لاحظ نفسَك والتعليم

لاحظ نفسَك والتعليم

(1تى16: 4).

من قالها؟ ولمن؟

من قال هذه العبارة "لاحظ نفسك والتعليم، وداوم على ذلك. فإنك إن فعلت هذا، تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضاً" (1تى16: 4).

القديس بولس الكارز العظيم، الذى اختبر الخدمة فى عمقها، واختبر الحياة الروحية فى عمقها، الذى فى الخدمة تعب أكثر من جميع الرسل (1كو10: 15). وفى الروحيات صعد إلى السماء الثالثة، إلى الفردوس (2كو4، 2: 12).. بولس هذا يكتب إلى تلميذه تيموثاوس أسقف أفسس، الذى سكن فيه الإيمان العديم الرياء، وفى أسرته، أمه وجدته من قبل، وهو منذ الطفولة يعرف الكتب المقدسة (2تى15: 3).. يكتب إليه فيقول له "لاحظ نفس والتعليم وداوم على ذلك. لأنك إن فعلت ذلك تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضاً" (1تى16: 4).

ومع أنه فى الأسقفية محاط بأعباء ومسئوليات ضخمة، وبخاصة فى بلد كأفسس، ليست الخدمة فيها سهلة إذ قال القديس بولس نفسه "حاربت وحوشاً، فى أفسس" (1كو32: 15). ولكن على الرغم من كل مسئوليات الخدمة الملحة، يقول له معلمه "لاحظ نفسك".

ويقول "لاحظ نفسك" أولاً قبل التعليم، ويرى هذا لازماً لخلاصه ولخلاص أنفس الناس "لأنك إن فعلت ذلك، تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضاً"..

إنها قاعدة أساسية يقدمها الرسول للجميع، سواء كانوا خداماص أو أشخاصاً عاديين، ولكن الخدام يمسهم هذا الأمر بعمق أكثر. فلماذا؟

لاحظ نفسك. لماذا؟

لأن هناك خداماً كثيرين، وصلوا إلى مستوى كبير من شهرتهم وفى نشاطهم وفى سعيهم وراء الآخرين. وصارت لهم اسماء رنانة... ومع ذلك نسوا أنفسهم وضاعوا.

هم يخدمون من الخارج فقط... ولكن داخلهم مفقود!!

بعض هؤلاء الخدام كانوا يهتمون بأنفسهم قبل أن يصيروا خداماً. فلما بدأوا الخدمة زحف الفتور إلى قلوبهم. لأنهم ظنوا أن مهمتهم صارت الإهتمام بالآخرين وليس بأنفسهم هم والبعض منهم أصبحوا فى مستوى أقل بكثير من مستوى أولادهم وتلاميذهم. وهؤلاء يقول الرسول لكل منهم: "لاحظ نفسك والتعليم". ولماذا؟

"لأن ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" (مت26: 16).

ماذا يستفيد هؤلاء الخدام الذين يميتون أنفسهم فى الخدمة، وإذ يهملون أنفسهم يخسرون الملكوت؟ ويظن الواحد منهم وهو فى الخدمة، أنه قد أخذ راحيل، ثم ينظر فإذا هى ليئة...

خدام كثيرون وجدوا أنهم فى الخدمة قد دخلت إلى حياتهم مشاكل وصراعات وإدانات ما كانوا يعانون منها من قبل.

حقاً إن الخدمة ليست فى جوهرها سبباً لكل هذه المشاكل والصراعات ولكن الذى لا يلاحظ نفسه، قد يصل إلى هذا الوضع أو إلى ما يشبه. ويجد أنه فى الخدمة قد كثرت أخطاؤه، ونبتت خطايا جديدة لم يكن يشكو منها، أو كانت خافية ثم ظهرت.

وربما يبدو أن الخدمة قد أصعدته إلى فوق، بينما هو فى حقيقة الأمر قد هبط إلى أسفل، سواء شعر بذلك أو لم يشعر!!

كلما يكبر فى الخدمة تزيد مشغولياته وقد تزيد أيضاً أخطاؤه وكلما تزداد مسئولياته تمتص وقته كله، وبالتالى يهمل نفسه ولا يعطيها الغذاء الروحى اللازم لها. وهكذا ينزلق إلى تحت. وإن نصحته بترك الخدمة لكيما يلتفت إلى نفسه، يحزنه ذلك جداً، لأن الخدمة صارت بالنسبة له كل شئ فى حياته، لا يمكنه أن يحيا فى المجتمع بدونها وليت مثل هذا الخادم يدرك حقيقة هامة وهى:

الذى يوصل إلى الله، ليس الخدمة بل القلب النفى...

والخدمة الحقيقية ليست هى الخدمة التى تقل فيها روحيات الإنسان، وتظل تقل حتى تنتهى، لأن الإنسان عاش فيها بعيداً عن نفسه. كل همه خارجها ينسى عبارة "ملكوت الله داخلكم" (لو21: 17). ويحسب أن الملكوت هو خارج نفسه، وسط الناس...!

فى عمق أعماق الخدمة، كان القديس بولس الرسول يلاحظ نفسه ويهتم بروحياته. ولذلك استطاع أن يقول فى صراحة تامة: "اقمع جسدى واستعبده، حتى بعدما كرزت للآخرين، لا أصير أنا نفسى مرفوضاً" (1كو27: 9).

ما أخطر هذه العبارة وما أوجعها أن يصير إنسان مرفوضاً من الله، على الرغم من كرازته للآخرين.. يصير كالجسر الذى يوصل من شاطئ إلى شاطئ بينما هو قابع مكانه لا يتحرك، ولا يصل إلى الشاطئ الآخر.. أو يصير كأجراس الكنائس التى تدعو الناس أن يدخلوا إلى الأقداس دون أن تدخل هى...

ليتك تخاف من عبارة "لئلا أصير أنا نفسى مرفوضاً"!

إذن لاحظ نفسك لأن هناك خداماً حياتهم الروحية لها شكل هرمى يرتفع أولاً حتى يصل إلى قمته، ثم ينحدر إلى أسفل نازلاً من ارتفاعه!..

يصبح وقتهم ليس لهم، واهتمامهم أيضاً ليس لهم، وكذلك عاطفتهم.. كل الوقت والإهتمام والعاطفة يتحول إلى ما يسمونه الخدمة! أما روحياتهم الخاصة، فلا يجدون لها وقتاً على الإطلاق، ولا توجد رغبة فى قلوبهم للإهتمام بها..! وربما يظن بعضهم أن هذا لون من بذل الذات لأجل الآخرين!

بذل الذات فضيلة بلا شك. ولكن بذل الروحيات خطيئة وضياع..

ويوحنا المعمدان: عندما قال "ينبغى أن ذاك يزيد وأنى أنا أنقض" (يو30: 3). لم يقصد مطلقاً أنه ينقص فى الروحيات أو فى محبة الله! كلا، بل ينقص من جهة الكرامة والخدمة والظهور. أما روحياته فكانت تزيد باختفائه لكى يظهر المسيح مكانه، ويتولى دفة الكنيسة بنفسه، يتسلم العروس.. وهكذا كان يوحنا يزيد فيما كان يبدو أنه ينقص!.. كان يزيد فى إتضاعه وفى محبته لله وفى إيمانه بالمسيح وعمله..

لاحظ نفسك. فإن وجدت روحياتك تقل فى محيط الخدمة، اتخذ موقفاً لانقاذ نفسك:

لا تقطع من روحياتك لكى تعطى للخدمة وايضاً لا تقطع الخدمة وتوقفها من أجل روحياتك.. إنما اقتطع من الوقت الضائع وقدمه لروحياتك، واقتطع أيضاً من مشغولياتك العالمية او العلمانية لكى تهتم بروحياتك. قم من غفلتك هذه، وافهم الخدمة على حقيقتها إنها ليست دوامة تدور فيها نفسك، دون أن تعرف أين أنت!

أمثلة للضياع فى الخدمة:

تحت هذا العنوان نقدم نوعين: نقدم أمثلة من أشخاص، وأمثلة من أخطاء.

الإبن الضال الكبير (لو15) كان مثلاً واضحاً حينما رفض أن يشترك فى الفرح برجوع أخيه، بل احتج على ذلك، وكل أباه بروح الإنتقاد والشكوى والتذمر، قائلاً له "ها أنا أخدمك سنين هذا عددها، وقط لم تعطنى جدياً لأفرح به مع أصدقائى، وإبنك هذا".

وإذا به بعد سنين هذا عددها فى الخدمة، يصل إلى هذا المستوى الساقط!

فهو مركز حول ذاته، وهو ساخط على وضعه، ويقارن نفسه بأخيه، ويغضب لأن أخاه فى موضع الرضى وقد فرح به كل أهل البيت.. بينما هو ليس فى شركة مع الأب!

وما أكثر الخدام الذين يعيشون فى نفس هذه المشاعر، على الرغم من طول خدمتهم. لذلك يقول الرسول لكل منهم: لاحظ نفسك...

فى الخدمة أيضاً سقط سليمان مع أنه كان من قبل ممتلئاً حكمة..

وكان قد بدأ خدمته بروح عجيبة، وقام بأعمال عظيمة. وتراءى له الله مرتين: فى جبعون وفى أورشليم. ولكنه إذ لم يلاحظ نفسه سقط (1مل11). وابوه داود أيضاً الذى حل عليه روح الرب (1صم16)، وكان رجل صلاة ومزامير، إذ لم يلاحظ نفسه لما كبر فى الخدمة، سقط أكثر من مرة، وتاب..

ديماس كان خادماً كبيراً من أعوان بولس الرسول، وإذ لم يلاحظ نفسه سقط وانتهى (2تى10: 4). ونيقولاوس كان أحد الشمامسة السبعة المملوئين من الروح القدس وسقط!

هناك أمور عديدة يسقط فيها الخادم الذى لا يلاحظ نفسه، وفى مقدمتها الكبرياء.

الخادم الروحى يحتفظ بتواضع قلبه ويحب كل حين أن يتعلم ويزداد معرفة. ولكن يحدث أن البعض حينما يكبرون تكبر قلوبهم، ويفقدون تلمذتهم. ثم يعتزون برأيهم الخاص وبأفكارهم الخاصة. ولا يسترشدون بأحد. وقد يسألون أحياناً أحد المرشدين لمجرد معرفة رأيه، دون التقيد بالسير حسب هذا الرأى؟

ثم يتطورون من حب التعليم واستلهام الطريق إلى المناقشة والمجادلة، ثم إلى المعارضة والتشبث بالرأى، ثم إلى الإدانة وتحطيم الغير.

وبعضهم قد ينتهى به الأمر إلى التأله، فيقدم فكره وكأنه عقيده ولا يقبل مناقشة فيه ولا يحتمل معارضة ويثور على كل من يخالفه فى شئون الخدمة. ويأتى وقت قد يفرض فيه رأيه فرضاً. ويصف كل من يخالف الرأى بالعناد والعصيان.. أليس من الأصلح لمثل هذا الخادم أن يلاحظ نفسه أولاً ليرى أين هو؟ وإلى أين يسير؟!

وكثير من الخدام كلما كبروا، يلاحظ أن أعصابهم قد ضعفت واصبحوا يثورون!

تكثر أنتهاراتهم للغير، ويكثر توبيخهم وغضبهم. ولا يعودون يحتملون أخطاء الغير. وإن نبهوهم إلى هذه الأخطاء، يكون تنبيههم فى عنف، وربما بأسلوب جارح وفى غير إحترام لشعورهم! وتكثر إدانتهم للآخرين. وفى كل ذلك يفقدون وداعتهم ويفقدون إتضاعهم..

وتضيع صورتهم البشوشة ومعاملتهم الطيبة...

وبعض هؤلاء يكثر صياحه ويعلو صوته، ويكثر أمره ونهيه ويملكه روح التسلط.

ومثل هذا يحتاج بلا شك إلى عبارة "لاحظ نفسك" قوانين الكنيسة تشترط فى الأسقف أنه لا يكون غضوباً. وهذا هو تعليم الكتاب أيضاً (تى7: 1). وهذا الوصف أيضاً للقسوس والشمامسة وكل الخدام...

كيف تلاحظ نفسك:

1 - ضع هذا فى فكرك وقلبك باستمرار أنك تهتم بنفسك وأبديتك.

وأن النعيم الأبدى لا يمكن أن تناله إلا بنقاوة القلب وعمق صلتك بالله. وأنك إن خسرت نفسك خسرت كل شئ وإن ربحتها ربحت كل شئ.

2 - واعرف أنك إن لاحظت نفسك سوف تلاحظ التعليم أيضاً.

بل إن نفسك ذاتها هى التعليم. هى الدرس والقدوة والعظة والنموذج الحى..

الأم والأب هما أول درس يتلقاه الطفل فى حياته الروحية. والزوجة المتدينة هى درس عملى لزوجها.. تجذبه معها إلى الله والخادم أو المدرس هو الدرس والقدوة بالنسبة إلى أولاده وتلاميذه يتعلمون من حياته أكثر مما يتعلمون من عظاته...

3 - لذلك إن أردت أن تهتم بتلاميذك وتهتم بالتعليم،

ضع أمامك قول الرب:

"من أجلهم أقدس أنا ذاتى، ليكونوا هم أيضاً مقدسين فى الحق" (يو17).

وبطعاً هذه العبارة تؤخذ على الرب بمعنى، وعلى الخدم بمعنى آخر. المهم أن تتقدس حياتك للرب كلما تكون خدمتك ناجحة ومثمرة. لأنك لا يمكن أن تعطى غيرك من فراغ. وإنما كن كما نقول دائماً فى مجال الخدمة "لا يفيض إلا الذى إمتلأ". فلكى تفيض على غيرك ينبغى أن تمتلئ أولاً...

4 - ولكن لا يكن غرضك من الإمتلاء هو ان تفيض على غيرك.

إنما امتلئ لأن هذا الإمتلاء متعة روحية لك..

إمتلئ بالحب، امتلئ بالروح، امتلئ بالمعرفة، لأن الحب هو حياتك وفكرك. ومعرفة الله هى أعمق معرفة تغذى الروح وتعطيها متعة روحية، هنا وفى الأبدية (يو3: 17). إقرأ من أجل روحياتك، وليس لكى تحضر درساً، أو لكى تنفع الآخرين بمعلوماتك!

5 - وعندما تلاحظ نفسك، لاحظ أفكارك ومركز الله فيها.

استوقف عقلك بين الحين والحين، لكى تعرف أين تجول أفكارك. وإن سرحت أعرف فى أى موضوع تسرح ولماذا؟ وماذا تختبئ وراء ذلك من مشاعر. وتذكر أن الأب الكاهن يسأل الشعب فى القداس الإلهى ويقول لهم: "أين هى عقولكم؟" فيجيبونه قائلين "هى عند الرب" ليت هذه الإجابة تكون صادقة وسليمة فى كل وقت. ولتكن لك باستمرار يقظة العقل...

وإن سرحت بك أفكارك، اجمعها بسرعة وقل لنفسك انا اضطجعت ونمت ثم استقيظت "(مز3). وليتك تقول فى ذلك أيضاً" أنا استيقظ مبكراً "(مز56).

6 - وكما تلاحظ افكارك...

لاحظ حياتك كلها وتصرفاتك... لاحظ تعاملاتك مثلا مع الناس... ولاحظ مدى روحانية تصرفاتك. وفى كل خطوة تخطوها إسأل نفسك – أين أنا الآن؟ حاسب نفسك جيداً. بدون تبريرات وبدون أعذار ولا تجامل ذاتك فى أمر من الأمور وأذكر قول القديس مقاريوس الكبير "أحكم يا أخى على نفسك قبل أن يحكموا عليك..

7 - لاحظ أيضاً اهدافك وكذلك وسائلك:

هل لك أهداف عالمية؟ هل ذاتك هى أهم أهدافك؟ أم لك هدف واخد هو الإلتصاق بالله. ومعه لا تريد شيئاً على الأرض؟ وهل انحرفت بك الأهداف؟ هل أصبح من أهدافك المال أو الشهرة أو السلطة أو العظمة أو الترف أو مجرد العلم والمعرفة؟

وما هى الوسائل التى تحقق بها أهدافك؟ أهى وسائل روحية؟ أم دخل فيها التحايل والخطأ؟

8 - لاحظ مستواك: أهو المستوى الجسدانى؟ أم المستوى الروحى؟ أم الإجتماعى؟

قد تكون فضائلك كلها إجتماعية لا دخل للروح أو لمحبة الله فيها. وقد تكون مجرد فضائل جسدانية بلا روح. وربما لا تكون قد وصلت إلى هذا المستوى أو ذلك. فليتك تعرف أين أنت؟ وتعرف مدى ممارستك لوسائط النعمة.

9 - لاحظ أيضاً أخطاءك..

لا تجعلها تمر عليك سهلة... أو بدون علاج..

الإنسان الروحى قد يسقط، ولكنه يدرك سقطته ويندم عليها. وبسرعة يقوم. كما أن يحتاط للمستقبل حتى لا يتكرر سقوطه. فهل أنت كذلك؟ أم أنك تسقط وتستمر فى سقوطك. وقد تتحول إلى أسوأ. أو قد تتأقلم مع الأخطاء وتصبح عادات لك. أو تدخل فى طباعك فتتطبع بها. وتحاول أن تفلسفها. وتبررها كسلوك سوى..!

10 - لاحظ نفسك أيضاً من جهة النمو الروحى.

الحياة الروحية هى رحلة نحو الكمال.. يتقدم فيها الإنسان باستمرار. حتى يصل إلى الصورة الإلهية التى خلق بها (تك27: 1). فهل أنت فى كل يوم تمتد إلى قدام؟ أم وصلت إلى مستوى معين فى الروحيات وتجمدت عنده؟ أنظر إلى نفسك؟ هل أنت سائر فى الطريق الروحى؟ أم أنت واقف؟ أم أنت راجع إلى الخلف؟

وهل تنم من جهة الكمية والنوعية؟ أم هو نمو شكلى؟ كمن يزيد عدد صلواته، ولكن بغير عمق، بغير روح، بغير فهم ولا تأمل، بغير حرارة ولا خشوع، بغير إيمان بغير إتضاع!!

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

لاحظ نفسك والتعليم:

(2) العَمل الفَردى

المحتويات
المحتويات

المحتويات