لغات الحب الخمس: كلمات الحب – الوقت الكافى – الهدايا – تقديم الخدمات – الملامسة البدنية. ولكل طفل لغة أساسية للحب والتى يجب أن يعرفها ويكتشفها الوالدين، كى يشعر الطفل بمحبة والديه. ونحن يمكن أن نحب أولادنا بأن نعطى كل هذه اللغات ولكن علينا أن نركز على ما يفضله ويحتاجه طفلنا كى يشعر بالحب. وهذا الحب الذى نقدمه لأولادنا يجب أن يكون حباً غير مشروط فنحن وبدون ان نقصد نشعر أولادنا أننا نحبهم فقط عندما نكون راضين عن تصرفاتهم، ومثل هؤلاء الآباء يفقدون أولادهم حينما يلاحظون حبهم المستمر فهذا يعنى أن الطفل سوف لا يفعل ما يرغب به والديه وإنما سوف يفعل ما يحلو له فقط. وهذا عادة ما لا يجب أن يحدث، وإذا حدث فإن الطفل يكون متمرداً داخله.

فالتغيير عن الحب من قبل الآباء والأمهات لا يجب أن يكون مشروطاً بدرجة رضا عن تصرفات أولادهما. فما المانع من أن تحتضن (أو تحتضنى) طفلك حتى لو لم يرتب حجرته. وما المانع من أن يأخذ الأب إبنه فى فسحة صغيرة حتى لو كسر الطفل الفازة، لأنه كسر أيضاً قرارك بعدم اللعب بالكرة فى المنزل. والسؤال هل هذا سوف لا يخلق من أولادنا أناساً لا يتحملون المسئولية؟ هذا السؤال يتساءله كثير من الآباء والأمهات. ولكننى أقول أن الحب يخلق معه المسئولية والشعور بها. وعندما تشعر إبنتك بحبك لها دون أن يكون هناك شرطاً لهذا الحب فإن هذا يخلق بداخلها رغبة لإرضائك، وتكون على إستعداد تام كى تنفذ ما نريده منها دون أن تتمرد.

وعندما نستطيع أن تحب أولادك حباً غير مشروط، فأنت بذلك قد أزلت أهم عائق فى حياة إبنك أو إبنتك، الذى يجعله (أو يجعلها) يشعر بالغضب طول حياته. والرسالة التى يرغب أولادنا فى سماعها هى: "أنا أحبك دون النظر لما تفعله" فالأولاد الذين يشعرون بالأمان فى ظل حب الوالدين يكون لديهم القدرة على إتخاذ القرارات السليمة فى حياتهم. وإذا إتخذوا أى قرارات خاطئة فسيكون من المرجح جداً أنهم سوف يتعلمون من أخطائهم.

إن إحتياج الطفل للحب هو إحتياج مستمر، فالحب مثل الطعام لا يمكن تخزينه، وإنما يجب التعبير عنه يومياً. فنحن لا نستطيع أن تعطى جرعة حب لأولادنا مرة واحدة ثم نأخذ إجازة من التعبير عن حبنا لهم. ولو إعتبرنا أن هناك وعاء للحب بداخل أطفالنا، فأنا أقول أن هذا الوعاء يفرغ سريعاً كما تفرغ المعدة.

إن الأب الحكيم والأم الحكيمة تكتشف لغة الحب الأولى عند طفلها وتعطيه جرعة مكثفة يومياً من هذا الحب مع جزء من كل لغة من اللغات الأربعة الأخرى.

ومع وضع هذا الأساس القوى من الحب فأنا أعتقد أن أمامنا ثلاث طرق أخرى كى نعلم أولادنا كيفية التعامل مع الغضب بشكل إيجابى.

ثانياً: مواجهة الغضب بهدوء:

الزوج (س) وزوجته (د) لهما ولد فى عمر 14 سنة وإبنة فى عمر 18 سنة. وهما يشعران بالحزن الشديد فى مكتب المشورة. وهكذا قال الزوجان: "نحن نشعر بالفشل مع إبننا الإبنة لا تسبب أى مشاكل، ولكننا فى شجار دائم مع الولد. والمشكلة الرئيسية هى غضبه. وهذه السنة هى أسوأ عام يمر علينا بسببه لأنه فى مرحلة المراهقة الآن.

ثم أضافت الزوجة (د) قائلة: "إنه لا يحترمنا. فهو يصرخ فى وجهى وطول الوقت لأن كل ما أفعله هو خطأ (فى مفهومه) والآن بدأ الصراخ فى وجه والده. ونحن حقيقة نحتاج إلى مساعدة.

وبهذه المعلومات بدأت حوَارى مع الوالدين بهذا السؤال: "ما هى ردود الفعل لصراخ إبنكما؟ بدأ الزوج بالإجابة قائلاً:" أنا شخص هادئ وأنا أحاول دائماً أن أسمعه وأتجاوب معه وأفهم وجهة نظره، ولكن بعد فترة من الحوار لا أستطيع أن أتفهمه فافقد هدوئى وأبدأ فى الصراخ فى وجهه. وأنا أعرف أن ذلك ليس صحيحاً، ولكننى أشعر بأننى لا أستطيع أن أفعل أى شئ آخر معه. ".

ثم نظرت إلى الزوجة (الأم) وسألتها: كيف يكون رد فعلك أنت؟ فأجابت: "نحن دائماً نصرخ فى وجه بعضنا البعض، وأنا دائماً أكون مستفذة من أسلوب حديثه معى، ثم أتوجه نحو والده وأقول له: لا يجب أن نسمح للولد أن يتحدث معنا بهذا الأسلوب. أنا أشعر بالفشل تماماً، وربما أنا الذى أحتاج للمساعدة".

ثم توجهت للأب وسألته أن يسترجع فترة طفولته ويذكر لى كيف كيف كانت طرقة تعامل والديه مع الغضب. فأجاب: "أبى كان رجلاً غضوباً" لا أقصد أنه كان غاضباً طوال الوقت، وإنما أقول أنه كان رجلاً ممتازاً، إلا أنه عندما كان يغضب، فكان يفقد أعصابه تماماً ويصرخ فى وجهى ووجه أمى "وسألته:" وكيف كان رد فعل والدتك؟ فأجاب: "أنا ووالدتى إعتدنا السكوت عندما يبدأ أبى فى الصراخ، لأننا كنا نعلم أنه لا داعى للكلام فى تلك اللحظات. وأعتقد أن أمى قد تعلمت أن السكوت وقتها هو أفضل حل حتى لا تتصاعد الأمور".

ثم توجهت لسؤال الأم: وماذا عن منزل والديك أنت؟ كيف كانت طريقة والديك مع الغضب؟ فأجابت الزوجة (الأم): "أنا نشأت فى منزل إيطالى. كل شئ حولنا كان ضوضاء. كل من كان فى المنزل كانوا يصرخون نحو بعضهم البعض. ولكن عندما تهدأ الأمور ينسى الكل ما حدث تماماً، فكل منا قد قال ما كان يريده وأنها الموضوع.

فقلت: أود أن أبدى ملاحظة هنا للزوج الأب:

[أعتقد أنك ذكرت أنه عندما يبدأ الولد بالصراخ تكون أنت هادئاً، ثم بعد فترة تفقد أعصابك، وتصرخ أليس هذا صحيحاً. أجاب الزوج الأب "نعم" فقلت له: إذن أنت تستجيب لصراخ إبنك بنفس طريقة رد فعل والدتك على صراخ والدك، وهو التحلى بالهدوء والسكوت "فأجاب:" نعم ولكن فيما عدا هذا عندما أفقد أعصابى مع إبنى، فلا أنا ولا أمه كنا نستطيع فعل هذا مع والدى].

ثم قلت للزوجة الأم: [وأنت أيتها الزوجة أعتقد أنك قلت إنك تصرخين أنتِ وإبنك طوال الوقت، وهذا ما كان يحدث فى منزل والديك. أليس هذا صحيحاً؟ فأجابت: نعم فيما عدا الجدال مع إبنى الذى لا ينتهى فهو لا يسكت قط.].

[إن السبب الذى جعلنى أسألهم عن ردود أفعال والديهم للغضب هو أن الأولاد يتعلمون من أبائهم الطريقة التى يعبروا بها عن غضبهم. وعادة نحن نأخذ نفس طريقة الأب أو الأم بحسب من هو أقرب لنا فى شخصيته. فقلت للزوج أنت تميل إلى أن تكون مثل والدتك أكثر من كونك مثل والدك. فأجاب: "نعم بالفعل" فقلت له: إذا يكون رد فعلك للغضب يكون الصمت، إلى أن يدفعك إبنك نحو النهاية فتنفجر وتصيح مثل والدك. ووالديك كانت لهما طريقتان مختلفتان تماماً للتعامل مع الغضب. والدتك كانت تسكت وتقابل الغضب بهدوء، ووالدك يصرخ فى وجهكم لكى يعبر عن غضبه. إذاً كان لديك نموذجين مختلفين للتعامل مع الغضب. وانت أخذت شخصية والدتك أكثر، ولكن أحياناً يكون لك نفس رد فعل والدك...].

ثم قلت للزوجة: [فى منزلكم والدك ووالدتك كانا يصرخان أمام بعضهما عندما يشعرا بالغضب، فكانت هذه هى طريقتهم للتعامل مع الغضب. لذلك هذه هى الطريقة التى أتخذتيها أنت عندما تزوجتى وأصبحتى أماً. والفرق هو أن زوجك هادئ معظم الوقت ولا يقابل صراخك بصراخ فأنت تقولين ما ترغبين بينما يجلس هو فى صمت]. فأجابت الزوجة: "نعم وهذا ما يزعجنى بالأكثر، لقد كنت أتمنى أن يصرخ هو الآخر أفضل من صمته هكذا".

فقلت أنا للزوجة الأم [ومع ذلك أنت لا ترغبين أن يتعامل معكم إبنك بنفس الطريقة؟ أفهمت ما تقصدين؟ فأجابت: ولكن الوضع مختلف لأن إبننا هو طفلنا فهو ليس زوجى، والأطفال لا يجب أن يرفعوا أصواتهم أمام والديهم فسألتها: وهل أنت كنت ترفعين صوتك على والديك؟ فصمتت قليلاً ثم قالت: نعم كنت أفَعل].

والآن نلاحظ أن كلاً من الزوج والزوجة تحت التأثير العميق لأسلوب والديهما فى التعامل مع الغضب على كل منهما، فكلاهما قد تعلم نموذجاً من منزله، والآن وهما – بدون قصد – يتعاملانه مع إبنهما.

إن حال هذا الزوج وهذه الزوجة هو نفس حال كثير من الآباء والأمهات. وعادة لا يلاحظ البالغون أنهم يحتاجون لأن يتعلموا كيف يتعاملون مع غضبهم، إلا أن يلاحظوا طريقة أولادهم فى التعامل مع الغضب، وفى كثير من الأحيان أولادنا مرآة لها تعلموه من آبائهم. ولحسن الحظ يستطيع البالغون ان يتعلموا أن يعبروا الأسلوب الغير بناء فى معالجة شعورهم بالغضب إلى طريقة أفضل.

وبعد أن حضر الزوج والزوجة – اللذين تحدثنا عنهما من قبل – بعض المحاضرات، وبعد أن ساعدتهم أن يفهموا الأفكار الموجودة فى هذا الكتاب ولاحظت أنهم تعلموا كيف يشاركوا بعضهم بعضاً شعورهم بالغضب بطريقة هادئة، وليس فيها القاء اللوم على الآخر، ومع مزيد من المحبة وبعد فترة إستطاع ابنهم أن يلاحظ والداه وهما يسمعان ويتكلمان ويتناقشان مع بعضهم البعض. وبعد فترة أشركا إبنهما فيما يحدث، وكيف أنهما إختارا أن يتعلما طريقة جديدة إيجابية للتعامل مع الغضب، ويبدو أن إبنهم قد إرتاح جداً لهذه الفكرة بالرغم من أنه لم يتحدث كثيراً بخصوص هذا الموضوع. ومع ذلك فإن والداه قد عرفا أن إبنهما قد عرف ما هو المقصود من ذلك، حتى أنه فى ليلة ما حين وجد أن أمه قد فقدت أعصابها، إبتدأ الابن يقول لها: "ماما أعتقد أنه يجب عليك أن تذكرى التزامك بحبك نحو أبى عندما تكونى غاضبة" فأجابت الأم: نعم هذا هكذا وأنا أشكرك جداً ".

وفى ليلة ما تعجب الأب والأم من إبنهما عندما وجدا إبنهما يدخل عليهما ويقول: "أنا أشعر بالغضب الآن، ولكن أريد فقط أن تساعدونى. وهل هذا وقت مناسب لكى نتحاول معاً" فرح الوالدان جداً وأعطيا كل الإهتمام للولد بينما هما يسمعان شكواه.

ثالثاً: علم طفلك كيف يكون الغضب:

على الآباء والأمهات أن يعلموا أن أولادهم لا يستطيعون التعبير عن غضبهم بطريقة عاقلة إلا بعد أن يتعلموا كيف يكون هذا الغضب.

فأنت تعلم طفلك كيف يربط حذاءه، وكيف يتحدث، وكيف يقود دراجته. وكذلك كيف يجب أن يتعامل مع الأطفال الآخرين.

والطفل له طريقتان للتعبير عن الغضب، لفظياً أو سلوكياً، وكلا الطريقتين يمكن أن تكون سلبياً أو إيجابياً.

والطفل يعبر عن غضبه سلوكياً حين يركل بقدمه قطعة أثاث، أو ربما يرمى بعنف أشياء، أو أن يشد شعره، أو يضرب رأسه فى الحائط أو غير ذلك من السلوك الغاضب. ومن الواضح أن هذا السلوك سلوكاً سلبياً، بينما الخروج من الحجرة أو أن يتعلم كيف يعد الأرقام من 1 إلى 100 قبل أن ينفعل ربما يكون هذا سلوكاً إيجابياً، وهذا يساعد على تهدئة الطفل والتعامل مع الغضب بطريقة سليمة.

أما التعبير عن الغضب لفظياً، فهو حين يصرخ الطفل، أو يبكى بصوت مرتفع أو يشتم بألفاظ غير مؤدبة، وعلى الجانب الآخر فإن الطفل العاقل يمكن أن يشرح غضبه لوالديه ويسأل عن إتاحة فرصة للحوار، وهذا هو الجانب الإيجابى للتعبير عن الغضب.

إن واجب أولياء الأمور هو أن يقودوا أولادهم نحو الطرف الإيجابى للتعامل مع الغضب.

إن بعض الآباء لا يستطيعون أن يتقبلوا الطريقة الغير مناسبة التى يعبر بها طفلهم عن غضبه، فهم يريدون طفلهم عاقلاً فى التعبير عن غضبه دون أن يسمحوا لطفلهم بأن يمر بأى مراحل تعلم ليصل إلى العقلانية فى معالجة الأمور. فالآباء يميلون أن يقولوا لأبنائهم: "إخرس – ليس مسموح لك أن تتكلم معنا بهذه الطريقة – لا ترفع صوتك أبداً أمامنا – هل تفهم؟" وهذه حقيقة غير واقعية، فالآباء يرغبون فى درجة من القدرة على معالجة الطفل لغضبه ربما يفتقدها وهم أنفسهم. كما قال لى شاب صغير:

"يصرخ أبى وأمى فى وجهى، وهم يقولون لى: لا تصرخ أبداً فى وجهنا" ونصيحتى إذا بدأ طفلك فى الصراخ بغضب، إستمع له بهدوء، وأبدأ فى طرح أسئلة، وإسمح له أن يعبر عن غضبه. وكلما طرح أسئلة أكثر وإنصت له بتركيز، فإنك سوف تلاحظ كيف أن حدة نبرة صوت إبنك ستنخفض. ركز فى السبب الذى جعل طفلك غاضباً وليس فى الطريقة التى يعبر بها عن غضبه، وإسعى إلى أن تفهم ما الذى يجعلك تشعر بالظلم، وربما تكون أنت غير موافق على كلامه، ولكن الهدف هنا هو الإنصات، وإذا شعر طفلك أنه مظلوم فإن غضبه لن يتبدد إلا إذا شعر أن شكواه ورأيه قد تم الإنصات لهما. وحقيقة أنت المسئول عنه ولك الكلمة الأخيرة، ولكن طفلك يحتاج أن يشعر أن إحساسه وأفكاره لها أهمية، ويجب عليك ألا تسمح للطريقة التى يعبر بها عن مشاعره أن تقف حاجزاً بينك وبينه، بل يجب أن تفهم ما يريد أن يقوله.

وجد جلسة الإستماع لإبنك الغاضب، وفى اليوم التالى مثلاً، عليك أن تقول له: "أنا بالفعل مقدر أنك شاركتنى إحساسك بالغضب بخصوص هذا الموضوع... ونحن يمكن أن نختلف معاً، ولكن عليك أن تفهم أننى دائماً لى رغبة أن أستمع إليك وأتفهم ما تشعر به، ولا يوجد أحد كاملاً، ولكننى دائماً أسعى نحو الأفضل من أجلك، وأتمنى أن نتعلم سوياً كيف نعبر عن مشاعرنا بطريقة أكثر هدوءاً، ولكن أياً كانت الطريقة التى عبرت بها، فأنا دائماً على إستعداد أن أنصت إليك.".

ونحن كآباء عندما نتعلم كيف نكون مستمعين جيدين، فإن أولادنا سوف يشعرون أن هناك من يفهمهم. ربما يكون طفلك ما زال غير راضى عن قراراتك النهائية ولكنه سوف يحترمك لأنك تعاملت معه كإنسان.

فى كثير من الأحيان يستثير سلوك أطفالنا غضبنا، ونتعامل معهم بنفس الطرقة السلبية، وفى النهاية نشعر نحن وهم بعدم الراحة، وأن شيئاً لم يتم حله.

ولذلك فإن الآباء الذين لم يتعلموا أبداً كيف يسيطرون على مشاعر الغضب لديهم، سوف يكون صعباً عليهم أن يعلموا أولادهم الطريقة المناسبة للتعامل مع غضبهم.

إن الآباء قطعاً هم أكثر عمراً من أولادهم، وكان الوقت أمامهم كى يكونوا أكثر نضجاً فى التعامل مع الغضب. وإذا علمنا أننا رغم كوننا فى هذا العمر ولم نتعلم بعد كيف نكون ناضجين فى التعامل مع شعورنا بالغضب، فعلينا على الأقل أن نعترف بأن أولادنا لديهم بالتأكيد مشكلة فى هذا المجال. وعندما نتعلم نحن الآباء كيف نتعامل مع شعورنا بالغضب بطريقة إيجابية، فإن هذا سوف يجعلنا قادرين أن نعلم أولادنا. فاولادنا بالتأكيد يحتاجون إلى إرشادنا فى هذا المجال. ولو لم يسمح الآباء لشكوى أولادهم ويسعوا لفهم مشاعرهم، فإن غضب الأبناء سوف يتم تخزينه بداخلهم إلى أن يخرج على شكل سلوك أو ألفاظ تجعلنا نشعر بأننا قد أخطأنا فى مجال ما فى تربيتهم. وقد عبر علماء النفس عن هذا بالسلوك العدائى الإيجابى.

وأحياناً يبدو أن الطفل خارجياً فى سلام ولكن داخلياً ينمو الغضب فى داخله، وفى النهاية سوف يعبر الطفل عن هذا الغضب فى شكل سلوك عدائى نلاحظه فى تأخره فى الدراسة، أو إدمانه للمخدرات، أو ممارسات جنسية خاطئة. ولو فهم الآباء الخطورة الحقيقية للسلوك العدائى الإيجابى لسوف يبذلون كل الجهد لينصتوا لأولادهم عندما يكونوا غاضبين، وسوف يبذلون كل الجهد كى يتفهموا مشاعر أولادهم ويحاولون أن يجدوا حلولاً لمشاكلهم.

وهذا لا يعنى أبداً أن على الآباء تنفيذ كل ما يرغبه أولادهم، فإن غضب الأولاد عادة يكون غير مبنى على أساس لديهم، وتوضيح وشرح من الآباء يمكن أن يحل المشكلة. وأهم شئ هو أن يشعر الطفل أنه محل إهتمام والديه، وأن كل تصرفاته تقابل بحب له.

فكل مرة يشعر طفلك بالغضب فإن هذا يمنحك الفرصة كى تكتسب خبرة أكبر كى ترشده وتتعامل مع قضية غضبه، وأن تجد حلولاً مناسبة لمشاكله. فالطفل يصبح اكثر نضجاً عندما يستطيع أن يعبر عن غضبه.

ونحن لا نحتاج أن نصرخ أو نلوم أولادنا دائماً، لأنه من الأفضل أن تستمع بإهتمام لطفلك، فهذه هى أفضل طريقة لتعلم طفلك كيف يتعامل بإيجابية مع غضبه.

رابعاً: دعنى أعرفك شيئاً: إعط إبنك آيات كتابية إرشادية مصحوبة بالحب:

معظم الآباء يبدأون حديثهم مع أولادهم بهذه الجملة: "دعنى أعرفك شيئاً أنت بحاجة لمعرفته" وهذه هى العبارة التى نرددها دائماً دون أن تطرح أسئلة على أولادنا كى تعرف وتفهم ما هو السبب وراء شعورهم بالغضب. إن معظم الآباء يعرفون أن أولادهم يحتاجون إلى إرشاد وإلى تعليمات يأخذونها معهم. إن التعليمات، وسيلة جيدة وفعالة للتواصل مع أولادنا. إعط إرشادات وتعليمات ولكن تأكد أولاً أنها على أساس من الحب، وهو الحب الغير مشروط، فالحب غير المشروط هو التربة الخصبة لينمو فيها قلبك طفلك.

فإذا لم تغرس فى قلب طفلك أنك تحبه حباً غير مشروط، وإذا لم تستطيع أن تعطيه مثالاً جيداً وإرشادات بها محبة، فإن هذه التعليمات سوف لا تؤتى بثمار.

وهناك كثير من الوسائل والمواقف كى تعطى أولادنا إرشادات عن طريقة تعاملهم مع الغضب، آخذين فى الإعتبار عمر الطفل، والطريقة التالية التى سوف نشرحها ستكون نافعة لمساعدة طفلك أن يعرف كيف يتعامل مع غضبه.

بالنسبة للطفل الصغير، فإن قراءة ومناقشة قصص الإنجيل التى تركز على الغضب تمنحه فرصة كى يفهم بطريقة مسلية هذه القصص، مثل قصة قايين وقابيل، وقصة يوسف وأخوته الأحد عشر، يونان وغضبه من الله، ويسوع وغضبه من الباعة والصيارفة. وقراءة سفر الأمثال سوف تجد إرشادات عظيمة لكيفية علاج الغضب. إجعل طفلك حافظاً لآيات من الإنجيل تخص الغضب مثلاً. وكل هذه الأمثلة هى من سفر الأمثال:

"الجاهل يظهر كل غيظه والحكيم يُسكنه أخيراً" (أم 29: 11).

"الرجل الغضوب يهيج الخصام والرجل السخوط كثير المعاصى".

(أم 29: 22).

"السريع الغضب يعمل بالحمق وذو المكايد يُشنا" (أم 14: 17).

"بطئ الغضب كثير الفهم وقصير الروح معلى الحمق" (أم 14: 29).

أكتب وأطبع مثل هذه الآيات على ورق وحفظها جيداً لطفلك، فهذا سوف يغرس بذرة الحكمة فى عقله وعقلك أنت أيضاً. وهناك آية أخرى عظيمة يجب أني حفظها طفلك وهى:

"إغضبوا ولا تخطئوا. ولا تغرب الشمس على غيظكم ولا تعطوا إبليس مكاناً" (أف 4: 26 - 27).

أما بالنسبة للأطفال الأكبر سناً، فإن قراءة الإنجيل سوف تكون أفضل طريقة لكى نرشدهم ونفهّمهم كيف يتعاملون مع الغضب. شجع طفلك أن يكتب بحثاً عن الغضب فى ورقة، وهذه هى طريقة أخرى نافعة لإرشاده. وهذا البحث لا تطلب فيه من إبنك أو إبنتك أن يقرأوا كتباً كثيرة أو يبحثوا فى الانترنت ولكن أن يأخذوا رأى من هم أكبر سناً وطريقة معالجته، كأن يسألوا جدهم أو جدتهم، الأعمال والعمات، الخالات وغيرهم من الأقارب الأكبر سناً. وهذا سوف يمكن أن يتحول إلى موضوع بحث شيق ونافع بالنسبة للأولاد الذين فى سن المراهقة والأكبر سناً.

خامساً: الحوار العائلى:

ولا تنسى الحوار العائلى وأهميته، وهو الحوار المفتوح مع أولادنا، وأن نسمح لهم بطرح أسئلة عما يدور فى أذهانهم، ونجيب على هذه الأسئلة. ولذلك يجب أن نشارك أولادنا معركتهم مع الغضب. وهذا المناخ المفتوح سوف يخلق جواً سوياً للطفل والمراهق كى يعبروا عن أى معاناة أو مشكلة يمرون بها.

وهذه الحوارات يمكن أن نبدأها هكذا حيث تشاركهم شيئاً مما قرأناه، على سبيل المثال: "كنت أقرأ مقالاً عن الغضب يقول أن كثير من الآباء لا يعرفون كم مرة يفقدون فيها أعصابهم مع أولادهم، ويقولون كلمات ربما تجرح أولادهم دون أن يقصدوا. وأنا أسألك: هل هذا يحدث معك".

وعندما تطرح المشكلة على أنها غضبك أنت فإن هذا يسهل على الطفل أن يستجيب للحوار، ويفصح عما يدور بداخله، وعن رأيه فى طريقتك أنت فى تعاملك مع غضبك. فهذا النوع من الحوار يمكن أن يكون بناءً جداً بالنسبة للطفل، ويعطيك أنت أيضاً رؤية لما أنت عليه. ويجب ألا تتعامل مع طفلك دائماً بمنطق أنك تعلم كل شئ. ويجب أيضاً أن تعرف أن أولادنا يميلون جداً لأن يسامحوننا على فشلنا فى التعامل مع غضبهم إذا كنا راغبين فى الإعتراف بهذا الخطأ. كأن تقول لطفلك: "حبيبى أعرف أننى قد فقدت أعصابى هذا المساء، فلم أستطع أن أتعامل مع غضبى بشكل جيد، والطريقة التى تحدثت بها معك لم تكن مناسبة أو لطيفة. وبعض ما أقوله لم أكن أعنيه. فقد أريدك أن تعرف أن هذا كان خطأ، وتعرف أننى صليت كى يسامحنى الله على هذا الخطأ. وأسألك أنت أيضاً أن تسامحنى".

إن هذا الإعتراف الصادق سوف يجعلك تستطيع خلق الاحترام فى قلب طفلك تجاهك. لأن الأولاد فى الحقيقة يعرفون جيداً أن ما فعلته كان خطأ، وهذا يقلل من إحترامهم لنا. وتحملنا مسئولية التعامل مع إخفاقنا سوف نعلم أولادنا ليس فقط ما هو صواب وما هو خطأ وإنما أيضاً نعلمهم أن يعترفوا بفشلهم عندما لا يستطيعوا أن يتعاملوا مع غضبهم بطريقة مناسبة.

إن أفضل الوسائل لتعليم أولادنا كيفية التعامل الإيجابى مع الغضب من وجهة نظرى، هى النموذج الإيجابى الذى يعطيه الوالد أو الوالدة، وكذلك الإرشاد الأبوى الممتلئ بالحب غير المشروط، والتعليمات والإرشادات التى تخلو من إلقاء اللوم.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل الحادى عشر عندما تشعر بالغضب من الله

الفصل التاسع عندما تكون غاضباً من شريك حياتك

المحتويات
المحتويات