هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية والخادم الروحي – الجزء الثالث – البابا شنودة الثالث .
الدموع فى الخدمة
لعل من أشهرها دموع أرميا النبى.
هذه التى سجلت فى سفر كامل، من الأسفار المقدسة دعى (مراثى أرمياء).
والذى يشمل صلوات كثيرة، كلها تنهد وحسرة، كأن يقول:
"أنظر يارب ماذا صار لنا. وأنظر إلى عارنا. قد صار ميراثنا للغرباء.. صرنا بلا أب، أمهاتنا كأرامل" (مرا1: 5 - 3).
ويقول أيضاً "مضى فرح قلبنا. صار رقصنا نوحاً. من أجل هذا حزن قلبنا. من أجل هذه أظلمت عيوننا.. لماذا تنسانا إلى الأبد وتتركنا طوال الأيام. أرددنا يارب فنرتد. جدد أيامنا كالقديم. هل كل الرفض رفضتنا؟!" (مرا15: 5 - 22).
ويشرح فى هذا السفر بكاء مملكة يهوذا فيقول:
"على هذه أنا باكية. عينى عينى تسكب مياهاً. لأنه قد ابتعد عنى المعزى رادّ نفسى" (مرا16: 1). "كلّت من الدموع عيناى. غلت أحشائى" (مرا11: 2). "سكبت عيناى ينابيع ماء على سحق بنت شعبى. عينى تسكب ولا تكف بلا إنقطاع، حتى يشرف وينظر الرب من السماء" (مرا48: 3 - 50).
هنا بكاء بلا إنقطاع، وبلا عزاء، حتى تعبت العين من البكاء، وشعور بأن الله قد ترك النفس أو نسيها أو رفضها!! وصلاة.. مع صلاة إليه أن يرجع.
2 - ولعل من الأمثلة أيضاً بكاء المسبيين عند أنهار بابل. وفى ذلك يقول المرتل:
"على أنهار بلبل هناك جلسنا، فبكينا عندما تذكرنا صهيون. على الصفصاف فى وسطها علقنا قيثاراتنا. لأن هناك سألنا الذين سبونا أقوال التسبيح... كيف نسبح تسبحة الرب فى أرض غريبة؟!" (مز136).
3 - ومن الأمثلة أيضاً بكاء نحميا لما سمع أخبار سيئة عن أورشليم.
فقال: فلما سمعت هذا الكلام، جلست وبكيت، ونحت أياماً وصمت وصليت أمام إله السماء "(نح4: 1).
وفى صلاته أعترف بخطايا كل الشعب، وطلب من الرب رحمة، مذكراً إياه بمواعيده للآباء.
4 - ونفس الوضع بالنسبة إلى عزرا الكاهن، لما عرف خطايا الشعب. فبكى وأبكى الشعب معه.
وفى ذلك يقول الكتاب "فلما صلى عزرا، واعترف وهو باكِ وساقط أمام بيت الله، اجتمع إليه من إسرائيل جماعة كثيرة جداً من الرجال والنساء والأولاد. لأن الشعب بكى بكاءً عظيماً" (عز1: 10).
وفى غير المراثى، يقل أرمياء النبى فى سفره:
"يا ليت رأسى ماء، وعينى ينبوع دموع، فأبكى نهاراً وليلاً قتلى بنت شعبى" (أر1: 9).
5 - وقد بكى دانيال النبى أيضاً من جهة سنوات السبى:
وقال فى ذلك "فوجهت وجهى إلى الله السيد طالباً بالصلاة والتضرعات، بالصوم والمسح والرماد. وصليت إلى الرب إلهى واعترفت وقلت.. أخطأنا وأثمنا، وعملنا الشر، وتمردنا وحدنا عن وصاياك وأحكامك.." (دا3: 9 - 5).
"فى تلك الأيام، أنا دانيال كنت نائحاً ثلاثة أسابيع أيام، لم آكل طعاماً شهياً، ولم يدخل فى فمى لحم ولا خمر، ولم أدّهن، حتى تمت ثلاثة أسابيع أيام" (دا3، 2: 10).
وهنا نرى البكاء مصحوباً بالصلاة والصوم والزهد والإعتراف بالخطايا.
6 - من أمثلة البكاء فى الخدمة بكاء ميخا النبى "من أجل إثم يعقوب ومن أجل خطية بيت إسرائيل" (مى5: 1). وفى هذا يقول:
"من أجل ذلك أنوح وأولول. أمشى حافياً وعرياناً. أصنع نحيباً كبنات آوى، ونوحاً كرعاة النعام. لأن جراحاتها عديمة الشفاء. لأنها قد أتت إلى يهوذا.." (مى9، 8: 1).
7 - ولعل فى قمة البكاء فى الخدمة بكاء ربنا يسوع المسيح على أورشليم:
وفى ذلك يقول الكتاب "وفيما هو يقترب، نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلاً.. فإنه ستأتى أيام، ويحيط بك أعداؤك بمترسة.. ويهدمونك وبنيك فيك، ولا يتركون فيك حجراً على حجر.." (لو41: 19 - 44).
8 - ومن أمثلة البكاء أيضاً بكاء بولس الرسول فى الخدمة:
فإنه يقول لكهنة أفسس "أنتم تعلمون من أول يوم دخلت آسيا، كيف كنت معكم كل الزمان، أخدم الرب بكل تواضع ودموع كثيرة وبتجارب أصابتنى من مكايد اليهود".
"لذلك اسهروا، متذكرين أنى ثلاث سنين ليلاً ونهاراً، لم أفتر أن أنذر بدموع كل أحد" (أع31، 19: 20).
وحتى فى رسائل يقول لأهل كورنثوس "لأنى من حزن كثير وكابة قلب، كتبت إليكم بدموع كثيرة، لا لكى تحزنوا، بل لكى تعرفوا المحبة التى عندى ولا سيما من نحوكم" (2كو4: 2).
9 - وبالمثل كان تلاميذ القديس بولس فى بكائهم.
فهو يرسل إلى تلميذه تيموثاوس ويقول له ".. أذكرك بلا انقطاع فى طلباتى ليلاً ونهاراً، مشتاقاً أن أراك، ذاكراً دموعك" (2تى4: 1).
أسباب البكاء فى الخدمة:
القلب الحساس يتأثر من حالة الناس المخدومين.
يتأثر إذ يتذكر خطاياهم. كيف ضعفوا وكيف جرحوا قلب الله.
ويتأثر بنتائج الخطية، وما جلبته من متاعب ومن ويلات.. أو بما سوف تجلبه من غضب الله.
بل قد يتأثر فيما هو يوبخ على الخطايا، متذكراً ضعفه هو أيضاً، وأنه ما كان يريد أن يوبخ، فينذر بدموع...
وقد يبكى الإنسان فى الخدمة، طالباً معونة الله، أو طالباً رحمته ومغفرته. أو يبكى وهو يعرض على الله فى صلاته، ما وصل إليه الأمر من ضياع.
يبكى الإنسان فى الخدمة شاعراً بضعفه، ومتوسلاً إلى الله أن يتدخل، لأن الأمور لا تحلّ بدونه.
أو قد يبكى من شدة المشاكل، ومن ضغط العدو عليه، أو من شماتة العداء وتعييرهم، كما قال داود النبى:
"صارت لى دموعى خبزاً نهاراً وليلاً، إذ قيل لى كل يوم أين إلهك؟ هذه أذكرها فاسكتب نفسى علىّ..." (مز4، 3: 42).
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.