كثيرون سقطوا وبعضهم هلكوا وهم داخل الخدمَة

كثيرون سقطوا وبعضهم هلكوا وهم داخل الخدمَة

لا تظن يا أخى الخادم أن كل الذين سقطوا أو كل الذين هلكوا، كانوا خارج الكنيسة أو خارج الخدمة. فالكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة يسجلان لنا كثيراً من القصص والأحداث عن أشخاص ضاعوا وبعضهم هلكوا، وهم داخل الكنيسة وداخل الخدمة.

أمثلة:

لنأخذ مثلاً: ديماس مساعد بولس الرسول.

أو شريكه فى الخدمة، الذى كان يذكره فى رسائله (كو14: 4)، وفى إحدى المرات ذكره قبل لوقا البشير (فل24). ديماس هذا زميل مرقس، وأرسترخس، الذى لا شك أن العديدين آمنوا على يديه... هذا إنتهت حياته الروحية بمأساة، يشرحها القديس بولس بقوله "ديماس تركنى إذ أحب العالم الحاضر" (2تى10: 4). وقيل عنه فى بعض أخبار التاريخ إنه إرتد وصار وثنياً!!

وليس ديماس وحده، بل هناك آخرون قا ل عنه القديس:

"لأن كثيرين ممن كنت أذكرهم لكم مراراً، والآن أذكرهم باكياً وهم أعداء صليب المسيح" (فى18: 3).

ويشرح الرسول مأساة هؤلاء فيقول "الذين نهايتهم الهلاك، الذين إلههم بطنهم، ومجدهم فى خزيهم، الذين يفتكرون فى الأرضيات" (فى19: 3). أليس كل أولئك درساً لجميع الخدام لكى يحترسوا جيداً، ويتذكروا قول الرسول:

"إذن من يظن أنه قائم، فلينظر أن لا يسقط" (1كو12: 10).

السقوط ممكن، حتى لخدام كانوا جبابرة...

وأمثلتهم بعض ملائكة الكنائس السبع، الذين أرسل لهم الرب رسائل على يد القديس يوحنا الرسول. أولهم راعى كنيسة أفسس الذى قال له الرب "أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك... وقد إحتملت ولك صبر، وتعبت من أجل إسمى ولم تكل" (رؤ3، 2: 2). ومع ذلك فإنه ترك محبته الأولى. وقال له الرب "اذكر من أين سقطت وتب.. وإلا فإنى آتيك عن قريب، وأزحزح منارتك من مكانها، إن لم تتب" (رؤ5: 2). ما أرهب هذا الكلام...

ولكن أخطر منه وأصعب، ما قيل لملاك كنيسة ساردس:

"أنا عارف أعمالك أن لك إسماً أنك حى، وأنت ميت" (رؤ1: 3).

ومع ذلك كان خادماً، ودّعى ملاكاً، وكان واحداً من السبعة الكواكب التى كانت فى يمين الرب (رؤ20: 1). والرب يدعوه إلى التوبة وينذره (رؤ3: 3).

ومثله ملاك كنيسة لاودكية الذى قال له الرب: "لأنك فاتر، ولست بارداً ولا حاراً، أنا مزمع أن أتقيأك من فمى" (رؤ16: 3).

ومن أمثلة الذين ضاعوا فى الخدمة علاى الكاهن وأولاده.

كان كاهناً للرب، واستمر فى كهنوته إلى أن شاخ وضعفت عيناه. ولكن لأنه لم يرب أولاده، ولما انتهرهم لم يفعل ذلك بحزم.. لذلك قطعه الله، وأمات إبنيه فى يوم واحد (1صم34، 31: 2). بل قال الرب "أقسمت لبيت عالى أنه لا يكفّر عن شر بيت عالى بذبيحة أو بتقدمة إلى الأبد" (1صم14: 3).. وسقط عالى الكاهن عن كرسيه فانكسرت رقبته ومات. وكان قد قضى لإسرائيل أربعين سنة "(1صم18: 4).. هلك الشيخ مع أولاده، وهم فى الخدمة!

هلاك آخر كان لشاول الملك، مسيح الرب.

أرسل له الرب صموئيل النبى، فمسحه بالدهن المقدس ملكاً لشعبه، وحلّ عليه روح الرب فتنبأ، حتى قال الشعب "أشاول أيضاً بين الأنبياء" (1صم11: 10).. ولكن كيف إنتهت حياة مسيح الرب هذا؟! لقد أخطأ إلى الله، فنزع روحه منه. وقيل فى ذلك "وذهب روح الرب من عند شاول. وبغته روح ردئ من قبل الرب" (1صم14: 16)... ومات شاول هالكاً...

أيضاً الكتبة والفريسيون هم مثال آخر لهلاك خدّام وهم فى محيط الخدمة...

كانوا معلمى الشعب فى أيامهم، وأكثر الناس تشدداً فى حفظ الناموس ومعرفته، وقد قال عنهم الرب فى ذلك "على كرسى موسى جلس الكتبة والفريسيون.." (مت2: 23). ومع ذلك هلكوا وهم فى خدمتهم. وأغلقوا ملكوت السموات قدام الناس، فلا هم دخلوا ولا تركوا الداخلين يدخلون وسماهم الرب "قادة عميان" (مت16، 13: 23).

وقال لهم "أيها الحيات أولاد الأفاعى، كيف تهربون من دينونة جهنم؟!" (مت33: 23)... ومع ذلك كانوا خداماً ومعلمين وقادة الخدمة والتعليم فى أيامهم!!

وكذلك أيضاً كان الكهنة فى ذلك الجبل.

أولئك الذين سماهم المسيح "الكرامين الأردياء" وقال لهم "إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره" (مت43: 21). هؤلاء الكهنة ورؤساؤهم هم الذين حاكموا المسيح وأدانوه!! ووقفوا أمام بيلاطس يشتكون عليه (مت12: 27). ويصيحون طالبين صلبه (لو23: 23). وهم الذين قاوموا القيامة، ودفعوا رشوة للعسكر ليقولوا إن تلاميذ المسيح سرقوا الجسد (مت13: 28). كما كانوا هم الذين دفعوا الثلاثين من الفضة ليهوذا ليسلم سيده (مت15، 14: 26).

وهلك أولئك الكهنة، وكانوا خداماً للرب، بل رسلاً لرب الجنود، ومن أفواهم تطلب الشريعة (ملا7: 2)!!

مثال آخر، هو الإبن الكبير فى قصة الإبن الضال:

الإبن الصغير كان يمثل الذين ضلوا بالذهاب إلى كورة بعيدة، وانفصلوا عن بيت الآب، أما أخوه الأكبر فكان يمثل الذين ضلوا وهم فى الخدمة. بدليل قوله لأبيه "ها أنا أخدمك سنين هذا عددها، وقط لم أتجاوز وصيتك" (لو29: 15). ومع ذلك كان ضائعاً وساقطاً وهو فى محيط الخدمة على الرغم من تلك السنين العديدة!

ما كان محباً لأخيه العائد، بل غضب لإكرامه ورفض أن يدخل البيت ويشترك فى فرح الأسرة به.

كذلك لم يكن مؤدباً فى حديثه مع أبيه. واتهم أباه بالبخل فى قوله "وقط لم تعطنى جدياً لأفرح مع أصدقائى" (لو29: 15). واتهمه بعدم العدل فى معاملة أولاده، ولام أباه على إكرامه إبنه العائد. ولم تكن مشيئته متفقة أبداً مع مشيئة الآب.

ومع ذلك كان خادماً له فى الخدمة سنون هذا عددها!!

الذين يهلكون وهم داخل الخدمة، يذكروننا بإبنة يايرس التى ماتت وهى فى بيت أبيها (لو49: 8 - 52).

وتختلف عن إبن أرملة نايين الذى كان فى نعش فى الطريق (لو12: 7) وعن لعازر الذى كان فى قبر وعليه حجر (يو38: 11).

آدم أيضاً وحواء سقطا وهما فى الجنة.

لعل يهوذا الأسخريوطى هو أسوأ مثال بشرى لمن هلكوا وهم فى الخدمة.

كان واحداً من الإثنى عشر (مت4: 10). والسيد المسيح هو الذى أختاره ضمن الباقين. بل ميزه عنهم بأن عهد إليه بأمانة الصندوق، وبالإنفاق على الفقراء، والدليل على ذلك أنه لما قال له الرب موبخاً فى يوم خميس العهد "ما أنت تعمله فاعمله بأقصى سرعة" ظن البعض "إذ كان الصندوق مع يهوذا.. أن يسوع قال له إشترِ ما نحتاج إليه للعيد، أو أن يعطى شيئاً للفقراء" (يو29، 27: 13).

ولعل يهوذا اشترك فى الخدمة التدريبية الأولى (مت10)، وأخذ مع الرسل بعض المواهب (مت1: 10)... وعلى الرغم من كل ذلك هلك يهوذا.

من الدروس النافعة أيضاً فى الخدمة: هلاك نبى معروف هو [بلعام].

كان رجلاً "مفتوح العينين... يسمع أقوال الله، ويعرف معرفة العلى.. يرى رؤيا القدير، وهو مكشوف العينين" (عد16، 15: 24).

وهو الذى تنبأ عن السيد المسيح وقال "أراه وليس الآن. أبصره ولكن ليس قريباً. يبرز كوكب من يعقوب، ويقوم قضيب من إسرائيل، فليحصل طرفى موآب" (عد17: 24).

وهو الذى ظهر له ملاك الرب، وكلمه الرب أكثر من مرة وقيل فى ذلك "فوافى الله بلعام.. ووضع الرب كلاماً فى فم بلعام، وقال أرجع إلى بالاق وقل هكذا" (عد5، 4: 23) (عد16: 23). أما بلعام فقال لبالاق ولعبيده قبل ذلك: "ولو أعطانى بالاق ملء بيته فضة وذهباً، لا أقدر أن أتجاوز قول الرب لأعمل خيراً أو شراً من نفسى. الذى يتكلمه الرب إياه أتكلم" (عد13: 24) (عد18: 22).

وقيل "فكان عليه روح الله، فنطق بمثله" (عد3، 2: 24).

وقبل أن يتكلم كان يبنى سبعة مذابح، ويقدم محرقات: سبعة ثيران وسبعة كباش (عد2، 1: 23) (عد30، 29: 23).

وعلى الرغم من البنوءات والمحرقات والرؤى وحلول روح الله عليه، هلك بلعام، وألقى معثرة أمام بنى إسرائيل.. "(رؤ14: 2). وتحدث الكتاب عن" ضلالة بلعام "(يه11)...

وقيل "إنه أحب أجرة الإثم" (2بط15: 2).

ولعل من أمثلة السقوط – وليس الهلاك – هارون أخو موسى:

هذا الذى كان رئيساً للكهنة، ومسحه موسى النبى بالزيت المقدس حسب أمر الرب (خر16، 13: 40) (لا12: 8)... هارون هذا هو الذى صنع لبنى إسرائيل العجل الذهبى الذى عبدوه!!

"فقال لهم هرون: أنزعوا أقراط الذهب التى فى آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتونى بها.. فأخذ ذلك من أيديهم، وصّوره بالإزميل وصنعه عجلاً مسبوكاً... فلما نظر هرون، بنى مذبحاً أمامه. ونادى هرون وقال: غداً عيد للرب. فبكروا فى الغد وأصعدوا محرقات وقدموا ذبائح سلامة" (خر2: 32 - 6).

ولما أنتهز موسى بعد نزوله من الجبل أجاب "انت تعرف الشعب أنه فى شر. فقالوا لى اصنع لنا ألهة تسير أمامنا.." (خر22: 32 - 24).. وهكذا سقط هذا الكاهن العظيم سقطة عظيمة. وسقط مرة أخرى حينما تكلم هو ومريم ضد موسى النبى (عد1: 12) فوبخهما الرب. وضرب مريم النبيه بالبرص (عد4: 12 - 10).

وكانت مريم هذه هى التى قادت النساء فى تسبيح الرب بعد عبور البحر الأحمر، والدف بيدها (خر20: 15).

وهى التى رتلت تلك الترنيمة الجميلة "سبحوا للرب فإنه قد تعظم. الفرس وراكبه طرحهما فى البحر" (خر21: 15).

ومع ذلك فهذه النبية العظيمة ضربها الرب بالبرص، ولم يسمع شفاعة موسى فيها، إلا بعد أن طرحت خارج المحلة سبعة أيام (عد13: 12 - 15).

ننتقل بعد هذا من أحداث الكتاب المقدس إلى التاريخ..

تاريخ الكنيسة يحكى لنا أيضاً أمثلة من الذين هلكوا وهم فى الخدمة. وبعضهم وصلوا إلى قمم عالية فى الخدمة:

ومن أمثلة ذلك بعض الهراطقة الذين قد حرمتهم الكنيسة، وكانوا من الخدام البارزين فيهم:

مثال ذلك: أريوس الذى كان أعظم واعظ فى الأسكندرية. وقد هلك بسبب إنحرافه فى التعليم، وهو واعظ يخدم، وهو قس فى الكنيسة الكبرى بالأسكندرية. وقد استمر فى عناده وهرطقتهن فحرمه مجمع نيقية المقدس.

ومثل آريوس، نتحدث أيضاً عن نسطور ومقدونيوس بطريركى الكرسى العظيم فى القسطنطينية.

كان كل منهما فى جيله فى قمة الخدمة فى كنيسته... ووقع كل منهما فى هرطقة وهلك. مقدونيوس حكم عليه المجمع المسكونى الثانى المنعقد فى القسطنطينية سنة 381م. ونسطور حكم عليه المجمع المسكونى الثالث المنعقد فى أفسس سنة 431م. وماتا محرومين هالكين، وقد كانا على رأس كنيسة كبيرة وفى قمة خدمتها.

وبنفس الوضع تقريباً نتكلم عن هلاك أوطاخى وكان أباً روحانياً كبيراً على رأس دير فى القسطنطينية!

وضاعت كل خدمته السابقة فى رعاية دير كبير، وحرمته الكنيسة، فضاعت حياته الروحية أيضاً، إذ وقع كذلك فى هرطقة.

إن كان الأمر كذلك مع كل أولئك الجبابرة فى الخدمة، فليحترس إذن كل خادم. وليضع أمامه قول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس "لاحظ نفسك والتعليم، وداوم على ذلك. فإنك إن فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضاً" (1تى16: 4).

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الخدمة … والفتور

المحتويات
المحتويات

المحتويات