هل يمكن الفصل بين الآب والابن؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يمكن الفصل بين الآب والابن؟

يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [فإذ ننطق باللقب "الآب" يوحي لنا ضمناً أن نفكر في "الابن". وهكذا من يدعو "الابن" يفكر ضمناً فى "الآب" [117]. لأنه إن كان الآب فهو أب الابن، بالتأكيد الابن هو ابن الآب. لذلك في حديثنا في قانون الإيمان نقول "نؤمن بإله واحد، الآب القدير خالق السماء والأرض ما يرىْ"، نكمل "نؤمن بربنا يسوعْ"، قد يظن أحد في سخافةٍ أن الابن يأتي في المرتبة الثانية في السماء وعلى الأرض، لهذا قبلما نبدأ بدعوتهما نقول: "نْؤمن بالله الآب". فإذ نفكر في "الآب" للحال نفكر في الابن، إذ لا يوجد فصل بين الآب والابن[118].].


[117] يقول البابا أثناسيوس: "كل اسم منهما، اللذين أشرت إليهما، غير منفصل عن الآخر ولا منقسم عليه. إذ تكلمت عن الآب فإنه قبلما أتحدث عن الابن أكون قد أشرت إليه ضمناً فى الآب. إن قدمت لكم الابن، فإننى أكون بهذا قد أشرت إلى الآب حتى ولم أكن قد سبق لى الحديث عنه". DE Sentia Dionysii 17.

[118] مقال 7: 4.

من هو اللوغوس أو الابن؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

من هو اللوغوس أو الابن؟

يسوع بالنسبة للمسيحيين الذين من أصل يهودي هو مخلص العالم كله من الخطية. يقدم القديس إكليمنضس السكندري ربنا أنه "يسوع الشافى أجسادنا ونفوسنا" [110]. إنه الطبيب الإلهي القادر وحده أن يخلصنا من نتائج الخطية.

ربما يسأل البعض: هل من ضرورة لكلمة الله نفسه أن يتجسد ليفدينا ويشفى طبيعتنا البشرية؟

أ - "بالعصيان اختار الإنسان الموت" (تك2: 17) عوض الحياة. علْم الله آدم طقس الذبيحة الحيوانية علامة عن الحاجة إلى سفك دم لخلاصه (عب10: 2). وكان هذا رمزاً لذبيحة ربنا يسوع الفريدة.

ب - كان من الضروري لخلاصنا أن يتجسد كلمة الله نفسه ليموت لحسابنا ليس فقط لأنه وحده قادر أن يفي العدل الإلهي بل وبكونه الخالق يقدر أن يجدد طبيعتنا البشرية. إنه الله القدير الذي يهبنا النصرة على الموت والأرواح الشريرة، وهو السماوي القادر أن يرفعنا إلى سماواته لنرث المجد الأبدي كأبناء الله (رو8: 15، 21؛ 9: 4) ونصير على مثال الله.

ت - المسيح الرب. لأن طبيعته أو جوهره من نفس طبيعة أو جوهر الآب[111]. الابن سرمدي، ميلاده من الآب بلا بداية، يقول القديس إكليمنضس السكندري: [ليس الآب بدون ابن، بل هو كائن معه؛ إنه أب الابن[112].] الابن واحد جوهرياً مع الآب مادام الآب فيه وهو في الآب[113].

ث - بخصوص طبيعة ربنا يسوع المسيح كلمة الله المتجسد أصر التقليد الإسكندري على تأكيد وحدانية الرب مؤكداً الوحدة الحقيقة بين اللاهوت والناسوت دون انفصال ولا امتزاج[114].

المعلم الإلهي في حبه للمؤمن لانهائياً يتخلل إلى كل حياته، مهتماً حتى بأصغر أموره. يقول القديس إكليمنضس الإسكندري: [كما أن الشمس لا تنير السماء وحدها بل وتنير العالم كله، وأيضاً تشرق على البرّ والبحر، ترسل أشعتها خلال النوافذ والشقوق الصغيرة إلى الأماكن الداخلية، هكذا يتدفق الكلمة إلى كل موضع، متطلعاً إلى دقائق الأعمال لحياة الإنسان[115].].

يقول العلامة أوريجينوس إن الابن يُولد من الآب لا بعملية انقسام بل بذات الطريقة التي بها تولد الإرادة من العقل؛ إذ يقول: [ابن الله الوحيد هو حكمته القائمة جوهرياً. كيف يظن أحد إن الله الآب يمكن أن يوجد في أي وقت دون ولادة الحكمة؟ يليق بنا أن تؤمن أن الحكمة لا بداية لها... لقد دُعي "الكلمة" لأنه مفسرّ أسرار عقل الله... محظور علينا الظن الخاطئ بأن الآب قد ولد الابن الوحيد الجنس بذات الطريقة التي يلد بها إنسان إنساناً، أو حيوان حيواناً, فإنه يوجد فارق عظيم. واضح أن الآمر ليس هكذا، إذ لا يوجد فى الوجود مثيل لله لا في الإدراك ولا في الفكر. لهذا لا يستطيع الفكر البشري أن يدرك كيف يكون الله غير المولود أباً للابن الوحيد الجنس. إنه ميلاد سرمدي لا يتوقف شعاع يتولد من نور. فإنه لم يصر الابن خارجاً عنه بتبني الروح، إنما هو الابن بالطبيعة. هو وحده الابن بالطبيعة، لذا دُعي "الابن الوحيد". يجب الحذر حتى لا يسقط أحد في تلك الخرافات السخيفة التي لأولئك الذين يتصورون نوعاً من الأعضاء “prolations”، أو أجزاء في الطبيعة الإلهية، ويقسمون كيان جوهر الآب. بالأحرى (الولادة) هنا كحركة الإرادة الصادرة (المولودة) عن العقل دون بتر جزء منه أو انفصال عنه أو تقسيمه، هكذا بطريقة مشابهة يمكن التفكير في ولادة الابن من الآب[116].].


[110] Paedagogos 12: 3.

[111] See Alan Richardson: Creeds in the Making, P 54,55.

[112] Strom. 162: 4: 5;1: 5: 3;5: 7: 5.

[113] Paedag. 24: 1: 3;53: 1: 1;62: 1: 4;71: 1: 3;101: 3: 1.

[114] See the Theological Terms Physis and Hypostasis in the Early Church, 1986.

[115] Strom. 3: 7: 21.

[116] De Principiis 2: 1: 1 - 6.

من هو الآب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

من هو الآب؟

يقول Prof. Maximos Agiorghoussis: [إنه ليس "قوة فائقة للطبيعة" عمياء، ولا هو نوع من إله الفلاسفة "المحرك الأول الذي يحرِك كل شيءٍ ويبقى هو بلا حركة" (أرسطو)؛ أو المثال الفائق الخيالي (أفلاطون)؛ إنما هو إله الإعلان الشخصي، خالق العالم ومدبره، خاصة البشر، هو أب حنون لأولاده وبناته، الذي يدخل معهم في عهدٍ، بكونه إلهاً لهم وهم يكونون له شعباً مختاراً.].

بالرغم من أن لاهوتي الإسكندرية الأوائل تحدثوا عن عدم تغيرالله وتنزهه عن العواطف البشرية[108] إلا إنهم ركزوا على أبوته الحقة من خلال الحب الذي لا يُعبر عنه بلغة بشرية كما لو كانت له مشاعر وعواطف بشرية. يقول العلامة أوريجينوس: [علاوة على هذا، ألا يختبر الآب إله الكون كله المشاعر والأحاسيس إذ هو طويل الأناة وكثير الرحمة؟! لأن "الرب إلهك يحملك في طرقك كما يحمل الإنسان ابنه". (تث1: 31) [109].].


[108] Origen: De Principiis 4: 2: 4, In Num; hom 3: 16.

[109] In Ezech. Hom 6: 6.

ما هي السمات الجوهرية المشتركة في الثالوث القدوس؟ وما هي السمة الخاصة بكل أقنوم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هي السمات الجوهرية المشتركة في الثالوث القدوس؟ وما هي السمة الخاصة بكل أقنوم؟

الأقانيم الثلاثة لهم سمات مشتركة مثل بلا بداية، ولا نهاية، يتسم كل منهم بالحب والصلاح والقداسة والخلق والعناية الإلهية، وكلي القدرة، والحضور في كل موضع، ولا يمكن وصفه، والعالِمْ بكل شيءٍ.

أما عن السمة الخاصة بكل أقنوم، فيقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [هكذا لا يمكن لخاصية أقنوم الآب أن تنتقل إلى الابن أو إلى الروح القدس. إنها خاصية الآب أنه موجود بدون علة، وهذا لا ينطبق على الابن والروح، فإن الابن خرج من عند الآب (يو16: 28)، ويقرر الكتاب أن "الروح ينبثق من الله، من الآب" (يو15: 26) [104].] ولن ينفصل أي أقنوم عن الأقنومين الأخرين، لأن الجوهر واحد.

استخدم القديس أبيفانيوس عبارة إن الروح القدس ينبثق من الآب ويأخذ من الابن[105]، وإنه من ذات جوهر الآب والابن[106]. ويقرر القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن الروح ينبثق من الآب ويأخذ من الابن[107].


[104] De Oratione Dominica 3.

[105] Anor. 7.

[106] Anor. 7.

[107] Adv. Maced. 10.

ما هو دور السمات الأقنومية بخصوص هوية الجوهر الإلهى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور السمات الأقنومية بخصوص هوية الجوهر الإلهى؟

تعلن السمات الأقنومية عن العلاقة بين الأقانيم الثلاثة، وأنه لا يوجد انفصال الواحد عن الآخرين، وفي نفس الوقت يوجد تمييز واضح لكل أقنوم، فلا يُقال عن الآب أنه الابن أو الروح القدس الخ. لأننا بهذا نسقط فى بدعة سابيليوس Saballianism التي نادت بأن الله ظهر بكونه الآب وأخذ شكل الابن خلال عمل الخلاص ويأخذ شكل الروح القدس في إتمام العماد... ففي نظر سابيليوس أن الأقانيم هم ثلاثة أشكال لأقنومٍ واحدٍ.

بقولنا وجود جوهر واحد وثلاثة أقانيم لا نستطيع القول إن كل أقنوم هو جزء من الجوهر الواحد. كل أقنوم كامل وليس جزءاً من الجوهر، ولا ينفصل عن الأقنومين الآخرين المتميزين.

ما هو مفهوم السمات الأقنومية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو مفهوم السمات الأقنومية؟

الله البسيط في جوهره هو ثلاثة أقانيم والجوهر واحد. أقنوم الآب يقدم لنا الأبوة التي ننالها باتحادنا مع الابن الوحيد الجنس، الابن بالطبيعة، فننعم بالبنوة بالنعمة الإلهية ونختبر أبوة الآب التي تخصنا كأبناء له، كما نتمتع ببنوة الابن التي تهبنا حق التبني للآب. ويقدم لنا الروح القدس المنبثق من الآب البنوة للآب، ويقدسنا ويجددنا على الدوام فنحمل أيقونة الابن المحبوب لدى الآب. هكذا يعمل الثالوث القدوس فينا على الدوام ليهيئنا للميراث الأبدي والحياة الأبدية الخالدة.

إن كانت الأقانيم الثلاثة لها جوهر واحد، فإن السمات الأقنومية لا تفصل أي أقنوم عن الأقنومين الآخرين، وهي ليست جزءاً من الجوهر، إنما هي طرق الوجود الأزلي. فالآب هو العلّة وهو غير مولود، والابن مولود من الآب أزلياً، والروح القدس منبثق من الآب أزلياً. هذه التعبيرات الثلاثة: العلة والولادة والانبثاق لا تُفهم بأسلوب بشري مادي. فالآب هو آب منذ الأزل لم يكن موجوداً بدون الابن، والابن بولادته ليس أقل من الآب، وإنما كولادة النور من النور.

يترجم البعض كلمة ينبثق "يصدر عن... أو يشرق من...".

لم يوجد وقت ما كان فيه الآب بدون الابن أو بدون الروح القدس، فالولادة والانبثاق من الآب لم يتما في وقتٍ ما. الابن مولود من الآب، والروح القدس منبثق منه دون انفصالهما عن الآب.

الابن ليس جزءاً من الآب، بل هو صورة كاملة وتامة وهو بهاء الآب. لذلك يُدعى الابن "اللوغوس" أو الكلمة الصادرة عن العقل. قيل عنه إنه ضياء الآب أو بهاؤه الذي يصدر عنه، لكن بدون انفصال عنه.

ولادة الابن لم تصدر عن إرادة ما، بل هي ولادة طبيعية أزلية. هذا لا يعني أن الآب لا يريد الابن، بل ولادته طبيعية أزلية، فالآب منذ الأزل يحب الابن (يو3: 35). بهذا سمة الحب في الله لم تكن تحتاج إلى ممارسة خارجاً عنه، فهو محب قبل خلقة السماء والأرض.

لا نستطيع أن ندرك كيف تتم ولادة البهاء من النور، فكم بالأكثر يعجز عقلنا البشري عن إدراك كيفية ولادة الابن من الآب الأزلية؟! وما نقوله عن ولادة الابن الأزلية من الآب، هكذا أيضاً نقوله عن انبثاق الروح القدس الأزلي من الآب.

ما هي التشبيهات التي قدمها الآباء للثالوث القدوس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هي التشبيهات التي قدمها الآباء للثالوث القدوس؟

اهتم الآباء بتوضيح هذا السرّ، لأن اللغة البشرية قاصرة عن أن تعبر عنه، ولم تقدم الطبيعة كلها مثالاً لوجود جوهر واحد في ثلاثة أقانيم متمايزة. عندما نقدم بعض الأمثلة لتوضيح هذا السرّ الإلهي نفترض مسبقاً أن جميعها لا تفسره إلا جزئياً، أي من جوانب معينة دون الأخرى، حتى يمكن لعقلنا قبوله. للتعرف على هذا السرّ نحتاج إلى النعمة الإلهية التي تهبنا الشركة مع الثالوث القدوس، أي الشركة مع الآب في ابنه بالروح القدس.

أ. خُلق الإنسان على صورة الله (تك1: 27؛ 5: 2)، نفسه موجودة كائنة عاقلة وحيّة. النفس واحدة، إلا أن كيانها متمايز عن عقلها وأيضاً عن حياتها، ولا ينفصل الثلاثة عن بعضهم البعض.

ب. وعد الله أن يحفظ كنيسته، قائلاً: "وأنا يقول الرب، أكون لها سور نارٍ من حولها وأكون مجداً في وسطها" (زك2: 5). للنار ثلاث خواص ذاتية تشبه الأقانيم: لهيب ونور وحرارة منبعثة عنه، لكنها ليست أقانيم، لأن الواحدة لا تملأ الآخرين. من خلال النور يمكننا أن نتعرف على النور، وهكذا أيضاً من خلال الحرارة.

ت. للشمس كيان ككوكبٍ، وهي تولد أشعة وتبعث حرارة ومع هذا فهي شمس واحدة. ندعو الكوكب نفسه شمساً وأيضاً أشعته تُدعى هكذا، وكذلك الحرارة.

ث. التفاحة: يُشبه الله بالتفاحة، إذ قيل: "كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبى بين البنين" (نش2: 3). للتفاحة ثلاث خواص: مادتها التي نأكلها وطعمها ورائحتها، ويمكننا التعرف على التفاحة من طعمها أو رائحتها.

ما هو أثر الإيمان الثالوثي على حياتنا اليومية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو أثر الإيمان الثالوثي على حياتنا اليومية؟

للإيمان دور أساسي في عبادتنا وعلى مفاهيمنا واشتياقاتنا وفي سلوكنا. هنا بعض الأمثلة لذلك.

أ - يجب أن نميز بين الوحدانية التي تقوم على الإيمان الثالوثي والوحدانية المطلقة التي قامت في مواجهة تعدد الآلهة. فالإيمان بتعدد الآلهة تأسس غالباً على الصراع بين هذه الآلهة، مما كان له أثره على حياة الإنسان الداخلية، حيث يجد الإنسان فى الصراع نموذجاً لحياته؛ فيمارسه الإنسان ليس فقط ضد الآخرين، وإنما حتى ضد نفسه. فالوحدانية كانت لازمة لفهم العهد القديم حسناً، لمنع الناس من السقوط في تعدد الآلهة، لكن ان فهمنا الوحدانية خارج الإيمان الثالوثي نظن في الله كائناً جامداً ومخيفاً، ذا سمات مطلقة، يخلق هذا الإيمان نوعاً من "الفردية والانعزالية"، إذ يتطلع المؤمن إلى الله كمثالٍ له، فيراه الوحيد الذي لا يُدنى منه، كمن هو معتزل في سماواته، لا تقوم فيه أية حركة. أما الإيمان بالوحدانية خلال سرّ التثليث فيقدم نموجاً إلهياً للمؤمنين عن "وحدة الحب". فيحثنا على ممارسة الحب على أثر خطوات الثالوث القدوس وخلال عمله فينا.

ب - في هذا السرّ نتعرف على "الأبوة والبنوة" فى معانيهما اللانهائية، فالآب يلد الابن كما يُولد النور من النور، مقدماً له ذات جوهره. هذه العلاقة الفريدة لا يمكن أن توجد خارج الله، أقصد أن للآب والابن جوهر واحد بسيط. خلال هذه العلاقة نتمتع بالتبني لله، إذ نقبل الآب أبانا باتحادنا معه في ابنه الوحيد. خلال هذا السرّ لا تُحصر علاقتنا بالله في دائرة ضيقة كعبيد مع سيدهم، إنما يقبلنا أولاداً له (رو8: 15 - 23؛ أف1: 5).

خلال هذه العلاقة الجديدة نتمتع بحركة حب إلهي لا تتوقف، مترجين لا أن ننال منافع من الله في هذا العالم الحاضر أو حتى في الدهر الآتي، بل نقتنى الله نفسه، نرث أحضانه كمسكنٍ أبدي لنا. بمعنى آخر يحول الإيمان الثالوثي علاقتنا بالله من علاقة منفعة ذاتية إلى شركة حب متبادل.

ت - يهبنا الإيمان الثالوثي فهماً متسعاً للكمال، إذ يتساءل البعض: كيف يمكن أن يكون الآب كاملاً في سماته وهو لا ينفصل عن الابن والروح القدس (أي يشاركانه سماته)؟ ونفس الأمر بالنسبة للابن والروح القدس. نجيب أن الكمال الحقيقي لا يُستعلن خلال الاكتفاء الذاتي الانعزالي، وإنما خلال حركة الحب الأزلي في الله والعلاقات المتبادلة اللانهائية.

يبلغ الإنسان الكمال لا بتمجيد ذاته ولا باكتفائه بذاته، وإنما خلال الوحدة مع الغير القائمة على الحب. الإنسان الكامل ليس هو من يغذي الذات (الأنا) ego من أجل اقتناء مجدٍ باطلٍ ونفعٍ لحسابه، بل هو ذاك الذي يحب الغير ويقبل حبهم له دون مقابلٍ.

4 - للإيمان الثالوثي أثره على كل الحياة البشرية حتى خلال العبادة:

أ - فى العهد القديم لم يكن المؤمنون قادرين على قبول الإيمان الثالوثي الذي يؤكد الوحدانية الحقيقية. كان لهذا النقص أثره على عبادتهم، إذ تطلعوا إلى الله ككائنٍ لا يُدنى منه، يعبدونه خشية أن يغضب عليهم. أما في العهد الجديد إذ قبل المؤمنون الإيمان الثالوثي تعرفوا على الله الذي يعلن حبه باحتضانه للبشرية واجتذابهم إلى الحضن الأبوي لينعموا بأسراره ويشاركونه أمجاده. لم يعد البشر مجرد آلات تخدم الله بطريقة آلية، إنما هم أبناء محبوبون يتمتعون بالأسرار الإلهية.

ب - يستأصل الإيمان الثالوثي كل جذور الأنانية، فإذ نرفع صلواتنا يجتذبنا الإيمان إلى الثالوث القدوس، الحب السرمدي، فنصلي من أجل خلاص كل البشرية بقلبٍ متسعٍ منفتحٍ!

ت - للإيمان الثالوثي أثره حتى على حياتنا الاجتماعية، فإذا اخترنا الزواج نترجى في الأسرة أن تكون أيقونة المحبة الثالوثية، يجد المؤمن مسرته في مسرة الغير، ويعمل كعضوٍ في الجسد لأجل بنيان الأسرة كلها. بهذا المنظار تكون الأسرة وحدة حب حقيقي، فيها يشتاق كل عضوٍ أن يعطي لا أن يأخذ! من جانب أخر إن اخترنا الحياة الديرية نقدم قلباً مفتوحاً نحو الكنيسة كلها بل ونحو العالم أجمع، هذا ما نعلنه خلال سجودنا المستمر وصلواتنا الدائمة من أجل كل البشر!

هل للابن مشيئة يُمكن أن تتعارض مع مشيئة الآب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل للابن مشيئة يُمكن أن تتعارض مع مشيئة الآب؟

بالنسبة لوحدة الثالوث القدوس في المشيئة الإلهية، يقول ج. ل. بريستيج G. L Prestige: [يلاحظ أوريجينوس[88] إن مشيئة الله قائمة في مشيئة الابن وأن مشيئة الابن لا تنحرف قط عن مشيئة الآب. لا توجد مشيئتان بل مشيئة واحدة، تتحقق هذه المشيئة الواحدة بكلمات ربنا القائل: "أنا والآب واحد". ويكرر العلامة أوريجينوس[89] القول بأن الآب والابن "متميزان" pragmata موضوعياً، لكنهما واحد في الاتفاق والانسجام وتحقيق القصد. يتبع أثناسيوس[90] أوريجينوس في تأكيد مشيئة واحدة تصدر عن الآب قائمة في الابن بحيث يُرى في الآب، والآب في الابن[91].].

ويقول Prestige أيضاً: [كما أن الله واحد في المشيئة فهو واحد في العمل أو "الطاقة". يرجع هذا التعليم إلى أثناسيوس، حيث يمثل جانباً من براهينه على لاهوت الروح القدس. هكذا يعرض هنا الفكر بإسهاب[92]، قائلاً إن الآب هو نور، والابن هو بهاء هذا النور، والروح القدس الذي هو الوكالة الذي به تنال البشرية استناراتها (المعرفة) يلزم أن يكون متمايزاً في الابن. فعندما نستنير، فالمسيح نفسه الذي في الروح هو ينيرنا، إذ يقول القديس يوحنا: "المسيح هو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسانٍ" (يو1: 9). بالمثل الآب هو النبع، والابن يُدعى النهر الذي يفيض من هذا النبع، ويقول الكتاب المقدس أيضاً إننا نستقي من الروح. بارتوائنا من الروح نستقي من المسيح نفسه. مرة أخرى المسيح هو الابن الحقيقي، لكننا بالروح نصير أبناء، وننال روح التبني. من هذا يستنتج[93] (أثناسيوس) أنه يوجد ثالوث كامل قدوس، يعبرعنه بالآب والابن والروح القدس، لا يحوي شيئاً غريباً صادراً من منبع خارجي. بطبيعته يحوي ذاته بذاته، دون تجزئة، طاقته واحدة، إذ يعمل الآب في ثبات بالكلمة في الروح القدس. على هذا فوحدة الثالوث القدوس محفوظة، لهذا يكرز بإله واحد في الكنيسة، هذا الذي هو فوق الكل وبالكل وفي الكل. فوق الكل هو الآب الأصل والمنبع، وبالكل بالكلمة، وفي الكل بالروح القدس[94].].

يدافع القديس ديديموس الإسكندري عن مشيئة الثالوث القدوس الواحدة[95]. ويؤكد القديس كيرلس[96] وحدة عمل الثالوث القدوس؛ فالآب يعمل بالابن في الروح القدس؛ كذلك يعمل الابن بكونه قوة الآب، لأن كيانه (الأقنومي) هو من الآب وفي الابن، والروح القدس يعمل لأنه روح الآب والابن. يقول القديس كيرلس الكبير:

[واهب الروح الإلهي المحيي هو الابن المولود من الله، الذي يشارك الحياة، ويتقبل الطبيعة الإلهية الكاملة من الآب؛ والذي فيه الابن والروح المحيي، يقوم الأخير بخلق الحياة للذين ينالونه[97].].

[في الطبيعة الإلهية الواحدة الثلاثة أقانيم المتمايزون يتحدون في جمالٍ سامٍ واحد؛ ونحن أيضاً نتشكل بقبولنا ختم بنوي بالابن في الروح[98].].

[شكراً للروح، إذ نتشكل حسب جمال الابن الإلهي الفائق، نشترك في الطبيعة الإلهية[99].].

[يمنحنا الابن كمال رائحة الذي ولده (الآب). به وفيه نتقبل رائحة معرفة الله، ونغتني بها[100].].

ويقول القديس إيريناؤس: [بخصوص عظمته لا يمكن معرفة الله... أما بخصوص حبه فهو معروف دوماً بكلمته... وبالروح الذى يحتضن الإنسان ويهبه سلطة إلى مجد الآب[101]]. كما يقول: [الآب يُعلن، والروح حقاً يعمل، والابن يخدم[102]].

ويقول القديس أمبروسيوس: [ليس من أمر ما مستبعد، فالابن له ذات الإرادة التى للآب[103]].


[88] On St. John 36: 13,228.

[89] Contra Celsus 12: 8.

[90] Against the Arians 66: 3.

[91] God in the Patristic Thought, p. 256.

[92] Ep. ad Serapion 19: 1.

[93] Ibid 28: 1.

[94] God in the Patristic Thought, p. 257 - 8.

[95] De Trinit. 1: 2.

[96] Dial. 9 de Trinit; Comm. on St. John.

[97] De SS. Trinitate Dialogus, 5. PG 964: 75 B.

[98] De SS. Trinitate Dialogus, 5. PG 964: 75 B.

[99] De SS. Trinitate Dialogus, 3. PG 837: 75 C.

[100] De SS. Trinitate Dialogus, 3. PG 837: 75 C.

[101] Adv. Haereses 20: 4: 4. PG 1034: 7 B.

[102] Adv. Haereses 20: 4: 6. PG 10367: 7.

[103] Of the Christian Faith, 6: 2: 51.

كيف نفهم وحدة الثالوث القدوس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف نفهم وحدة الثالوث القدوس؟

وحدة الثالوث القدوس فريدة، ليست كامتزاج السوائل والمواد، ولا كوحدة نفس الإنسان بجسده، ولا كاتحاد لاهوت المسيح بناسوته.

كل أقنوم يملأ الأقنومين الآخرين وهو مُحتوى فيهما لكنه متمايز عنهما. يقول القديس أثناسيوس: [كيف يمكن للواحد أن يكون محتوياً في الآخر، والآخر فيه؟ "انا والآب واحد" (يو10: 30) ويضيف: لكي تعرفوا: "أنى أنا في الآب، والآب فيّ" (يو14: 10). علاوة على هذا يقول: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو14: 9). المعنى واحد في هذه العبارات الثلاث. لأن من يعرف أن الآب والابن هما واحد يدرك أيضاً أن الابن في الآب والآب في الابن، لأن لاهوت الابن هو ذات لاهوت الآب في الابن. ملء لاهوت الآب حال في كيان الابن، والابن هو الله الكامل. لاهوت الابن ونمطه ما هو إلا لاهوت الآب ونمطه. هذا ما قاله: "آنا في الآب". وهكذا "الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه" (2كو5: 19). لأن خاصية جوهر الآب هي للابن الذي فيه تصالحت الخليقة مع الله[85].].

كما يقول: [الثالوث القدوس المبارك غير قابل للتجزئة وهو واحد في ذاته. فإذا ما ذكرنا الآب نعني ضمنياً الابن الكلمة، كما نعني أيضاً الروح القدس الذي في الابن. وإذا ذكرنا الابن فإن الآب في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة، لأنه توجد نعمة واحدة تتحقق من الآب بالابن في الروح القدس[86].].

ويقول القديس هيلاري أسقف بواتييه عن وحدانية الثالوث القدوس: [جعل المسيح رسله يعمدون باسم الآب والابن والروح القدس، أي الاعتراف بالخالق والابن الوحيد الجنس والعطية. لأن الله الآب هو واحد، منه كل شيءٍ؛ وربنا يسوع المسيح الابن الوحيد الذي به كان كل شيءٍ (1كو8: 6) هو واحد؛ والروح عطية الله لنا، الذي يتخلل كل شيءٍ هو أيضاً واحد (أف4: 4). هكذا الكل قد تعظّم حسب القوى التي لهم والمنافع التي يمنحونها، القوة الواحدة التي منها الكل، الابن الواحد الذي به كل شيء، العطية الواحده التي تهبنا رجاء كاملاً. لا يمكن أن يوجد نقص في هذا الاتحاد السامي الذي يحتضن الآب والابن والروح القدس، غير محدود في سرمدية، مثاله في صورة تعبر عنه، وتمتعنا به في العطية[87].].


[85] Against the Arians 23: 3: 5.

[86] Ep. ad Serapion 14: 1,.

[87] On the Trinity 1: 2.