هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية والخادم الروحي – الجزء الثالث – البابا شنودة الثالث .
العَمل الإيجابى البنّاء
فى حياتنا الروحية وفى خدمتنا، علينا أن نهتم بأعمال البناء وبالأعماق الإيجابية. ولكن فيما نحن نبنى حياتنا وحياة الناس، مشتركين مع الروح القدس فى العمل، يتدخل الشيطان ليقدم لنا سلبيات لكى ننشغل بها عن عملنا الروحى البناء...
أما الإنسان الحكيم، فهو الذى لا يسمح للسلبيات أن تشغله وتعطله عن عمله الإيجابى. لذلك فهو يسلك فى عمل البناء باستمرار، ويبعد عن الأمور السلبية، التى تدخله فى صراعات لا تنتهى، يفقد فيها روحياته، ويفقد خدمته، ويتعطل عمله البناء...
فى الواقع أن السيد المسيح نفسه، هو الذى وضع لنا قاعدة العمل الإيجابى وعدم الإنشغال بالسلبيات.
فى فترة تجسده على الأرض، حينما بدا خدمته، كانت هناك أخطاء كثيرة جداًجداً فى المجتمع الذى عمل فيه.. كانت هناك أخطاء تحيط بالقادة: الكتبة والفريسيين والصدوقيين والناموسيينت والكهنة وشيوخ الشعب... وهناك أخطاء أخرى تحيط بكل من هيرودس وبيلاطس، وبالعشارين ورؤسائهم، وبغير أولئك جميعاً.
ولم يضيع السيد المسيح وقته فى محاسبة كل هؤلاء، إنما كان يجيبهم إن تعرضوا له. وانشغل بالعمل الإيجابى.
إنشغل بالوعظ والتعليم، وبالإشفاق على المرضى وبالحزانى والمعوزين، وكان باستمرار "يجول يصنع خيراً ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس" (أع38: 10). "وكان يطوف كل الجليل، يعلم فى مجامعهم، ويكرز ببشارة الملكوت، ويشفى كل مرض وكل ضعف فى الشعب" (مت23: 4). "ويقول قد كمل الزمان، واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر15: 1).
اشتغل وانشغل بتعليم الناس، وبرعايتهم...
"تحنن عليهم، إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعى لها" (مت36: 9). كان يعظ على الجبل، ووسط الزروع، وفى الطريق، وفى مواضع خلاء، وفى البيوت، وعلى شاطئ البحيرة، وفى كل مكان، ويشفق على الناس ويهتم بهم، مع أنه "لم يكن له أين يسند رأسه" (لو58: 9).
لم يضيع وقته فى مشكلة العشارين كيف يجمعون العشور بطريق يظلمون فيها الناس، ولا شغل وقته بما يفعله حنان وقيافا ومجمع السنهدريم.. إنما كان شغله هو الشعب، وكيف يعلمه ويرعاه. وهكذا قدّم لنا عملياً المثل الذى يقول:
بدلاً من أن تعلنوا الظلام، أضيئوا شمعة...
نعم. إن أضأنا شمعة، ينقشع الظلام دون أن نحاربه، ودون أن نعطل عملنا الإيجابى بسببه...
ولكن لعل أحدكم يقول: ولكن السيد المسيح وبخ الكتبة والفريسيين، وقال لهم: أيها القادة العميان. إنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس، فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون. ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون.. كيف تهربون من دينونة جهنم؟! "(مت33، 12: 23).. وكذلك قال للكهنة" إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تعمل ثماره (مت43: 21). ووقف ضد الصدوقيين والناموسيين) (مت22). كما أنه طهر الهيكل، وقلب موائد الصيارفة. وقال "مكتوب بيتى بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص" (مت13، 12: 21). فكيف نقول إنه لم تشغله السلبيات؟!
لقد فعل السيد المسيح ذلك فى الأسبوع الأخير، لكى يغير القيادات حتى لا تبقى كنيسته تحت سلطانها...
كل ذلك حدث ما بين أحد الشعانين وما قبل الفصح بيومين (مت2: 26) قبل الجلجثة بأيام قليلة. وكان تغيير القيادات الدينية لازماً قبل صلبه...
أما طوال سنوات الخدمة، فكان إهتمامه كله بالعمل الإيجابى فى رعاية الشعب، وتكوين القيادات الجديدة التى يسلمها مفاتيح الملكوت. وخلال تلك السنوات لم يكن يحارب أولئك المنحرفين، بل هم الذين كانوا يحاربونه. فيرد عليهم ليشرح لهم الصواب هم والذين يسمعونه...
وهناك مثل عجيب قدمه لنا السيد المسيح عن الملكوت، وهو مثل الحنطة والزوان، وما يحمل من تعليم روحى...
قال إن "عدواً جاء وزرع زواناً فى وسط الحنطة ومضى.." (مت25: 13). فاقترح عبيد السيد أن يقلعوا الزوان من الحقل. فأجابهم "لا. لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه. دعوهما ينميان كلاهما معاً" (مت29: 13). وفى يوم الحصاد يجمع الزوان ويحرق.
نعم يا أخوتى، ليس عملكم أن تقلعوا الزوان، لئلا تقلوعوا حنطتكم معه... عملكم هو أن تنموا كحنطة.
وعندما يأتى يوم الحصاد العظيم، ينظر الرب إلى حقولكم فيجدها مملوءة حنطة. فيجمع منها ثلاثين وستين ومائة، وتمتلئ أهراؤه قمحاً.
هذا هو العمل الإيجابى النافع.. أما إذا شغلتم وقتكم بجمع الزوان وخلعه من الأرض، فقد تتلفون أعصابكم، وتضيعون روحياتكم، وتقعون فى أخطاء لا تعد كأولئك الذين باسم الإصلاح، استخدموا أسلوب الشتائم والإدانة والتشهير، ووقعوا فى الغضب والنرفزة، وفى الحقد والتحطيم، مع الصياح وعلو الصوت، وإعثار الآخرين بما يقولون...
وإذا بهم فيما يخلعون الزوان، صاروا هم زواناً...
لأنه ما هى طبيعة الزوان إلا ما يفعلون...! أما روحياتهم فضاعت فى غمرة الصراع. وخدمتهم توقفت وأعثرت. ولم يقدموا لا قدوة ولا إصلاحاً.. واختبروا واختبر الناس معهم حكمة ما قال السيد المسيح:
"لا. لئلا تقلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه"
أن كان الرب قد قال هذا عن الزوان الحقيقى، فماذا يقال إذن عن الذين يحسبون الحنطة زواناً، لضعف رؤيتهم، فيتحمسون لخلع الحنطة، ويبقى الزوان وحده فى الحقل!! ولا يجد صاحب الحقل شيئاً قد بقى له ليحصده ويضمه إلى مخازنه...
كونوا إذن حنطة. واحذروا من الإنشغال بجمع الزوان.
إن الشغوفين بخلع الزوان يفقدون سلامهم القلبى، ويفقدون التواضع والوداعة، بل يفقدون أيضاً سلامهم مع الناس. وباستمرار تجدهم غاضبين متضايقين، ينفثون غضبهم فى الكل. ولا يتحدثون إلا عن الأخطاء والنقاط السوداء. ويصورون الحال قاتماً كئيباً، ويتحولون إلى شرر من النار يحرق كل ما يصادفه فى قسوة وعنف... وفيما يفكرون فى خطايا الآخرين، ينسون خطايا أنفسهم!!
أما أنت يا رجل الله، فانشغل ببناء الملكوت فى وداعة وهدوء، وفى محبة للكل، وبتواضع قلب.
عملك الإيجابى كخادم هو أن تبنى. وكما قال القديس بولس الرسول "ليكن كل شئ للبنيان" (1كو26: 14). واعرف أن الذى يبنى، دائماً يصعد إلى فوق. أما الذى يهدم، فهو دائماً ينزل أو يهبط إلى أسفل...
واحذر وأنت تخلع الزوان من الأرض، أن تقلع الحنطة التى فيك، والتى فى سامعيك...
ازرع الحنطة فى كل مكان، واحسن انتقاء ما تلقيه من بذار، ازرع الحب فى كل قلب، وقل كلمة عزاء ورجاء، وكلمة منفعة. حتى الأشرار، حاول أن تكسبهم بالحب. وليس معنى هذا أن تخضع للباطل أو تجامله، فتنتقل من الضد إلى الضد.
ولا تبدد طاقاتك فى السلبيات، فإن الشيطان مستعد أن يقدم لك سلبيات فى كل يوم، ليشغلك بها!!
هو مستعد أن يقدم لك شائعات وأخباراً فى كل يوم، ومشاكل وصراعات ومضايقات. ويكشف لك اسراراً وأفكاراً، إن أعطيتها مكاناً فى ذهنك تتعب أعصابك ونفسيتك.. قل لنفسك: ما شأنى بكل هذا؟! أنا وقتى مكرس لخدمتى. لا يجوز لى أن آخذ وقت الله، لكى أقدمه لمناقشة السلبيات...
أحب أن أضرب لك مثلاً بما حدث فى تاريخنا الحديث من أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين.
كانت هناك نقائص شديدة فى الخدمة، بل لم يكن هناك وعاظ فى الكنائس ولا كهنة متعلمون. ولذلك بدأت الطوائف تتأسس وتنمو على حساب الكنيسة. وكثرت لذلك الإنشقاقات والصراعات الداخلية.
والبعض استخدم أسلوب الشتائم والإنتقادات والتجريح. والبعض دخل مع الكنيسة فى صراع وصل إلى المحاكم وانفقت أموال طائلة فى القضايا... والبعض ظل يبكى على سوء ذلك الحال...
وكل ذلك يم يجد نفعاً. لا انتفعت الكنيسة بالإنتقادات والتجريح، ولا بالإنقسام والقضايا، ولا بالبكاء... فكيف تم الإصلاح إذن؟
تم الإصلاح عن طريق العمل الإيجابى الذى آمن به حبيب جرجس قائد الخدمة فى القرن العشرين...
لم ينشغل بكل أخطاء زمانه. وإنما بدأ يعمل: حفر أساساً ووضع فيه حجرين هما الإكليريكية ومدارس الأحد. وظل يبنى. وأخذ البناء يرتفع. وتكوّن عدد كبير من الخدام يعملون فى الوعظ والتعليم، فى الكنائس وفى الجمعيات وفى مدارس الأحد وفى القرى. وهو يرتل فى قلبه للرب قائلاً "وأما شعبك فليكن بالبركة ألوف ألوف وربوات ربوات يصنعون مشيئتك".
إنه لم ينتقد النقص، إنما عمل على تزويد الكنيسة بالإحتياجات التى تنقصها...
وجد الكنيسة ينقصها الوعظ، حتى أن كثيراً من الآباء الكهنة كانوا يقرأون من كتب الوعظ وليست لهم قدرة على الوعظ ولا كفاءة، فلم ينتقد ذلك ولم يملأ الدنيا بكاء على الكنيسة، وإنما بدأ فى إعداد الوعاظ والخدام. واستطاع أن يجعل طلبة الإكليريكة ينشئون جمعيات للوعظ أمكنها أن تؤسس 84 فرعاً فى القاهرة والجيزة وضواحيها.
ووجد أن الأطفال والشبان لا يجدون من يعملهم، فلم ينتقد الكنيسة على ذلك ولم يجرحها. وإنما أنشأ مدارس الأحد التى انتشرت فى كل مكان. وبدا يؤلف الكتب لتدريسها فى المدارس العامة، وفى مدارس التربية الكنسية.
ولما وجد الترانيم البروتستانتية بدأت تزحف وتجد مكانها فى بعض الإجتماعات، أخذ ينظم تراتيل على ألحان الكنيسة. وهكذا خدم فى كل مجال.
والآن نسى الناس كل السلبيات التى كانت موجودة. وثبت فى ذاكرتهم العمل الإيجابى البناء الذى قام به حبيب جرجس، وقدّم به درساً.
وهنا أذكر عبارة وردت فى قصة الخليقة:
قيل "كانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة" (تك2: 1). فما الذى فعله الرب؟
لم يقل الكتاب إن الله لعن الظلمة والخراب. إنما قيل "إن روح الله كان يرف على وجه المياه".
ولم يقل الله: لا تكن ظلمة. إنما "قال الله فليكن نور، فكان نور" (تك3: 1).
ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة "(تك4: 1).
والله يدعونا أن نكون نوراً. بل قال "أنتم نور العالم" (مت14: 5). وإن صرنا نوراً، سوف ينقشع الظلام من تلقاء ذاته، دون أن نلعن الظلام.
العميل البناء هو العمل الباقى لنا ولغيرنا. والعمل الإيجابى كله ربح، ولا خسارة فيه لنا ولا لغيرنا...
أقول هذا لكم، لأنى رأيت فى طريق الحياة أشخاصاً ينظرون بعيون لا ترى إلا السواد. وأما النقاط البيضاء فلا يرونها، ولا يتحدثون عنها. هم يبحثون عن الظلام، لكى يركزوا عليه وينتقدونه.
وفى كل ذلك يفقدون بشاشتهم ووداعتهم وسلامهم الداخلى. وحديثهم عن الظلام يجعل سامعيهم يفقدون سلامهم أيضاً، ويفقدون فرحهم، ولا يرون الأرض إلا خربة وخالية. وعيون هؤلاء الناقدين لا ترى روح الله يرف على وجه المياه، ولا تسمع صوت الله يقول ": ليكن نور" فكان نور.. حقاً، ما أجمل قول الكتاب:
"ما أجمل قدمىّ المبشر بالخير، المخبر بالخلاص" (أش7: 52) (نا15: 1).
لقد بدأ العهد الجديد بملائكة يبشرون بالخلاص ويحملون بشارة مفرحة، يقول فيها الملاك "أبشركم بفرح عظيم يكون لكم ولجميع الشعب" (لو10: 2).
ليتكم إذن فى خدمتكم تحملون للناس خبراً مفرحاً. إن الشعب له من آلامه ما يكفيه، ويحتاج إلى كلمة عزاء تفرحه وتعطيه رجاء. افتحوا له إذن طاقات من نور. وإن لم تجدوا نوراً على الإطلاق، حاشا... فكانوا أنتم نوراً له. كونوا أصحاب العمل الإيجابى البناء. وقدموا للشعب بعملكم وخدمتكم ما يفرحه.
كونوا كالحمامة التى حملت لنوح ورقة زيتون خضراء. فعلم أن المياه قد قلت عن الأرض (تك11: 8).
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.