(1) الفرح الكاذب

مشاعر الحزن والفرح

سفر المزامير هو من أسفار الكتاب المقدس. وهو سفر الشركة والصلاة مع الله، وهو سفر الحوار والحديث مع الله، وهو سفر المشاعر التى تملأ كيان النفس من نحو علاقتها مع الله. لقد إختارته الكنيسة ليكون سفراً للعبادة من خلال صلوات السواعى (الأجبية) التى اوجب مجمع نيقية أن تكون ضمن البرنامج اليومى للمؤمن المسيحى. لقد إختارت الكنيسة سفر المزامير ليكون ضمن مادة القراءة من الكتاب المقدس فى صلوات القداس الإلهى. ففى كل خدمة كنيسة – ليس فقط خدمة الأفخارستيا ولكن كل خدمة كنسية أخرى – لابد أن يسبق قراءة الإنجيل قراءة من سفر المزامير. ولقد اختار أباء الكنيسة سفر المزامير ليكون سفر التسبيح، وإذ الخليقة نائمة تقوم الكنيسة لتسبح الله بما أوصاه الروح القدس فى سفر المزامير.

لذلك كان سفر المزامير هو سفر المشاعر، مشاعر الفرد، ومشاعر الجماعة، إنها مشاعر مقدمة لله، هى مشاعر حقيقية، مشاعر توبة، ومشاعر متكاملة تحوى كل تفاعلات الإنسان، وكل الظروف التى تواجهه. وسنبدأ بالحديث عن مشاعر الفرح التى تملأ كيان الفرد وكيان الكنيسة، إنها مشاعر قد لا نجد ألفاظً نعبر بها عنها، ولكن إذ ننسكب أمام الله فى صلوات وتسابيح المزامير فإننا نجد المادة التى نعبر بها عن مشاعرنا. وعندئذ تتلاقى مشاعرنا مع مشاعر الله نحونا. إن كان الله حب فنحن نفرح بهذا الحب. وإن كان الله أباً يفرح بنا، فنحن بنين نفرح بأبوته لنا، كما هو أب يفرح ببنوته له.. إنها مشاعر الفرح التى تخلق فينا القوة والقدرة ولذلك يقول الرب فى سفر التثنية "لا تكون إلا فرحاً" (تث 16: 15). فالفرح فى الإنسان، وقدرة على العمل، وقدرة على استمرارية العبادة، ولذلك يقول المرنم "أعبدوا الرب بالفرح".

إن الفرح هو عبور الإنسان من كل ما هو زائل، للدخول فى مجال الأبدية والفرح والنعيم الدائم. لذا لن يختبر الفرح مشاعره إلا من عبر من ظلمة الجسد بغرائزه، والعالم بمباهجه للدخل فى الملكوت والاستعداد له. إن كان الملكوت هو "فرح لا ينطق به ومجيد" فإن مشاعر الفرح هى مشاعر الاستعداد للملكوت، وانتظار الملكوت، والتوبة عن كل ما يحرمنا من الملكوت. إن مشاعر الفرح هى مشاعر الإغتسال من كل ما لوثتنا به الخطية. سواء كانت خطية فكر أو خطية لسان أو خطية فعل. أما ا لزنا بكل صوره وأشكاله وأفكاره وكلماته وحواسه ودرجاته فهو الحرمان من الفرح الحقيقى، لذلك مشاعر الفرح هى مشاعر الخلاص من الماضى الذى نحمله على أكتافنا والذى يحاربنا به عدو الخير ليفقدنا الفرح الحقيقى. أما الهموم واللهو بهذه الحياة الزائلة فهى حيلة من شباك عدو الخير لكى يبعدنا عن الفرح الحقيقى. لذلك يجب أن ننفض التراب الذى علينا لكى ننسى هموم الحياة. ملقين كل همومنا عليه. عالمين أن هموم الحياة كلها تشبه من يعمل فى نقل التراب والطين والفحم والرماد، فلابد أن يتسخ طالما هو يعمل فى هذه الأمور التى تسبب وسخ من يعمل بها. أما المال والغنى لما زادت فى حياتنا كلما قل الفرح. وكأنها أعباء على كاهل الإنسان!!! نعود إلى مشاعر الفرح إنها مرتبطة بالرب وبالعبادة والعلاقة معه. ولقد اختبر داود النبى مشاعر الفرح هذه وسجلها فى سفر المزامير لكى لا نحرم منها. وها نحن نطوف بين المزامير حتى نلتقط منها بذار الفرح ونضعها فى قلوبنا حتى نحيا فى الفرح الحقيقى الذى لا يشوبه كدر!!!

إن الملكوت والأبدية والشركة مع الرب يسوع المسيح هى الحياة التى بلا حزن ولا وجع ولا صراخ، لذلك يجب أن ندرب أنفسنا هنا حتى يكمل فرحنا، وتكمل أفراحنا فى الأبدية، مع أحبائنا ومع أولادنا الذين نعدهم ونعد أنفسنا معهم لكى نهيئ للرب شعباً مستعداً!!

نطلب من الرب أن يبارك هذا الكتاب لكى يكون لنا.

نصيب فى فرح الرب وفى شركة الرب وملكوته.

بصلوات القديسة العذراء مريم وصلوات البابا شنودة الثالث أدام الله حياته.

القمص اشعياء ميخائيل.

(1) الفرح الكاذب

"ليخجل معاً الفرحون بمحبتى" (مز 35: 25)

"جعلت سروراً فى قلبى أعظم من سرورهم" (مز 4: 7)

"ومعذبون سألونا فرحاً قائلين رنموا لنا من ترنيمات صهيون (مز 137: 3)

الفرح الكاذب مصدره الشيطان، ومصدره الخطية، ومصدره الأنانية والغرائز التى تعمل فينا. هو فرح خادع له نشوة وسرور، ولكنه كثيراً ما يفنى ويتلاشى ويتبدد كما يقول الكتاب أن "فرح الفاجر إلى لحظة" (أى 20: 5) فهو إن كان فرحاً ولكنه فرح زائل وفرح مؤقت وفرح خارجى لا يدخل إلى القلب قط.

أما الفرح الحقيقى فإن مصدره الله ومكانه القلب المشاعر، ويستمر رغم الضيق الخارجى. هو فرح قال عنه الرب يسوع المسيح.

"لا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 16: 22)

وإن كان الفرح الكاذب يجذب الإنسان نحو الخطية، فإن مرارة القلب التى تكتوى بذلك الفرح الكاذب، تمنع الاقتراب من مصادر الفرح الحقيقى ألا وهو الله مانح السلام والفرح: وها هى مصادر الفرح الكاذب:

1 - الفرح الكاذب بسبب الخطية:

(وخصوصاً خطية الزنا بكل أشكالها وأنواعها) ولأن الشيطان يعلم جيداً أن خطية الزنا بكل صورها وأشكالها إنما تطرح من لم يتوب عنها فى الجحيم. فهو يحاول أن يسهل إرتكابها، ويسهل الوصول إليها، ويمنح الاغراء والنشوة والفرح بارتكابها. ولكن ليت الذين يمارسونها يسألون أنفسهم جيداً: هل يوجد سلام وفرح بعد ارتكابها؟ ربما يستلزم الامر وقتاً طويلاً للاقلاع عن إدمان الممارسات الجنسية الخاطئة. ولكن الصلاة من أجل التوبة، والصراخ إلى الله يجعل الارادة تتقوى والتوبة تمنح فى داخله الامكانيات الالهية الممنوحة للإنسان.

وعندئذ مع أفراح التوبة نقول.

"جعلت سروراً فى قلبى أعظم من سرورهم" (مز 4: 7)

لأن فرح التوبة أقوى من فرح الخطية الكاذب. لأن فرح التوبة دائم بينما فرح الخطية كاذب وفانِ.

2 - الفرح الكاذب بسبب الامتلاك:

إن الإنسان بطبيعته البشرية الضعيفة يريد الأمان والطمأنينة خلال الامتلاك. ويا ليت الإنسان يكتفى بما يملك، ولكنه دائماً يريد المزيد ويريد أن يخلد فى الأرض. ولكن لأن الإنسان مخلوق إلهى معّد للأبدية ولذلك يقول الرسول يعقوب.

"تشتهون ولستم تمتلكون... تطلبون ولستم تأخذون..." (يع 4: 2 - 3).

ولذلك فرح الزهد والنسك أكثر من فرح الامتلاك والاشتهاء. وبالطبع إن فرح العطاء أكثر من الأخذ متذكرين كلمات الرب يسوع أنه قال "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع 20: 35) ولقد اختبر القديس بولس فرح الزهد أكثر من فرح الامتلاك حين قال: "كفقراء ونحن نغنى كثيرين. كأنه لا شئ لنا ونحن نملك كل شئ" 02كو 6: 10).

3 - الفرح الكاذب بسبب الانتقام.

كثيراً ما يملأ قلب الإنسان الرغبة فى الانتقام نتيجة مرض الحساسية وكبرياء الذات. فيحاول الإنسان أن يقاوم الشر بالشر، وأن يقابل الخطأ بخطأ مماثل أو أقوى منه. وكثيراً ما يفرح الإنسان حين يسئ معاملة الأخرين رداص على معاملتهم وسلوكهم غير الحسن معنا. ولكن هناك فرح آخر عبر عنه الكتاب حين قال.

"أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم" (مت 5: 44)

ولا شك أن الذى اختبر الحب والبركة والإحسان والصلاة إنما هو اختبر الفرح أكثر من الذى اختبر الكراهية والبغضة ورد الشر بالشر. نعم إن فرح التسامح والغفران أعظم من فرح الانتقام والكراهية والبغضة!!

4 - الفرح بمصائب الآخرين:

هنا الفرح الكاذب حين يفرح الإنسان بمصائب الآخرين وفشلهم. وهذا اهو الابتعاد عن المسيح الذى أمرنا بالفرح مع أفراح الآخرين وبالبكاء مع أحزان الآخرين. أما أن نفرح بمصائبهم، وأن نحزن لأفراحهم فهو الإعلان عن عدم مسيحيتنا قط. لإن المسيح دائماً يدعونا ان نحب قريبنا كنفسنا!! وهل من يفرح بمصائب الآخرين يحب قريبه كنفسه؟!

صلاة

يا رب يا يسوع مصدر الفرح الحقيقى.

ومانح هذا الفرح للتائبين والزاهدين

المتسامحين والمشاركين للآخرين.

امنحنى يا رب هذا الفرح حين أتقوى

بالتوبة، وأزهد فيما هو زائد، وأنوى على

مسامحة المخطئين معى، وأقدم لأشارك

الآخرين فى أفراحهم وفى مصائبهم، لأنه

حينما يتألم عضو واحد فجميع الأعضاء تتألم

معه. ولكن كثيراً ما ينتابنى الفرح الكاذب

بالخطية وذكرياتها الأليمة بالامتلاك

والرفاهية والحقد والكراهية وعدم المشاركة

الفعلية.

ولكن إمنحنى يا رب أن أقترب منك حتى

أستطيع أن أذوق هذا الفرح الحقيقى، وأن

ابتعد أرفض هذا الفرح الكاذهب الذى

يخدعنى به الشيطان.

امنحى يا رب أن أكون معك لأذوق الفرح

الحقيقى الذى لن ينزعه منى أحد!!!

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

(2) أفراح الشياطين

القمص أشعياء ميخائيل - سفر المزامير
القمص أشعياء ميخائيل - سفر المزامير