كيف يكون لله ابن؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف يكون لله ابن؟

أ. كل جوهر فعَّال لابد أن يلد شيئاً، فالنار تلد ضوءاً وتعطي حرارة. والعنصر المشع يعطي طاقة نووية، والعقل البشري السليم يلد أفكاراً حكيمة. هكذا لا يمكن أن يكون الله كائناً جامداً، فإن الابن مولود منه منذ الأزل، وهو النور المولود من النور. فالنور الذي لا يلد نوراً هو ظلام! [79].

يقول القديس ديونيسيوس السكندري: [كُتب أن يسوع المسيح هو "بهاء مجده ورسم جوهره..." (عب1: 3) "صورة الله غير المنظور" (كو1: 15)، كما أن الكلمة هي صورة العقل غير المنظور. لكن بهاء النور أزلي، (فالابن) ذاته بالتأكيد أزلي، لأنه كما أن النور موجود دائماً فواضح إن البهاء أيضاً يوجد معه على الدوام. فبوجود البهاء يفهم وجود النور، وبالتالي لا يوجد نور لا يعطي نوراً... من ثم فالبهاء يشرق قدامه منذ الأزل، ومولود منه على الدوام، يسطع في حضرته، إذ هو الحكمة، القائل: "كنت عنده صانعاً، وكنت كل يومٍ لذته، فرِحةً دائماً قدامه" (أم8: 30). فالآب إذن أزلي، والابن كذلك أزلي، لأنه نور من نور[80]]. ويقول البابا أثناسيوس الرسولي: [لو كان جوهر الله غير مثمر في ذاته بل هو عقيم – كما يدعون – فيكون كنورٍ لا ينير، وكنبعٍ جافٍ، أفلا يخجلون عندما يتحدثون عن قوته وطاقته الخالقة بينما ينكرون ما هو بالطبيعة؟ [81]] كما يقول: [الله أيضاً كلمته... ليس خارجاً عنه بل من ذاته. إن كان لله قوة الإرادة وفعَّال، فإرادته فعالة وقادرة على خلق الأشياء التي ستوجد؛ وكلمته فعّال وعامل، هذا الكلمة بالتأكيد يجب أن يكون هو إرادة الآب الحية، والطاقة الجوهرية، والكلمة الحقيقي الذي فيه يتأسس كل شيءٍ ويدبر حسناً[82].].

ويقول العلامة أوريجينوس: [ماذا نظن في النور سوى الله الآب؟ ألم يكن بهاؤه (عب1: 30) حاضراً معه؟ يستحيل تصور نور دون بهاء. إن كان هذا حقاً، فإنه لم يكن يوجد زمن فيه الابن ليس ابناً[83].].

ب. تكشف ولادة الابن الأزلية عن طبيعة الله الكائن المحب، الذي في حبه اللانهائي يلد الابن، مقدماً له ذات جوهره الإلهي بكونه واحداً معه. إنه حب فريد، أن "الكائن" يهب ذات جوهره. هذا الحب اللانهائى قد اُستعلن لنا ولكن بما يناسبنا.

ت - يُدعى الأقنوم الثاني "الابن" تأكيداً لوحدانية الجوهر مع الآب؛ ولئلا يٌفهم أنه منفصل عن الآب، كما لو كانا جوهرين وإلهين، دُعي "كلمته" و "حكمته". بهذا نفهم بنوته بمفهومٍ غير بشرىٍ.

يقول القديس أثناسيوس: [يلزم عدم مقارنة الولادة الإلهية بتلك الولادة الطبيعية لدى البشر، وعدم اعتبار الابن جزءً من الله، كما لا تتضمن الولادة أي نوع من العواطف مهما كانت؛ فالله ليس إنساناً. بالنسبة للبشر يلدون من هو متغير. أما بالنسبة لله فالأمر غير هذا، لأن الله لا يتكون من أجزاء، ولا يتغير؛ فالابن لا يجعله يتجزأ.

هذا ثابت في الكتاب المقدس وواضح ومُعلن فيه. فإن كلمة الله هو الابن، والابن هو كلمة الله وحكمته. الكلمة أو الحكمة ليس مخلوقاً ولا هو جزء ممن هو كملته، وليس نسلاً يمكن بدوره أن يتناسل. يوجد بالكتاب المقدس اللقبان معاً، فيتحدث عن "الابن" ليعلن عن الميلاد الطبيعى الحقيقى الكامن في جوهره، ومن ناحية أخرى لئلا يظن أحد أن هذه البنوة تشابه التناسل البشري، بينما يشير إلى جوهره يدعوه أيضاً الكلمة والحكمة والبهاء، ليعلمنا أن هذا الميلاد غير قابل للتغيير، أبدي، لائق بالله[84].].

يليق بنا ألا نتطلع إلى الله بمنظارٍ مادىٍ، فإنه ليس كائناً بشرياً أو مخلوقاً. عند سماع لقبي الآب والابن لا يعني هذا إن الله تزوج وأنجب إلهاً آخر، إذ لا وجود للجنس في جوهر الله.

يلد الآب الابن كما تلد الشمس أشعتها أو كما يُولد العقل من نفس الإنسان، والبهاء من النور. هذه الأمثلة وغيرها قاصرة عن التعبير عما هو إلهي.


[79] H. H. Bishop Pishoy: Article on “Trinity”.

[80] St. Athanasius: De Sentia Dionysii 15.

[81] Against the Arians 2: 2.

[82] Ibid.

[83] In Hebr. frag 24.

[84] Against the Arians 28: 1 (See De Decretis 17).

كيف كان الله محباً منذ الأزل؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف كان الله محباً منذ الأزل؟

كيف كان الله خالقاً، محباً، صانع سلام منذ الأزل، قبل خلقه الكون؟ هل كان الخلق ضرورياً حتى تُنسب إليه هذه الألقاب؟ يجيب بعض المفكرين الذين لا يؤمنون بالثالوث القدوس عن هذه الأسئلة قائلين: إن لله هذه الألقاب والخصائص الأزلية "بالقوة" لا "بالفعل"، أما بعد الخلق فظهرت بالفعل. هذا يعني إن الخلق كان ضرورياً ليحقق الله به سماته الخاصة بالحب والسلام والرحمة الخ. فتصير بالفعل (أو بالعمل) بعد أن كانت بالقوة فقط.

قبولنا للإيمان الثالوثي أنه ثلاثة أقانيم في جوهر إلهي واحد يجعل حلّ هذا الأشكال سهلاً، لأن كل هذه الخصائص إنما تتركز في سمة واحدة وهي "المحبة". بالحب خلق الله الكائنات السماوية والأرضيه. إنه رحوم وصانع سلام ورؤوف الخ. لأنه يحب الإنسان. يقول الكتاب المقدس: "الله محبة" (1يو4: 8)، الحب السرمدي. فإن الآب يحب الابن، ولم يكن هناك زمان لم يحب فيه الآب الابن. فالحب كخاصية إلهية هو حب أزلي بالقوة كما بالفعل، لأن الحب هو الله ذاته الذي يحب منذ الأزل وإلى الأبد؛ لم يكن في حاجة إلى خليقته لكي تكشف عن خصائصه. تحدث ربنا يسوع المسيح إلى أبيه الأزلي، قائلاً: "لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم" (يو17: 24).

أُعلنت لنا العلاقة التي بين الثالوث القدوس الأزلية والمطلقة خلال معاملات الله معنا، خاصة خلال عمله الخلاصي. وقبل تسليمه لنفسه صلى ربنا يسوع المسيح للآب لحسابنا، قائلاً: "كما أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا... وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحداً كما إننا نحن واحد... وعرفتهم اسمك، وسأعرفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتنى به، وأكون أنا فيهم" (يو17: 21 - 26).

خارج الإيمان الثالوثي إن قلنا إن الله يحب منذ الأزل ننسب له الأنانية، أي يحب نفسه، حاشا لله! هكذا بالنسبة للسلام فإننا نتساءل: مع من كان الله في سلام منذ الأزل؟ وهكذا توجد أسئلة كثيرة لا إجابة لها إلا في الإيمان بالثالوث القدوس في جوهر إلهي واحد.

التعليم الثالوثي يقوم على فهم كتابي لجوهر الله بكونه الحب، فلا يكون الله واحداً منفرداً ولا منعزلاً، إنما يوجد الآب مع الأقنومين الآخرين في جوهر واحد. يجب التمييز بين الواحد المنفرد والواحد (في وحدانية) التعليم الثالوثي لا يتحدث عن الله في وحدانية معتزلة مطلقة جامدة. ولا عن كائنات ثلاثة منفصلة؛ بل هو واحد في جوهره، له حركة سرمدية في الداخل والخارج لاتحاد أقنومي.

ما هي الآيات التي استخدمها منكرو لاهوت المسيح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هي الآيات التي استخدمها منكرو لاهوت المسيح؟

أ - يقول السيد المسيح: "لأن أبي أعظم مني" (يو14: 28)، لأنه تجسّد وأخذ صورة عبد. يقول الرسول: "الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبدٍ، صائراً في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسانٍ وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (فى2: 6 - 8).

ب - "الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل، لأن مهما عمل ذاك، فهذا يعمله الابن كذلك (يو5: 19). هذه العبارة لا تعني اعتماد الابن على الآب كمن هو أقل منه، إنما تعلن عن مساواتهما وتناغم عملهما معاً، وأن لهما إرادة واحدة، وسلطان واحد في كل شيءٍ، إذ لهما جوهر واحد مع الروح القدس، يشتركوا معاً في العمل.

ت - يقول السيد المسيح: "وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذى أرسلته" (يو17: 3). هذه العبارة لا تنفي مساواة الآب والابن، لأن قوله: "أنت الإله الحقيقي وحدك" يُقصد بها رفض الآلهة المزيفة.

ث - أشار السيد المسيح إلى نفسه أنه "ابن الإنسان" (مت8: 20؛ 9: 6؛ 11: 19 الخ.) لقد أراد تأكيد أنه بالحقيقة قد تأنس، لأن الغنوصيين ادعوا أنه بلا جسد حقيقي، إنما ظهر كمن له جسد.

ج - يقول الرسول: "بِكر First Born كل خليقة" (كو1: 15). لم يقل: "أول المخلوقات"، إنما بكر First Born فهو المولود من الآب قبل كل الخلقة.

كيف يمكننا أن نقبل الإيمان الثالوثي بالرغم من أن الله بسيط؟ ألا يتعارض هذا الإيمان مع الوحدانية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف يمكننا أن نقبل الإيمان الثالوثي بالرغم من أن الله بسيط؟ ألا يتعارض هذا الإيمان مع الوحدانية؟

يتهم البعض المسيحية بأنها تفتقر إلى البساطة، بمعنى آخر يتهمونها بالتعقيد لأنها تؤمن بثلاثة أقانيم في جوهر إلهي واحد. إنهم يتطلعون إلى هذه العقيدة كما لو كانت سراً يمكن ان يُفهم على أنه نوع من تعدد الآلهة، لهذا يدعون أنه لا حاجة إلى قبوله. لكننا نلاحظ أن أغلب الديانات التي ترفض هذه العقيدة وفي نفس الوقت بإله واحد مطلق، هي نفسها تؤمن بأسرار إلهية كثيرة لا يستطيع العقل أن يستوعبها في ذاته، فتتحدث عن يديّ الله ووجهه وعرشه الخ. بالرغم من إيمان الكل أن الله هو روح بسيط لا جسم له، ولا يمكن لعرشٍ أن يحده. ومع هذا يقبلون هذه التعبيرات كأسرار في معتقداتهم، وان كان بقبولها يمكن إساءة فهمها. بنفس الفكر نقول إن إيماننا بالثالوث القدوس هو سرّ أعلنه الله نفسه إلى البشر ويمكن للعقل أن يدركه بالنعمة الإلهية، ويتعرف على هذا الإيمان بكونه يؤكد وحدانية الله ويفسرها.

لا يجحد الإيمان الثالوثي بساطة الله، إنما إنكار هذا الإيمان يشوه بساطة الله، للأسباب الآتية:

أ - تؤمن كثير من الأديان أن كلمة الله أزلية، لأن الله لم يكن بدون كلمته حتى قبل وجود الزمن (يو1: 1)، بل وتعتقد بعض الأديان أنه حتى الكلمات والحروف التي لكلمة الله أزلية أيضاً. بدون الإيمان بالثالوث القدوس في جوهر إلهي واحد، تكون أزلية كلمات الله أو أقواله تعني أن الله لم يكن بسيطاً، إذ يكون متحداً مع كلماته أزلياً. لكن بحسب إيماننا، كلمة الله ليس "خارج" الله، إنما هي ذات كلمته الأزلي المولود منه كولادة النور من النور، كائن معه في ذات الجوهر، أي انه واحد مع الأب في ذات جوهره الإلهي (ousia).

يؤمن كثير من غير المسيحيين أن كلمة الله أزلية معه، وأنها أعلنت للأنبياء كعلامة عن محبة الله للبشر، وأن هذه الكلمة لا تتعارض مع بساطة الله، أما نحن فنقول بأن الكلمة "اللوغوس" ليس خارج الله، بل هو واحد معه أزلياً. فالله ليس كالإنسان بل هو كائن أزلي، ومن ثم كلمته "اللوغوس" كائن سرمدي مع الآب كشعاع النور. يقول القديس أثناسيوس الرسولي: [كلمة الله واحد لا يتغير، كما هو مكتوب: "كلمة الله ثابت إلى الأبد" (مز119: 89) [74].].

ب - لا يتعارض الإيمان الثالوثي مع بساطة الله، لأننا لا نؤمن بثلاثة جواهر إلهية بل بجوهر إلهي واحد، ولكي ندرك هذا السرّ الإلهي يمكننا القول بأن الجوهر الإلهي موجود حقاً منذ الأزل، هذا الوجود "الكينونية" هو وجود عقلاني أزلي أي له (عقل) أو (حكمة) أو (لوغوس)، مولود من كينونته وليس خارجاً عنه وليس له جوهر إلهي آخر. لهذا عندما ندعو الكائن الإلهي "الآب" والكلمة "الابن" نؤكد أن الابن هو كلمة الله، حتى لا يسيء أحد اللقبين كما لو كان للآب والابن جوهرين منفصلين، ولئلا يظنوا أننا نعتقد بإلهين، فإننا نؤمن بإله واحد. بساطة الله لا تعني وجود الله دون كلمته أو عقله أو حكمته، حاشا أن يوجد الله غير عاقل!

بالنسبة لأثيناغوراس[75]، مدير مدرسة الإسكندرية، قال إن الله الأزلي له عقل Logikos، اللوغوس كائن فيه أزلياً، لذلك فالابن باعتباره اللوغوس لم يأتِ إلى الوجود بل هو أزلي.

هذا الكيان الإلهي، أو "الآب" حي أزلي، له حياته منبثقة منه وليست خارجاً عنه. تتميز "الكينونة" عن "الحياة"، لكنهما ليسا منفصلين، وليس لهما جوهران إلهيان، لأن "الحياة" خاصة بالكائن ذاته. يقول القديس ديونسيوس الإسكندري: [من الضروري الإيمان بالكائن العاقل الحي، جوهر واحد بسيط أزلي، لأن الثلاثة غير منفصلين ولم يوجد أحدهم قبل الآخرين. إنهم كالنار التي لها لهيب ونور وحرارة في ذات الوقت. هكذا نفهم ان الوحدانية غير متجزئة إلى ثالوث، بالعكس يجتمع الثالوث دون فقدان للوحدانية[76].].

ج - الله فريد في كل شيءٍ، حتى عندما يتحدث عنه الكتاب المقدس بكونه "الله الواحد"، فإن هذا لا يعني خضوعه لقواعد حسابية، إذ هو ليس بمحدودٍ. بمعنى آخر، يلزمنا أن نفهم لفظ "واحد" هنا ليس رقماً من بين الأرقام، إنما يعني "وحدة" لا يُنطق بها. لا يُمكن أن تختبر الوحدانية أو تفهم على إنها ترقيم، لأن هذا يجعل الله كائناً جامداً يخضع تحت العدد. لهذا السبب يقول أثيناغوراس[77] إن الله واحد، لكنه ليس كفردٍ بشريٍ مخلوقٍ وقابل للموت، مركب وقابل للانقسام (إلى أجزاء)، فإن الله غير مولود ولا متغير ولا قابل للتجزئة، فهو لا يتكون من أجزاء. ويقول القديس إكليمنضس: [إن الله واحد، يتعدى الواحد، فوق الوحدانيه ذاتها[78].].


[74] Four Discourses against the Arians 35: 2,36.

[75] Athenagoras: Supp. 2: 10.

[76] On the Opinion of Dionysius 17.

[77] Supp. 2: 8.

[78] Paedagogos 8: 1: 71.

ما هو تعليم العهد الجديد عن الثالوث القدوس، مع وحدانية الجوهر؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو تعليم العهد الجديد عن الثالوث القدوس، مع وحدانية الجوهر؟

أ. قيل للقديسة مريم عند بشارتها بواسطة رئيس الملائكة جبرائيل: "الروح القدس يحلّ عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك ايضاً القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله" (لو1: 35).

ب. في عماد السيد المسيح أُعلن عن الثالوث القدوس بوضوح، فالذي تعمد هو الابن المحبوب الذي يُسرّ به الآب كما شهد له الآب من السماء، والروح القدس حلّ عليه في شكل حمامة (مت3: 16، 17؛ مر1: 9 - 11؛ لو3: 22).

ت. عندما تجلّى السيد المسيح على جبل تابور، ظهر الروح القدس كسحابة منيرة، وشهد الآب: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت، له اسمعوا" (مت17: 1 - 8).

ث. في الصلاة الوداعية تحدث السيد المسيح عن الروح القدس كمعزًّ آخر، وأنه يرسله من عند الآب (يو14: 16 - 26، 17).

ج. في الوصية الأخيرة التي أعطاها السيد المسيح قبل الصعود أعلن عن وحدانية جوهر الله، إذ طلب أن يعمدوا المؤمنين باسم (بالمفرد) الآب والابن والروح القدس (مت28: 19 - 20).

ح. الأقانيم الثلاثة لهم معرفة متساوية لأنهم واحد في ذات الجوهر.

خ. أعلن المجمع المسكوني الأول بنيقية عام 325م، خلال دراسة الكتاب المقدس والتقليد الكنسي أن يسوع المسيح "ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، واحد في ذات الجوهر، الذي به كان كل شيءٍ".

لماذا قام العهد القديم بالتركيز على أقنوم الآب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا قام العهد القديم بالتركيز على أقنوم الآب؟

أبرز العهد القديم أن الله أب يحب خائفيه ويتراءف عليهم، فقيل: "لأنه مثل أرتفاع السماوات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه... كما يتراءف الأب على البنين، يتراءف الرب على خائفيه (مز103: 11، 13). أشير إلى الله أنه أب شعب إسرائيل (تث32: 6؛ مل2: 10؛ إش64: 8، 63: 16)، ليس لأنه يتجاهل الأمم، وإنما ليُعدّ العالم كله لقبول كلمة الله المتجسد، مخلص العالم.

لا نستطيع أن ننكر أن بعض الأمميين اهتموا بخلاص نفوسهم مثل راعوث المؤابية وراحاب الزانيه الكنعانية، اللتان ذُكرتا في نسب السيد المسيح (مت1)، فكانت الأولى رمزاً لقبول الأمم بالمخلص، والثانية رمزاً لفتح باب الخلاص للخطاة (الزناة) الذين يرجعون لله ويؤمنون بالمخلص، ويتمتعون بالعضوية الكنسية. ففي العهد الجديد، أعلن الله الآب أنه أب لجميع الذين يقبلونه ويؤمنون به دون تمييز بين اليهود وغيرهم من الشعوب. فخلال الرجوع إلى أبيهم، يسمعون صوته، قائلاً: "لأن ابني هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فوجد" (لو15: 24). جاء العهد الجديد يكشف سرّ الثالوث القدوس لليهود كما للأمم.

هل أورد الكتاب المقدس العقيدة الثالوثية بوضوح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل أورد الكتاب المقدس العقيدة الثالوثية بوضوح؟

ا - أُعلن الثالوث القدوس عند عماد ربنا يسوع (يو1: 27 - 33)، كما تتم معموديتنا باسم الأقانيم الثلاثة كقول القديس متى (مت28: 9). وردت هذه العقيدة في بركة القديس بولس في (2كو13: 14)؛ وذكر الأقانيم الثلاثة أيضاً في (يو14: 16؛ أف2: 18؛ 1بط1: 21، 22) الخ.

ب - أعمال وألقاب ربنا يسوع المسيح والروح القدس في الكتاب المقدس تشهد عن ألوهيتهما.

ت - أحد أضواء العهد القديم الثلاثة تقديسات (قدوس، قدوس، قدوس) الواردة في رؤيا (6: 3)، وارتباطها بالعبارة القائلة: "من يذهب من أجلنا؟" (6: 8). وأيضاً تُفهم الأقانيم من صيغة الجمع باستخدام كلمة "ألوهيم" (جمع) عن الله، وتكرارها حتى في فقرة واحدة (تث6: 4). كما استخدمت في بعض العبارات مثل: "قال الله نعمل الإنسان على صورتنا" (تك1: 26)، وأيضاً "هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض" (تك11: 7).

ث - كان العهد القديم يُعدّ العالم للإيمان بالثالوث القدوس، لكن لم يُعلن عن الثالوث لأن غالبيه الأمم كانت ساقطة في الاعتقاد بتعدد الآلهة. وتعرض إسرائيل للانحراف نحو العبادة الوثنية فكانوا أحياناً يعبدون آلهة الأمم، ويسقطون فى رجاساتهم حتى بعد نصرتهم على هذه الأمم.

ج - كان الله يُعدّ شعبه إسرائيل لكى يتجسد كلمة الله من اليهود، خاصة وأنهم إن قورنوا بالأمم المحيطة بهم يُحسبون خائفي الرب. فامتاز إسرائيل في العهد القديم بظهور كثير من الأتقياء الرب، وكثير من الأنبياء الذين تمتعوا بإعلانات إلهية خاصة بمجيء مخلص العالم.

ما هو موقف العهد القديم والعهد الجديد من الإيمان بوحدانية الله والثلاثة أقانيم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف العهد القديم والعهد الجديد من الإيمان بوحدانية الله والثلاثة أقانيم؟

يؤكد العهدان القديم والجديد الإيمان بالإله الواحد، لكن العهد القديم يعالج هذه المسألة بنظرة سلبية، إذ كان هدفه أن يمنع المؤمنين من عبادة الأوثان، الآلهة الجامدة، ومن ممارسات رجاسات الأمم المرتبطة بالعبادة الوثنية (2مل21: 2؛ 2أي28: 3). أما العهد الجديد فيشهد للإله الواحد بمنظار إيجابي، لأنه لا يُعلن عن وحدانية الله فحسب، وإنما يعمق إيماننا بالله الواحد بإبراز الإيمان الثالوثي، الذي فى حقيقته لا يتعارض مع الوحدانية بل يؤكدها، بإعلانه عن بعض الأسرار التي لله الواحد وعلاقته بالبشر؛ وبدون الإيمان الثالوثي تظل الوحدانية غامضة. يعتبر الإيمان الثالوثي طريقاً أساسياً لخلاصنا، ويمس حياتنا العملية وعلاقتنا بالله ومستقبلنا الأبدي. هذا الإيمان لا يتعارض مع العقل الروحاني، بل بالأحرى يٌشبعه ويرفعه للتأمل في الأسرار الإلهية بفرحٍ.

يرى القديس غريغوريوس النزينزي[73] أن العهد القديم أعلن عن الآب علانية، وعن الابن خلال النبوات. وأعلن العهد الجديد عن الابن، وأوحى بلاهوت الروح القدس. وهكذا جاء الإعلان عن الثالوث تدريجياً، لئلا يصير الشعب أشبه بأناس تثقّلوا بطعام أكثر من طاقتهم، وقدّموا نور الشمس لأعينهم الضعيفة جداً عن رؤيته، لئلا يحدث خطر فقدان حتى ماهو فى حدود طاقتهم، وإنما كما يقول داود بالتدريج يصعدون ويتقدمون وينمون من مجدٍ إلى مجدٍ، فيشرق نور الثالوث على الذين يستنيرون.


[73] St. Gregory Nazianzus, Oratio 31, Theologica26. PG 161: 36.

ما هي الصيغ الأولى الثالوثية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هي الصيغ الأولى الثالوثية؟

أعلن السيد المسيح عن ألوهية الآب والابن والروح القدس بصراحة خلال أعمالهم لأجل خلاصنا.

أ - قبل صعوده إلى السماوات أمر تلاميذه أن يعمدوا المؤمنين باسم الآب والابن والروح القدس (مت28: 19). أعطاهم صيغة للعماد فى بساطة دون ذكر كلمة "أقانيم"، إذ تكمن غايته فى ان يهب المؤمنين نعمة الأقانيم بالمعمودية. ويقبل الموعوظون خلال المعمودية أبوة الله (الآب)، والعضوية في جسد السيد المسيح، وسكنى الروح القدس في إنسانهم الداخلي.

ب - من أهم العبارات الخاصة بالعقيدة الثالوثية في العصر الرسولي هي التي للقديس بولس: "نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم" (2كو13: 14). يشهد الرسول للثالوث القدوس لكي يعلن عن النعمة الإلهية والمحبة والشركة، فيتقبل المؤمنون الله العامل فيهم ليصيروا شركاء الطبيعة الإلهية (2بط1: 3). واضح أن غاية نظام الكنيسة الأساسي في العصر الرسولي هو الشهادة خلال عبادتها ان الله أرسل كلمته يسوع المسيا، ومات وقام من الأموات فى اليوم الثالث، وصعد إلى السماوات، وسيعود في المجد لنقوم معه ونتمتع بحضرة أبيه. وأرسل أيضّاً روحه القدوس في كنيسته ليُعد ملكوته السماوي، ويهيئها للعرس الأبدي. بمعنى آخر إيمان الكنيسة الرسولية إيمان ثالوثي صرف، له أثر على كرازتها وعبادتها وسلوكها.

كيف قدَّم لنا السيد المسيح عقيدة الثالوث القدوس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف قدَّم لنا السيد المسيح عقيدة الثالوث القدوس؟

لم يتحدث معنا كلمة الله المتجسد بألفاظ لاهوتية، ولم يضع لنا صيغة إيمان ثالوثي بطريقة لاهوتية مباشرة، إنما أعلن لنا عن الثالوث القدوس خلال أعماله الخلاصية، وفيما يلي أمثلة لتوضيح ذلك:

أ - يعلن ربنا يسوع عن الآب كمحب البشر الذي أرسل ابنه الوحيد ذبيحة لخلاص العالم (يو3: 16) ويسألنا أن ندعوه "أبانا" (مت6: 9) حتى نثق في محبته الأبوية، إذ يعطينا أكثر مما نسأل.

ب - عندما يعلن ربنا يسوع عن علاقته بالآب، إنما يفعل هذا لنفعنا، فيقول: "الآب يحب الابن وقد دفع كل شيءٍ في يديه، الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية" (يو3: 35، 36)، كما يقول: "أبي يعمل حتى الآن وانا أعمل" (يو5: 17)، ويقول: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو14: 9).

ت - يعلن يسوع المسيح عن لاهوته من خلال أعماله لحسابنا. إنه يظهر ذاته كخالقٍ، إذ حوّل الماء خمراً في عرس قانا الجليل (يو2: 1 - 12) ليهبنا الفرح الروحي. وبكونه الخالق يهب البصر للمولود أعمى (يو9: 1 - 12)، ويُسَّكن البحر والرياح (مر4: 35 - 41)، ويطرد الشياطين والأرواح الشريرة (مر1: 23) لكي يحيا أحباؤه فى سلام. يعلن أيضّاً عن نفسه كغافر الخطايا (مر9: 2 - 46؛ لو7: 48) ويقدم نفسه لنا بكونه الحياة والحق والقيامة والخبز النازل من السماء وأيضّاً الطريق والباب والطبيب والعريس الخ، لنجد فيه شبعاً لكل احتياجاتنا.

ث - يقدم لنا الروح القدس بكونه المعزي الآخر والمعين (يو14: 26) الذي يسكن فينا (يو14: 17) والذي يعلمنا كل شيءٍ (يو14: 26) الذي يبكت العالم على الخطية (16: 18) ويهب قوة الشهادة للمسيح (أع1: 8).