(2) العَمل الفَردى

(2) العَمل الفَردى

الآباء الرسل كان لهم عمل فردى، حتى فى رسائلهم:

مثال ذلك رسالة القديس بولس مع فليمون. فقد كان فيها عمل فردى مع فليمون، وعمل آخر مع عبده أنسيموس الذى صيره القديس بولس أخاً وخادماً نافعاً له فى الخدمة، وتعهد بأن يوفى عنه ديونه.. (فل16 - 18).

كذلك رسالته أيضاً إلى تيموثاوس. بالإضافة إلى ما ورد فيها عن حياته وسلوكياته، بل عن صحته الجسدية أيضاً، إذ يقول له "لا تكن بعد شريب ماء، بل خذ قليلاً من الخمر لأجل معدتك وأسقامك الكثيرة" (1تى23: 5).

والأمثلة كثيرة عن العمل الفردى فى رسائل الآباء الرسل.

ميزات العمل الفردى:

العمل الفردى يتميز عن العمل الجماعى بعدة أمور، نذكر منها:

1 - فيه نوع من التركيز والتخصيص والفائدة المباشرة:

ففى العظة التى تلقى فى الكنيسة أو فى أى إجتماع، يتكل الخادم كلاماً عاماً لجميع الناس. ولكنه فى العمل الفردى يكلم إنساناً بالذات يمس الحياة الخاصة لهذا الإنسان، والظروف التى يمر بها. إنها خدمة مركزة، ونتيجتها واضحة.

فما معنى عبارة "نتيجتها واضحة"؟

أى أنه فى العظة العامة، لا يعرف الواعظ ماذا كان تأثير كلامه، وهل أتى بنتيجة أم لا. أما فى العمل الفردى، فيرى النتيجة أمامه. إنه يكلم شخصاً يرى أمامه مدى استجابته أو رفضه، ومدى تفاعله مع الكلام الذى يسمعه، وإن كان له إعتراض يبديه...

2 - العمل الفردى يتميز أيضاً بمكافأة خاصة، لأنه عمل فى الخفاء.

العظات العامة، والفصول الكبيرة فى التربية الكنسية، والخدمة فى القرى، لها وضوح وهى ظاهرة أمام الكل. وقد يوضح جدول لها يبين إسم الخادم وخدمته وموعدها. أما العمل الفردى، فهو فى الخفاء، لا يحس به أحد، ولا ينال إعجاباً من جمهور. ولكن كما قال السيد الرب "أبوك الذى يرى فى الخفاء، هو يجازيك علانية" (مت6، 4: 6).

3 - كذلك العمل الفردى، يحمل أيضاً تواضعاً فى الخدمة.

هناك أشخاص لا يخدمون إلا على مستوى معين!! إما فى إجتماع كبير، أو كنيسة كبيرة، أو مكان له شهرته... وإلا فانهم يعتذرون عن الخدمة..! أما العمل الفردى فإن فيه إتضاعاً، لأن الخادم يكلم فيه شخصاً واحداً، فى بعد عن الشهرة، فهى خدمة تعطى، وفيما يبدو لا تأخذ شيئاً...

4 - العمل الفردى يتميز بحب أكثر، وبإهتمام أكثر.

فيه عنصر المبادرة وعنصر الإهتمام. ففى العظات العامة يذهب الناس إلى الكنيسة. أما فى العمل الفردى، فالخادم هو الذى يذهب إلى المخدومين، وليسوا هم الذين يأتون إليه. وحتى إن أتى بعضهم، فإنه يجد إهتماماً خاصاً.

العمل الفردى هو حب للناس. هو إدراك لقيمة النفس الواحدة.

هو إدراك عملى لقيمة النفس التى مات المسيح لأجلها. وكان ثمنها هو دم المسيح. هو إنتشال لهذه النفس من النار. كما قال الرسول "وخلصوا البعض بالخوف، مختطفين من النار" (يه23). وكما قال ملاك الرب عن يهوشع وهو ينقذه من الشيطان الذى يقاومه "أفليس هذا شعلة منتشلة من النار" (زكا2: 3). وما أعمق قول معلمنا يعقوب الرسول "من ردّ خاطئاً عن ضلال طريقه، يخلص نفساً من الموت ويستر كثرة من الخطايا" (يع20: 5).

5 - وربما عمل فردى تكون له خطورته، ويتحول إلى عمل عام كبير.

مثل عمل السيد المسيح مع شاول الطرسوسى، فى عتابه له وهدايته، وفى دعوته أيضاً، وكيف أنه بهذا العمل الفردى، تحول شاول إلى طاقة جبارة فى العمل الكرازى، وتعب فى الخدمة أكثر من جميع الرسل (1كو10: 15).

فما أدراك. ربما هذا الفرد الذى تخدمه يصير شيئاً كبيراً فيما بعد...

6 - أيضاً فى العمل الفردى، تأخذ خبرة روحية عميقة.

خبرة لا تستطيع ان تحصل عليها فى العمل العام. فأنت تعرف خلالها طبيعة النفس البشرية وحروبها، وما تقف أمامها من عوائق عملية فى طريق الفضيلة. وترى الفارق بين التعليم النظرى الذى يقال للجماعات، وبين شخص تكلمه فيرد عليك، وتأخذ وتعطى معه فى الحديث. وتشرح له الفضيلة، فيشرح لك العقبات العملية التى تقف أمام التطبيق...

7 - لذلك فالعمل الفردى يتميز بالناحية العملية أكثر من العمل الجماعى، كلاهما معاً:

العمل الجماعى فى الصلاة العامة، وفى العظات العامة والخدمات العامة. أما العمل الفردى ففى الإعترافات، وفى حل مشاكل الناس، وفى الزيارات والإفتقاد. إنه يتعامل مع الكل، ومع كل فرد على حدة.

ومن الجائز أن العمل الفردى لا يكون مع فرد واحد. من الجائز أن يكون مع إثنين معاً، يصلحهما أو يدبر حياتهما المشتركة، أو يوفق خدمتهما. أو يكون العمل الفردى مع أسرة كاملة، ولكن لها طابعها الفردى بالنسبة إلى باقى الأسرات. أو مع مجموعة من الناس، مع مجلس جمعية مثلاً...

مجالات العمل الفردى:

من الممكن أن يوجد عمل فردى فى مجال الأسرة.

مثلما يقول الكتاب "أما أنا وبيتى فنعبد الرب" (يش15: 24)... ومثلما قال الرب عن وصاياه "قصّها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس فى بيتك" (تث7: 6). فهل أنت لك خدمة روحية وسط أفراك أسرتك؟ أم علاقتك بهم مجرد علاقة إجتماعية عائلية! أم علاقة إحتكاكات أحياناً!! هل أفتكرت أن توصل أخاك الصغير إلى الله؟ أو أن تقود أحد أقربائك إلى حياة التوبة، أو تعلمه العقيدة السليمة؟ إنه عمل فردى.

يمكن أن يكون العمل الفردى فى مجال الجيران أو المعارف.

إن كنت شخصاً روحياً، ولك جيران أو أصدقاء، فهل استفادوا من روحياتك؟ هل تمر حياتك الروحية مروراً عابراً على الآخرين، دون أن تترك فيهم أثراً، ويكون وجودك وسطهم بلا ثمر؟! هل كل أحاديثك معهم خالية من الله؟ أم تراك تتحاشى ذلك أو تخجل منه، لئلا يتهمونك بأنك متدين؟!

ونفس الكلام يقال عن زملائك فى العمل أو فى المدرسة.

وأيضاً عن زملائك فى النادى، أو فى أى نشاط اجتماعى. ما هى خدمتك الفردية وسط كل هؤلاء؟ هل استطعت أن تجذب أحداً إلى طريق الله، أو حتى أن تدعه إلى اجتماع فى الكنيسة؟

يعجبنى فيلبس، أنه وهو سائر فى الطريق، كان له عمل عميق مع الخصى الحبشى.

قدّم له الإيمان وعمده، وذهب فى طريقه فرحاً (أع39، 38: 8).

وأنت كم من الناس قد قابلتهم فى طريق الحياة، دفعهم الله إلى طريقك. فهل قدّمت لأحد منهم كلمة روحية، أو أية كلمة منفعة، أودفعة إلى قدام...

ما أعجب خدام الرب الحقيقيين. إنهم مميزون بشهادتهم للرب (أع8: 1). أشخاص كثيرون يتقابلون معك. واحد منهم يقدم لك علمه ومعرفته، وآخر يقدم لك ذكاءه، وثالث يقدم ظرفه ولطفه، ورابع يقدم خدمة. أما هذا النوع المميز، فيقدم لك المسيح، بلباقة ولطف فتشعر باشتراك المسيح معكما...

قد يكون ذلك فى أية مناسبة، فى زيارة، فى مرض، فى تعزية، فى معايدة...

فى لقاء عادى، يحوله هو إلى لقاء روحى، باسلوب هادئ طبيعى...

وهنا أتذكر أعماقاً مذهلة فى لقاءات القديسين. لعل فى مقدمتها لقاء مريم العذراء مع إليصابات. أكان لمجرد خدمة تلك العجوز فى الشهور الأخيرة من حملها؟ أم إننا نقف أمام هذه العبارة الجميلة "فلما سمعت أليصابات سلام مريم.. إمتلأت أليصابات من الروح القدس" (لو41: 1)... وكان لقاء نبوءة وكشف إلهى، وتسبيح وكلام روحى.

ماذا أيضاً عن اللقاء بين القديس الأنبا أنطونيوس، والقديس الأنبا بولا... وماذا عن اللقاءات بين القديسين التى كانوا يتكلمون فيها بعظائم الله، وإسمه على ألسنتهم. وكما تقول التسبحة "اسمك حلو ومبارك فى أفواه قديسيك".

ولعلك تقول: من يسمع؟ ومن يقبل؟ ومن يفهم؟

كلا يا أخى. تكلّم أنت، وأترك النتيجة إلى عمل الله فى القلوب. المهم أن تنطق بكلمة الله فى حكمة. وثق أن كلمة الله لن ترجع فارغة. بل كما قال السيد الرب "هكذا تكون كلمتى التى تخرج من فمى، ولا ترجع إلىّ فارغة، بل تعمل ما سررت به، وتنجح فيما أرسلتها له" (أش11: 55). إذن احرص فيما تخدم، أن يكون الله متكلماً على فمك. أما عن النتيجة، فاذكر قول الكتاب:

"إرم خبزك على وجه المياه، فإنك تجده بعد أيام كثيرة" (جا1: 11).

هناك نفوس تحتاج إلى مدى زمنى، حتى تقبل كلمة الله، وحتى يمكن أن تأتى الكلمة فيها بثمر... والأمر يحتاج إلى صبر ومثابرة.

إن كل نفس تعمل معها عملاً فردياً، لها ظروفها الخاصة، وعقليتها الخاصة، ولها ماضيها وحاضرها، وبيئتها وضغوطها، ولها مشاعرها وأحاسيسها ومفاهيمها. وليست كل نفس تنفعها نفس الكلمة.

لذلك فإن العمل الفردى يحتاج إلى حكمة، تتخير الكلام المناسب، والأسلوب المناسب، ونوع المعاملة.

إن كنت بصدد مشكلة معينة معروفة، يمكن أن تطرقها بطريقة مقبولة. أما إن كنت بصدد هداية عامة، فربما لا يصلح الأسلوب المباشر الذى تفرض به العمل الروحى فرضاً، بطريقة غالباً لا تقبلها ولا تستسيغها النفوس التى لم تتعودها. إنما يترقب الشخص المناسبة التى يقول فيها الكلمة الروحية بحيث تبدو طبيعية جداً غير مصطنعة...

[Place Image #04 here].

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

لاحظ نفسَك والتعليم

العَمل الفَردى

المحتويات
المحتويات

المحتويات