الفصل الثالث عندما يكون غضبك لأسباب منطقية

الفصل الثالث عندما يكون غضبك لأسباب منطقية

سوف نستعرض بعض حالات الشعور بالغضب لأسباب مختلفة:

1 - الابنة (ا) تحضر إجتماع العائلة وتصلى قبل دخول الإجتماع. لماذا؟ لأن أختها الصغرى دائماً تنتقدها على أى شئ (تسريحة شعرها – طريقتها فى الأكل أو الطريقة التى تتعامل بها مع والدتها) وهى (الابنة رقم 1) تحاول أن تحافظ على الهدوء من أجل والدتها ولكنها داخلياً تشعر بالغيظ والغضب.

2 - الابن (2) صاحب عمل. أحد عملائه مديون له بمبلغ كبير من المال ولقد اتصل به وأرسل إليه خطابات وذهب إليه بنفسه عدة مرات، واستمر هذا العميل بالمماطلة ولم يوفى بتعهداته بالسداد والابن (2) يشعر بغضب شديد ويفكر جدياً فى إتخاذ الإجراءات القانونية ضده.

3 - الخطيبان (3، 4) يتواعدان منذ فترة وبدأ يتكلمان عن ترتيبات الزواج ولكن ما يضايق الخطيبة أن خطيبها لا يحترم وعوده لها.

4 - جيران الأخ (5) منذ 8 سنوات قرروا فجأة أن يقوموا بإًصلاحات فى حديقتهم، وأثناء ذلك قاموا بنزع الأشجار التى كانت فى حديقة الأخ (5) الذى شعر بالغضب وصدم حين رأى أعمال الحفر والأشجار التى فى حديقته مخلوعة.

كل هؤلاء الناس يشعرون بالغضب تجاه نفس الأمر وهو (الآخر).

وهذا هو نوع من الغضب الذى سوف نطرحه فى هذا الفصل وهو الغضب تجاه شخص آخر لنا به علاقة ما. ويمكن أن يكون هذا الشخص أحد أفراد العائلة أو جار فى السكن أو صديق. أو زميل أو شخص آخر تربطنا به علاقة ما.

الإيجابية والحب:

والتعامل مع الغضب الذى تشعر به تجاه شخص ما لنا به علاقة كثيراً ما نصاب بسوء نيه تجاه هذا الشخص الذى أساء إلينا. ونحن نطرح هذه الأسئلة وهى غاية فى الأهمية لعلاج ما نشعر به:

1 - هل إستجابتى للغضب إيجابية؟ وهل هى من أجل التعامل مع الخطأ وإصلاح العلاقة أم لا؟

2 - هل إستجابتى تنم عن محبة فى داخلى؟ وهل أنا مهتم بمصلحة الشخص الذى أساء فى حقى أم لا؟

نحن الآن نتحدث عن الغضب المسبب أو المبرر أو الغضب المنطقى، أى الغضب الناتج عن إساءة طرف آخر لنا. كما فى الأمثلة الأولية التى أوردناها فى هذا الفصل (حالة رقم 1، 2، 3، 4).

وأنا أنصح بهذه الخطوات الخمس تجاه الشعور بالغضب.

1 - عرف نفسك بوعى كامل أنك تشعر بالغضب.

2 - لا تعبر عن غضبك فى نفس اللحظة التى تشعر فيها بالغضب. أى أجَّل استجابتك لهذا الغضب.

3 - ركز على الشئ الذى تسبب فى غضبك ولا تفكر فى أى أمر آخر.

4 - حلل الإختيارات المتاحة أمامك.

5 - اتخذ مواقف بناءة[].

وكلما إستطعنا أن نخطو خطوة واحدة من هذه الخطوات فنحن بذلك ننجح فى أن نحول غضبنا إلى شئ إيجابى.

نعم: أنا غضبان!!

أولاً: يجب أن تعى أولاً أنك غضبان:

يمكنك أن تحارب وتقول: هذا شئ واضح – وأى أحد يمكنه أن يلاحظ غضبى هذا.

ولكن السؤال هو: هل أنت تعى تماماً أنك غضبان؟ لأن الشعور بالغضب يتفجر فجأة، وهذا ما يدفعنا أن نتصرف فى الحال بدتياً أو كلامياً قبل أن نعى تماماً ما يحدث بداخلنا.

ويمكننا أن نستجيب للغضب بطريقة أكثر إيجابية لو عرفنا أولاً أننا نشعر بالغضب فى لحظة ما.

وأنا أقترح أن تقولها بصوت عال: الآن أنا أشعر بالغضب تجاه (اسم الشخص أو الموقف) ماذا أفعل؟ إن مثل هذا التصرف يطرح القضية بوضوح أمامك.

فأنت الآن لست فقد تعرف أنك غضبان، ولكنك ساعدت نفسك كى تعرف الفرق بين الشعور بالغضب والتصرف الذى سوف تتخذه حياة هذا الغضب وإنك بهذا تصل إلى المستوى الذى فيه تسأل عن سبب غضبك بدلاً من أن تدع هذا الشعور يتملكك.

وهذه الخطوة مهمة جداً فى التعامل مع الغضب بطريقة إيجابية، وبالرغم من بساطة هذه الخطوة فإن كثيرين من المسيحيين يجدون صعوبة معها لأنهم تعلموا طوال حياتهم أن الغضب خطية، ولذلك فهو من الصعب عليهم الإعتراف بأنهم يشعرون بالغضب ولكن مرة اخرى أؤكد أن هذا ليس رأى الإنجيل بخصوص الغضب. وأرجو أن يكون الفصل الأول والثانى قد أوضحا أن الشعور بالغضب ليس خطية وإنما هو جزء من كوننا بشر. وأن إظهار الغضب شئ أظهره الله نفسه وأوضحه على لسان الرسول بولس حين قال:

"أغضبوا ولا تخطئوا" (أف 4: 26).

إن التحدى ليس إنك لا تشعر بالغضب وإنما التحدى هو أنك لا تخطئ عندما تكون فى حالة غضب.

وهذا هو بالتحديد ما نحاول تناوله فى هذا الفصل وهو: كيف لا أخطئ وأنا أشعر بالغضب؟ أو أتناول غضبى بطريقة إيجابية؟ وكيف أستجيب لغضبى بحيث تكون تصرفاتى بناءة وإيجابية؟

أعتقد أن الخطوة الأولى هى أنك يجب أن تكون على علم تام ووعى بأنك غضبان.

ثانياً: التحكم والسيطرة:

عِد من واحد إلى ألف!!!

تحكم وسيطر على رد فعلك المبدئى. إن قليل جداً من الناس تعلموا كيف يتحكمون ويواجهون غضبهم، ولكن معظمنا يقلد نفس أسلوب والديه الذى تعلمه منهما فى طفولته.

وردود الفعل تنحصر فى إتجاهين أولهما التعبير الجسدى أو التعبير الكلامى، وثانيهما الإنسحاب والسكوت، والاثنان (التعبير الجسدى والكلامى أو الإنسحاب) يدمران أى علاقة.

ولكن بالنسبة لمعظمنا فإن السيطرة على الغضب هو أمر هام يجب أن نتعلمه فى الكبر، وهذا يعنى التخلى عن العادات القديمة التى إعتدنا عليها.

ولذلك فإن السيطرة على رد فعلنا الأول هو شئ هام جداً فى بناء أسلوب جديد للتعامل مع الغضب.

وإن التحكم فى رد الفعل ليس مثل تخزين الشعور بالغضب، وإنما هو رفض إتخاذ أى خطوة، أو إتخاذ أى أسلوب إعتدنا عليه عندما نشعر بالغضب. ولقد قال سليمان الحكيم:

"الجاهل يظهر كل غيظه والحكيم يسكنه أخيراً" (أم 29: 11).

"تعقل الإنسان يبطل غضبه" (أم 19: 11).

"السريع الغضب يعمل بالحمق" (أم 14: 17).

ولقد قال أحد الحكماء: تكلم وأنت غاضب كى يكون حديثك هو أكثر شئ تندم عليه.

إن معظمنا قد مر بهذه التجربة، لأنه تكلم أو تصرف وهو تحت تأثير غضبه. وكل من فعل هذا بالتأكيد قد ندم. والمشكلة أننا لا نستطيع أن نمحوه ما فعلناه أو قلناه وقتها (أى وقت الغضب) ولهذا من الأفضل كثيراً ما نتعلم كيف نسيطر على ردود أفعالنا الأولية للغضب.

ومن وقت لآخر أتقابل مع كثيرين من الناس فى محاضراتى عن الزواج، يشتكوا لى قائلين: لا نستطيع أن نتحكم فى غضبنا. وبالرغم أننى أتعاطف مع هؤلاء وأتفهم جيداً مشاعرهم، وأعرف جيداً قسوة الغضب عندما يسيطر على الإنسان، ولكننى متأكد بأن هناك لحظة قبل أن يشتعل الغضب ونبدأ بقذف الآخرين بالكلام، أو إتخاذ أى موقف نندم عليه. فهل يمكن أن نسيطر على ردود أفعالنا؟ هل قالت لك والدتك هذه النصيحة المشهورة، عندما تغضب عد من واحد إلى عشرة قبل أن تقول أو تفعل أى شئ. إنها نصيحة جيدة جداً ولكن الكثير منا يحتاج أن يعد إلى ألف، لأن هذا التأخير الطويل (حين العد حتى رقم ألف) لرد الفعل يمكن أن يوقف النار قبل أن تشتعل. أنا أقترح ان تعد بصوت عال، ولو كان الشخص الذى أنت غضبان منه موجود أتركه وتمشى بعيداً عنه. وأنت تعد ربما تصل إلى رقم 597 وأنت فى منتصف الطريق لكى تستعيد عقلك ومشاعرك كى تقول: انا غضبان من..... (كذا) ماذا أفعل الآن؟

بالنسبة للشخص المسيحى فهذا هو الوقت المناسب للصلاة، فتطلب من الرب قائلاً: (يا رب أنت تعرف أنى أشعر بالغضب بداخلى. وأنا مقتنع أن ما فعله (فلان) كان خطئاً. من فضلك يا رب ساعدنى كيف أتخذ إجراء حكيماً كيف أستفيد فى هذا الوقت) وبعد هذه الصلاة سوف يكشف الله لك الإختيارات المتاحة أمامك.

لماذا أنا غاضب؟

ثالثاً: الخطوة الثالثة: لماذا أنا غاضب؟

وأنت تبدأ أن تتحكم وتسيطر على رد فعلك المبدئى، وأنت تعد إلى 100 أو 1000، لو كنت غضبان جداً؟ هل هذا بسبب ما قاله (أو ما قالته) أو أنه الطريقة التى قال بها (أو قالت بها)؟ أو أنها الطريقة التى نظر إلى بها؟ هل سلوكه (أو سلوكها) يذكرنى بسلوك أبى أو أمى؟ هل غضبى من زوجى (أو زوجتى) متأثر بأى شئ حدث فى العمل اليوم؟ أو متأثر بشئ ما حدث لى فى طفولتى منذ زمن طويل؟

أمثلة:

1 - الأم رقم (6) كانت غاضبة جداً من إبنها، لأنه رفض أن ينظف حجرته قبل أن يترك المنزل. وبعد أن هدأت هذه الأم لاحظت أن غضبها من إبنها كان أصلاً غضباً نحو والدتها، لأنها عادت بذاكرتها للخلف وتذكرت والدتها وهى تقول لها:

أنت لن تنفعى فى شئ غرفتك لا تستطيعين الحفاظ عليها نظيفة وهذه الأم إستطاعت أن تتعامل مع غضبها بطرقة إيجابية.

إن الخط الأساسى فى تحديد مركز غضبك هو ان تكتشف الخطأ الذى وقع من الشخص الذى أنت غاضب منه. ما هو خطأ ذلك الشخص وكيف أخطأ فى حقك.

2 - حالة رقم (8) الزوج قال بغضب عن زوجته: ليس لديها وقت لى إطلاقاً، أتمنى لو يذكرها أحد أنها متزوجة. وعندما حلل هذا الزوج غضبه اكتشف أن المشكلة ليست فى خروج زوجته مع صديقاتها، وإنما منبع غضبه هو إحتياجه لحب، وفشل زوجته أن تلبى إحتياج زوجها للحب.

وهذا المنظور ساعده أن يتحكم فى غضبه بطريقة إيجابية.

المرحلة الثانية من هذه الخطوة الثالثة (المرحلة الأولى هو التوصل إلى سبب الغضب) هى مدى أهمية هذه الإساءة؟ هناك أخطاء بسيطة وأخرى كبيرة، وكل منهما له رد فعل مناسب. وكذلك تستجيب نحو القضايا البسيطة بنفس إستجابتك للأمور الكبيرة فهذا هو عدم التحكم فى الغضب.

ربما نجد أنه من المفيد تدرج الأمور من واحد إلى عشرة على أن يكون الرقم عشرة معناه أن الإساءة كبيرة ورقم 1 إساءة بسيطة.

وهذا التدرج سوف يساعدك أولاً على إعطاء الأمور ما تستحق من الإهتمام، وثانياً أن تشارك الآخرين هذا التدرج سوف يساعدهم أن يعدوا أنفسهم عقلياً وعاطفياً كى يساعدوك أن تتناول غضبك بطريقة بناءة.

فلو قلت لى أننى أسأت إليك بدرجة (2) فأنا سأعرف أن هذا لن يحتاج إلىطوال الليل كى تحل المشكلة، فقط سوف أعطيك إهتمامى وأستمع إليك وسوف نبحث معاً ببساطة عن حل للمشكلة ولو قلت لى أن الإساءة من الدرجة العاشرة سوف أعرف أننى أحتاج إلى وقت طويل أركز فيه معك كى تحل المشكلة سوياً.

الخطوة الرابعة: ماذا الآن؟ تحليل البدائل.

بعد تحديد مصدر الخطأ ودرجة خطورته، فإن هذا سوف يعدك لأن تأخذ الخطوة الرابعة، وهى تحليل البدائل المتاحة لك. إنه الوقت المناسب لكى تسأل هذا السؤال. ما هى الأفعال المتاحة لى كى أقوم بها؟

ربما تحتاج أن تكتب كل الإفكار التى تأتى إلى ذهنك. أو أن تحاول أن تقولها بصوت عال لنفسك.

والإختيارات كثيرة ومن بيتها أن توبخ من أساء إليك عن ظلمه. أو تتجاهل من أساء إليك، أو أن تهتم وتعبر لهم عن مدى إستيائك عن هذا الموقف. ويمكن أن عود إليهم وتضربهم وتصفعهم على الوجه أو تقزفهم بزجاجة، ويمكن أن تسقطهم تماماً من عقلك وتقول أنهم مجموعة أغبياء وجهلة وأنا سوف لا أضيع وقتى معهم لأن الكلام مع البلهاء نوع من مضيعة الوقت، ولسوف أذهب إلى غرفتى وأجلس أمام الكمبيوتر وسوف لا أستعيد ما حدث مرة أخرى. وربما تأخذ بالثأر بأن تنسحب من حياتهم وتقول سوف أخرج من حياتهم ولن أراهم ثانية قط ولن أبدى أى أسباب لهم، وسوف أجعلهم يشعرون بالرفض. إن هذه الإختيارات وغيرها أيضاً يمكن أن تأتى إلى ذهنك.

ولكن أى من هذه الإختيارات تبدو عاقلة؟ تذكر أن أهم سؤالين لنا هما:

1 - هل هذا التصرف إيجابى وفيه حب أم لا؟

2 - هل التصرف الى سوف أقوم به، سوف يساعدنى على التعامل مع الخطأ أم لا؟ وهل هذا التصرف سوف يساعد على إستمرار وعلاقاتنا معاً؟ وهل هذا هو أفضل ما أستطيع أن أفعله مع الشخص الذى أخطأ فى حقى؟

وأعتقد أنك سوف توافقنى الرأى عندما أقول أن كل الإختيارات التى ذكرت من قبل سوف لا تنجح فى هذا الإمتحان، ولكن الإختيارات السابقة من الناحية النظرية بدائل أو إختيارات ولكنها أبعد ما تكون عن الإيجابية. إنها أشياء يمكن أن أفعلها فى الماضى أى أفعال ماضية ولكنها ليست الأشياء التى سوف أقوم بها فى المستقبل.

إذن ما هى البدائيل المسيحية؟ كما أراها يوجد بديلين إثنين:

1 - أولهما أن تواجه بالحب الشخص الذى أغضبك.

2 - وثانيهما هو أن تقرر أن تسامح فى الأمر كله.

ولنبدأ الإختيار الثانى أولاً (التسامح)

هناك بعض الأوقات يكون أفضل خيار أمام الإنسان المسيحى هو قبول الإساءة لأن مواجهة الشخص الذى أساء إلى لن يجدى أى شئ إيجابى. لذلك هو يختار قبول الإساءة بالتسامح وترك الأمر فى يد الله. والتسامح ليس معناه اختزان الغضب وتراكمه فى داخل الإنسان، ولكن على العكس تماماً فإنه يترك الغضب ليد الله. إنه التخلى عن حق الإنتقام الذى يعتبرمن حق الله فقط (رو 12: 19).

وأنت كإنسان مسيحى تتخذ قراراً واعياً بأن تسامح من أساء إليك. إنه قرار بأن تترك العدل ليد الله، متأكداً بأن الله يعرف أكثر من أى أحد المواقف بأكمله. ولذلك فإن الله سوف يتعامل بحكمته كى يحاكم هذا الإنسان. وأنت بإختيارك للتسامح فإنك تختار ألا تكون سجين مشاعرك تجاه الخطأ أو الإساءة التى أرتكبت فى حقك.

فى بعض الأحيان يعتبر التسامح هو الأفضل على الإطلاق.

مثال: والديك أساءا إليك لسنوات طويلة، أو جرحاك فى أوقات حرجة فى حياتك. علاقتك معهما الآن سطحية. ولكن الغضب مازال يسكن قلبك. ربما تشعر أنك ترغب فى أن ترضى الله وأن تتعامل مع هذا الغضب وخاصة أن والديك قد كبرا فى السن وليس لديهما القدرة على إستيعاب ما تشعر به من ألم تجاههما. ولقد حاولت منذ سنوات كى تشرح لهما أساءاتهما لك ولكن دون جدوى. لذلك قررت بأن الوقت سوف ينسيك الإساءة. وخاصة أن مواجهتهما الآن سوف تكون غير مجدية. ولذلك أنا أترك الغضب والشعور بالألم ليد الله عالماً أنه يحبنى حباً غير مشروط وعالماً أنه عادل ورحيم وسوف يفعل الصواب مع والدىّ. وبعدها تقول: يا رب أنا سوف أترك والداىّ لرعايتك. وأنا أترك غضبى، وأفتح قلبى لكى أمتلئ بالروح القدس كى يطهرنى من كل غضب وكراهية وغيظ.

لذلك تكون قد أخذت كامل الطريق السليم.

وهو التسامح والغفران

وهناك أيضاً العديد من المواقف التى يكون فيها التسامح عن الإساءة هو الأفضل بكثير بل يكون هو الحل الأفضل!!

وهذا يعنى أنك تركت الأمر ليد الله. وأن هذا معناه أنك سوف تستمر فى حياتك دون أن تسمح لهذه الإساءة أن تؤلمك.

ورغم ذلك فإن الإستجابة الحكيمة للغضب هى المواجهة التى تحمل المحبة للشخص الذى أساء إليك. وهذا يجعلك تبذل جهداً كى تجد حلاً معه:

الإختيار الآخر (العتاب بمحبة)

يقول الإنجيل: "إن أخطأ إليك أخوك فَوَبخه وإن تاب فاغفر له" (لو 17: 3).

إن الرب يسوع المسيح يتحدث هنا مع من لنا بهم علاقة فهو يقول "لو أخطأ إليك أخوك..." والأكثر من ذلك أن كلمة (وبخه) أى إنتهره بمعنى أن تطرح الأمر له شخصياً لكى تجذب إنتباهه إلى الإساءة التى أساءها لك.

ويوجد أمثلة كثيرة فى العهد الجديد:

عندما أنتهر الرب يسوع المسيح يعقوب ويوحنا لموقفهما العدائى ضد السامريين حين قالا، "يا رب أتريد أن نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم كما فعل إيليا أيضاً، فالتفت إليهما يسوع وأنتهرهما فمضيا إلى قرية أخرى" (لو 9: 54 - 56). من الواضح أن موقف يعقوب ويوحنا كان خطأ وأن الرب يسوع المسيح أعلن الأمر أمامهما كى يلفت نظرهما لخطئهما.

ونضح الحقائق الآتية بخصوص هذا الإختيار (التوبيخ والإنتهار)

  • أن تنتهر أو توبخ معناه أن تسئ بالكلام.
  • التوبيخ هو أن تعرض الأمر أمام الأخ (أو الأخت) الذى أساء إليك.
  • هذا التوبيخ والإنتهار يجب أن يكون بنحو ثابت فى آن واحد.
  • أن تضع فى الحسبان أنه ربما نكون قد أخطأنا فى فهم تصرفاتهم.
  • أنا أقترح أن تكتب هذا التوبيخ قبل أن تعرّضه على الآخر الذى أساء إليك كأن يكون مثل هذا:

(لدى شئ بداخلى يشعرنى بالضيق منك. فى الحقيقة أعتقد أنه من الأفضل أن أقول أننى غاضب. ربما أنا لا أفهم الموقف جيداً. ولكن عندما يكون هناك فرصة أود أن أتكلم معك بخصوص ما حدث).

إن عبارات كهذه توضح بشكل مفتوح أنك غضبان، وتوضح أنك ترغب فى فرصة كى تتحدث مع الشخص الذى أساء إليك.

ولو لم يستجب الآخر بطلب فرصة للحديث. أوجد (أوجدى) أنت الفرصة المناسبة وأعرض عليه تصورك عما رأيته أو سمعته، وأسأل الشخص الذى أساء إليك إذا كنت قد فهمت الأمر بالصورة الصحيحة. وهذا سوف يعطى الشخص الذى أساء إليك الفرصة لكى.

  • يشاركك بمعلومات ربما لا تعرف عنها شيئاً.
  • يشرح لك الحافز وراء ما قيل أو قال.
  • أن يعترف أمامك وبوضوح أنه أخطأ فى حقك وأن يسألك العفو والغفران.

ومن خلال هذا الحوار المفتوح يحاول كل واحد أن يفهم الآخر، وهذا سوف يضع حلاً للمشكلة إما بتوضيح من الطرف الآخر، أو أعتراف منه بالخطأ وطلب الغفران. لأن الهدف هنا هو السعى نحو المصالحة وإستعادة العلاقة.

ولو حدث أن الشخص الذى أساء إليك قد إعترف بخطئه وعبر عن توبته، فإن تعاليم السيد المسيح ترشدنا نحو الغفران ولذلك يجب أن تسامح هذا الشخص، ولقد شرح الرب ينبوع هذا المبدأ حين قال:

"وإن أخطأ إليك أخوك فأذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك وإن لم يسمع، فخد معك واحداً أو أثنين، لكى تقوم كل كلمة على فهم شاهدين أو ثلاثة. وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة وإن لم يسمع فليكن عندك كالوثنى والعشار" (مت 18: 15 - 17).

والسؤال الآن: كيف تعامل العشار (جامع الضرائب) أو الوثنى (الشخص الغير مؤمن)؟ عليك أن تصلى من أجل خلاصه، وتصلى أيضاً من أجل إيمانه، وأن تعامله بكرامة وإحترام كشخص مات المسيح من أجله. ولكن لا يكون لك معه أى علاقة صداقة دافئة لأنه رفض أن يتعامل مع خطئه.

والخطأ هنا معناه دعوة للإنتقام. إذن فبداخل الكنيسة أو خارجها فإن المصالحة مع صديق أو أحد أفراد العائلة هو ما تدعو إليه الكنيسة.

ولذلك فإن المواجهة ليست بغرض الإدانة، وإنما بغرض إستعادة العلاقة. ولو حدث أن كان هناك أى سوء فهم فإن المواجهة سوف تصفى الجو ولذلك سوف نستعيد علاقتنا كأخوة وأزواج وزوجات.

ولو تم الإعتراف بالخطأ فالواجب علينا أن نسامح وبهذا تعود العلاقة كما كانت. وكما يقول الرسول بولس.

"أيها الأخوة إن إنسبق إنسان فأخذ فى زلة ما، فاصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة، ناظراً إلى نفسك لئلا تجرب أنت أيضاً" (غل 6: 1).

والرسول بولس يريد أن يذكرنا أنه ربما فى المرة القادمة نكون نحن المسيئون والمخطئون فى حق آخرين، فليس أحد منا بلا خطية، وعندما نخطئ فنحن سوف نثير غضب الآخر.

إن المواجهة بمحبة ليست بالأمر السهل بالنسبة لمعظم الناس. فنحن لم نتدريب على هذا الأمر أو لم يسبق لنا محاولة السيطرة على الغضب لنتعامل معه (مع الغضب) بطريقة سليمة، بل على العكس نحن معتادون على إهانة الآخر أو محاولة إنكار غضبنا وتخزينه. إن مثل هذه التصرفات تكون مدمرة.

إن المواجهة بمحبة بمنظور المصالحة هى أفضل شئ!!

الخطوة الخامسة والأخيرة: إجعل تصرفك بناءً:

ما يجعلنا نصل إلى الخطوة الأخيرة هى الإتجاه نحو السلوك البناء وبمجرد أن نكشف كل الإختيارات التى أمامنا، فإن الوقت الآن مناسب كى نبدأ فى التصرف: -.

لو كنت قد إخترت أن تترك الإساءة وتسامح الشخص الذى أخطأ فى حقك فإنك تشارك الله فى هذا القرار. ويمكنك أن تصلى هكذا:

"يا رب أنت تعرف حقيقة ما حدث، وأنت تعرف كم أنا متألم وكيف أننى أشعر بالغضب، ولكننى أؤمن أن أفضل شئ أفعله فى هذا الموقف هو أن أقبل هذه الإساءة وأن أترك هذا الشخص بين يديك".

وأنت يا رب لا تعرف فقط ما فعله الشخص الذى أساء إلىّ وإنما تعرف أيضاً الدوافع وراء هذه التصرفات. أنا أعرف أنك إله صالح وأنا أثق أنك سوف تفعل الخير دائماً. وأنا أيضاً سوف أترك غضبى إليك. وهذا الغضب هو الذى جعلنى أفكر فى الموقف، وأن أتخذ الخطوة التى أعتقد أنها الأفضل (وهى التسامح) ولذلك أنهى الأمر بالنسبة لى وغضبى قد أنجز مهمته وأنا أتركه بين يديك. ساعدنى يا رب لكى لا تسيطر على الأفكار والمشاعر التى سوف تراودنى فى الأيام المقبلة. فأنا أريد أن أستمر فى حياتى، ولا أرغب فى أن يكون هذا الحدث عائقاً لى فى حياتى. أشكرك يا رب لأننى إبنك وأنك سوف تعتنى بى.

ولو راودتك فى الأيام التالية أو الأسابيع التالية أفكار بخصوص الإساءة التى قبلتها وسامحت من أخطأ فى حقك، وعادت إليك مشاعر الغضب والشعور بالألمن خذ هذه المشاعر وإطرحها أمام الله. وصلى قائلاً:

يا رب أنت تعرف ما أتذكره الآن، وأنت تعرف المشاعر التى أشعر بها الآن، ولكنى أشكرك أننى تعاملت مع ما حدث وتركت أفكارى ومشاعرى لديك. ساعدنى يا رب الآن كى أفعل شئ بَنَاء اليوم... وبعد هذه الصلاة إبدأ أن تفكر فى حياتك اليومية.

إن المواجهة لا تؤدى دائماً إلى العدل ولكنها سوف تؤدى إلى إستعادة العلاقة، وبالطبع هناك حالات عندما تواجه الآخر الذى أساء إليك بفكر بالرغم أنك تعلم جيداً أنه أساء إليك، وهذه الأفكار تزيد من الغضب وإذا عرفت أنه هناك إستحالة فى التصالح مع هذا الإنسان بسبب إنكاره الإساءة، فإن الخطوة التالية التى يجب أن تفعلها ربما تحتاج أن ترجع إلى كاهن الكنيسة أو مستشار العلاقات الأسرية أو صديق لكى ينصحك ماذا تفعل؟

ربما قراءة أحد الكتب الروحية تنفعك ولكن فوق كل شئ فإن الصلاة من أجل طلب إرشاد الله تقودك لتفعل الصلاح.

ولو حدث بعد مواجهة أخرى أن الشخص الذى أخطأ فى حقك رفض أن يتعامل مع أخطائه، يجب عليك أن تعرف وقتها أن هذا الشخص يختار أن لا يكمل علاقته معك. لأننا لا نستطيع أن نجبر الناس على الاعتراف والتوبة والتصالح معنا، لذلك يجب علينا أن نتركه يسير فى طريقه.

وفى النهاية نقول أن المواجهة بمحبة ليست دائماً نتيجتها المصالحة، ولكنها تعطينا سلام فى عقولنا، لأننا سعينا فى إصلاح الخطأ بطريقة جادة ومسئولة.

إذاً ملخص الخطوات الخمس فى مواجهة الغضب هى:

1 - إعرف بوعى إنك غاضب.

2 - السيطرة على رد فعلك الأول.

3 - تحديد مصدر غضبك.

4 - تحليل الإختيارات المتاحة أمامك.

5 - إتخاذ إجراءات بناءة خلال الصلاة وطلب معونة الله.


[] - ومن أهم المواقف البناءة الصلاة وطلب معونة الله لتحويل الغضب من قوة مدمرة إلى ايجابية وإصلاح وتصحيح. إن الله قادر أن يجعلنا نتغلب على الشعور بالغضب المدمر ويحوله إلى وداعة وتفاهم وإيجابية (المترجم) وفى نهاية الكتاب سوف نورد الآيات التى تساعدنا.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل الرابع عندما يكون الغضب خطأ

الفصل الثانى متى يمكن أن يكون الغضب للخير؟

المحتويات
المحتويات