العَمل الفَردى

العَمل الفَردى

لعله من أروع الأمثلة على أهمية العمل الفردى فى الخدمة:

إن الله نفسه – على الرغم من رعايته للعالم كله – اهتم بالعمل الفردى.

فى العهد القديم:

الله يرسل ملاكه إلى الجب الذى ألقى فيه دانيال، لكى يسدّ أفواه الأسود فلا تؤذيه (دا22: 6). وكذلك يسير مع الثلاثة فتية فى أتون النار، فلا تكون للنار قوة لإحراقهم (دا25: 3 - 31).

ويفتقد إيليا، وهو خائف، وهارب من الملكة إيزابيل، ويسأل عنه قائلاً له بصوت منخفض خفيف "مالك ههنا يا إيليا؟" (1مل13، 12: 19). وكذلك يظهر ليعقوب وهو خائف وهارب من وجه أخيه عيسو، لكيما يعزى قلبه بكلمات المحبة والمعونة قائلاً: "ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض" (تك15: 28).

وبنفس العمل الفردى قام الرب بعملية إنقاذ، لكى ينجى سارة من الملك أبيمالك، وظهر له فى حلم، وحذره وأنذره، وقال له "وأنا أيضاً أمسكتك عن أن تخطئ إلىّ، لذلك لم أدعك تمسها" (تك3: 20 - 6).

وكما كان للرب عمل فردى مع كلِ من هؤلاء لإنقاذه، أو منحه السلام، او لإنقاذ الغير منه، كذلك كان للرب عمل فردى فى دعوة البعض إلى خدمته.

فهكذا دعا الله أبانا إبرام أبا الآباء والأنبياء، ليذهب إلى الجبل الذى يريه إياه، وباركه وجعله بركة، وقال له أيضاً "وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" (تك1: 12 - 3).

ودعا الرب موسى من وسط العليقة المشتعلة بالنار، ولما اعتذر عن ذلك بأنه ثقيل الفم واللسان وليس صاحب كلام، منحه أخاه هرون لكى يكون له فماً. وقال له "تكلمه وتضع الكلمات فى فمه. وأنا أكون مع فمك ومع فمه. وأعلمكما ماذا تصنعان" (خر4: 3) (خر10: 4 - 16).

ودعا الرب أرميا أيضاً "ولما اعتذر بأنه صغير السن، قال له" هأنذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة، وعمود جديد، وأسوار نحاس على كل الأرض... فيحاربونك ولا يقدرون عليك، لأنى انا معك – يقول الرب لأنقذك "(أر6: 1 - 19).

دعا الرب سائر الأنبياء، وكان معهم. وكان له عمل فردى مع كل منهم.

وفى قصة يونان النبى، كان للرب عمل فردى معه، ومع أهل السفينة. وعمل فردى آخر مع مدينة نينوى.

وهكذا فى تلك القصة، كان العمل الفردى مع يونان هو قيادته إلى الطاعة وإنقاذه من جوف الحوت، وإقناعه وتخليصه من فمه.

وكان عمله مع أهل السفينة، لقيادتهم إلى الإيمان، وتقديم ذبيحة له...

وعمله مع أهل نينوى هو لقيادتهم إلى التوبة والإنسحاق، والإيمان به أيضاً، باعتبارهم من الأمم... وهنا نلاحظ ملاحظة هامة وهى:

عمل الله مع مدينة نينوى يعتبر عملاً فردياً، إذا قيست بكل ما فى العالم من مدن.

ونفس الوضع يعتبر عمل الله مع شعب إسرائيل فى العهد القديم: من جهة قيادته لهذا الشعب، وارسال الأنبياء والشريعة والعهود له، وكذلك ما أجراه معه من الآيات، وما أوقعه عليه من العقوبات... إنه مجرد شعب واحد، إذا قيس بالشعوب العديدة فى العالم كله. لا شك ان عمل الله معه، يعتبر بوجه المقارنة عملاً فردياً.

والأمثلة عن العمل الفردى فى العهد القديم عديدة جداً، من الصعب إيرادها الآن. ننتقل إلى نقطة أخرى وهى:

العمل الفردى للسيد المسيح:

كانت للسيد المسيح رسالة وسط الجموع والآلاف العديدة من الناس، مثلما حدث فى معجزة الخمس خبزات والسمكتين، حيث كان الرجال فقط خمسة آلاف غير النساء والأطفال (مت21: 14)، وقد قيل فى أكثر من موضع أن الجموع كانت تزحمه (لو45، 42: 8) (مر31، 24: 5). وحدث مثل ذلك أيضاً فى قصة المفلوج الذى حمله أربعة (مر2: 2 - 4).

وعلى الرغم من كل ذلك، كان للسيد المسيح عمل فردى.

إذ لم يشأ أن يضيع الفرد فى زحمة الجموع. ومثالنا عمله مع زكا العشار.

كان الجمع يزحم السيد المسيح. ولم يقدر زكا أن يراه بسبب الجمع، فصعد إلى جميزة. ووسط كل تلك الجموع والزحام، وقف السيد ونادى زكا باسمه، ودخل بيته "وحصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضاً إبن إبراهيم" (لو9: 19). وتاب زكا، واعترف بأخطائه، ورد ما قد ظلم فيه الغير أربعة أضعاف.

كذلك كان اللسيد المسيح عمل فردى مع نيقوديموس.

قابله نيقوديموس ليلاً، وحدثه المسيح عن الميلاد من الماء والروح وعن إبن الإنسان الذى هو فى السماء، وعن الخلاص (يو1: 3 - 21). وأثمر هذا اللقاء فآمن نيقوديموس، بل إنه اشترك مع يوسف الرامى فى تكفين جسد المسيح (يو38: 20 - 40). ويذكر التاريخ إنه فيما بعد صار أسقفاً...

وكان للسيد أيضاً عمل فردى مع المرأة السامرية.

قابلها عند البئر، وتحدث معها عن الماء الى، وعن السجود لله بالروح والحق. وقادها إلى الإعتراف والتوبة وإلى الإيمان به. وقد تعجب التلاميذ من أنه كان يتكلم مع إمرأة (يو27: 4). ولكن حديثه معها كان له ثمرة، ليس فقط فى حياتها الخاصة فى إيمانها وتوبتها، بل أكثر من هذا إنها ذهبت لتبشر أهل السامرة، بأن هذا هو المسيح (يو28: 4 - 30).

والإصحاح 15 من إنجيل لوقا، كله من أعمال فردية لأجل التوبة.

سوءا عن الخروف الضال، الذى ذهب الراعى الصالح ليبحث عنه تاركاً التسعة والتسعين، حتى وجده وحمله على منكبيه فرحاً، أوالبحث عن الدرهم المفقود، او الفرح برجوع الإبن الضال وأقامة وليمة له، أو العمل الفردى لإقناع أخيه الكبير الذى كان ساخطاً على الفرح برجوعه.

ومن الأعمال الفردية أيضاً التى لها دلالتها:

عمل السيد المسيح مع مرثا، حيث قال لها "أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة، ولكن الحاجة إلى واحد" (لو42، 41: 10).

وكذلك عمله مع المولود أعمى، بعد شفائه له، وقد طرده اليهود خارج المجمع. فظهر له الرب، ودعاه إلى الإيمان به، وأعلن له أنه إبن الله: فقال الرجل "أؤمن يا سيد، وسجد له" (يو35: 9 - 38).

كذلك حديثه مع نثانائيل، لما قال له "قبل أن دعاك فيلبس، وانت تحت التينة – رأيتك. فآمن نثانائيل وقال له" يا معلم، أنت إبن الله "(يو47: 2 - 51).

وما أكثر الأعمال الفردية التى قام بها السيد المسيح، سواء مع تلاميذه الإثنى عشر، أو مع بطرس ويعقوب ويوحنا، أو حتى فى قصة التجلى مع موسى وإيليا (مر2: 9 - 8). ومع أفراد كثيرين آخرين.

ولا ننسى الأعمال الفردية التى قام بها السيد المسيح بعد القيامة:

حيث ظهر لتلميذى عمواس "وابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب" (لو27: 24). كذلك ظهوره لتوما، وكيف نجاه من شكه، وأعطاه الفرصة أن يلمس جراحه، وقال له "لا تكن غير مؤمن بل مؤمناً" (يو26: 20 - 29). وبنفس الوضع ظهر لمريم المجدلية، التى ثلاث مرات تقول "أخذوا سيدى ولست أدرى أين وضعوه" (يو15، 13، 2: 20). فبكلامه معها آمنت بقيامته، بل أرسلها لتبشر التلاميذ مع مريم الأخرى (مت28).

وظهر الرب بعد القيامة للتلاميذ، وأقنعهم بأنه ليس مجرد روح أو شيخ، فبالروح ليس له لحم وعظام، وأراهم يديه ورجليه، وأكل قدامهم (لو36: 24 - 43). بل ظهر لهم أيضاً ومنحهم سرّ الكهنوت. نفخ فى وجوههم، وقال لهم: اقبلوا الروح القدس. من غفرتم له خطاياه غفرت له، ومن أمسكتموها عليه أمسكت "(يو23، 22: 20).

بل عمل أيضاً عملاً فردياً مع بطرس، الذى كان حزيناً جداً على إنكاره للمسيح قبل صلبه. فعزاه وقال هل "ارعَ غنمى... ارعَ خرافى" (يو15: 21 - 17).

ومن أعظم الأعمال الفردية التى عملها الرب بعد صعوده:

دعوته لشاول الطرسوسى:

ظهر له فى طريق دمشق، وعاتبه قائلاً "شاول شاول لماذا تضطهدنى؟! (أع4: 9). وقاده إلى الإيمان، وأرسله إلى حنانيا فعمده (أع16: 22). واختاره رسولاً للأمم (أع15: 9 - 18). وظهر له مرة أخرى فى رؤيا الليل وهو فى كورنثوس وقال له" لا تخف، بل تكلم ولا تسكت. لأنى أنا معك، ولا يقع بك أحد ليؤذيك. لأن لى شعباً كثيراً فى هذه المدينة "(أع10، 9: 18). كما أرسله مرة وقال له" اذهب فإنى مرسلك بعيداً إلى الأمم "(أع21: 22).

كذلك ظهر له مرة أخرى وقال له "ثق يا بولس، لأنك كما شهدت بما لى فى أورشليم، هكذا ينبغى أن تشهد فى رومية أيضاً" (أع11: 23). وأطاع القديس بولس، وذهب إلى رومية ليؤسس كنيستها "وأقام سنتين كاملتين فى بيت أستأجره لنفس. وكان يقبل جميع الذين يدخلو إليه، كارزاً بملكوت الله، ومعلماً بأمر الرب يسوع المسيح، بكل مجاهرة بلا مانع" (أع31، 30: 28).

ولعل من أعظم الأعمال الفردية التى قام بها السيد المسيح:

عمله مع اللص اليمين

كيف كان تأثيره على ذلك اللص المصلوب معه، حتى آمن وقال له "اذكرنى يارب متى جئت فى ملكوتك" فأجابه الرب "الحق أقول لك اليوم تكون معى فى الفردوس" (لو43، 42: 23). وأدخله معه فعلاً إلى الفردوس.

أعمال فردية للرسل:

إن الرسل كرزوا فى جميع الأمم وتلمذوهم وعمدوهم (مت9: 28)، بل كرزوا بالإنجيل للخليقة كلها (مر15: 16). ومع ذلك كانت لهم أعمال فردية:

مثال ذلك عمل بولس وسيلا مع سجان فيلبى، فى دعوته إلى الإيمان "حيث كلماه وجميع من فى بيته بكلمة الرب... واعتمد فى الحال هو والذين له أجمعون" (أع31: 16 - 33). كذلك عمل بولس مع ديونسيوس الأريوباغى (أع34: 17). الذى صار فيما بعد أسقفاً لأثينا... كذلك عمله مع تلاميذ كثيرين صاروا من أعوانه فى الخدمة فيما بعد...

ومن الأمثلة الجميلة فى العمل الفردى:

عمل فيلبس مع الخصى الحبشى

رأى ذلك الرجل فى مركبته يقرأ سفر أشعياء، فسأله "أتفهم ما تقرأ ثم بدأ يشرح له، وبشره باسم يسوع. وانتهى ذلك اللقاء العابر، بأن اقبلا على ماء، فعمده، وذهب ذلك الخصى فى طريقه فرحاً (أع27: 8 - 39).

كذلك العمل الفردى الذى قام به بولس الرسول نحو ليديا بائعة الإرجوان التى تأثرت بكلامه وآمنت واعتمدت. وأستجاب بولس الرسول لطلبتها، فدخل بيتها (أع15: 16). وقيل إن بيتها صار كنيسة للرب فى ثياترا.

ومن الأمثلة التاريخية للعمل الفردى، عمل مارمرقس مع أنيانوس.

وكيف أنه انتهز كلمة عن الله التى لفظها، فبشره وعمده، وصار أول من آمن على يديه فى الأسكندريةن وصار بيته كنيسة. بل أصبح أسقفاً، وأول خليفة لمارمرقس.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

(2) العَمل الفَردى

العَمل الإيجابى البنّاء

المحتويات
المحتويات

المحتويات