لماذا لا أحيا عفيفاً مع أننى مؤمن والروح القدس ساكن فىَّ؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا لا أحيا عفيفاً مع أننى مؤمن والروح القدس ساكن فىَّ؟

هذا هو الإيمان المسيحى: إننا قد "دُفنا معه بالمعمودية للموت... عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب ليُبطل جسد الخطية كى لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية" (رو6: 6). لقد نلنا الإنسان الجديد الحُر، لكن حركات شهوة الجسد تحاربنا ونحن غير مستعبدين لها وذلك، كقول أغسطينوس، بجهادنا المرتكز على عمل النعمة. فبالروح نرفض حركات الشهوة ولا تطيع أعضاؤنا شهوة الجسد.

أ. نرفض حركات الشهوة، ولا نوافقها، إذ صارت إرادتنا صالحة، وبالروح القدس قادرة، رغم هجومها حركات الشهوة المستمر. وهكذا نقول مع الرسول: "أشكر الله بيسوع المسيح. إذا أنا نفسى بذهنى أخدم ناموس الله، ولكن بالجسد ناموس الخطية" (رو7: 25). بمعنى إننى بالروح أريد الخير وأخدم ناموس الله، لكن حركات الشهوة التى فى الجسد تحارب فى أعضائى دون أن تستعبدنى.

ب. عدم طاعة أعضائنا لشهوة الجسد: لقد صُلبت شهوة الجسد، إذ صُلب إنساننا العتيق، لكن حركاتها المصلوبة لا تكف عن المصارعة. وعملنا نحن بالروح القدس ألا تطيعها أعضاء جسدنا "لأنه كما قدمتم أعضاءكم عبيداً للنجاسة... هكذا الآن قدّموا أعضاءكم عبيداً للبرّ والقداسة" (رو6: 20).

لقد مُت مع المسيح وقُمت بذهنك معه، لكن لا تكف عن الجهاد لاغتصاب الملكوت برفضك فكر الشر وحركاته وعدم إخضاع أعضائك له.

فبعدما أكد الرسول "أن إنساننا العتيق قد صُلب ليبطل جسد الخطية كى لا نعود نُستعبد للخطية"، عاد ليأمرنا فى نفس الموضوع "احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية (أى لا توافقوها) إذ لا تملكن الخطية فى جسدكم المائت لكى تطيعوها فى شهواته. ولا تُقدموا أعضاءكم آلات إثم للخطية بل قدّموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات وأعضاءكم ألات برّ الله" (رو6: 13).

إن من مات مع الرب يسوع وقام معه بذهنه، يلزمه ألا تملك الخطية عليه وذلك بالجهاد والتغصب، إذ "من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (1كو10: 12). وفى هذا يحدثنا الرسول: "يا أولادى أكتب إليكم هذا لكى لا تُخطئوا (اى كأولاد لله جاهدوا بالروح القدس ضد الخطية). وإن أخطأ أحد، فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا" (1يو2: 1 - 2).

هذا هو مفهوم الحياة مع المسيح، سعى مستمر بقوة النعمة نحو حياة القداسة، مع عدم السقوط فى اليأس وفقدان الرجاء فى مراحم الله، حتى إن تعثر أحد وسقط. يقول الرسول: "وإنما أقول اسلكوا بالروح فلا تُكملوا شهوة الجسد" (غلا5: 16)، وهو بهذا يُحذرنا من حركات الشهوة المضادة لنا لئلا نُكملها. وفى موضع آخر يحدثنا الرسول قائلاً: "لأنكم قد مُتم وحياتكم مستترة مع المسيح فى الله" (كو3: 3) ومع ذلك يعود فيأمرنا قائلاً: "فأميتوا أعضاءكم التى على الأرض الزنا والنجاسة. الهوى والشهوة الردية الطمع الذى هو عبادة الأوثان" (كو3: 1 - 5).

لقد "مُتنا" فكيف يقول "أميتوا أعضاءكم"؟ حقاً إن من مات مع ربنا يسوع وحياته مستترة مع المسيح فى الله، يلزمه ألا يرتكب هذه الشرور من زنا ونجاسة وهوى الخ لكن حركات شهوة الجسد تحاربه دون أن تستعبده مادام على الدوام سالكاً فى طريق التوبة الدائمة رافضاً حركات الشهوة غير خاضع لها بأعضائه. إنه يردف للحال مطالباً إياناً "وأما الآن فاطرحوا عنكم أنتم أيضاً الكل... إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذى يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كو3: 8 - 11). باختصار، العفة ليست صعبة لأنها عمل الله فى حياتك، وإن كان الله قد وهبك توبة، فجاهد خاضعاً للرب حتى لا تفقد ما قد نلته بل يتجدد إنسانك الجديد – الذى نلته بالمعمودية – للمعرفة حسب صورة خالقه.

ما معنى قول الرسول “وإنما أقول اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد” (غل16:5)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما معنى قول الرسول "وإنما أقول اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد" (غل5: 16)؟

لقد مُسحت أعضاؤك بزيت الميرون، وسكن فيك الروح القدس، وتقدست وتخصصت للرب وحده. فبقدر ما تخضع متجاوباً مع الروح القدس، تكون أعضاؤك مُقدسة له ومعيناً لك فى طريق الحياة. كمثال: غريزة الحب التى تستخدمها كآلة إثم للموت، تجعلك بالروح القدس عاشقاً للرب وآلة برّ تثمر لله. وغريزة الغضب تثيرك ضد أخيك، لكن إن جاهدت مُسلماً إياها للروح القدس، فإنك تثور ضد نفسك وخطيتك وشهوتك. وغريزة الخوف فى حياة المجاهدين، بالروح القدس لا تكون مصدر رعب وخوف من النار بل تقول: "يفرح قلبى عند خوفه من اسمك" (مز86: 11).

إن هذه الآلات التى كانت قبلاً تُستخدم للإثم، تصير آلات برّ الله. لقد صارت أعضاؤك أعضاء المسيح (1كو6: 15)، لها قُدستها وقيمتها.

ما دام يطلب تقديسنا، فلماذا وهبنا الجسد بغرائزه؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما دام يطلب تقديسنا، فلماذا وهبنا الجسد بغرائزه؟

لا تخف فإن هذا الجسد، وتلك الدوافع والعواطف والانفعالات هى ليست من صنعك، بل من خلق إله صالح مُحب للبشر لا يصنع إلا الخير. هذه الطاقات التى تُحطم علاقاتك بالرب، هى التى تعينك فى طريق الرب، متى سُلمت فى يدى الروح القدس. فالجسد وكل ما فيه هو، كقول الذهبى الفم، [القيثارة التى فى يد العازف، والسفينة التى فى يدى الربان، مُعين للنفس ونافع له إن أحسن استخدامه]. لقد دخلت الخطية إلى الإنسان، نفسه وجسده معاً، ففسد الإنسان كله، لكن إذ الجسد الجانب الأضعف، نُسبت أعمال الشر إليه، ولقب الإنسان فى الخطية أنه "جسدانى". لقد اختل توازن الإنسان، وصار بلا ضابط، واحتاج إلى مُعين يسند النفس فى قيادة الجسد، والجسد فى خضوعه للنفس... هذا المُعين هو الروح القدس.

ما هى حياة العفة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى حياة العفة؟

يقول القديس أغسطينوس: [ليس كل من يضبط نفسه أو يمنع نفسه عن الشهوات أو يبحث عن العفة هو "عفيف"، لأن كثيرين بحثوا عن العفة واقتنوا شيئاً آخر غير العفة].

العفة هى عطية الله، الذى يريدك أن تكون مُقدساً كما هو قدوس (1بط1: 16)، وإذ يعلم بضعفك وعجزك، لا يطلب منك أن تقتنى شيئاً من ذاتك. إنما يريد أن يهبك "العفة" التى من عنده. إنك عروس الرب يسوع، وهو كعريس مُحب للبشر، يود قداستك، ويهتم بك أكثر من اهتمامك بنفسك... الرب يسوع هو قداستك، "دفنا معه بالمعمودية للموت... عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليبطل جسد الخطية كى لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية" (رو6: 4 - 6). وإذ هو يعلم أنك تعجز بذاتك عن تقديس نفسك وجسدك، وهبك فى سرّ الميرون الروح القدس النارى القادر أن يحرق أشواك الخطية. حياة العفة هى عمل الروح القدس، إذ يقود قلوب المجاهدين، يُبكت قلبك، ويمسك بيدك، ويسير معك فى طريق الرب المصلوب القائم من بين الأموات. يا إنسان الله لا تخف من نيران الخطية، فإن الذى غير طبيعة النار بالنسبة للثلاثة فتية، إذ هم اتكلوا عليه، فكان ابن الله يتمشى معهم فى الأتون كما فى فردوس مُمتع. هو نفسه ساكن فيك، يحرق نيران الشهوة.

هل أستطيع أن أحيا عفيفاً؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل أستطيع أن أحيا عفيفاً؟

جبل الله الإنسان، وفيه حنين داخلى نحو حياة السمو والطهارة. يود أن يعلو فوق كل الشهوات، وأن يطأ تحت قدميه الملذات الجسدية. فحتى الزناة المنحرفين فى تيار الخطية العنيف، المُتلذذين بشهواتها، والمنحنين بكل طاقتهم لأجل إشباع شهواتهم، أحياناً وهم فى ألذ فترات الشهوة، يتحسسون فى داخلهم برغبة سرية عميقة تطالب بحياة النقاوة والعفة. فالعفة كما يعرفها القديس يوحنا الدرجى هى [إننا نلبس الطبيعة الملائكية: هى مسكن مستمر للسيد المسيح، ونعيم للقلب وسط هذه الحياة. هى إنكار غير طبيعى للطبيعة]. لكن مع كل هذه الاشتياقات لا يزال يظن البعض أنها مُجرد كلمات لا وجود لها إلا فى قاموس اللغة أو فى خيال المُتدينين وكتاباتهم، أو هى حياة الأطفال الصغار أو الرجال العاجزين أو الرهبان المتوحدين البعيدين عن الشر، أو ربما تخص الملائكة والسمائيين وحدهم. من أجل هذا كثيراً ما يتساءلون:

  1. لماذا يُطالبنا الله بأمر نعجز عن تحقيقه؟
  2. وهل يريد الله أن يُضايقنا؟
  3. ولماذا خلق لنا جسداً بغرائزه؟
  4. وهل يقدر الإنسان السوى أن يضبط نفسه أمام الإغراءات وشهوة الجسد؟
  5. وما الداعى لحياة عفة تحرم الإنسان من إشباع شهواته وغرائزه كيفما تريد؟!

إننا نذكر حديث القديس أغسطينوس الذى اختبر الخطية فى أبشع صورها، ولو أنه على حد تعبيره كان كثيراً ما يقول: أعطنى يا رب حياة الوداعة والعفة ولكن ليس الآن، لأننى لا أريد أن أحرم من لذة الخطية رغم مرارتها، ولا يود جسدى أن يتخلص منها، وأتصور كأن لا وجود لى بدونها. كذلك اختبر حياة العفة بل البتولية فى أسمى درجاتها إذ عشق الرب، وأحبه، وجذب كثيرين إليها.

كيف جذبت الطهارة والبراءة والعفة الوثنيين لقبول الإيمان المسيحى فى الكنيسة الأولى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف جذبت الطهارة والبراءة والعفة الوثنيين لقبول الإيمان المسيحى فى الكنيسة الأولى؟

يمتدح العلامة أثيناغوراس الطهارة كإحدى ثمار الحياة المسيحية الجليلة موضحاً الهدف الإيجابى منها، فيقول: "فى وسطنا رجال كثيرون ونساء كثيرات غير متزوجين وهما يمارسون حياة أعماق مع الله". ووضع الشهيد Apoolloniusمن الأشراف قائمة بالفضائل للحاكم برينيس Perennis: [علمنا (يسوع) أن نترك الغضب، وأن نلجم جشعنا، ونسيطر على اللذة، وننزعه الحزن عنا، وأن نجعل ممتلكاتنا للنفع العام، وننمى الصداقة، ونزيل كل تباهِ، لا نطلب الانتقام لمن يؤذينا، ونستخف بالموت الذى يصدر بالحكم علينا، إذ نحن ضحايا الظلم – نحتمل الظلم ولا نستسلم له – نطيع الناموس الإلهى، نكرم الإمبراطور، نعبد الله الخالد وحده، نؤمن بخلود النفس والدينونة بعد الموت[71]].

جاء فى كتاب الراعى لهرماس الخطوط العريضة لقواعد الفضائل: [تولد العفة عن الإيمان، ومن الإيمان البساطة، ومن البساطة البراءة، ومن البراءة الطهارة، ومن الطهارة المعرفة، ومن المعرفة التهذيب والمحبة[72]].

يقول العلامة أوريجينوس: [قبلاً كنت تجرى نحو الهيكل (الوثنى)، الآن تجرى نحو الكنيسة. أولاً كنت تسفك دمك، الآن تحرر دماء الآخرين. كنت قبلاً تبدد ثروة الغير، الآن تعطى ممتلكاتك للآخرين، قبلاً كانت عيناك تتطلعان إلى النساء والأمور الأخرى مشتهياً بنظراتك، والآن تدع عينيك تتطلعان إلى الفقير والضعيف والبائس لتعزيتهم... لسانك الذى كان قبلاً ينطق ببذاءة الآن يبارك الله ويعلن الحق[73]].

يقول القديس باسيليوس الكبير: [نجد هنا تعليماً بأن ندهش من أجل هبات الله غير المنطوق بها فى المسيح يسوع وبخوف أعظم أن نتطهر من كل دنس الجسد والنفس[74]]. ويقول القديس أغسطينوس: [العفة الحقيقية هى التى من فوق، وهى لا تتم بنزع الخطايا بخطايا، بل بشفاء الشرور بالخير[75]]. ويقول القديس غريغوريوس النزينزى: [هذه الثلاثة أمور يطلبها الله من كل إنسان من بنى المعمودية: إيمان صحيح فى القلب، وصدق فى اللسان، وطهارة الجسد وعفته]. ويقول القديس مرقس الناسك: [نحن الذين وهبت لنا الحياة الأبدية نصنع الأعمال الصالحة لا لأجل الجزاء، بل لحفظ النقاوة التى وُهبت لنا].

يقول القديس غريغوريوس النيسى: [يظهر أنه ليس ممكناً للنفس أن تتحد بالله غير الفاسد بأية وسيلة ما لم تصر تقريباً طاهرة خلال عدم الفساد، حتى تنعم الشبه بالشبه، وتقيم نفسها كمرآة تتطلع نحو نقاوة الله، فيتشكل جمال النفس بالشركة فى الجمال الأصلى والتمتع بانعكاسه عليها[76]].

[مادمنا قابلين للتغيير فالأفضل أن نتغير إلى ما هو أفضل: "من مجد إلى مجد" (2كو3: 18). وهذا يجعلنا نتقدم دائماً نحو الكمال بالنمو اليومى، مع عدم الاكتفاء بحدود مُعينة نحو الكمال، يعنى عدم التوقف نحو ما هو أفضل، وعدم وضع أية حدود نقف عندها فى نمونا[77]].

[نحن نرى الآن العروس يقودها الكلمة إلى أعلى درجات الفضيلة، إلى علو الكمال. فى البداية يرسل لها الكلمة شعاعاً من نور من خلال شبابيك الأنبياء وكوى الوصايا. ثم يشجعها على أن تقترب من النور، وتصير جميلة بواسطة تحولها إلى صورة الحمامة فى النور. وفى هذه المرحلة تأخذ العروس من الخير قدر ما تستطيع. ثم يرفعها الكلمة لكى تشارك فى جمال أعلى لم تتذوقه من قبل. وبينما هى تتقدم تنمو رغبتها فى كل خطوة، لأن الخير غير محدود أمامها. وتشعر باستمرار مع حلول العريس معها انه قد أبتدأت صعودها للتوّ فقط. لذلك يقول الكلمة للعروس التى أقامها من النوم: "انهضى". وإذ جاءت إليه يقول لها: "تعالى" (نش2: 10)، لأن الشخص الذى دعاها للنهوض بهذه الطريقة فى استطاعته أن يقودها إلى الارتفاع والنهوض بها إلى مستوى أعلى. الشخص الذى يجرى نحو الله ستكون أمامه مسافات طويلة. لذلك يجب علينا أن نستمر فى النهوض، ولا نتوقف أبداً عن التقرب من الله. لأنه كلما قال العريس: "انهض" و "تعال" فإنه يعطى القوة للارتفاع لما هو أفضل. لذلك لابد أن تفهم ما يأتى بعد فى النص. عندما يحفز العريس العروس الجميلة لكى تكون جميلة فهو يُذكرنا حقاً بكلمات الرسول الذى يطلب منا أن نسلك سلوكاً فاضلاً، لكى نتغير من مجد إلى مجد (2كو3: 18). وهو يعنى بكلمة "مجد" ما فهمناه وحصلنا عليه من بركة فى وقت من الأوقات، ولا يهم مقدار ما حصلنا علين من مجد وبركة وارتفاع، لأنه يعتقد أننا حصلنا على أقل مما نأمل فى الحصول إليه. ولو أنها وصلت إلى جمال الحمامة بما قد حققه إلا أن العريس يأمرها بأن تكون حمامة مرة أخرى بواسطة تحولها إلى شئ أفضل. فإذا حدث ذلك فإن النص سوف يُظهر لنا شيئاً افضل من هذا الاسم "حمامة" (نش2: 14) [78]].


[71] Acta Apoll. , 37.

[72] Hermas: Pastor, visions 8: 3, 7.

[73] In Epist. Ad Rom. , 4: 6.

[74] Concerning Baptism 2: 1.

[75] - العفة للقديس أغسطينوس، 28.

[76] Concerning Virginity 11. PG 368: 46 BC.

[77] - من مجد إلى مجد، تعريب القمص إشعياء ميخائيل، 1984، فصل 1: 2.

[78] Commentary on Song of Songs, Homily 5.

ما هى فضيلة العفة والطهارة ؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى فضيلة العفة والطهارة؟

الطهارة من الجانب الإيجابى هى شركة مع القدوس، حتى نصير أيقونة للعريس السماوى، فلنتأهل للعُرس بكوننا العروس المقدسة الطاهرة الكاملة، للعريس القدوس الكامل. فالطهارة هى هبة الله الآب لنا فى ابنه القدوس خلال عمل روحه القدوس.

الطهارة أو نقاوة القلب تمسّ كل كيان الإنسان: نفسه كما جسده، عقله كما عواطفه، قدراته وطاقاته، أفكاره وكلماته كما أفعاله. حياة واحدة فى المسيح القدوس تُعلن خلال كياننا كله، حيث يعتز المؤمن بصورة الله التى جُبل عليها وأعيدت إليه بالصليب بعد أن أفسدتها الخطية.

للأسف كثيراً ما يتطلع الإنسان إلى الطهاة فى سلبية، وكأنها هى امتناع عن الممارسات الجسدية الخاطئة، والأفكار الشريرة، والكلمات غير اللائقة، وكل التصرفات الدنسة. ونحن بهذا نهين الطهارة، إذ نحسبها كأن لا وجود لها بل للدنس والنجاسة وجود، وفى غيابهما نُحسب طاهرين. لكن مسرة الله أن يرى فى أولاده أن يكونوا أطهاراً فى كل شئ كما هو طاهر (1يو3: 3)، وكاملين كما هو كامل (مت5: 48)، وقديسين لأنه هو قدوس (لا11: 44 - 45).

يقول الأب خروماتيوس: [يظهر الرب أن الشعب النقى القلب هو مطوّب. إنهم هؤلاء الذين إذ يعيشون بالإيمان بالله بذهن نقى وضمير بلا غضن، يرجون الحق فى رؤية إله المجد فى الملكوت السماوى العتيد. وكما يقول الرسول إنه ليس فى مرآة فى لغز لكن وجهاً لوجه (1كو13: 12) [70]].


[70] Tractate on Matt, hom 6: 17: 3 - 4.

ما هى فضيلة إكرام الوالدين؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى فضيلة إكرام الوالدين؟

تركت الحديث عن فضيلة إكرام الوالدين والطاعة لهما حتى النهاية، إذ أعطاها الكتاب المقدس اهتماماً خاصاً، إذ يقول الرسول: "أكرم أباك وأمك التى هى أول وصية بوعد" (أف6: 2).

هذه الوصية ينقشها الناموس الطبيعى فى القلب، إذ يشعر الأولاد بالتزام طبيعى بالطاعة للوالدين خلال قرابة اللحم والدم القوية وشعور الأولاد ما يحتمله الولدان من أتعاب وأسهار من أجل أولادهما. لا يوجد من يحب للإنسان الخير والتقدم والنجاح أكثر منهما. وهب الله الأم أن تتعب بسرور وبهجة من أجل أبنائها. يُقدم الله حبها لأولادها كتشبيه لرعايته الساهرة لنا "هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى هؤلاء ينسين، وأنا لا أنساك" (إش49: 15). وقد جاء الناموس الموسوى يعلن هذه الوصية ويُشدد عليها (خر20: 12؛ تث5: 16؛ 27: 16). وإذ فشل الإنسان فى إتمام هذه الوصية الطبيعية، أعطاها الرب أولوية حتى عند تقديس سبوته، إذ قيل: "تهابون كل إنسان أمه وأباه وتحفظون سبوتى، أنا الرب إلهكم" (لا19: 2)، كما قدّم تهديدات قاسية ضد كاسرها:

"من ضرب أباه أو أمه يُقتل... ومن شتم أباه وأمه يُقتل قتلاً" (خر21: 15، 17؛ لا20: 9).

"ملعون من يستخف بأبيه أو أمه، ويقول جميع الشعب آمين" (تث27: 16).

"من سبّ أباه أو أمه ينطفئ سراجه فى حدة الظلام" (ام20: 20).

"العين المستهزئة بأبيها والمحتقرة طاعة أمها تقورها غربان الوادى وتأكلها فراخ النسر" (أم17: 30).

أخيراً لم يترك الله الإنسان تحت هذه العقوبات المُرة، فجاء الابن الوحيد الجنس نفسه نائباً عن البشرية يُعلن كمال الطاعة لأبيه حتى الموت موت الصليب (فى2: 8)، بل وخضع للقديسة مريم أمه حسب الجسد وليوسف البار الذى تبناه (لو2: 51)، فصار مثلاً حياً لنا.

يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [فضيلة المسيحيين الأولى هى إكرام الوالدين ومكافأتهم عن متاعب من أنجبوهم، مقُدمين لهم كل راحة قدر ما يستطيعون... فيستريحون بالراحة التى نُقدمها لهم، وعندئذ يثبتون لنا البركات التى نالها يعقوب بمكر عوض أخيه، ويتقبل أبونا السماوى هدفنا الصالح، ويحكم علينا باستحقاق أن "يضئ الأبرار كالشمس فى ملكوت أبيهم" (مت13: 43)، الذى له المجد مع الابن الوحيد مخلصنا يسوع المسيح ومع الروح القدس المحيى الآن وإلى الأبد وإلى أبد الأبد[66]].

ويقول العلامة أوريجينوس: [لنتعلم يا أحبائى الخضوع لوالدينا... خضع يسوع وصار قدوة لكل الأبناء فى الخضوع لوالديهم أو لأولياء أمورهم إن كانوا أيتاماً... إن كان يسوع ابن الله قد خضع لمريم ويوسف، أفلا أخضع أنا للأسقف الذى عينه لى الله أباً؟!... إلا أخضع للكاهن المختار بإرادة الله؟! [67]] ويقول القديس أغسطينوس: [كان العالم خاضعاً للمسيح، وكان المسيح خاضعاً لوالديه[68]].

فى رسالة كتبها القديس جيروم إلى أم وابنتها قام بينهما نزاع جاء: [كان الرب يسوع خاضعاً لوالديه، لقد احترم تلك الام التى كان بنفسه أباً لها. لقد كرم أباه حسب التبنى هذا الذى كان المسيح نفسه يعولها! حقاً، إننى لا أقوم للأم شيئاً، لأنه ربما يكون فى كبر سنها أو ضعفها أو وحدتها ما يعطيها عذراً كافياً لكننى أقول لك أيتها الابنة: هل منزل أمك أصغر من أن يحتملك، هذه التى لم تكن بطنها صغيرة عن حملك؟! [69]].

وضع الرب إكرام الوالدين فى مقدمة الوصايا الخاصة بعلاقتنا بالآخرين، فيأمرنا بإكرامنا لهما قبل أن يوصينا "لا تقتل" أو "لا تزن" الخ... هى الوصية الوحيدة والمقترنة بمكافأة أو وعد (أف6: 2). وأعطى للأبناء حق التفاهم مع الوالدين، والطاعة فى الرب (أف6: 1)، وليس الطاعة المطلقة إذ أساء بعض اليهود فهمها.


[66] - مقال 7: 16.

[67] - راجع للمؤلف: إنجيل لوقا (تفسير 2: 49).

[68] Ser. On N. T. lessons 1.

[69] - للمؤلف: الحب العائلى، 1970، ص64، 63.

ما هو موقف الكنيسة والمؤمن من الفساد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف الكنيسة والمؤمن من الفساد؟

يدعونا السيد المسيح إلى محبة الأعداء وعدم الإدانة، فيهتم المؤمن بتقديس أعماقه الداخلية بالالتصاق بالقدوس لا بإدانة الغير. هذه المحبة تتفاعل مع الحق، فعندما تعدى عبد رئيس الكهنة على السيد المسيح، اعترض السيد المسيح الذى سيُصلب عن هذه العبد، قائلاً: "إن كنتُ قد تكلمت ردياً، فاشهد على الردى، وإن حسناً، فلماذا تضربنى؟" (يو18: 23) فلا يليق بالمؤمن المداهنة على حساب القداسة. إن كانت الكنيسة لا تُقحم نفسها فى السياسة، غير إنها تسند شبابها للتمتع بشخصية سوية، لا تقبل الفساد، فمن حق الشباب أن يشترك فى الاحتجاج على الفساد، بأسلوب روحى ومملوء حباً بحزم وشجاعة، دون أن تمتد يده إلى العنف والتخريب! أيضاً من حق الكنيسة كما المؤمنين ألا ينعزلوا بسبب ما يُعانوه من ظلم، بل بروح الحوار السليم يطالبون المسئولين برفع الظلم عنهم، دون الدخول بروح العداوة أو العنف.

مصدر الحياة المقدسة هو الله القدوس، يهبها لمن بإيمان وإخلاص يطلب أن يعمل فيه وفى أسرته وجيرانه وكل البشرية، مُجاهداً بالصلاة والأصوام وبالحب مع القدوة الصالحة. لذلك قيل عن خدام بيت الرب "جبابرة بأس لعمل خدمة بيت الله" (1أى 9: 13). وحين أقيم فينحاس الكاهن رئيساً على جميع حرس بيت الرب، أبرز الكتاب المقدس سلاحه العجيب "والرب معه" (1أى9: 20). معركتنا هى الخلاص من الفساد بتمتعنا بالتوبة الدائمة، والنمو المستمر فى الالتصاق بالقدوس، فنسترد صورة الله المفقودة، ونجتذب نفوس كثيرة لتقبل الله القدوس يملك فيها.

يقول القديس مار يعقوب السروجى: [ليس بالأمر العظيم أن ندعوك أن تبنى مدينة، فلتبن نفسك التى هُدمت أيها التائب، وهذا أمر عظيم. هذه (النفس) هى أعظم من العالم بكل اتساعه، فهى ليست أرفع من مكان واحد بل من جميع الأماكن... أن تبنى أسوار مدينة، لا يستحق هذا مديحاً، أما أن تقوم النفس التى سقطت، فشرف عظيم[65]].


[65] - راجع ميمر بدير القديس مقاريوس على التوبة.

ما هى حدود دور الكنيسة والمسيحى فى السياسة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى حدود دور الكنيسة والمسيحى فى السياسة؟

أ. إن كان يليق بالكنيسة أن تكون خميرة مُقدسة فى العالم، لأجل بنيانه ونموه وتقدمه فى كل جوانب الحياة، لذا يليق بها أن تعرف دورها ومسئوليتها وحقوقها. يلزم للكنيسة كأم للبشرية ألا تنحرف نحو السياسة، فمن جانب قد يدفعها هذا إلى التحيز إلى جماعات او أشخاص على حساب الآخرين. يليق بها أن تحمل أمومة وحُب للجميع، فلا يجوز لها أن تُقيم حزباً سياسياً، ولا أن تدفع أولادها إلى الانضمام إلى حزب مُعين.

ب. يليق بالكنيسة أن تقتدى بخالقها ومُخلصها، فتقّدس حرية الإرادة. إن كان خالقنا والعارف بكل الأمور يترك للإنسان كمال الحرية مع تقديم النعمة الإلهية لمساندته وإرشاده، فلا يشرق شمسه على المؤمنين ويحجبها عن غير المؤمنين، ولا يمطر على الصالحين، ويمنع المطر عن الطالحين. إنه يحب الجميع، ويعطى كل إنسان كمال الحرية ليختار طريقه ومنهجه وسلوكه. هكذا عمل الكنيسة أن تسند كل إنسان ما استطاعت لتكون له الشخصية الناضجة السوية. فيمارس حياته الروحية والاجتماعية والعلمية، ويكون ناجحاً فى كل شئ!

ليس من حق الكنيسة أو أب الاعتراف أن يُحرك الإنسان كما لو كان آلة، بل يحترم إنسانيته ولو كان طفلاً صغيراً. إنه يحترم حرية الإنسان، ويُقدر تفكيره ويسنده ويُعينه فى الحدود اللائقة التى فيها لا يجحد الإنسان ما وهبه الله من عقل وتفكير ومواهب. ليس من حق إنسان مان مهما كان مركزه اجتماعياً أو كنسياً أن يُلزم آخر أن يضم إلى حزب سياسى مُعين أو ينسحب منه.

ج. يليق بالقادة الكنسيين أن يُشجعوا دون إلزام من جانبهم على تفاعل المسيحى مع المجتمع الذى يعيش فيه، بطريقة إيجابية. على الكنيسة إدراك دور الله القدوس فى حياة البشرية. كلما تقدّست الكنيسة وصارت فى مخافة الله بروح الحُب مع التواضع، فإنها تتفاعل بحق مع البشرية، وتصير سر بركة وسنداً حقيقياً للشخص كما للأسرة والمجتمع بل وللعالم.

د. دور الكنيسة هو الصلاة من كل القلب من أجل الدولة والقادة فى جوانب أعمالها، وسلام العالم كله، وتشجيع أولادها على ذلك، لكى يعمل الله ويوجه القادة بما فيه بنيان للجميع.