الفصل الثانى متى يمكن أن يكون الغضب للخير؟

الفصل الثانى متى يمكن أن يكون الغضب للخير؟

إن إرادة الله هى أن يكون غضب الإنسان هو الحافز لكى يأخذ مواقف إيجابية فى مواجهة الشر، أو عندما يواجه الإنسان ظلماً ما.

سوف نتحدث لاحقاً عن الغضب المبرر والغضب الغير مبرر. ولكن هدفنا الآن هو الرجوع للسؤال الأساسى: ما هو هدف الله من غضب الإنسان؟

الإجابة: هى أن الغضب قد سمح به الله كى يكون حافزاً للإنسان كى يتخذ مواقف إيجابية عندما يواجه ظلماً ما لمصلحة الجنس البشرى.

ولقد أوضح الكتاب المقدس التشابه الموجود بين غضب الله وبين محبته. وفى العهد القديم أرسل الله أحد الأنبياء كى يعلن للشعب عن غضبه من أفعالهم الشريرة، لكى يدعوهم إلى التوبة، ولو حدث أن الناس تابوا فإن غضب الله سوف يهدأ وكل شئ سوف يكون على ما يرام ولكن لو لم يتب الشعب سوف يتخذ الله مواقف أبعد من الغضب وهذه كانت رسالة الله الواضحة لأرميا النبى حين قال له:

"إذهب وناد بهذه الكلمات نحو الشمال، وقل إرجعى أيتها العاصية إسرائيل يقول الرب، لا أوقع غضبى بكم لأننى رؤوف يقول الرب، لا أحقد إلى الأبد، إعرفى فقط إثمك إنك إلى الرب إلهك أذنبت" (أرميا 3: 12).

ولقد حدث أن إسرائيل رفضت الحق وإتبعت الباطل، ولذلك فإن غضب الله هو الذى جعله يرسل أرميا النبى كى ينادى بالتوبة للشعب، ولقد اتخذ الله نفس الموقف عندما أرسل يونان النبى لأهل نينوى. ولقد حدث أن أهل نينوى تابوا حين سمعوا عن قوة الرب الإله وحين حذرهم يونان من الدمار الذى سوف تشهده المدينة خلال 40 يوماً. وهذا هو ما قاله الكتاب المقدس: "فآمن أهل نينوى ونادوا بصوم ولبسوا مسوحاً من كبيرهم إلى صغيرهم" (يون 3: 5).

وكذلك استجاب الملك سريعاً لنداء يونان، فقال الملك:

"لا تذق الناس ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئاً، لا ترع ولا تشرب ماء، ويصرخوا إلى الله بشدة ويرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذى فى أيديهم، لعل الله يعود ويندم ويرجع عن حمو غضبه فلا نهلك" (يون 3: 5 - 8).

ولقد عرف أهل نينوى أن غضب الله يزول بمحبته. ولذلك سجل الكتاب المقدس.

(فلما رأى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة، ندم الله عن الشر الذى تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه "(يو 3: 10).

إن الله قد أظهر غضبه بطريقة إيجابية، كى يظهر لكل فاعلى الإثم أن لكل فاعل شر عقاب. ولأن الله قد أحبهم وهو فى نس الوقت لا يمكن أن يسمح للشر أن يمر بدون عقاب. ولذلك عندما تابوا ورجعوا عن طرقهم الشريرة سامحهم. وبذلك تم إصلاح الخطأ وحقق غضب الله وظيفته الإيجابية وهى التوبة.

ما الذى جعل يسوع يغضب؟

عندما ننظر إلى العهد الجديد ونبحث فى حياة الرب يسوع المسيح سنرى أيضاً أنه قد اتخذ بعض الأفعال الإيجابية التى تنم عن محبته والتى كانت ضد الشر وهذا هو ما أثار غضبه. والمثال الأكثر وضوحاً لهذا الغضب عندما كان يسوع فى الهيكل فى أورشليم عندم ارأى الباعة يبيعون ويشترون الخراف والحمام والثيران قال:

"مكتوب بيتى بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص" (مت 21: 13).

وقد أشار القديس يوحنا أن الرب يسوع المسيح صنع سوطاً كى يطردهم خارج الهيكل وأنه قلب موائد الصيارفة.

ربما يسأل البعض أين كانت روح يسوع المتسامحة؟

نحن بدون شك نؤمن أن هؤلاء (الباعة والصيارفة) لو كانوا قد تابوا لسامحهم جميعاً الرب يسوع المسيح، ولكن يجب أن نعلم أن غفران الله دائماً يكون رداً على توبة الإنسان، وإن تصرف الرب يسوع المسيح أوضح أن ما يحدث من التجار ومن القادة المتدينين فى هيكل الرب لم يكن مناسباً. ولقد سجل القديس يوحنا أن تلاميذ المسيح تذكروا ما كان مكتوباً عنه:

"غيرة بيتك أكلتنى" (مز 69: 9)

بهذا قد رأى التلاميذ غضب يسوع المسيح وقد دل هذا على صلاحه وإهتمامه العميق ببيت أبيه كى يكون دائماً بيت صلاة وليس مكان للتجارة والباعة.

وهناك موقف آخر حين كان يسوع المسيح فى المجمع يوم السبت وجاء إليه رجل يده يابسة وكان الفريسيون يشتكوا يسوع بكسر السبت فسألهم يسوع عما هو مباح يوم السبت فعل الخير أو فعل الشر؟ تخليص نفس أو قتل؟ ولكن الفريسيين لم يجيبوه. ولقد سجل القديس مرقس فى إنجيله أن يسوع نظر حوله إليهم بغضب حزيناً على غلاظة قلوبهم، وقال للرجل مد يدك فمدها فصارت يده صحيحة كالأخرى (مر 3: 4 - 5).

إن الرب يسوع غضب من الفريسيين الذين لم يهتموا بخلاص البشر، وتصرف الرب يسوع المسيح عندما شفى الرجل أمام الجميع رافضاً فكرهم الشرير، ومعلناً أمام الجميع أن خير البشرية أهم من الطاعة العمياء للناموس.

ولذلك فإن المثال الإلهى واضح، وهو الاستجابة الدائمة للغضب كى نأخذ سوطاً فيه محبة كى نقف أمام الشر وكى نصلح من الشخص المسئ.

ولكن ماذا عن غضبنا؟

كما أوضحنا سابقاً أننا نحمل بداخلنا صورة الله، وكل واحد منا لديه مستوى معين من القداسة والميل نحو الصلاح والعدل، وعندما نواجه ما نرى من فساد أو ظلم أو عدم رحمة فإننا نشعر بالغضب، وأنا أؤمن أن قصد الله من هذا الغضب هو تحفيزنا كى نأخذ مواقف إيجابية فيها محبة ونصحح الخطأ، وعندما تكون هناك علاقة مع أى أحد فلذلك لكى تستعيد هذه العلاقة مع الشخص الذى أساء إلينا.

وليس المقصود من الغضب أن تدمر الشخص الذى أساء فى حقك، أو أن الغضب هو تصريح كى تقول ما شئت لمن أساء إليك. فالهدف الأساسى من الغضب هو أن يحفزك كى تفعل شيئاً إيجابياً عن محبتك للآخرين.

أولاً: إجعلنى أختبر معك هذا المبدأ على المستوى الإجتماعى.

إن معظم القراء سمعوا عن منظمة M. A. D. D (أمهات ضد السائقين السكارى المخمورين).

هل تعلم أيها القارئ العزيز كيف نشأت هذه المنظمة؟ إنها نشأت نتيجة للشعور بالغضب. أمهات شاهدن أبناءهن وبناتهن يموتون فى الشوارع على يد سائقين قدوا وعيهم لأنهم كانوا تحت تأثير الخمور. وعندما يتحول هؤلاء السائقين إلى المحاكمة فإنهم يخرجون بغرامات بسيطة ويعودون لقيادة سياراتهم فى اليوم التالى. ولذلك فإن الأمهات تجمعن وأعلن أن هذا ليس عدلاً.

ولقد صُدمت مؤسسة المنظمة كاندى ليتشر Kandy Lyteher عندما علمت أن إبنتها البالغة من العمر 30 عاماً توفيت مباشرة بعد أن صدمتها سيارة كان قائدها تحت تأثير الخمور. وما زاد من ألمها هو حكم القاضى على هذا السائق بغرامة بسيطة واطلق سراحه. فقامت على التو مع أمهات أخريات غاضبات وكون منظمة M. A. D. D.

(أمهات ضد السائقين السكارى) Mothers Against Drunk Drivers

وهذا الغضب من الشعور بالظلم كان هو الحافز للسيدة Kandy Lytcher وأخريات أن ينشأن هذه المنظمة، ثم كبرت هذه المنظمة وأصبحت تضم أكثرمن أربعمائة فرع لها. وكان هدفهن الأساسى هو الوقوف بجانب أى شخص يتعرض لمثل هذه الحوادث، أو يقفن بجوار أهل الميت وهن يقاضون السائقين. وهذا هو ما حث المشرع لإصدار قوانين أكثر صرامة لمواجهة هذه المشكلة. وأنا لست بحاجة كى أقول لك عزيزى القارئ كم بلغت العقوبة صرامة لأى شخص سائق وهو مخمور. وكل هذا كان بسبب غضب الأمهات.

ثانياً: كيف يمكن تطبيق هذا فى حياتنا اليومية؟

إذاً نحن رجعنا للأم (س) التى تقابلنا معها فى الفصل السابق التى كانت غاضبة من أولادها، لأنها ترى أن سلوكهم غير مقبول، وغاضبة من زوجها لأنه لا يمد يد المساعدة بالشكل الكافى، وغاضبة من نفسها لأنها اتخذت قراراً بترك عملها لتتفرغ لوظيفتها كأم. وأخيراً هى غاضبة من الله لأنه سمح لها بكل ما تشعر به من إرتباك.

ولكن لم تهتم هذه الأم بما يجب أن تفعله كى تحل مشكلتها. ونحن نسأل ببساطة ماهو الهدف من غضب الأم (س) إن الهدف هو تحفيزها كى تتخذ موقفاً إيجابياً كى نتعامل مع ما تعتبره ظلماً أو غير إنسانى.

وأنا لا أقترح على هذه الأم أن تتجاهل غضبها. فالغضب مش الضوء الأحمر الذى نراه فى تابلوه سيارتك كى يشير إلى وجود شئ ما يجب أن تنتبه إليه لكى تصلحه.

إن الغضب يمكن أن يكون حافزاً قوياً وإيجابياً ونافعاً كى يحركنا تجاه إتحاد مواقف إيجابية لتصحيح ما هو خطأ وما هو لم. ولكن يمكن أيضاً أن يصير الغضب قوة مدمرة لا يمكن السيطرة عليها.

المشكلة هى أن هذا الهدف الإيجابى العظيم من الغضب يصبح أحياناً صعب المنال مع اشتعال الغضب بداخلنا.

فنحن ننسى أن نصحح ما هو خطأ، وينتهى بنا الحال بأن نجعل الأمور أسوأ وأصعب مما كانت عليه.

وهذا هو ما ينقلنا إلى السؤال الملح التالى:

كيف نتعامل مع الغضب بطريقة إيجابية؟

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل الثالث عندما يكون غضبك لأسباب منطقية

الفصل الأول من أين يأتى الغضب؟

المحتويات
المحتويات