هذا الفصل هو جزء من كتاب: الغضب – القمص أشعياء ميخائيل .
جدول المحتويات
- الفصل الأول من أين يأتى الغضب؟
- الفصل الثانى متى يمكن أن يكون الغضب للخير؟
- الفصل الثالث عندما يكون غضبك لأسباب منطقية
- الفصل الرابع عندما يكون الغضب خطأ
- الفصل الخامس كيف نتعامل مع الغضب الغير مرغوب فيه؟
- الفصل السادس الإنفجار والفوران الداخلى
- الفصل السابع الغضب الذى يستمر لسنوات
- الفصل الثامن ماذا عن الغفران
- الفصل التاسع عندما تكون غاضباً من شريك حياتك
- الفصل العاشر ساعد طفلك كى يتعلم كيف يتعامل مع الغضب
- الفصل الحادى عشر عندما تشعر بالغضب من الله
- الفصل الثانى عشر أنا غضبان من نفسى
- الفصل الثالث عشر مواجهة الشخص الغاضب
الفصل الثامن ماذا عن الغفران
الطالبة (م) طالبة فى المرحلة الثانوية، قضت الصيف كله للإعداد لمسابقة رياضية تعدها المدرسة. وعندما جاء ميعاد المسابقة أدت (م) دورها بشكل جيد. ولكن بعد أسبوع علمت أنها لم تحقق الفوز وعندئذ شعرت بصدمة قوية. بعد أربعة أيام عرفت أماندا أن صديقتها (ل) التى تعتبرها أفضل الصديقات كذبت على الحكم فى المسابقة وقالت له أن (م) تتعاطى منشطات وعندئذ شعرت الطالبة (م) بكثير من الغضب، وهو الغضب المبرر الناتج عن الشعور بالظلم. فقد أخطأت الطالبة (ل) فى حق صديقتها (م) والتى كانت الأخيرة تثق فيها بشكل قوى والسؤال الآن:
كيف يستجيب أى شخص منا للغضب الناتج عن الشعور بالظلم؟ ومن أين يأتى الغفران الذى يمكن أن نمنحه للشخص الذى أساء إلينا؟
1 - كيف يغفر الله لنا؟
لقد رسم الكتاب المقدس صورة لخطية الإنسان فى حق الله. ولكن ما هو رد فعل الله لهذه الخطية؟
وهذا ما صرح به اشعياء النبى لشعب إسرائيل القديم.
"آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع" (أش 59: 2)
ولأنه لا يمكن أن ننفصل عن محبة الله، ولكن الحقيقة أن الخطية عطلت عن السير فى طريق الله. والعهد الجديد يذكرنا بأن أجرة الخطية هى الموت، والموت هو الصورة القصوى للإنفصال عن الله. وهذا بالطبع لا يريده الله لنا، لأننا ببساطة نحن خليقته. ولذلك كشف لنا الرسول بولس هذه الحقيقة فى رسالة رومية:
"لأن أجرة الخطية هى موت. وأما هبة الله فهى حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا" (رو 6: 23).
إن الله يرغب دائماً فى علاقة قوية مع خليقته، ولهذا أرسل إبنه الوحيد لكى يقدم لنا الغفران والحياة الأبدية.
ولكى يستطيع الإنسان أن يذوق ويعرف غفران الله، يجب عليه أن يستجيب لنداء روح الله بالتوبة والإيمان بالرب يسوع المسيح.
والتوبة تعنى حرفياً (التغيير والتراجع) فالرسالة واضحة إذا رغبنا فى الحصول على غفران الله والدخول إلى الملكوت، فيجب علينا أولاً أن نرجع عن خطايانا، عالمين أن الرب يسوع قد دفع ثمن خطايانا بالكامل، ويجب أن نقبل غفران الله ونعمة الحياة الأبدية. وكل هذا يتم تحت إرشاد الروح القدس. وفى هذه اللحظة، وهذه اللحظة فقط يستطيع الإنسان أن يشعر بدفء حضن الآب السماوى، وعندئذ تكون المسافة التى أوجدتها الخطية بيننا وبين الله قد إختفت.
وبحسب كلمات القديس يوحنا نحن الآن نسير فى النور إذ لنا شركة مع الله ودم يسوع المسيح إبنه يطهرنا من كل خطية.
وقبل أن نسترسل فى القول دعنا نوضح أكثر، ما المقصود بكلمة "الغفران" بحسب لغة الإنجيل معناها أن نغطى Cover أو نترك بعيداً، أو أن نترك الغدر وأن تكون عطوفاً، وأكثر المعانى شيوعاً هى أن نترك بعيداً خطية إنسان ما. على سبيل المثال يقول المزمور "كبعد المشرق عن المغرب وبهذا فقد محى معاصيكم عنكم (مز 103: 12). نستطيع أن نرى غفران الله، وهو أن يرحم الإنسان من عقاب الله ويزيل حكم العقاب الناتج عن الخطية.
2 - التصالح والتوبة:
إن نموذج الغفران الذى يمنحه الله لنا، يعطى لنا مثالاً للغفران الذى يجب أن نمنحه نحن للآخرين. والإنجيل يذكرنا بإننا يجب أن نغفر للآخرين كما غفر الله لنا فى المسيح.
"وكونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضاً فى المسيح" (أف 4: 32).
وفى النموذج الإلهى يوجد عنصرين هامين جداً وهما: الإعتراف والتوبة من جهة المخطئ والغفران من جهة الشخص المساء فى حقه. وفى الإنجيل فإن هذين العنصرين لا يمكن أن ينفصلا قط. وعلى سبيل المثال دعى الله شعب إسرائيل قائلاًك.
"إرجعى أيتها العاصية إسرائيل يقول الرب: لا أوقع غضبى بكم لأنى رؤوف يقول الرب. لا أحقد إلى الأبد إعرفى فقط إثمك أنك إلى الرب إلهك أذنبت" (أرميا 3: 12، 13).
إن الله لم يرغب فى المصالحة مع إسرائيل إلا إذا رجعت عن خطئها، ولذلك لا مصالحة مع الله بدون التوبة. وقد أوضح الرب يسوع نفسه هذه الحقيقة فى العهد الجديد عندما قال:
"يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها. كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا! هوذا بيتكم يترك لكم خراباً. لأنى أقول لكم: أنكم لا تروننى من الآن حتى تقولوا: مبارك الآتى باسم الرب." (مت 23: 37 - 39).
الله يريد أن الجميع يخلصون ولكن الله لا يجبر هؤلاء الغير راغبين فى الرجوع إليه، فالله الذى خلصك بدونك لا يخلصك بدونك ولا يوجد أى دليل من الإنجيل يذكر أن الرب سامح. وهو لم يرغب أبداً فى التصالح مع هؤلاء الغير راغبين فى الرجوع إليه، ولا يوجد أى دليل من الإنجيل يقول أن الرب سامح أى شخص لم يتب ويرجع عن خطيته فى إيمان (بشخص الرب يسوع المسيح). ولكن ربما يعترض البعض قائلاً أن الرب يسوع قد صلى على خشبة الصليب من أجل من صلبوه قائلاً:
"يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 24).
والسؤال الآن: هل أستجاب الله لهذه الصلاة أم لا؟ إجابتى هى أن الله (الآب) قد إستجاب بالفعل لهذه الصلاة، ولكن الذى ظهر بعد ذلك أنهم ليسوا فقط حرموا من الغفران ولكن أيضاً إشتركوا فى صلب الرب يسوع.
وعدم حصول هؤلاء على الغفران وقت طلب الرب يسوع من اجلهم، قد ظهر جلياً فى عظة القديس بطرس الرسول يوم حلول الروح القدس والمعروفة فى سفر أعمال الرسل، والذى خاطب فيها بطرس الرسول كثيراً من هؤلاء الذين إشتركوا فى صلب الرب يسوع قائلاً.
"إيها الرجال الإسرائيليون إسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصرى رجل تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده فى وسطكم كما أنتم أيضاً تعلمون. هذا أخذتموه مُسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدى آثمه صلبتموه وقتلتموه. الذى أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت وبأقوال أخرى كثيرة كان يشهد لهم ويعظمهم" (أع 2: 22 - 24، 40).
ولقد كان بطرس الرسول يعظ بوضوح وقوة لهؤلاء الذين إشتركوا فى صلب المسيح، وقد إستجاب أكثر من ثلاثة آلاف نفس لهذه الحقيقة وعرفوا أن الرب يسوع المسيح هو الحقيقى (أع 2: 41) ويسجل باقى سفر الأعمال أن أخرين كثيرون عرفوا الرب يسوع وآمنوا به. وفى (أع 6: 7) رأى أن عدد التلاميذ قد إزداد بسرعه، وأن عدداً من الكهنة أصبحوا طائعين فى الإيمان. ومن هنا يتضح أن بعد يوم الخمسين وعندما عرف هؤلاء الذين صلبوا الرب يسوع أنه هو المخلص قد إستطاعوا أيضاً أن ينالوا غفران الله.
إن صلاة الرب يسوع المسيح على خشبة الصليب: "يا أبتاه إغفر لهم لأنهم لا يعملون ماذا يفعلون" هى دليل على عمق رغبة الرب يسوع أن ينال هؤلاء الغفران وهذه الرغبة للغفران هى التى يجب أن تشعر بها جميعاً تجاه الآخرين. ولكن الذين صلى الرب يسوع من أجلهم لم يذوقوا الغفران إلا لو تابوا ووضعوا إيمانهم فى الرب يسوع المسيح.
3 - العقاب وإسترجاع الثقة:
بالرجوع مرة أخرى إلى الابنة (م) التى شعرت بخيانة صديقتها. ما الذى يجب أن تفعله؟
هيا ننظر إلى النموذج المطروح فى الإنجيل والذى وضعه الرب يسوع فى لوقا 17 إذا أخطأ إليك أخوك إذهب وعاتبه. ولو تاب سامحه. حتى لو أخطأ فى حقك 7 مرات فى اليوم وفى كل مرة يأتى إليك ويقول: "أنا تائب فاغفر له" (لو 17: 3، 4).
أنظر إلى تطور الأحداث:
الخطوة الأولى: العتاب الهادئ:
هناك خطية ما، أخوك أو أختك أو صديقك ظلمك بشكل ما، فى الحال أنت تشعر بغضب مبرر صحبه الشعور بالظلم. أول استجابة لك صريحة وواضحة عليك أن تذهب وتعاتبه. وكلمة تعاتبه تعنى أن تلفت النظر نحو أمر ما. ببساطة يجب أن تواجه الشخص الذى أخطأ إليك بخطئه. وكما ناقشنا من قبل أنه من الأفضل دائماً أن تعطى لنفسك فرصة لكى تهدأ عاطفياً قبل أن تعاقب الذى أساء إليك.
ونحن لا نتوقع أننا نستطيع أن نكون هادئين تماماً ونحن نواجه من أساء إلينا. ولكن يجب أثناء عتابنا أن نتعامل مع الشخص الآخر الذى أساء إلينا على أنه شخص مات المسيح من أجله. ويجب عليك دائماً أن تكون مثالاً حياً ونموذجاً للحب المسيحى، وهو الحب الذى يوجهنا إلى رغبة عميقة فى أن يعترف الآخر ويتوب عن فعله الخاطئ حتى نتمكن نحن أن نغفر أيضاً.
الخطوة الثانية:
هى أن يتوب الشخص المخطئ، أى يجب أن يعترف بخطئه، ويعبر عن رغبته فى الرجوع عن الخطأ وعدم تكراره فى المستقبل. وإذا حدث هذا (الإعتراف بالخطأ ورغبته فى الرجوع عن الخطأ وعدم تكراره)، عندئذ يقول لنا الرب يسوع أنه يجب علينا أن نغفر لهذا الشخص، ويجب علينا تحمل ثمن الخطية فى هذه الحالة، والمحاولة الجادة لإسترجاع العلاقة مع الآخر. ويجب عليا أن نحاول بناء الثقة بيننا مرة أخرى. ويجب علينا ألا نترك الأمر تحت سيطرة مشاعرنا المجروحة لكى نتحكم فى سلوكنا نحو من أخطأ نحونا وتاب. فعلينا أن نسامح ونغفر كما غفر الله لنا بنفس الطريقة. وإذا ما نحن أخطأنا فى المستقبل فإننا نتوقع أن يفعل معنا الآخر ما فعلنا نحن معه ويسامحنا عندما نتوب ونعترف يخطئنا.
ولكن يجب أن نعرف جيداً أن الغفران لا يرفع كل تأثير الخطية، فعندما أخطأ داود النبى فى حق بتشبع وزوجها، سامحه الله تماماً عندما إعترف بخطيته، ولكن النتائج السلبية لهذه الخطية طاردته طوال عمره. وبالمثل يحدث أيضاً عندما نخطئ، فمثلاً إذا كان هناك شخص ما يدمن شرب الخمر وكان يوماً يقود سيارته وهو مخمور، وفقد السيطرة على السيارة ووقع فى ترعة مثلاً، وخرج هذا الشخص من سيارته وبه كسور وخدوش وخرجت سيارته بكثير من الخسائر نتيجة هذا الحادث، فإن هذا الشخص لو أنه إعترف بخطئه أمام الله حتى قبل أن يخرج من سيارته فإن الله سوف يغفر له، ولكن هذا لا يعنى أن كسور جسده سوف تجبر فى الحال، ولا يعنى أيضاً أن سيارته سوف تعود لحالتها الأولى قبل الحادث. وتخيلوا أن زوجته حضرت إلى مشهد الحادث، وبهذا قد عرف هذا الشخص (الذى إرتكب الحادث) أنه أخطأ فى حق شخص آخر، فحتى لو إعترف لها وهى سامحته، وحاول أن يعيد الثقة بينهما مرة أخرى، فهذا لا يمنع أنها سوف تعانى من نتائج خطأ هذا الشخص، لأن هذا الشخص يجب أن يعالج، ويجب أن يصرف الكثيرمن المال كى تعود السيارة لحالتها الأولى، وإذا كان التأمين سيقوم بالإصلاح فإن القسط سوف يزيد جداً). نعم سامحه الله وقد سامحته زوجته ولكن عليك أن يتحمل نتائج فعلته. نعم لا يرفع الصفح نتائج الخطية، فيجب على كل منا تحمل نتائج أفعاله، ويجب على كل منا أن يتعلم من إخفاقاته.
والحقيقة الأخرى عن الغفران هو أن الغفران لا يرفع كل المشاعر المؤلمة. فإن هذا الرجل الذى حمل زوجته عبء إصلاح السيارة من مصروف منزلهم، عليه أن يتحمل كل مرة تشعر فيها الزوجة بالإحباط والغضب منه، فالغفران ليس مشاعر وإنما هو إلتزام بأن نقبل الآخر بالرغم مما فعله من خطأ، وأن نتحمل أحياناً معه نتيجة خطئه، إنه قرار بأن نترك العدل وندى الرحمة، وهذا ما يجب أن يفعله الزوج أوالزوجة عندما يقرر أيهما أن يسامح شريكه على خطأ ما،.
والغفران لا يعنى أننى سوف لا أتذكر الموقف مرة أخرى. فكل ما يحدث لنا فى الحياة مسجل بالكامل فى عقولنا، وهذا ما يجعل من المحتمل رجوع ذكرى الحدث مرة أخرى فى عقلنا الباطن مرات ومرات.
وإذا ما إخترنا نسامح فإننا نرفع ذاكرتنا مع مشاعرنا المجروحة لله، ذاكرين أمامه كل ما نشعر به من ألم وإحباط شاكرين أنه غفر لنا آثامنا، ثم نطلب منه أن يعطينا القوة كى نستطيع أن نتعامل برفق ومحبة مع الشخص الذى أساء إلينا.
ويجب أن نختار بأن يكون تركيزنا نحو المستقبل، ولا نسمح لعقولنا. أن تنشغل بالماضى وإخفاقاته.
4 - ولكن ماذا لو لم يستمع؟
ولكن ماذا لو لم يتب الشخص الذى نعاتبه؟ هل يتعين علىّ أن أسامح هذا الشخص؟ إن إجابه الإنجيل واضحة ونجدها واضحة فى تعاليم الرب يسوع المسيح.
"وإن إخطأ إليك أخوك فأذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما، إن سمع منك فقد ربحت أخاك. وإن لم يسمع فخذ معك أيضاً واحداً أو إثنين لكى تقوم وكل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة. وإن لم يسمع منك فقل للكنيسة، وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثنى والعشار" (مت 18: 15 - 17).
إن تعاليم ومبادئ الكنيسة والتى أوضحها الرب يسوع بالكامل فى كل علاقاتنا مع الآخرين ربما منهم الغير مسيحيين، هى التى تجيب ماذا يجب أن تفعل لو لم يتب الشخص المسئ لنا بعد أن تواجهه بمحبة. فنحن من الواجب علينا أن نوسع دائرة المواجهة، بعد أن تدعو أصدقاء مقربين وموثوقين بهم كى يشاركونا المواجهة مع من أساء إلينا. وإذا ما إستمر هذا الشخص فى خطأه ورفض التوبة (بعد عتاب المحبة وبعد إشراك آخرين معنا) فلنعامله كمعاملاتنا مع غير المؤمنين؟
ولكن كيف يعامل المسيحى غير المؤمن؟ نصلى من أجلهم، نتعامل معهم برفق، ولكن لا نتعامل معهم على أنهم أبرياء، لأنهم ليسوا كذلك. ولنتذكر دائماص أن كل خطية تجلب الإنفصال، وهذا الإنفصال لا يمكن أن يمحى عندما نختار أن نغض الطرف عن الخطية، فالخطأ دائماً خلق حواجز فى العلاقات البشرية، وهذه الحواجز لا يمكن أن تهدم إلا عندما يكون هناك توبة حقيقية وغفران حقيقى.
تخيل أن هناك سيدة إكتشفت أن زوجها على علاقة بإمرأة أخرى زميله له فى العمل، وإذا ما واجهت هذه السيدة زوجها بما إكتشفته فهناك عدة طرق يستجيب بها الزوج لمثل هذه الحالة:
إما ان ينكر تماماً هذه الإدعاءات رغم أن زوجته معها أدلة واضحة. أو أنه يعترف ويعدها بأنه سوف يقطع العلاقة بزميلته تماماً.
زالإختيار الأخير (أن يعترف ويقطع علاقته مع الأخرى) هو الوحيد الذى يفتح الباب نحو الغفران ويجعله ممكناً. وإذا كان من الممكن لهذه السيدة أن تصفح وتغفر لزوجها فإنه يتعين عليه أن يعترف بخطئه ويتوب أولاً وبعدها من الممكن أن يعملا سوياً على إعادة بناء الثقة المفقودة بينهما.
5 - هل يجب أن نتسامح فقط لنتجنب الشعور بالمرارة؟
بالعودة إلى الطالبة (م) هل يجب أن تسامح صديقتها فقط لكى تتجنب تحول مشاعرها إلى مرارة وغضب تجاه صديقتها؟ أنا بالفعل أتفق مع هذه الفكرة، فهى يجب أن تطلق غضبها بعيداً قبل أن يتحول إلى مرارة. ولكن وجهة نظر الإنجيل فإن التسامح والغفران لا يمكن أن يكون طريق ذو إتجاه واحدا. فالغفران هو هدية لا يمكن لشخص أن يقتنيها إلا إذا اعترف بأنه يحتاجها ويرغب فيها.
ولا يوجد دليل واحد فى الإنجيل يقول أن الرب سامح شخصاً لم يعترف ولم يتب عن خطيته. الله غفور وراغب فى الصفح ولكنه لم يرغب فى الغفران دون توبة الخاطئ. وهذا أيضاً صحيح فى العلاقات الإنسانية إن الشخص المسيحى الحق وبمساعدة الروح القدس دائماً مستعد للغفران وراغب فى الصفح، ولكننا لا نستطيع أن نجبر أحد على قبول الغفران وهو غير راغب فيه. إذن فماذا يتعين على الشخص المسيحى أن يفعل حيال الشخص المسئ إليه والذى يرفض التوبة والإعتراف بخطئه؟ أعتقد أنه يتعين علينا مواجهة هذا الشخص كما واجهنا الله بخطيتنا، وإذا لم يستجيب الآخر بشكل إيجابى، فعلينا أن نصلى من أجله ونحاول ثانية. ربما نشرك بعض الأصدقاء أو العائلة لعله يرجع عن فعلته. وإذا إستمر الآخر فى عناده وعدم إعترافه بخطيته، فعلينا أن نعامله كالوثنيين. وهذه الكلمة هى التى إستخدمها الرب يسوع فى متى 18. والوثنى بالنسبة لنا هو الشخص الغير مؤمن، أو الشخص المؤمن الذى يرفض أن يستمع لكلام الكنيسة ويعترف بخطيئته.
وأن تعامل شخص كوننى يعنى أنه ليس قريباً منك بعد، ويجب أن نستمر فى الصلاة من أجله وأن نتعامل معه برفق، وأن نتعامل معه بكرامة وإحترام، متذكرين إنه إنسان جاء من أجله الرب يسوع ومات عنه أيضاً، إنه شخص نتمنى أن نتصالح معه يوماً ما، منتظرين منه دائماً أن يعترف ويتوب، ولكننا لا نستطيع أن نتقدم خطوة نحو هذا الشخص ومازال حاجز الخطية موجود، عالمين أن الخطية قد أنشأت حاجزاً فى العلاقة، وأن هذا الحاجز لا يمكن للزمن وحده أن يزيله ويقضى عليه.
أنا أشعر بكثير من الحيرة عندما أسمع بعض المسيحيين ينصحون بعضهم بالغفران لمن يسئ إليهم حتى لو لم يرغب الشخص المسئ فى الإعتراف والتوبة. فكم سيدة مسيحية وضعت تحت ضغط غير محتمل من آخرين ينصحونها بأن تسامح زوجها الذى خانها دون أن يطلبوا منه هو أن يتوب أولاً!!
أنا أفهم قصد هؤلاء الناس فهم يرغبون فى تحرير الزوجة من غضبها وشعورها بالمرارة أو ربما كراهيتها لزوجها التى أوجدتها هذه الخطية.
هم لا يريدون تدمير الزوج بخطيته وعلاقته بالله. ولكن هذا المنظور لا يتفق مع فكر ورأى الكتاب المقدس.
6 - قرارين هامين:
أ) الخطوة الأولى:
أولهما أن تترك الشخص فى يد الله بدلاً من أن تُصر على أن تأخذ بالثأر منه وأن نأخذ ثمن فعلته الخاطئة. فالإنجيل يصرح بأن النقمة لله وحده (رو 12: 19) والسبب فى ذلك أن الله وحده هو الذى يعلم كل شئ عن هذا الشخص، ليس فقط أفعاله ولكن أيضاً دوافعه التى جعلته يرتكب أى خطأ وأن الله وحده هو القاضى الحاكم العادل.
وبالتالى أنصح أى شخص يشعر بالمرارة تجاه أى إنسان إرتكب فى حقه خطأ ما، أن يترك هذا الإنسان ليد الآب السماوى الذى يستطيع أن يفعل ما هو صالح وعادل فى حق هذا الشخص. وقد أوضح الرسول هذا فى رسالته الثانية إلى تيموثاوس:
"إسكندر النحاس أظهر لى شروراً كثيرة ليجازه الرب حسب أعماله فاحتفظ منه أنت أيضاً" (2تى 4: 14 - 15).
فلم يكتف بولس بعدم غفران إسكندر النحاس لأنه لم يتوب بل حذر تيموثاوس منه لأن إسكندر النحاس ممكن أن يسئ إليه أيضاً ويظلمه.
لم يرغب القديس بولس فى أن يتغاضى عن الأمر بتقديم غفران سهل لإسكندر النحاس ولكنه فعل ما كان عليه أن يفعله بأن ترك أمر اسكندر النحاس ليد الله، وبعد أن أخذ بولس هذا القرار لا أعتقد أنه فكر فى أمر بعد أن ترك الخاطئ لله العادل الرحيم.
ولقد أشار القديس بطرس إلى أن الرب يسوع نفسه قد تصرف بنفس الطريقة، فعندما ناقشه البعض عن آلام المسيح، قال بطرس أنهم عندما أهانوه لم يرد الإهانة، وعندما عذبوه لم يهددهم ولكنه إستودع نفسه فى يد من يحكم بالعدل (بطرس الأولى 2: 32) إن الرب يسوع لم يتخذ أى موقف إنتقامى تجاه من أخطأ فى حقه، ولكن بالعكس قد وضع كل شئ فى يد الآب، عالماً بأن الآب سوف يحكم سوف يحكم بما هو صالح.
نحن نعتقد أنه لو لم نطالب بالحق والعدل فلن يطالب به أحد. ولكن الحقيقة هى أن الله هو القاضى العادل الذى يطالب بالعدل والحق دائماً، فيمكن لك أن تترك أمر الذى أساء فى حقك ليد الله، عالماً بأنه سوف يقوم بأحسن تصرف لمصلحتك، فإن الله مهتم بالحق والصلاح أكثر من إهتمامك أنت.
ب) الخطوة الهامة الثانية:
هى من أجل الشخص المساء فى حقه، فيجب عليه أن يعترف بخطيته. تذكر أن الغضب فى حد ذاته ليس خطية، ولكننا عادة نسمح لغضبنا كى يقودنا إلى سلوك خاطئ، كمن يفجر غضبه فى وجه الآخر، أو أن يكبت مشاعر الغيظ بداخله إلى أن تتحول إلى سلوك خاطئ، مثل الموظف الذى توجه إلى رئيسه فى العمل وأطلق عليه الرصاص، أو الشخص الذى ينفجر فى غضبه ولا يستطيع أن يضبط لسانه ويبدأ أن يسئ للآخر أيضاً، أو أن يتعدى بالضرب على من يسئ إليه. وكل هؤلاء أيضاً خطاة ويحتاجون للتوبة. وكما سبق وذكرنا فى فصل سابق أن الغضب يجب أن يكون زائراً وليس مقيماً عندنا، وقد وضح لنا الإنجيل أشياء يجب أن نتخلص منها،.
"وأما الآن فأطرحوا عنكم أنتم أيضاً الكل: الغضب، السخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم" (كو 3: 8).
وعندما يوجه شخص ما تركيزه نحو مشاعره المجروحة وشعوره بالغضب فهو ينساق بفعل مشاعر تجعله مذنباً وتبعد تفكيره عن الله. وعندما يخطئ فى حقك صديق أو أحد أفراد العائلة فأنت فى هذه اللحظة تحتاج إلى مساعدة وإرشاد الله، تحتاج أيضاً وبشكل سريع ومُلح للصلاة. والنموذج لتالى للصلاة يمكن أن يساعدك على إتخاذ الخطوتين معاً:
[يا أبتاه أنت تعلم مقدار الألم والغضب والجرح والمرارة التى أشعر بها تجاه... (يذكر أسم الشخص الذى أساء إليك) وأنت تعلم ما فعله معى. وأنت تعرف أننى بذلت كل جهد كى أتصالح معه ولكنى لم أجد منه اى رغبة فى الإعتراف بخطأه. أنت تعرف يا رب رد فعله وتعرف الحياة التى يعيشها. يا رب أنت تعلم أننى لا أستطيع أن اواجهه نحو ما أريد، وأعرف أيضاً أننى لا أستطيع أن أجبره أن يفعل ما اريده].
[.. فأنا يا رب أستودع هذا الشخص – (فلان) فى يدك، عالماً أنك إله عادل وأمين، وأنك سوف تعامله بعدلك فى المستقبل. وأنا أثق أنك سوف تفعل ما تراه الأفضل فى حياته. وأنا أيضاً أريد أن أعترف أننى سمحت لخطيته أن تسيطر علىّ، فأصبحت منشغلاً جداً بغضبى ومرارتى وإحباطى].
[... يا رب إننى أشعر بكثير من المرارة تجاه هذا الشخص، وأحياناً تجاهك أنت، لأنك سمحت أن يحدث هذا. وأريد أن أعترف أن هذا الشعور خاطئ، وأريد أن أشكرك لأن الرب يسوع قد دفع عنى ثمن خطيتى. يا رب أريد أن أقبل غفرانك لموقفى الخاطئ... أصلى لك يا رب من أجل أن يملأ روحك القدوس قلبى وعقلى. وأصلى كى يساعدنى أن أفكر بحسب فكرك، وأن أتصرف فقط بما يساعدنى أن أخرج من هذا الموقف. أطلب منك يا رب الغفران من أجل خطايانا!!].
قد تكلمنا فى هذا الفصل عن مسئوليتنا فى مواجهة أفراد العائلة والأصدقاء الذين أخطأوا فى حقنا، وكيف أنه يتعين علينا أن نسعى للمصالحة. ولكن هناك كلمة أخرى من فم الرب يسوع بخصوص التعامل مع خطايانا. وتعليماته واضحة:
"فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك هناك قربانك قدام المذبح، وأذهب أولاً إصطلح مع أخيك. وحينئذ تعال وقدم قربانك" (مت 5: 23 - 24).
فعندما تخطئ فى حق الآخرين فإنه لازم علينا أن تعترف ونتوب عن خطايانا، يجب علينا أن نتوب بمجرد أن نكتشف أننا قد أخطأنا فى شخص ما بالقول أو بالفعل!!
وبهذا يكون واضحاً للقارئ أنه سواء كنت المذنب أو المذنب فى حقه فإن عليك مسئولية البدء بالمصالحة. فإذا أخطأت فى حق شخص ما، فإن الآخر سوف يشعر بالغضب تجاهك. وإذا أخطأ آخر فى حقى فسوف أكون أنا هو من يشعر بالغضب.
فى خطة الله الغضب هو الحافز لنا كى نتصرف بشكل بناء فى البحث عن الصواب وتصحيح ما هو خطأ، كى نستعيد صداقتنا وعلاقتنا بالآخرين.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- الفصل الأول من أين يأتى الغضب؟
- الفصل الثانى متى يمكن أن يكون الغضب للخير؟
- الفصل الثالث عندما يكون غضبك لأسباب منطقية
- الفصل الرابع عندما يكون الغضب خطأ
- الفصل الخامس كيف نتعامل مع الغضب الغير مرغوب فيه؟
- الفصل السادس الإنفجار والفوران الداخلى
- الفصل السابع الغضب الذى يستمر لسنوات
- الفصل الثامن ماذا عن الغفران
- الفصل التاسع عندما تكون غاضباً من شريك حياتك
- الفصل العاشر ساعد طفلك كى يتعلم كيف يتعامل مع الغضب
- الفصل الحادى عشر عندما تشعر بالغضب من الله
- الفصل الثانى عشر أنا غضبان من نفسى
- الفصل الثالث عشر مواجهة الشخص الغاضب