هذا الفصل هو جزء من كتاب: الغضب – القمص أشعياء ميخائيل .
جدول المحتويات
- الفصل الأول من أين يأتى الغضب؟
- الفصل الثانى متى يمكن أن يكون الغضب للخير؟
- الفصل الثالث عندما يكون غضبك لأسباب منطقية
- الفصل الرابع عندما يكون الغضب خطأ
- الفصل الخامس كيف نتعامل مع الغضب الغير مرغوب فيه؟
- الفصل السادس الإنفجار والفوران الداخلى
- الفصل السابع الغضب الذى يستمر لسنوات
- الفصل الثامن ماذا عن الغفران
- الفصل التاسع عندما تكون غاضباً من شريك حياتك
- الفصل العاشر ساعد طفلك كى يتعلم كيف يتعامل مع الغضب
- الفصل الحادى عشر عندما تشعر بالغضب من الله
- الفصل الثانى عشر أنا غضبان من نفسى
- الفصل الثالث عشر مواجهة الشخص الغاضب
الفصل السادس الإنفجار والفوران الداخلى
الغضب المتفجر:
الأم (م) إنسانة تصرخ كثيراً عندما يغضبها شئ ما، أو إنسان ما، سواء كان من أبنائها أو زوجها أو حتى مديرها. وعندما يواجهها الآخر بما تقول، فهى تبرر ذلك بأنها تقول ما تشعر به، أنها تريد أن يعرف الآخر شعورها بالنسبة له. فى الحقيقة إن غضب الأم (م) هو خارج نطاق السيطرة، فمنذ طفولتها وهى إعتادت على التعبير اللفظى عند غضبها، واستمر معها هذا الأمر لسنوات طويلة. وأعتادت (م) الدفاع عن سلوكها، إلى أن جاء اليوم الذى تركت فيها إبنتها المنزل وتركت لها ورقة مكتوب فيها (عزيزتى ماما، سوف لا تجدينى فى البيت اليوم، فلم أعد أحتمل صراخك، وأنا لا أعرف ماذا سيحدث معى وأنا خارج البيت، ولكن على الأقل سوف لا أكون مضطرة لسماع إهاناتك لى) ثم وضعت الابنة (ج) توقيعها فى نهاية الصفحة.
لم تصرخ الأم عندما قرأت الورقة التى تركتها لها إبنتها، وإنما إتصلت سريعاً وهى تبكى بأب إعترافها، وبدأت بقولها [إبنتى (ج) تركت البيت ولا أعلم أين ذهبت، وأنا قلقة عليها جداً] وبعدها قالت أهم كلمة فى حياتها: (أنا السبب، أنا أعرف أننى بصراخى المستمر فى وجهها تسببت فى تركها للبيت. أنا التى أبعدتها عنى) وبدأت تبكى بشدة فى التليفون واعترفت لأول مرة فى حياتها أن لسانها الغاضب وألفاظها المسيئة لإبنتها هى التى تسببت فى بعد إبنتها عنها. فأرشدها أب الأعتراف بحكمة شديدة كمرشد مسيحى، ثم بدأت الأم تعترف وتفهم وتغير إستجابتها السلبية للغضب. وبعد أن سمعت الابنة (ج) بموقف والدتها. أنها بدأت تغير سلوكها، جاءت إليها وصاحبتها فى جلسات الإرشاد. والآن الابنة (ج) أصبحت سيدة ولها علاقة جيدة جداً بوالدتها.
الأم (م) تقول أن اليوم الذى وجدت فيه الورقة التى تركتها لى إبنتى هو أحسن وأسوأ يوم فى حياتها.
مثال آخر،
يميل (ب) للتغير عن غضبه، ليس لفظياً فقط، ولكن عندما تشعر بالغضب من أى شخص أو أى موقف، فإنه يلتقى بأى شئ أمامه ويكسر الأشياء. وأمام إشارات المرور يلقى بألفاظ رديئة، ووصل به الحال أنه ألقى فى وجه أحد أفراد عائلته بمشروبه أثناء حوار عائلى وقد لاحظت (ل) خطيبته كل هذا فى فترة خطوبتها معه. ولكنه لم يسبق له بأن عبر عن غضبه معها. ولكن حدث بعد مرور ستة أشهر من زواجهما وأثناء جدال كان يدون بينهما أمسك (ب) بزوجته وضربها فى الحائط. ولأنها تعلم أن سلوكه هذا لا يمكن أن تقبله أو تتجاوز عنه، فكتبت له خطاباً تركته على مكتبه، قالت فيه: [عزيزى (ب) الليلة الماضية فعلت شيئاً لم أكن أتوقعه منك أبداً، ففى غضبك ضربتنى فى الحائط وعندما كنا فى فترة الخطوبة رأيتك وأنت تعبّر عن غضبك، ولكننى لم أكن أتخيل أنك سوف تفعل هذا معى والآن وقد عرفت أنك أخطأت وأعرف أيضاً أننى أحبك كثيراً وأنك لا ترغب أن تؤذينى، ولكنى لا أستطيع أن أتعايش مع سلوكك هذا والآن أنا أكتب لك لأننى أريدك أن تعرف أنك لو لمستنى مرة أخرى بطريقة كهذه سوف أتركك نهائياً. وسوف أظل بعيدة عنك إلى أن تذهب إلى مرشد ويطمئنى أن حياتى معك ستكون فى أمان. أحبك] ثم وقعت أسمها (ل) وفى نفس الليل التى استلم فيها الزوج خطاب زوجته ذهب لها وأعتذر لها ووعدها بأن ما حدث سوف لا يتكرر ثانية. ولكن بعد ستة أشهر أخرى وأثناء الجدال معها ضربها ثانية، وأخذ يهز فيها بطريقة أرعبتها ولكن الزوجة (ل) لم تنطق بكلمة واحدة وقتها ولكن فى اليوم التالى عندما عاد للمنزل ولم يجدها ووجد ورقة مكتوب فيها [أحبك كثيراً لدرجة أننى لا أستطيع أن أعيش معك أكثر من هذا. ولن أسمح لك أن تجرحنى وتهدم علاقتى بك. أعرف أنك لست سعيداً بما حدث بالأمس. ولكننى لن أعود للمنزل إلى أن ترى مرشداً وتجلس معه ويطمئنى هو بنفسه أن حياتى معك ستكون فى أمان] ووقعت هكذا: حبيتك ل.
وأمام قرارها الحاسم أرغمته على الإتصال بأب إعترافه وبعدها بمرشد. وقد عرف (ب) أنه فى خطر أن يفقد زوجته التى يحبها. وأيضاً هو يعرف أنا بحاجة للمساعدة كى يستطيع أن يتحكم فى غضبه. وبعد ثلاثة أشهر من المتابعة الفورية مع المرشد وثلاثة أشهر أخرى من المتابعة وزوجته معه تحضر جلسات المشورة فإن (ل) و (ب) قد تصالحا. وهما الآن مازالا معاً. فقد أستطاع (ب) بفضل مساعدة المرشد أن يكسر طريقته فى التنفيس عن غضبه.
كيف تساعد شخصاً يتفجر فى غضبه؟
إن كلا من الأم (م) والزوج (ب) يعبرا عن غضبهما بطريقة مسيئة للآخرين. مثل هذا السلوك لا يتغير إلا إذا قرر شخص قريب منهما أن يمد يد المساعدة لهما. إن التهديد يفقد علاقة هامة ويدفع الشخص الغضوب الذى يسئ للآخرين أن يغير طريقته. والسلوك المدمر والمسئ للآخرين يمكن أن يتغير، ولكن لا تظن أنه سوف يتغير من تلقاء نفسه خلال الزمن. ولكن العائلة والأصدقاء يجب أن يتعلموا كيف يحملوا الشخص الذى ينفجر فى غضبه مسئولية تصرفاته.
الإنفجار الداخلى والفوران:
هؤلاء هم الذين يتعاملون مع غضبهم داخلياً. إنهم عادة يبدأون بإنكار شعورهم بالغضب. وهذه الطريقة محببة جداً وخاصة لدى المسيحيين الذين تعلّموا أن الغضب فى حد ذاته خطية. لذلك من السهل أن نجد شخصاً يقول:
- أنا لست غاضباً أنا مجرد محبط.
- أنا لست غاضباً ولكننى فقط متضايق.
- أنا لست غاضباً ولكننى فقط يائس.
فى كل هذه الحالات فإن هؤلاء يعانون من الشعور بالغضب. إن الأخت (ف) صورت هذا بوضوح عندما قالت لى وكنت أنا أجلس فى مكتبى. [أنا أعرف أن المسيحى الحقيقى لا يجب أن يغضب، وأنا أيضاً كنت أعتقد أننى لا يمكن أن أغضب ولكننى فقط متضايقة. ولكن ما حدث معى لا أعلم كيف أتصرف حياله. إن أخى الأكبر قد أقنع والداى بأن يبيعا منزلهما وأن يأخذ هو الثمن. ليبدأ مشروعه، وأن ينقلهما لمنزل صغير، ووعدهما بأن يدفع الإيجار كل شهر، ووعدهما أيضاً إذا أرادا الذهاب لأى دار لرعاية المسنين بعد فترة فإنه سوف يسدد الرسوم بعد أن ينجح مشروعه ويسدد كل مصاريف الدار. وفى كل قراراته هذه تجاهل وجودى تماماً. أنا أعرف أخى جيداًز وأن أفكاراً غريبة دائماً تشغل فكره. وأنا أعلم أنه ربما يفشل مشروعه ويخسر المال ويضع والداى فى مأزق. وعندما عرفت ما صنع استدعيته وتكلمت معه، وهو لم ينكر شئ ولكنه شرح لى كل شئ] وقالت (ف): [أنه كان لا ين أننى سوف أغضب من تصرفه هذا، لأننا قد تحدثنا فيما مضى عن إحتياج والدىّ لأن يعيشا فى مكان أصغر، وقلت له أنا متفهمه لما فعل وإننى لا أشعر بالضيق. ولكن بالحقيقة كلما أفكر فى هذا الأمر أشعر بالضيق].
إن الشقيقة (ف) تشعر بغضب قوى جداً، ولكن لأنها تؤمن أن الإنسان المسيحى لا يصح أن يشعر بالغضب، فهى لا ترغب فى تسميته غضب ولكنها تصر على تسميته ضيق، حين قالت (أنا متضايقة). وبالرغم من أنها أنكرت غضبها فى حوارها مع أخيها، وأعطته إيحاء بأنها موافقة على تصرفاته لكنها فى الحقيقة ترفض كلياً ما حدث. هى لا تعرف أنها تشعر بالغضب وهى إذا لم تستطع أن تغير نظرتها للغضب فإنها سوف لا تستطيع التعامل معه، بل ستكبت الغضب داخلها، إلى أن يترسخ داخلها، وفى الوقت المناسب سوف يخرج الغضب ليدمر حياتها تماماً. وهكذا فإن إنكار الغضب لا يخرجه من حياتنا ولا يساعدنا أن نتخلص منه، وإخفاء الغضب بداخلنا سواء إعترافنا به أم لا سوف يكون له تأثيره السلبى على حياتنا، وسوف يكبر الغضب داخلنا إلى أن يصبح إنكاره مستحيلاً.
الإنسحاب:
والأكثر خطراً من الإنكار هو الإنسحاب. والإنسحاب هو السياسة التى يسلكها هؤلاء الذين يكبتون غضبهم فى داخلهم. وهم يعرفون أنهم غاضبون ولكنهم يفضلون الإبتعاد عن الأشخاص أو المواقف التى تسبب شعورهم بالغضب. وإذا لاحظ الشخص المسئ الإنسحاب والصمت من قبل الشخص الغاضب (الذى أساء إليه) وسأله هل يوجد شخص خطأ؟ فالمنسحب يجيب لا، وما الذى يجعلك تنكر هكذا. وإذا استمر المسئ فى السؤال: ولماذا هذا الصمت ولماذا لم تقل أى كلمة تعليق على ما حدث اليوم. فالشخص المنسحب ربما يجيب: أنا فقط متعب واليوم كان صعباً. فهو يحاول الهروب والإنسحاب من الموقف.
إن كبت مشاعر الغضب يدمر:
إن علاج الصمت والإنسحاب والتجنب يمكن أن يستمر لأيام ولسنوات أحياناً، ولكن كلما طالت المدة كلما زاد الغيظ والغضب والشعور بالمرارة. وغالباً ما يتم التعبير عن الغضب المكبوت بما يسميه علماء النفس "السلوك العدوانى الإيجابى" فالشخص خارجياً يبدو أنه إيجابى، ويحاول دائماً أن يعطى إنطباعاً أنه لا يوجد ما يزعجه أو يضايقه، ولكن مع مرور الوقت يظهر الغضب فى صور أخرى متعددة، كأن يفشل هذا الشخص فى الإستجابة لما يطلب منه من الآخرين، أو أن يفشل فى أداء ما عليه من واجبات. وقد يظهر الغضب الداخلى فى صور أخرى عندما يأخذ الشخص الغاضب فى إستعادة وتصور ما حدث مراراً وتكراراً، وكأنه شريط فيديو يعاد كل لحظة. فهو يسمع كلمات الشخص الآخر الذى أساء إليه ويشعر أنفاسه ويتذكر الموقف الذى حرك مشاعر الغضب داخله. والمشكلة فى هذا أن هذا الشريط يدور فى ذهن هذا الغضب فقط، ولم يشترك فى هذا الشعور من أساء إليه ولا فى ذهن أى مرشد أو صديق. وينمو الغضب إلى أن يتحول إلى غيظ ومرارة. وإذا لم يستطيع هذا الشخص أن يتغلب على هذا الشعور فإنه سوف يعانى من الإكتئاب وفى بعض الحالات يتطور الأمر غلى أن يصل إلى الرغبة فى الإنتحار.
المشكلة أيضاً فى هذا النوع من الغضب أنه لا يستمر داخلياً إلى النهاية وإنما أحياناً يتحول إلى إنفجار على شكل عنف يرتكبه الشخص الغاضب نحو الشخص الذى يعتقد أنه أساء إليه.
إحذر الكراهية:
طوال فترة عملى كمستشار ومرشد، سمعت كثيراً من المراهقين يقولون (أنا أكره أبى) وهذاعادة يحدث بعد سلسلة من التصرفات تصل إلى المراهق على أن والده يكرهه ولا يحبه. ويحاول المراهق عادة كبت مشاعره تجاه والده إلى أن يتحول الغضب والألم إلى غيظ ومرارة وكراهية للأب. وسمعت أيضاً كثيراً من الزوجات يقلن: (أنا أكره زوجى) وسمعت كثيراً من الأزواج يقولون: (أنا أكره زوجتى).
وبدونى أدنى شك فإن الكراهية شعور لا نشعر به بين ليلة ضحاها، وإنما هو شعور ناتج عن الغضب المكبوت الذى يتأصل فى القلب إلى أن يظهر مع الوقت فى شكل كراهية وغيظ. وعادة ما يشعر الغاضب برغبة فى الإنتقام من المسئ فى حقه أو على الأقل يتمنى فى داخله أن يحدث له أذى.
وعندما يسعى هؤلاء الغاضبون من الإنتقام من الآخرين، فإنهم يأخذون مكان الله. لأن الله يقول:
"لى النقمة"
وعندما نسعى لفرض العقوبة على من أساء إلينا فإننا نزيد الأمور تعقيداً أو سوءاً.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- الفصل الأول من أين يأتى الغضب؟
- الفصل الثانى متى يمكن أن يكون الغضب للخير؟
- الفصل الثالث عندما يكون غضبك لأسباب منطقية
- الفصل الرابع عندما يكون الغضب خطأ
- الفصل الخامس كيف نتعامل مع الغضب الغير مرغوب فيه؟
- الفصل السادس الإنفجار والفوران الداخلى
- الفصل السابع الغضب الذى يستمر لسنوات
- الفصل الثامن ماذا عن الغفران
- الفصل التاسع عندما تكون غاضباً من شريك حياتك
- الفصل العاشر ساعد طفلك كى يتعلم كيف يتعامل مع الغضب
- الفصل الحادى عشر عندما تشعر بالغضب من الله
- الفصل الثانى عشر أنا غضبان من نفسى
- الفصل الثالث عشر مواجهة الشخص الغاضب