هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية والخادم الروحي – الجزء الثالث – البابا شنودة الثالث .
مقدمة الكتاب
نتابع معك أيها القارئ العزيز نشر مقالاتنا عن الخدمة الروحية والخادم الروحى.
وقد حدثناك فى الجزء الأول من هذه المجموعة عن:
† الخدمة الروحية: ما هى؟
† مركز الله فى الخدمة.
† التواضع فى الخدمة.
† مقاييس الخدمة ونجاحها.
† الخادم الروحى.
† العمل الجوانى.
وحدثناك فى الجزء الثانى من هذه المجموعة عن:
† الخدمة: أهميتها – مجالاتها.
† قوة الخدمة.
† النمو فى الخدمة.
†التعب فى الخدمة.
† مسحنى لأبشر المساكين.
† الذين ليس لهم أحد يذكرهم.
† يهيئ للرب شعباً مستعداً.
† تكونون لى شهوداً.
† الخادم داخل الأسرة.
وفى هذا الجزء نحدثك عن عشرة موضوعات أخرى، يمكن أن تقرأها فى فهرست هذا الكتاب.
وكتابنا الرابع فى هذه المجموعة، سيكون بمشيئة الرب عن (كيف نخدم؟).
(أنظر إعلاناً ص 132).
وختاماً نرجو لك نجاحاً فى خدمتك.
توفيقاً من الرب فى كل ما تعمله.
البابا شنوده الثالث.
لكل كائن رسَالة وعَمل
الذى يحيا بلا رسالة، لا قيمة لحياته.
قيمة حياة الإنسان، تنبع من قيمة الرسالة التى يقوم بها. إن كان بلا رسالة، يموت فتنتهى حياته. ولكن تبقى حياة أصحاب الرسالات، حتى بعد موتهم.
الذى بلا رسالة، لا يشعر بقيمة الوقت، فيبحث عن طريقة يقضى بها وقته، أو يقتل بها وقته! وما أكثر ما يحاربه السأم والملل والضجر، وربما القلق واليأس. لأن الحياة بلا رسالة لا طعم لها. يحاول أن يجد لها طعماً باللذة واللهو، وهذا أيضاً لا يكفى، وربما لا يجده!
الإنسان الذى بلا رسالة، يتمركز حول ذاته، ولكن تبدأ رسالته حينما يهتم بالآخرين، ويعمل خيراً لغيره...
الكل له رسالة، حتى الملائكة، والطبيعة الجامدة.
الملائكة لهم رسالة حب، نحو الله والناس: نحو الله فى التسبيح، ونحو الناس فى الخدمة "أليسوا جميعاً أرواحاً خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب14: 1).
والشياطين أيضاً لهم رسالة يعملون لها، ويتعبون لأجلها. ولكنها رسالة هدامة ضد مشيئة الله، وضد الحب والنقاوة.
وضد جعل الله رسالة، حتى لأولاد صغار، استخدامهم الرب لتنفيذ مشيئته، مثل صموئيل، وداود، وأرمياء...
والطبيعة لها رسالة، الشمس والقمر والنجوم تؤدى رسالة جوهرية لإنارة الكون، والهواء له رسالة، وكذلك الرياح والأمطار. والأرض ذاتها، التى نفلحها، أو نبنى عليها.. وباطن الأرض له رسالة.
لو لم تكن هناك رسالة لكل هذه، ما خلقها الله.
فالله لا يخلق شيئاً عبثاً، بدون رسالة وفائدة...
حياتك لها رسالة، وستؤدى حساباً على هذه الحياة. وكذلك كل مواهبك وزنات، لها رسالة ولها حساب...
كلما كانت مواهب أكثر، كلما اتسع نطاق رسالتك:
سواء كانت هذه المواهب ذكاء وعقلاً، أو فكراً، أو خيالاً، أو فناً، رسماً أو شعراً، أو أية قدرات أخرى، تستطيع أن تضمها جميعاً فى يد الله، وتؤدى به رسالة لخير العالم والمجتمع الذى تعيش فيه...
والإنسان قد تكون له رسالة محددة. أو متسعة...
الرسالة المحددة قد يحددها نطاق مهنة، أو نطاق مجتمع ضيق، أو مكان محدود، او زمن محدود.
كأن يقول إنسان: رسالتى هى الطب، أعالج أمراض الناس فى قرية معينة، طوال حياتى على الأرض، أو فى فترات عملى..
إنها رسالة محددة، ومثلها أية مهنة أخرى، تؤدى خيراً، ولكنه خير فى نطاق محدد، وينتهى..
ومثله أيضاً أية خدمة إجتماعية، على نطاق الأسرة، أو فى محيط العمل، أو فى مجتمع محدود...
وهناك أشخاص يسيئون فهم رسالتهم فى الحياة:
كالأم التى تظن أن كل مهتماً، هى الإهتمام بطعام إبنها، وملبسه، وصحته، وتعليمه، ورفاهيته.. ولا شئ غير ذلك. كأن روحيات الإبن لا وزن لها فى رسالة هذه الأم! وكان مصيره الأبدى لا يستحق أن يكون رسالة فى حد ذاته!..
ونفس الكلام نقوله عن الأب الذى يشعر أن رسالته نحو أبنائه قد إنتهت على خير وجه، حينما يتوظف أولاده، وتتزوج بناته!! أما المصير الأبدى فليس رسالته!
والبعض للأسف الشديد، قد تكون له رسالة محطمة.
كبعض الذين يرون رسالتهم فى منح اللذة للناس، وقد تكون لذة خاطئة، أو مجرد الترفيه عنهم، وقد يكون مضيعة لوقتهم إن زاد عن حده، او متلفاً إن فسدت وسيلته. وقد يرى أحد أن رسالته هى نوع من الفن ربما يكون فناً رخيصاً ضالاً.
ولكن هناك رسالات أخرى من الله، رسالات مقدسة.. الله يختار لها من أبنائه من يراهم صالحين لذلك...
لقد قال الرسول "الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم" (رو29: 8). ولعلك تقول: ما ذنبى أنا، إذا كان الله لم يخترنى لرسالة هامة؟ أقول لك: لو كانت لك صلاحية لها لاختارك الله بلا شك..
حقاً إن الفخرانى حرّ فى أن يجعل آنية للكرامة، وأخرى للهوان (رو9)، ولكنه حسب نوعية "الطيبة التى تقع فى يده، يشكلها. إن وجدها طينة ناعمة جيدة تصلح آنية للكرامة، يجعلها كذلك. وإن وجدها طينة رديئة لا تصلح للكرامة. تصير آنية للهوان...
والله له أسلوبه فى إعداد أصحاب الرسالات:
لقد أعد رسله بالتلمذة على يديه مدى سنوات طويلة، ثم أعدهم بالتدريب العملى حينما أرسلهم إثنين إثنين، وصحح لهم أخطاءهم (مت10؛ لو10). وأعدهم أيضاً بقوة الروح القدس، وقال لهم "لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وحينئذ تكونون لى شهوداً" (أع8: 1).
يوسف الصديق، الإبن المدلل لأبيه، صاحب القميص الملون وصاحب الأحلام، أعده الرب بالضيق وبالتجارب.
ما كان ممكناً ليوسف المدلل أن يصلح لرسالته الكبيرة، لذلم صمح الله له أن يلقى فى البئر، وأن يخونه أخوته ويتآمروا عليه، ويباع كعبد. وسمح أن يتهم ظلماً من إمرأة فوطيفار، وأن يلقى فى السجن. كل ذلك لإعداده للرسالة...
وموسى الذى تربى فى قصر فرعون، فى جو السلطة.
أعده الرب لإحتمال شعب صلب الرقبة، ينقله من الإمارة إلى الرعى، من حياة القصر إلى البرية، فى الإشفاق على الغنم، حتى يشفق على الشعب العاصى..
وهكذا كان الله بأنواع وطرق شتى يعد أولاده للرسالات:
وكثيراً ما كان يستخدم أسلوب التشجيع كما فعل مع موسى، والوعود كما فعل مع يشوع وأرمياء..
فى كل ما يحيط بك من ضيقات وأحداث، اعلم أن الله يعدك للقيام برسالتك، إن عرفت كيف تستخدم الضيقات لخيرك، لا للتذمر والشكوى.
لقد أعد إبراهيم فى حياة الغربة، وأعد يونان بالعواصف والأمواج وبطن الحوت، وأعد بطرس باختبار الضعف البشرى حتى لا يظن أنه أفضل من باقى التلاميذ...
بل إن إعداد أصحاب الرسالات الكبيرة، يسبق أحياناً ولادتهم:
أرميا النبى، قال له الرب "قبلما صورتك فى البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبياً للشعوب" (أر5: 1). ويوحنا المعمدان: من بطن أمه إمتلأ من الروح القدس (لو15: 1) وبولس الرسول يقول عن نفسه "لما سر الله الذى أفرزنى من بطن أمى، ودعانى بنعمته.." (غل15: 1).
والرسالات عند الله تتنوع، ويختار لها أشخاصاً أكفاء..
إن توبيخ آخاب الملك الفاسد، والتخلص من كل أنبياء البعل، رسالة تحتاج إلى نبى شديد مثل إيليا، يقول بضمير مستريح "لتنزل نار من السماء وتحرق الخمسين" (2مل12، 10: 1).
وقيادة شعب معاند مقاوم رسالة صعبة، تحتاج إلى الرجل موسى الذى "كان حليماً جداً، أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (عد3: 12).
وقد يختار الله من لا مواهب لهم، ثم يهبهم بنعمته كل ما تحتاج إليه الخدمة من مقدرات...
قد يختار جهال العالم، ويخزى بهم الحكماء. ويختار ضعفاء العالم، ويخزى بهم الأقوياء (1كو28، 27: 1). ويختار أوانى خزفية ضعيفة لتحمل رسالته، حتى يكون فضل القوة لله وليس لنا كما قال الرسول (2كو7: 4).
إن الرسالات فى الدنيا عديدة، ولكن أعظمها هو العمل على خلاص الناس، وحفظ أبديتهم من الهلاك.
والذين يعملون فى هذا الميدان، "يضيئون كالجلد، وكالكواكب إلى أبد الدهور (دا3: 12). وقد قال يعقوب الرسول" من رد خاطئاً عن طريق ضلاله، ينقذ نفساً من الموت، ويستر كثرة من الخطايا "(يع20: 5).
ما أعظم إنقاذ نفس من الموت: فكم بالأولى إن كنت الرسالة هى إنقاذ نقوس عديدة... ".
والذين يعملون فى هذا المجال، إنما يعملون مع الله. كما قال بولس الرسول عن نفسه وعن سيلا "فإننا نحن عاملان مع الله" (1كو9: 3). وقال فى موضع آخر "كأن الله يعظ بنا" (2كو20: 5).. حقاً إنها شركة مع الروح القدس فى العمل. وهذه الشركة تعطى هذه الرسالة أهمية وخطورة...
النفوس التى تعمل فى هذا المجال، هى بلا شك نفوس كبيرة:
إن يوحنا المعمدان، أعد الطريق أمام المسيح، فى اقل من سنة واحدة. لقد بدأ عمله وهو فى سن الثلاثين، وبعد ستة أشهر بدأ المسيح عمله. وكانت معمودية التوبة قد إكتسحت الكل. وفى شهور أعد يوحنا الطريق.
والرسل الإثنا عشر فى سنوات قليلة، أوصلو الكرازة بالإنجيل إلى أقصى الأرض، وإلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم (مز4: 19). وكانت كلمة الرب تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جداً، وجماهير تنضم إلى الإيمان (أع7: 6). وقد "أتى ملكوت الله بقوة.." (مر1: 9).
إن أصحاب الرسالات الكبيرة، أشخاص جادون فى عملهم..
حياتهم دسمة، كشجرة ضخمة محملة بالثمار...
تذكرنى بقول القديس الأنبا انطونيوس عن القديس الأنبا مقاريوس "إن قوة عظيمة تخرج من هاتين اليدين"...
إن حياة أصحاب الرسالات، لم تقتصر على جيلهم.
لقد عبروا الزمان، فلم يستفد جيلهم فقط من رسالتهم، بل كل الأجيال، وكان لرسالتهم إمتداد حتى بعد موتهم أيضاً، واستمر عملهم...
قديسون كثيرون، حتى بعد موتهم كلفهم الله برسالة.
الآخرون فى حَياتك
صدق ذلك الأديب الذى قال:
ما استحق أن يعيش، من عاش لنفسه فقط.
لذلك فالشخص الروحى، فى حياته فى المجتمع، يجد لذته فى أن يحيا لأجل غيره، متبعاً قول الرب، "تحب قريبك كنفسك" (مت39: 22). وهكذا يحب كل احد من اعماق قلبه...
وتكون محبته للآخرين محبة عملية حسبما قال الرسول "لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق (1يو18: 3).
هذه المحبة تتميز بالعطاء، وتتميز بالبذل، سواء من الناحية الجسدية، أو الناحية الروحية...
لذلك فإن الشخص الروحى، هو بطبيعته إنسان خادم.
يخدم غيره فى كل مجال، لا لأنه مطالب بهذا، وإنما لأن الخدمة جزء من طبيعته، وجزء من كيانه، يشعر فيها بالحب، ويتغذى بها أكثر مما يغذى غيره.
وإذا كانت الخدمة هى من عمل الملائكة (عب14: 1). وبالأولى البشر...
والملائكة حينما يخدمون البشر، إنما يخدمونهم فى حب وبذل، وليس عن مجرد واجب أو تكليف. انظروا إلى السارافيم المخصصين للتسبيح، لما سمعوا من أشعياء أنه نجس الشفتين، طار واحد منهم بسرعة، وأخذ جمرة من على المذبح، وطهر بها شفتى أشعياء (أش6: 6).
هوذا السيد المسيح ظهرت محبته للبشر فى الخدمة والفداء:
وهكذا ورد عنه فى الكتاب "إن إبن الإنسان لم يأت ليخدم، بل ليخدم، ويبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مر45: 10). وكما قال الرب أيضاً "ليس حب أعظم من هذا، أن يبذل أحد نفسه عن أحبائه" (يو13: 15).
ما أجمل أن يكون الإنسان سبب سعادة لكل من حوله:
من هنا كانت المحبة التى تتصف لها الأمومة، والتى تتصف بها الأبوة، كما قال الرب لأورشليم، كم مرة أردت أن أجمع أولادك، كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها "(مت33: 23)." إن نسيت الأم رضيعها، لا أنساكم "(أش15: 49). هذا الحب الذى يسعد الغير، بالعطاء والبذل، هو سمة من سمات الروحيين، ولذلك حسناً قال الرب:
"مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع35: 20). ففى العطاء محبة للآخرين، اما الأخذ فكثيراً ما يحوى إهتماماً بالذات...
إن المحبة التى تعطى، تظهر فياه أعماق قول الرب "كنت جوعاناً فأطعمتمونى.." (مت35: 25). وأعماق قول الرسول "الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هى هذهك إفتقاد اليتامى والأرامل فى ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس" (يع27: 1). والعطاء الذى ينبغ من الحب، غير العطاء الذى هو مجرد تنفيذ للوصية، أو هو لكسب المديح أو لأداء الواجب...
هناك وظائف هى موضع محبة للناس، لأنهم تعتنى بهم:
مثال ذلك الطب والتمريض والخدمة الإجتماعية. وهناك أيضاً الأطباء الروحيون، آباء الإعتراف الذين يحملون أثقال الناس، ويخففون من متاعبهم. وقد يوجد شخص لا يقدم لغيره معونة مادية، ولكنه يقدم أذناً صاغية تستمع فتريحهم، أو يقدم إبتسامة طيبة أو كلمة تطيب الخاطر، فيحبونه.
بعكس ذلك، الذين يتمركزون حول أنفسهم، ذواتهم هى كل شئ.
ما أصعب من يقول "أنا أو الطوفان" أو الشاعر الذى قال:
إذا ما عطشاناً فلا نزل المطر.
لم يكن موقفاً روحانياً، ذلك الذى وقفه يونان حينما إغتاظ لخلاص أهل نينوى، وغضب لأن كلمته من جهة عقوبتهم، لم تنفذ، فاعتبر ذلك ضد كرامته!! لذلك عاتبه الله قائلاً له: "هل اغتظت بالصواب" (يون4: 4).
أما موسى النبى، فقد ضرب مثلاً عالياً فى محبة الآخرين.
وذلك حينما تضرع إلى الرب من أجل الشعب المخطئ قائلاً "والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامحنى من كتابك الذى كتبت" (خر32: 32). ويشبه ذلك قول بولس الرسول "فإنى كنت أود لو أكون أنا نفسى محروماً من المسيح، لأجل إخوتى إنسبائى حسب الجسد.." (رو3: 9).
فكلا الإثنين فضل أن يحرم هو نفسه من الرب – أى يفقد أبديته – من أجل إنقاذ الآخرين.. وهذا أمر عجيب، مثالى فى الحب، وإن كان من جهة التنفيذ غير ممكن...
فلا أقل من جهة الحب – أن تصلى من أجل الآخرين.
ولهذا هناك أناس يجعلون الآخرين عنصراً بارزاً فى صلواتهم. والكنيسة فى صلواتها الطقسية لا تترك أحداً لا تصلى من أجله، بل تصلى حتى من أجل الحيوان والطبيعة.
والسيد الرب أعطانا تعليماً جميلاً فى الصلاة من أجل الآخرين، حينما وضع لنا الصلاة الربية، وفيها تكلم الله بأسلوب الجمع – لا باسلوب الفرد – مدمجين حاجيات الآخرين معنا. وكذلك نصلى قانون الإيمان:
وتعلمنا المسيحية أننا جميعاً أعضاء فى جسد واحد..
إن تألم عضو، تتألم معه بقية الأعضاء (1كو26: 12). ويقول لنا الرسول "فرحاً مع الفرحين، وبكاء مع الباكين" (رو15: 12).
فماذا فعلنا نحن من أجل الآخرين، أياً كانوا؟
إننا نحب الذين يحبوننا، ولكن السيد المسيح يقول لنا "إن سلمتم على الذين يسلمون عليكم، فأى أجر لكم؟! الخطاة أيضاً يفعلون هكذا" (مت47، 46: 5). إذن علينا واجب حيال الخطاة والمسيئين أيضاً... حيال من يسخرنا ميلاً. أو من يخاصمنا ويريد أن يأخذ الثوب، أو من يلعن أو من يسئ...
الإنسان الروحى لا يبنى راحته على تعب الآخرين. بل يتعب دائماً لكى يريح غيره، وهو شمعة تذوب لكى يستضئ الناس بها، الذين يضعهم فى قمة إهتمامه..
الرجل الروحى يعمل كل جهده لكى يبنى الآخرين.. لا يبحث من فيهم مستحق، ومن هو غير مستحق إنما يفكر من فيهم محتاج، وكيف يبذل كل جهده حتى "لا يدع أحداً محتاجاً إلى شئ حين يكون بإمكانه أني عطيه إياه...
وتربطه بجميع الناس رابطة قوية من حسن المعاملة. فى جو من المجاملة ومن التفاهم، ومن الروح الواحد، مراعياً قول الرسول، الذى نردده فى صلاة باكر "اسألكم أنا الأسير فى الرب، أن تسلكوا كما يليق بالدعوة التى دعيتم إليها، بكل تواضع القلب، والوداعة، وطول الأناة، محتملين بعضكم بعضاً فى المحبة، مسرعين إلى حفظ وحدانية الروح برباط الصلح الكامل، لكى تكونوا.. روحاً وحداً" (أف4).
إن الإبن الأكبر، لم يضع أخاه الراجع فى اعتباره، لم يفرح لفرحه، ولم يشترك فى الوليمة التى صنعت لأجله، بل ركز إهتمامه فى نفسه وما ينبغى أن يعطى له من أبيه.
أما نحن فلننكر ذواتنا، لكى نحب الآخرين.. ونسعدهم.
[Place Image #01 here].
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.