ماهى طبيعة الجسم القائم من الأموات وما هى سماته؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماهى طبيعة الجسم القائم من الأموات وما هى سماته؟

إنه جسد جديد لكنه ليس خليقة جديدة، من الناحية العضوية يمت بصلة للجسد القديم وإن كان بينهما ارتباط كما بينهما اختلاف. وذلك مثل حبة القمح الذى تُزرع وتأتى بسنبلة، أو كالشخص المولود كاملاً الذى كان جنيناً فى بطن أمه.

فى يوم الرب ستُجمع أعضاء الجسد الموجودة فى القبر أو التى تحلّلت ويُعاد بنائها كجسم جديد، حتى تلك الأعضاء التى لا يعرف الإنسان من أين جمعها الرب، فإن الله لا يجهلها ولا يصعب عليه جمعها، أينما تبعثرت. يجمعها الرب بطريقة سرية، فتقوم بغير فساد، ويُحسب الجسم غريباً بالنسبة لهذا العالم الحاضر.

يقوم الجسد بسمات جديدة تليق بالحياة الأبدية. هذا الأمر يبقى لنا سراً يفوق قدراتنا البشرية التعرف عليها.

تحدث رب المجد عن هذا التغير، قائلاً: "لأنهم فى القيامة لا يُزوجون ولا يتزوجون كملائكة الله فى السماء" (مت 22: 30). إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضاً، لأنهم يصيرون مثل الملائكة، وهم أبناء الله، إذ هم أبناء القيامة "(لو 20: 36). ويقول الرسول بولس:" الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة، والله سيبيد هذا وتلك "(1 كو 6: 13).

أولاً: بلا فساد (1 كو 15: 42). يقول الرسول: "هكذا أيضاً قيامة الأموات: يُزرع فى فساد، ويقام فى عدم فساد". جاءت كلمة "يُزرع" كتعبير مُبهج عوض "يُدفن".

"يُزرع فى فساد" إذ يتعرض الجسم للانحطاط والفساد والانحلال. "ويُقام فى عدم فساد"، كجسد مجيد لن يخضع بعد إلى فساد أو انحلال أو موت. يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [سيقوم هذا الجسد ولكن ليس فى ضعفه الحالى. سيقوم نفس الجسم ولكن بعد إزالة الفساد وتحوله، وذلك كالحديد الذى يصير ناراً عندما يتحد بالنار، وذلك كما يعرف الرب الذى يقيمنا. إذن هذا الجسد سيقوم، ولكن لن يبقى فى وضعه الحالى بل يصير جسداً أبدياً. لا يعود يحتاج إلى قوت للحياة كما الآن، ولا إلى درجات يصعد عليها. يصير روحياً، إنه أمر عجيب، نسأل أن نتعرف على وضعه[131]].

يقول القديس أغسطينوس:

[مع أن القديسين روحيون فى الذهن إلا أنهم لا يزالوا جسديين فى الجسد القابل للفساد الذى يبقى ثقلاً على النفس. إنهم سيصيرون روحيين أيضاً فى الجسد عندما يُزرع الجسد الحيوانى ويقوم جسداً روحانياً. إنهم لا يزالون سجناء فى حصون الخطية، ما داموا يخضعون لإغراءات الشهوات التى لا يوافقون عليها. هكذا فهمت هذا الأمر كما حدث مع هيلاردى وغريغوريوس وأمبروسيوس وغيرهم من معلمى الكنيسة المشهورين، هؤلاء رأوا أن الرسول بكلماته حارب بقوة نفس المعركة ضد الأفكار الجسدية التى لم يكن يريدها[132]].

[كما أنه عندما تخدم الروح الجسد تُدعى بحق جسدانية، هكذا عندما يخدم الجسد الروح يدعى بحق روحانياً. ليس بمعنى أنه يتحول إلى روح كما يتوهّم البعض بتفسيرهم الكلمات: "يزرع فى فساد ويُقام فى عدم فساد"، وإنما لأنه يُخضع للروح فى استعداد للطاعة الكاملة العجيبة ويتجاوب فى كل شئ مع الإرادة التى دخلت إلى الخلود، فيزول عنها كل تخاذل وفساد وخمول. لأن الجسد ليس قفط سيكون أفضل مما عليه الآن فى أفضل حالته الصحية، بل وسيسمو فوق جسدى أبوينا الأولين اللذين أخطأ[133]].

[بطريقة ما تشرق البتولية هناك، وبطريقة أخرى تشرق هناك عفة الزواج، وبطريقة ثالثة سوف يُشرق الترمل المقدس. يشرق الكل بطرق مختلفة، لكن الكل سيكونون هناك[134]].

[لقد ضُربت (أيها الموت)، لقد جُرحت، لقد سقطت طريحاً، لكن جُرح ذاك الذى خلقنى. يا موت، يا موت، هوذا الذى أوجدنى جُرح من أجلى وبموته غلبك. بنصرة سيقولون: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا موت؟ (1 كو 15: 55) [135]].

[سنتجدد نحن أيضاً فى الجسد عندما يلبس هذا الفاسد عدم الفساد، فيصير جسداً روحانياً. آدم لم يتغير بعد إلى مثل هذا الجسم، بل كان موضوعاً له أن يكون هكذا لو أنه لم يتأهل بسبب الخطية للموت حتى بالنسبة لجسده الطبيعى. أخيراً فإن بولس لم يقل: "الجسد مائت بسبب الخطية"، بل الجسد مات بسبب الخطية[136]].

[لو سألنا مسيحياً صالحاً له زوجة، وقد يكون لديه أبناء منها عما إذا كان يرغب فى أن تكون له علاقة جسدية بزوجته فى ملكوت السماوات، فبالرغم من محبته لزوجته فى الحياة الحاضرة وارتباطه بهان سيجيب بلا تردد رافضاً بشدة أن تكون علاقته بها فى السماء علاقة جسدية، لأنه يهتم بتلك الحياة التى فيها يلبس الفاسد عدم فساد وهذا المائت عدم الموت (1 كو 15: 54، 533).

هل لى أن أسأله مرة أخرى عما إذا كان يرغب فى أن تكون زوجته معه بعد القيامة هناك، حيث يكون لها ذلك التغير الملائكى الذى وعد به الرب القديسين، فإنه سيجيب بالإيجاب بشدة، قدر ما رفض بشدة فى الحالة الأولى].

نفهم من أقوال أغسطينوس أن على الزوجين أن يحبا بعضهما البعض ويهتم كل منهما بالحياة الروحية للآخر فلا تكون علاقتهما ببعض مجرد اتصال جسدى، سوف ينتهى ويزول بزوال العالم... وذلك كنظرتنا إلى الطعام، فهو ليس بالشئ المحرم أو النجس ومع ذلك فينبغى ألا يكون هدفاً لنا، لأنه طعام فاسد لا يبقى إلى الأبد. فالزواج سرّ مقدس له كرامته وقدسيته لأن مؤسسه رب المجد نفسه. ويقول عنه أغسطينوس نفسه "إن قداسة السر، لها فى زيجتنا (المسيحية) قوة أكثر من قوة ثمرة الأولاد فى الدم[137]".

لهذا ما يحبه المسيحى الصالح فى المرأة هو كونها مخلوق إلهىن هذه التى يرغب لها التجديد والتغير دون ان يهتم بالعلاقة الشهوانية. وبنفس الطريقة يحب الإنسان عدوه، لا لأجل عداوته له بل لكونه إنساناً يرغب له نفس النجاح الذى يريده لنفسه، أى بلوغ ملكوت السماوات.

وهذا ينطبق أيضاً على الأبوة والأمومة وبقية العلاقات الجسدية (الدموية)، فنبغض فيهم العلاقات الجسدية، بقدر ما نحب كل ما يؤدى بهم إلى الوصول لملكوت السماوات. فهناك لا نقول لأحد: "أبى"، بل جميعنا نقول لله "أبانا". ولا نقول لأحد: "أمى" بل نقول جميعنا لأورشليم السماوية "أمنا". ولا نقول لأحد: "أخى" بل يقول الكل للآخر: "أخى".

حقاً سيكون هناك زواج من جانبنا، إذ نتقدم جميعاً كزوجة واحدة لذاك الذى خلصنا من نجاسة هذاالعالم بسفك دمه، لذلك لتلميذ المسيح أن يكون تلك الأمور الزائلة المتعلقة بأقربائه، وبقدر كراهيته لهذه الأمور يحب أشخاصهم، راجياً لهم حياة أبدية[138]].

ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم:

[على أى الأحوال "هذا الفاسد" الذى للجسد "لابد أن يلبس عدم فساد". أما الآخر، أى النفس، فليس فيها فساد قط حيث يوجد فيها عدم الفساد... الآن إن كنا سنرحل إلى العالم الآخر وفينا فساد فسيصير هذا الفاسد بلا فساد بلا نهاية، بل يبقى محترقاً ولا يحترق ليفنى، يبقى دوماً مضروباً بالدود، فساده لا يفسد. فيكون حاله مثل أيوب الطوباوى الذى فسد (جسده) ولم يمت ولفترة طويلة. كان "انهياره مستمراً يضع كتل التراب على قروحه" (أى 7: 5LXX) [139]].

[لئلا عندما يسمع أحد "أن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله" يظن أن أجسامنا لا تقوم، لذلك أضاف: "ولا يرث الفساد عدم الفساد"، و "يلبس هذا المائت عدم موت". الآن فإن الجسم فاسد، الجسم مائت، لذلك يبقى الجسم حقاً، لأن الجسم هو الذى سيلبس عدم الفساد، لكن فساده وموته يبيدان، بينما يحل عليه عدم الفساد وعدم الموت. لا تعود بعد تسأل كيف ستعيش حياة بلا نهاية، فقد سمعت الآن عن تحوله إلى عدم الفساد[140]].

ثانياً: مجيد (1 كو 15: 43). يتسم الجسم القائم من الأموات أنه مجيد، وقد قال السيد المسيح: "حينئذ يضئ الأبرار كالشمس فى ملكوت أبيهم" (مت 13: 43). بينما يضئ الأبرار كالنجوم أكثر من الشمس يكون الأشرار فى الظلمة.

يقول الرسول: "يُزرع فى هوانٍ، ويُقام فى مجد". بسبب الخطية حُرم الجسم وطاقاته وحواسه ومشاعره من كل المجد وصار فى هوان، وأصبح مصيره الموت. لكنه يقوم فى مجد، إذ يتمتع بالخلود ويتحرر من عبودية الموت أبدياً. يقول القديس ديديموس الضرير: [عندما يُزرع الجسد الذى يتكون بواسطة العلاقات الجسدية بين ذكر وأنثى يكون فيه هوان وضعف، لأنه جسد نفس هالكة تشاركه سماته. ولكن إذ يقوم بقوة الله يظهر جسداً روحياً يحلم عدم الهلاك والقوة والكرامة]. ويقول الأب أمبروسياستر: [يُزرع الجسد فى هوان، لأنه يوضع فى كفن فيه يفسد ويأكل الدود. ولكن عندما يقوم يكون فى مجد وينتهى كل أثر للهوان[141]].

ثالثاً: فى قوة (1 كو 15: 43). يقول الرسول: "يزرع فى ضعف، ويُقام فى قوة". "ويُزرع فى ضعف": إذ يتعرض للأمراض، "ويُقام فى قوة"، إذ لا يتعرض بعض للتعب والمرض والشيخوخة والانحلال والموت. ماذا يقصد بالقوة هنا؟ ليست كتلك الخاصة بالله ولا بملائكة. وهى ليست بالقوة البدنية، لكنها قوة تعمل ما يبدو كأنه امر مستحيل تنفيذه الآن. أيضاً القوة هنا مقابل الضعف الذى كان الجسم يتعرض له فى هذا العالم. وكأن القوة تعنى عدم خضوع الجسم للأمراض والضعفات والاحتياجات الجسمانية من أكل وشرب ونوم، كما لا يمكن أن يحلّ به الموت أو الفساد أو الانحلال.

رابعاً: جسم روحانى (1 كو 15: 44). يقول الرسول: "يُزرع جسماً حيوانياً، ويُقام جسماً روحانياً. يوجد جسم حيوانى، ويوجد جسم روحانى". يزرع جسماً حيوانياً، يشبه الجسم الحيوانى من جهة تكوينه كجسم به عضلات وعظام وأعصاب وأوردة وشرايين الخ، لها ذات الوظائف وبه الجهاز الهضمى الذى يحول الطعام إلى دم والجهاز التنفسى الخ. "ويُقام جسماً روحانياً" يتسم بالكمال، فلا يحتاج إلى مئونة خارجية كالطعام والشراب والهواء، ولا يخضع للموت، له وجود روحى، ومئونة روحية.

"الجسم الحيوانى"، يترجم أحياناً "الجسم الطبيعى"، وهو الجسم الذى به يمارس الحيوان حياته من أكل وشرب وتنفس وحيوية وله حواس ملموسة يحتاج إلى راحة ونوم. "الجسم الروحانى" لا يعنى روحاص، لأن الروح ليس له جسم.

ما معنى أن الجسد سيكون روحياً؟ سيكون الجسد روحياً وإن كان قد زُرع كجسد طبيعى. يرى العلامة أوريجينوس أنه سيكون روحياً لأنه سيكن رقيقاً وخفيفاً يشبه أجسام الملائكة[142].

ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم إنه سيكون روحياً، إما لأن الروح القدس يبقى فى أجساد الأبرار ابدياً أو لأن الروح القدس يحكمه على الدوام. وأيضاً لأنه سيكون خفيفاً، أو لأن هذه الأمور كلها تجتمع معاً[143].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [هل جسدنا الحاضر ليس بعد روحياً كما ينبغى؟ حقاً إنه روحانى، لكنه سيصير أكثر روحانية، لأنه الآن غالباً ما تفارقه نعمة الروح القدس الغنية متى ارتكب خطية عظيمة. مرة أخرى فإن الروح يستمر حاضراً وتعتمد حياة الجسد على النفس وتكون النتيجة فى هذه الحالة هو الحرمان من الروح. ولكن بعد القيامة لا يعود يكون الأمر هكذا، بل يسكن فى جسد البار على الدوام وتكون النصرة حليفة له وتكون النفس الطبيعية حاضرة... بهذا لتؤمن أن الله قادر أن يجعل هذه الأجساد الفاسدة غير فاسدة وأكثر سمواً من الأجسام المنظورة[144]].

ويقول القديس أغسطينوس: [سنكون لا نزال أجساداً لكن نحيا بالروح، فنحتفظ بمادة الجسد دون المعاناة من خموله وإماتته[145]].

كما يقول: [كما أن الروح عندما تخدم الجسد لا يكون غير لائق أن يُقال إنها جسدية هكذا الجسد عندما يخدم الروح يُدعى روحانياً بحق. ليس لأنه قد تحول إلى روح كما ظن الذين أساءوا تفسير النصر "يُزرع جسد طبيعى ويقوم جسد روحانى"، وإنما لأنه سيخضع للروح فى طاعة كاملة عجيبة مرنة، فتقبل قانونه الخاص بالخلود غير المنحل، وتطرد جانباً كل شعور بالتعب، وكل ظل للألم، وكل علامة للانحطاط. هذا الجسد الروحانى ليس فقط يصير أفضل من أى جسد على الرض فى صحة كاملة بل ويتعدى جسد آدم وحواء قبل السقوط[146]].

خامساً: على شبه جسم الإنسان الثانى، الرب من السماء (1 كو 15: 45 - 50). إننا سنلبس صورة السماوى، يقول الرسول: "هكذا مكتوب أيضاً صار آدم الإنسان الأول نفساً حية، وآدم الأخيرروحاً محيياً (1 كو 15: 45). يشير الرسول بولس إلى ما ورد فى سفر التكوين (2: 7)، بأن آدم صار نفساً حية. أما بالنسبة لآدم الثانى الذى صار روحاً محيياً، فيتحدث بعض اليهود عن روح المسياَ أنه هو الروح الذى كان يرف على وجه المياه (تك 1: 2) ليهب حياة، وأنهم دوماً كانوا يشيرون إلى المسياَ أنه يُحى الذين يسكنون فى التراب. وقد جاء فى إنجيل يوحنا:" فيه كانت الحياة "(يو 1: 4).

أقام الله آدم نفساً حية، لكنه كان يحتاج إلى الحياة من خارجه، لهذا إذ وهبه الله زوجة دعاها "حواء" أى "حياة" لتجلب حياة، وتكون أماً لكل حى، وإذ بها تجلب موتاً. أما آدم الثانى فهو الكلمة المتجسد المحيى يؤكد لنا: "أنا هو الحياة والقيامة".

ثمرة التصاقنا بأبينا آدم الأول أننا حملنا جسداً حيوانياً، أما ثمرة اتحادنا بأبينا الجديد آدم الثانى أننا نصير جسداً روحانياً، إذ يهبنا الحياة السماوية الأبدية.

يقول بطرس خريسولوجوس:

[اليوم يعتبر الرسول القديس بولس أن شخصين هما أصل الجنس البشرى، أعنى آدم والمسيح. هما شخصان، لكنهما مختلفان فى الاستحقاق. حقاً متشابهان فى هيكل الأعضاء لكنهما بالحق مختلفان فى بدايتهما.

الإنسان الأول، آدم كما يقول النص صار نفساً حية، وآدم الأخير صار روحاً محيياً.

الإنسان الأول خلقه الأخير، منه نال نفسه لكى يحيا. هذا الأخير تكون بذاته، فهو وحده لا ينتظر الحياة من آخرن بل يهبها لكل البشر.

الأول قد تشكل من التراب الرخيص جداًن والأخير جاء من رحم العذراء الثمين.

فى حالة الأول تحوّل التراب إلى جسد، أما فى الأخير فالجسد نفسه صعد إلى الله.

لماذا؟ أقول أكثر من هذا. هذا الأخير هو آدم الذى وضع صورته فى الأول عندما خلقه. هذا هو السبب الذى لأجله قام (المسيح) بنفس الدور مثل السابق، وتقبل اسمه حتى لا يسمح له بالهلاك إذ هو مهتم به، ولهذا السبب خلقه على صورته.

آدم الأول وآدم الأخير، الأول له بداية والأخير بلا حدود. لأنه بالحق هذا الأخير هو الأول، إذ يقول: "أنا هو الأول وأنا الآخر"، فبالتأكيد هو بلا نهاية.

يقول النص: "لكن ليس الروحانى أولاً بل الجسدانى وبعد ذلك الروحانى" فبالتأكيد توجد الأرض قبل الثمرة، لكنها ليست فى قيمة الثمرة. الأرض تخرج تنهدات وأتعاب، والثمرة تهب وجوداً وحياة. بحث يمجد النبى مثل هذه الثمرة: "من ثمرة بطنك أجلس على كرسيك" (مز 132: 11).

يكمل النص: "الإنسان الأول من التراب هو أرضى، والإنسان الثانى من السماء سماوى". أين هؤلاء الذين يظنون أن حبل العذراء وميلادها لطفلها يشبه ما يحدث مع النساء الأخريات؟ ما حدث مع النساء الأخريات هو من الأرض، وأما ما حدث للعذارء فمن السماء.

واحد تم بقوة إلهية، والآخر بضعف بشرى.

حالة تمت خلال جسد خاضع للأهواء، والأخرى خلال هدوء الروح الإلهى وسلام الجسد البشرى.

صمت الدم، ودُهش الجسد، واستراحت أعضاؤها، وكان كل رحمها فى راحة خلال افتقاد السماوى له. ارتدى موجد الجسد ثوباً، حتى يمكن لذاك الذى ليس فقط وهب الأرض للإنسان بل وهو يهبه السماء يمكنه أن يصير إنساناً سماوياً[147]].


[131] Catechetical Lectures, 18.

[132] Against Julian 70.

[133] City of God 20: 13.

[134] Sermons on New Testament Lessons, 3: 82.

[135] Sermons on New Testament Lessons, 10: 78.

[136] The Literal Meaning of Genesis (ACW) , 24: 6: 35,36.

[137] - فى الزيجة 18: 21؛ 24: 32.

[138] Sermon on the Mount 15: 1: 41.

[139] In Ephes, hom. 24.

[140] On 1 Cor. , hom 3: 42.

[141] CSEL 181: 81.

[142] On Matthew 29: 17.

[143] Comm. On 1 Cor. Homily 3: 41.

[144] On 1 Cor. , hom 5: 41.

[145] City of God 33: 12.

[146] City of God 20: 13.

[147] Fr. Peter Chrysologus: Selected Sermons (Frs. Of the Church) , 117.

هل سيتساوى كل المؤمنين فى المجد الأبدى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل سيتساوى كل المؤمنين فى المجد الأبدى؟

يقول القديس بولس: "مجد الشمس شئ، ومجد القمر آخر، ومجد النجوم آخر، لأن نجماً يمتاز عن نجم فى المجد" (1 كو 15: 41).

إن كنا ونحن نجاهد على الأرض تهبنا الحياة المقامة مع المسيح قوة لتحطيم الخطية وكسر شوكة الموت، فنعيش بروح النصرة المتهللة، كل مؤمن حسب قامته الروحية، ففى الأبدية توجد منازل كثيرة (يو 14: 2). هذه المنازل لا تسبب غيرة أو حسداً أو كبرياء، بل كل مؤمن يشعر كأن ما يناله إخوته ناله هو، فيشتهى أن يكون آخر الكل. يقول القديس جيروم: [مع تنوع المجد فى السماء إلا أن الكل يتمتعون ببيت واحد، وقد صعد الرب لا ليُعد مواضع كثيرة، بل يُعدّ بيتاً واحداً، فالكل يشتركون فى ذات البيت ويشعرون بالكفاية والشبع، وإن اختلف مجد كل نجم عن الآخر[127]].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم:

[حقاً سيقوم الكل فى قوة وعدم فسادٍ، ولكن فى هذا المجد الذى بلا فسادٍ لا يتمتع الكل بذات الكرامة والأمان[128]].

[مع وجود قيامة واحدة توجد اختلافات ضخمة فى الكرامة من جسد إلى آخر[129]].

[إذ يقول هذا يصعد إلى السماء ويقول: "مجد الشمس شئ ومجد القمر آخر". كما يوجد اختلاف بين الأجسام الأرضية يوجد أيضاً فى السماوية. هذا الاختلاف ليس بالأمر العادى بل يبلغ قمته. لا يوجد اختلاف فقط بين الشمس والقمر والنجوم، بل بين النجوم وبعضها البعض. فمع وجودها جميعاً فى السماء غير أن البعض لها مجد أعظم والأخرى أقل. ماذا نتعلم من هذا؟ وإن كان الجميع سيكونون فى ملكوت الله، لكن لا يتمتع بذات المكافأة، وإن كان الخطاة فى الجحيم لكن ليس الكل يعانى من نفس العقوبة[130]].


[127] Against Jovinianus, 28: 2.

[128] On 1 Cor, hom 5: 41.

[129] On 1 Cor, hom 4: 41.

[130] On 1 Cor, hom 4: 41.

ماذا يعنى الرسول بقوله: “وأجسام سماوية، وأجسام أرضية، لكن مجد السماويات شئ، ومجد الأرضيات آخر” (1 كو 15: 40)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى الرسول بقوله: "وأجسام سماوية، وأجسام أرضية، لكن مجد السماويات شئ، ومجد الأرضيات آخر" (1 كو 15: 40)؟

يعود الرسول فيقارن بين جسمنا الترابى الذى على مثال جسم آدم، وذاك الذى سنناله على مثال جسم المسيح القائم من الأموات. فإنه لا يوجد وجه للمقارنة بين مجد الجسم الترابى ومجد الجسم الروحانى السماوى. ففى السماء يكون الجسم ممجداً وبهياً وكاملاً. حقاً إنه حتى فى هذا العالم يتمتع جسمناً الترابى بعربون المجد الداخلى والبهاء، أما فى يوم الرب، فإنه "سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته أن يُخضع لنفسه كل شئ" (فى 3: 21). وكما وعدنا السيد المسيح: "حينئذ يضئ الأبرار كالشمس فى ملكوت أبيهم" (مت 13: 43).

إذ يتحدث هنا عن الأجسام السماوية ربما لا يعنى الشمس والقمر والكواكب، لكنه يعنى الملائكة والطغمات السمائية، فإنهم أرواح لكنهم بالمقارنة بالله الروح البسيط يُحسبون كمن لهم أجسام. ونحن إذ نشترك معهم فى الحياة السماوية تصير أجسامنا روحية، لكنها مختلفة عن تلك التى للسمائيين وربما يقصد بالأجسام السماوية جسم المسيح القائم من الأموات وأجسام القديسين القائمة من الأموات، وبالأجسام الأرضية أجسامنا هنا فى الحياة الزمنية على الأرض.

يقول العلامة أوريجينوس: [حتى بين الأجسام الأرضية الاختلاف ليس بقليل. خذ الجنس البشرى كمثال. البعض يونانيون والبعض قوانين منحطة، البعض لهم عادات متوحشة وآخرون ليس لهم قوانين قط يخضعون لها[126]].


[126] De Principiis 9: 2: 3.

ما هى إرادة الله من جهة أجسامنا القائمة من الأموات؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى إرادة الله من جهة أجسامنا القائمة من الأموات؟

يقول الرسول: "ولكن الله يعطيها جسماً كما أراد، ولكل واحد من البذور جسمه" (1 كو 15: 38). هيب الله الجسد "كما اراد"، وما هى إرادته إلا أن يتمتع الجسم بالحياة المطوبة السماوية. هذه هى مسرته أن يهب ذات الجسم الذى شارك النفس جهادها فى هذا العالم أن يشاركها مجدها.

كل بذرة تُزرع تقيم جسماً الذى شارك النفس جهادها فى هذا العالم أن يشاركها مجدها.

كل بذرة تُزرع تقيم جسماً خاصاً بها، فلم نسمع عن بذرة قمح جلبت شعيراًن ولا بذرة تفاح جلبت ليموناً، بل كل بذرة تجلب حصاداً من ذات نوعها. يقول الرسول: "ليس كل جسد جسداً واحداً، بل للناس جسد واحد وللبهائم جسد آخر وللسمك آخر وللطير آخر" (1 كو 15: 39).

جاء وقت ادعى العلماء بأن ما يقوله الرسول بولس خطأ فإن جسد الإنسان وجسد الحيوان وأيضاً السمك والطيور هو واحد، مكون من ذات الجبلة الأولى أو بروتوبلازما الخلية أو المادة الحية الأساسية فى الخلايا protoplasm، اليوم أدرك العلماء أن مادة الخلايا cytoplasm وقلبها nuclei تختلف فى هذه الأنواع الأربعة من الجسد[125].

الجسد الذى يقيمه الرب هو جسد حقيقى، جسد إنسان له طابعه الخاص، لكنه ممجد وروحى. إنه ليس كما يظن البعض أنه جسد خيالى. يقول ثيؤدور أسقف المصيصة: [فى القيامة سيقوم جسد أفضل، جسد لا يعود فيه لحم ودم هكذا بل كائن حى خالد ولا يمكن هلاكه].


[125] William S. Deal: Baker's Pictorial Introduction to the Bible, 1967, p. 342.

هل من أمثلة عملية يقدمها لنا الله كى نثق فى قيامة أجسادنا فى بهاء أعظم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل من أمثلة عملية يقدمها لنا الله كى نثق فى قيامة أجسادنا فى بهاء أعظم؟

يتعجب الرسول بولس أننا نرى أمثلة واقعية فى حياتنا سمح بها الخالق تؤكد إمكانية قيامة الجسد، مثال ذلك يُمكن لحبة القمح المجردة بعد دفنها فى التربة، أن تخرج سنبلة من ذات النوع، بل وأفضل وأعظم منها. هكذا بالنسبة لن نُزرع جسماً ليقوم ذات الجسم، ولكنه أبرع جمالاً وبهاءً، له طبيعة جديدة مجيدة روحية أعظم مما زُرع. فالموت ليس طريقاً لعبور الجسد وعودته فحسب، لكنه طريق لتمجيد الجسد ليشارك النفس بهاءها الأبدى.

لم ينزع الصليب الموت الجسدى، لأننا بالإيمان إذ نموت مع السيد المسيح نتهيأ للقيامة المجيدة بسمات أفضل تليق بالحياة الأبدية.

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [مقال (الرسول) هنا لم يعد بخصوص القيامة بل أسلوب القيامة... ماذا إذن يقول؟ "لست تزرع الجسم الذى سوف يصير فيما بعد". فسنبلة القمح نهى ذات البذرة وفى نفس الوقت ليست هى بعينها. فالمادة هى ذاتها، لكنها ليست هى لأنها أفضل منها. تبقى المادة كما هى لكن يصير جمالها أفضل، يقوم نفس الجسم لكنه جديداً[122]].

يقول أيضاً: [يقول أحد: "نعم، لكن هذامن فعل الطبيعة". أخبرنى، أية طبيعة؟ ففى هذه الحالة الله بالتأكيد هو الذى يصنع الكل، وليست الطبيعة ولا الأرض ولا المطر، بل الله هو العامل. لذلك قد صنع كل هذه الأشياء بطريقة واضحة، تاركاً الرض والمطر والجو والشمس وأيدى الفلاحين، ويقول: "الله يعطيها جسماً كما اراد" (1 كو 15: 38). لذا لا يليق بك أن تسأل أو تنشغل كيف وبأية وسيلة يتم ذلك عندما تسمع أن ذلك يتحقق بقوة الله وإرادته[123]].

ويقول القديس أمبروسيوس: [تُزرعون مثل سائر الأشياء، فلماذا تتعجبون أنكم ستقومون مثل بقية الأشياء؟ أنتم تؤمنون بالبذرة لأنكم ترونها. أنتم لا تؤمنون بالقيامة لأنكم لا ترونها. "طوبى للذين آمنوا ولم يروا" (يو 20: 29). ومع ذلك قبل حلول الموسم المناسب حتى بالنسبة للبذرة لا يصدقون بها. فإنه ليس كل موسم مناسباً للبذار كى تنمو. فالقمح يُزرع فى وقت وينمو فى وقت آخر، فى وقت ما تُطعم الكرمة. وفى وقت معين تظهر الجذور، وفى وقت آخر تظهر أوراق الشجرة بكثرة ثم تتشكل عناقيد العنب. فى وقت معين تغرس شجرة الزيتون. وفى وقت آخر تصير مثقلة كما بطفل وكمن هى حامل بحصرم العنب وتنحنى من كثرة ثمارها. لكن قبل الوقت المعين لكل نوع يبدو الإنتاج محدوداً. ليست الشجرة أو الزرع له وقت لحمل الثمار من قوته الذاتية[124]].


[122] On 1 Cor, hom 3: 41.

[123] On 1 Cor, hom 3: 41.

[124] On His Brother Satyrus, 60: 2.

كيف يُقام الأموات؟ وبأى جسم يقومون؟ (1 كو 15: 35)

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف يُقام الأموات؟ وبأى جسم يقومون؟ (1 كو 15: 35)

السؤال الأول يوجهه غير المؤمنين للذين يؤمنون بقيامة الأموات. وهو بأية قوة أو كيف يمكن تحقيق القيامة؟ لأن هذا فى نظرهم مستحيل. والسؤال الثانى هو إن افترضنا أنها تتحقق، فهل يقوم بذات الشكل والأعضاء. السؤال الأول هو سؤال الملحدين العاجزين عن إدراك قوة الله لتحقيق القيامة، والسؤال الثانى هو سؤال فيه حب استطلاع المتشككين.

عوض القول كيف؟ وجب الإيمان بإمكانية قوة الله لتحقيق ذلك. فعندما سُئل حزقيال النبى عن إمكانية إقامة العظام الجافة، كانت إجابته: "يا سيد الرب أنت تعلم!" (حز 37: 3).

إن كان الله صنع الشمس والقمر والكواكب بكلمة، فما هى المشكلة إن كان يقيم أجسادنا كأجساد جديدة.

يقول القديس أمبروسيوس: [ربما يُدهش أحد كيف يمكن للأجساد التى تحللت أن تعود سليمة، والأعضاء التى تبعثرت وتحطمت أن تُسترد. ومع هذا لا يعجب أحد من البذور الرقيقة التى تتحطم عندما تتبلل وتثقل بالتربية إذ بها تنمو وتعود خضراء. مثل هذه البذور حتماً تتحلل باحتكاكها بالتربة، ولكن برطوبة التربة واهبة الحياة تنال البذور المدفونة والخفية نوعاً من الحرارة المحيية، وتنال قوة واهبة الحياة لنمو النبات عندئذ بالتدريج تقوم بالطبيعة، فتظهر سنبلة نامية على الساق، وكأم معتنية بها تغلفها وهى فى مرحلة ما قبل النضوج بأغطية تحميها من الدمار، من صقيع البرد أو حرارة الشمس، حتى تظهر البذور كما لو كانت أطفالاً صغاراً[119]].

كما يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [لماذا يقدم بولس برهاناً كهذا بدلاً من أن يشير ببساطة بسامعيه عن قوة الله كما فعل فى مواضع أخرى؟ هنا يتعامل مع شعب لا يؤمنون بما يقوله، لذلك قدم لهم براهين عقلية لما يقوله[120]].

يجيب الرسول: "يا غبى الذى تزرعه لا يحيا إن لم يمت" (1 كو 15: 36). بالنسبة للجانب الأول يجيب الرسول بأن القيامة هى فى إمكانية الله القدير الذى يعمل دوماً بقوته الإلهية فى حياتنا اليومية بما يشابه القيامة. فكما تنحل حبة القمح وتبدو كأنها قد هلكت تماماً لتعود فتقدم ثماراً من ذات النوع، هكذا يحدث مع جسمنا. كأنه يقول لماذا فى غباوة نجحد قوة الله واهب القيامة ونحن نختبر فى كل يوم قوته المحيية لأشياء ميتة؟

يجيب الرسول بمثل واقعى يعرفه كل إنسان، فإن الاعتراض على إمكانية القيامة لا أساس له من خلال الواقع العملى. قيامة المسيح الذى مات من أجلنا لم تنزع عنا موت الجسد الذى حلّ بنا من آدم لكنه يُحضرنا إليه لننعم بحياة جديدة سماوية خارجة من موته المحيى.

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [إنه يحل مشكلة يقدمها الأمم ضد القيامة... فيقدم صعوبتين، إحداهما بخصوص طريقة القيامة، والثانية نوع الأجساد... لهذا يدعو الشخص غبياً إذ يجهل ما يحدث معه يومياً، يجهل أموراً تحدث معها القيامة، ومع هذا يشك فى قدرة الله. لهذا يؤكد قائلاً: "الذى تزرعه" يا أيها القابل للموت والهلاك... [121]].

ويقول القديس أمبروسيوس: [يليق بنا ألا نشك فيما هو متفق مع الطبيعة وليس ضدها. فإنه طبيعياً كل الأشياء الحية تقوم، ودمارها أمر غير طبيعى].


[119] On Brother Satyrus, 55: 2.

[120] On 1 Cor, hom 2: 41.

[121] On 1 Cor, hom 2: 41.

كيف يلتقى جسد الإنسان الشرير الذى لم يعط لنفسه فرصة للرجوع إلى الله، مع النفس الشريرة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف يلتقى جسد الإنسان الشرير الذى لم يعط لنفسه فرصة للرجوع إلى الله، مع النفس الشريرة؟

يبدو لى أن كل منهما يلقى باللوم على الآخر. فالنفس تحسب أن الجسد بشهواته دفع الإنسان ككل إلى محبة العالم ورفض الرجوع إلى الله والتراخى فى الالتقاء بالله وقبول نعمته لإقامة الملكوت الإلهى فى داخل الإنسان. ويشعر الجسد أن النفس مسئولة عن انحراف الإرادة، وعما مارسه الإنسان من بغضه للآخرين وجحود لنعمة الله. هكذا يقضى الشرير حياته فى صراع حتى فى جهنم. لا يطيق الجسد النفس، والنفس لا تطيق الجسد. هما فى مرارة لا تتوقف، وفى حُكم الهلاك ولا يفنيان.

فى اختصار يسود الحياة الأبدية الحب فى المسيح يسوع حتى بني النفس والجسد، ويسود جهنم الصراع المُرّ حتى بين النفس والجسد!

كيف يلتقى جسم الإنسان البار مع نفسه فى يوم الرب العظيم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف يلتقى جسم الإنسان البار مع نفسه فى يوم الرب العظيم؟

تجول فى أذهان البعض عدة تساؤلات، منها: كيف يلتقى جسم البار مع نفسه البارة؟ إذ يتحد الاثنان معاً من جديد، يشعر الجسد أنه مدين للنفس المقدسة، لأنها خضعت لروح الله القدوس، وتقدست إرادتها حيث وجدت مسرتها فى الطاعة لوصية الله محبوبها، وقبلت أن يقيم المخلص ملكوته فيها، وسلكت بالحق بروح التبنّى للأب. وفى نفس الوقت تصورت النفس أنها مدينة للجسد الذى سلك بحواسه بروح القداسة، وجاهد فى دراسة الكتاب المقدس والأصوام والصلوات والسهر بروح التسبيح.

لم يوجد مجال للعتاب بينهما، بل يقف المؤمن فى يوم الرب شاكراً عمله فى نفسه وجسده وكل طاقاته!

يقول القديس أغسطينوس: [عندئذ سيكون هناك نوع من الانسجام بين الجسد والروح، فالروح يحيى الجسد الخادم دون أية حاجة إلى قوت منه. ولا يعود بعد يوجد صراع فى داخلنا. فكما سوف لا يوجد أى أعداء من الخارج، هكذا لا يعود يوجد أعداء من الداخل[118]].


[118] Enchiridion 9: 23.

ما هو الحوار الذى يدور بين النفس والجسد فى لحظة انفصالهما؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو الحوار الذى يدور بين النفس والجسد فى لحظة انفصالهما؟ [117]

يقدم لنا القديس أفرآم صورة رائعة لوحدة النفس مع الجسد، وحالهما فى لحظات الموت عند خروج النفس من الجسد. فالنفس المقدسة بالربّ تشعر أنها مدينة للجسد المقدس كما يشعر الجسد المقدس أنه مدين للنفس المقدسة، وأن كل منهما كان معيناً للآخر أثناء الجهاد على الأرض وذلك بواسطة عمل النعمة الإلهية فيهما، إذ كانت النفس تنمو روحياً خلال استخدام الجسد أعضاءه للبنيان. فبالعينين تقرأ كلمة الله، وباليدين تقدم خدمات محبة للآخرين، وبالقدمين يسير الإنسان نحو بيت الله، والإنسان بكل جسده يمارس الصلوات والأصوام والسجود والمطانيات للربّ... حقا ً إنها لحظات سعيدة حين يعمل الجسد المقدس متحداً بالنفس المقدسة، ويصير الإنسان بكليته فى السماء أشبه بملاك الله، ولا يقف الجسد عائقاً للنفس فى المجد الأبدى.

جاء الحوار مختصراً للغاية فى هذه التسبحة التى سجلها مار أفرآم السريانى، تكشف عن التزامنا بتقديس الجسد وتقديرنا له كعطية إلهية معينة للنفس.

[إذ تترك النفس الجسد، هذا فيه ألم عظيم، وتشعر النفس بحزن شديد.

تتشتت النفس (عند خروجها من الجسد) هنا وهناك، لتتعرف على مصيرها.

فالأرواح الشريرة ترغب أن تأخذها معها، لتدخل به فى وسط الجحيم.

والملائكة أيضاً تود أن ترحل النفس معها فى موضع النور].

[فى تلك اللحظة تدرك النفس من هم أصدقاؤها وإخوتها المحبين،.

هؤلاء الذين تكنّ لهم معزة، وجيرانها ومن كانوا معروفين لها].

هكذا يرى ما أفرآم السريانى وجود صراع بين قوات الظلمة وملائكة الله. الأولى تبذل كل الجهد فى جذب النفس إليها، وتجد مسرتها فى أن تدخل به إلى نيران الشرّ والظلمة. ومن جانب آخر فإن سعادة الملائكة وبهجتها أن تجد نفساً التصقت بالربّن وخرجت لتلتقى مع من عاشت معه وهى فى العالم، فتنطلق إلى موضع النور أو المسكن الإلهى.

محبة السمائيين لنا تتجلى بكل قوة عند خروج النفس من الجسدن إذ تحملها إلى الحضرة الإلهية كما حملت نفس لعازر المسكين (لو 16: 22)، فتسبّح الملائكة الخالق الذى خلّص الإنسان من الموت والفساد، وأعدّ له ميراثاً أبدياً.

مع انشغال النفس المقدسة بالملائكة القادمين لحملها إلى الله والترحيب بها، يرى مار أفرآم، أن النفس وهى منطلقة تحزن على إخوتها، النفوس التى التصقت بالزمنيات واستهانت بالأبديات.

يقول مار أفرآم:

[فى تلك الساعة تستخف بمن كانوا متعلقين بالثروات والممتلكات الزمنية.

لكنها إذ تقدّر عبورها، تصير لها لهفة عظمية (للانطلاق)].

يقدم لنا القديس حديثاً وداعياً للنفس:

[تقف (النفس) منفصلة عن الجسد الذى تركته وتتحدث إليه قائلة:

"لقد أذن لى الموت بالخروج: لتبق (أيها الجسد) فى سلام، فإنى منطلقة بعيداً".

عندئذ يجيبها الجسد: "امض بسلام يا أيتها النفس الرقيقة المحبوبة!

الربّ هو شكّلنا، وهو الذى يحقق خلاصنا من جهنم "].

كيف نستعد ليوم الدينونة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف نستعد ليوم الدينونة؟

أولاً: نتوقع سرعة مجيئه، أنه على الأبواب. يقول القديس مار أفرآم السريانى[107].

[احذروا يا إخوتى أن يعدم أحكم هذا الميراث السعيد. فإنه، ها هو على الأبواب!

نزل النور إلينا فأنارنا، وقربنا إليه، وأصعدنا معه. نزل إلينا فصار من أجلنا مثلنا، ليجعلنا مثله.

من لا يموت نزل إلى المائتين، وإذ جعلهم غير مائتين ارتفع إلى الآب،.

وسيجيئ بمجد أبيه المبارك، يدين الأحياء والأموات.

صار لنا طريق حياة مملوءة نوراً ومجداً، لكى نسلك نحن فى النور إلى الآب].

ثانياً: نلتحف بالمخافة الإلهية مع الحب الإلهى. يستخدم القديس باسيليوس الكبير توقع مجئ الرب كباعث على الإصلاح الروحى، ومخافة دينونة الله كدافع قوى على ممارسة الفضيلة بالنسبة للمبتدئين والمتهاونين، فمن كلماته:

[لكى نقدر أن نفلت من الغضب الذى يحلّ على أبناء المعصية[108]].

[لنسمع باجتهاد عندما يُقال (عن مجيئه)، ونطلب بغيرة أن نمارس الوصايا الإلهية، لأننا لا نعلم فى أى يوم أو اية ساعة يأتى ربنا[109]].

[ألا نضع أمام أعيننا يوم الرب العظيم المرعب هذا؟ [110]].

يقول الأب أمبروسياستر: [فى هذا اليوم سيُعلن الرب يسوع المسيح للمؤمنين وغير المؤمنين. عندئذ سيتحقق غير المؤمنين أن ما لم يريدوا أن يؤمنوا به هو حقيقة صادقة. أما المؤمنون فسيفرحون، إذ يجدون أن ما يؤمنون به أكثر عجباً مما كانوا يتخيلون[111]].

ويقول القديس مار اسحق السريانى:

[عندما تقترب من فراشك قل له: "هذه الليلة عينها ربما تكون أنت قبرى يا أيهاالفراش، فإننى لست أعلم إن كان فى هذه الليلة عوض نومى المؤقت يكون لى النوم الدائم".

هكذا مادام لك رجلان أسرع إلى العمل، قبلما تُربط بذلك القيد الذى ما إن يُوضع لا ينحل بعد.

مادام لك يدان أبسطهما نحو السماء فى الصلاة، قبلما يسقط الذراعان من مفصليهما، حيث تشتهى أن تسحبهما فلن تقدر.

مادام لك أصابع ارشم ذاتك بالصليب، قبلما يحل الموت الذى يحل قوة أعصابها اللائقة.

مادام لك عينان، املأهما بالدموع، قبلما تأتى الساعة حين يغطى التراب ثيابك السوداء، وتتجه عيناك نحو اتجاه واحد بنظرة لا تدركها ولا تعرفها. لا، بل املأ عينيك بالدموع مادام قلبك تحكمه قوة التمييز، قبلما تهتز نفسك برحيلها منه، وتترك القلب بيتاً مهجوراً من ساكنه.

يا أيها الحكيم لا تنخدع بتوقعك حياة طويلة المدى! [112]].

يقول القديس مرقس الناس: [إن وضعت فى ذهنك دينونة الرب للأرض كلها (مز 7: 9، 1) كقول الكتاب المقدس، فإن كل حادث يعلّمك معرفة الله].

يقول الأب أوغريس الراهب: بتذكر على الدوام ساعة خروجك، ولا تنسى الدينونة الأبدية، فلا توجد فى نفسك خطية].

من أقوال آباء البرية: [كان أخ حاراً فى الصلاة، وإذ كان أخوه يمارس الخدمة، غلبته الدموع وكان أحياناً ينسى فقرات من المزمور. توسل إليه الأخ يوماً ما أن يخبره فيما هو يفكر أثناء الخدمة حتى يبكى هكذا بمرارة. قال له: "سامحنى يا أخى، فأنا أتأمل دائماً أثناء الخدمة فى الديان، ووقوفى أمامه، فإنى مجرم مذنب تحت الاستجواب. وإذ لا أجد تبريراً لنفسى أقف مرتعباً، ويُغلق فمى، فتعبر منى آية من المزمور. سامحنى على مضايقتى لك، فلنمارس الخدمة كل لوحده". أجاب الأخ: "لا يا أبى، فإننى أعيش بلا ندامة، فعلى الأقل إذ أراك أخجل". وإذ رأى الله تواضعه وهبه الندامة التى لأخيه. دعنا نحن أيضاً نحفظ أعيننا على هذه العطية، فيكون لنا ذات المنفعة مثل هذا الأخر[113]].

يقول القديس غريغوريوس النيسى: [لا نستطيع أن نصف الأفراح التى تنتظر هؤلاء الذين يعيشون وفقاً لمشيئة الله، ولا نستطيع أن نقارن معاناة الخاطئين فى الجحيم بأى شئ مشابه لم يحدث على الأرض].

ثالثاً: لنستقبل ربنا القادم من السماوات بالتسبيح! يقول القديس مار أفرآم السريانى:

[تعالوا يا أحبائى نسلك فى الطريق التى أظهرها لنا الرب.

لنصل بسرور إلى مملكته، ولنأخذ زاداً وزيتاً فى آنيتنا، فالطريق ليست قصيرة!

لنشد أحقاءنا بالحق، ومثل أناسٍ وعبيد حافظين منتظرين سيّدهم،.

نوقد مصابيحنا، ونستيقظ بشهامة، لأننا منتظرون أن نسقبل ربنا مقبلاً من السماوات.

فلا ننعس فيما بعد، لئلا تنطفئ مصابيحنا.

ها قد حلّ النور فرحل الليل، وأتى النهار.

يا بنى النور بادروا إلى النور. اخرجوا بفرح لاستقبال ربكم...

ليكن نظركم إلى فوق، متأملاً ذلك الجمال والسرور يا وارثى الآب، وشركاء ميراث ابن الله[114]].

يقول القديس أغسطينوس: [الآن هو زمن الرحمة، فيما بعد يأتى زمن الدينونة، إذ قيل "أسبح لك يارب الرحمة والحكم" (مز 101: 1) [115]].

لنسبح مع القديسين ماري عقوب السروجى، قائلين:

[اسمعوا أيها المتميزون أعجوبة الدينونة العظمى، وأعطوا التسبيح لديان الخفايا.

إنه لقول عجيب وسمع مدهش، بخصوص ذلك اليوم الذى فيه تُفحص كل أعمال البشر.

عندما تنحل السماء والأرض والعالم والبحر، وتصير دينونة كل القبائل أمام العدالة.

عندما تُعلن كل أشكال البشر، ويقفون عراة: إما ليخسروا وإما لينتصروا...

عندما يتواضع من تكبر بالاستعارات، ويرتفع من تواضع البساطة.

عندما يُلقى الكبرياء فى الحفرة، ويركب التواضع الغيوم ليرتفع.

عندما يوضع الضعفاء فى العلو كما هو مكتوب، وينزل الأقوياء إلى العمق، لأنهم آثموا.

عندما يحنى الفقر الأغنياء ويذلهم، ويصير كنز الملك العظيم مفتوحاً للفقراء...

عندما تردّ الدالة الأجرة حسب وعدها، فإنها لا تنكر (أجرة) من سقى حتى كأس ماء.

عندما تتحرك لتطالب بخاصتها بقوة، لا تنسى التعقيب حتى عن غمز العيون...

عندما يُظهر الديان لصفوفه قدرته الآمرة، وتصرخ طغمات القوات: مباركة هى دينونتك!

عندما يُمدح من قبل الملائكة والأبرار: مباركة هى أحكامك، ونيّر هو ميمر استقامتك!

عندما تصرخ الأرملة بألم ضد من ظلمها، واليتيم يوبخ من لطمه قدام الحاكم.

عندما تدخل تنهدات الأيتام العالية، وصوت حسراتهم يضرم النار فى سابيهم.

عندما تنتصر هناك الصدقات كالنيرات، وتُعلن درجات صانعيها سامية وبهية ومجيدة.

عندما تُفضح عيوب أبناء الإثم الممقوتة، ولا يستر الكذب من تمسك به.

عندما تهتك كل الأشكال عن كل الطغمات، وتقف هناك بعنث مكشوف كما هو مكتوب.

فى ذلك الحين ليفرح من مُجد، ولا يحزن أحد هنا أو يُلام.

فى ذلك النصر من انتصر هو من الظافرين، ولو انتصر هنا ولا يحظى بشئ[116]].

قبل الحديث عن الجسد المُقام أود إبراز اهتمام آباء الكنيسة الأولى بالحديث عن الوحدة العجيبة التى بين جسد الإنسان ونفسه. هذا يدعونا إلى الحديث عن العلاقة المتبادلة بينهما فى لحظات انفصالهما عند الموت وعند اتحادهما فى يوم القيامة.


[107] - عن نسخة خطية لميامر مار أفرآم السريانى، دبر السريان، ميامر رقم 2000، تاريخها 14 أمشير1207ش، أعدها الراهب صموئيل السريانى، مقال21، ص 130 - 131.

[108] De Jud. ad fin.

[109] Reg. Fus. Introd. Ad fin.

[110] Reg Fus 1.

[111] Ambrosiaster: Comm. On Paul's Epistles, CSEL 7: 81 - 8.

[112] Ascetocal Homilies 64.

[113] The Armenian version of Apophthegmata, L. Lelorr, Pateica Armenice, Corpus, Ssriptorum Christianprum Orientalium, Louvain, 1974, 1, p. 547.

[114] - الراهب صموئيل السريانى، مقال21، ص131.

[115] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tactate, 5: 54.

[116] - الميمر 68 على الآخرة والدينونة المخيفة (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سونى).

[117] Cf. Metrical Hymns, 12. The Parting of Bady and Soul.