هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية والخادم الروحي – الجزء الثالث – البابا شنودة الثالث .
رابح النفوس حكيم
رابح النفوس:
أهم رسالة لنا فى الحياة هى ربح النفوس. نربحها من حيث علاقتنا الطيبة بها. نربحها قبل كل شئ لله، فتصير له.
ولعل هذا هو ما قصده الرب، حينما قال لبطرس وإندراوس "هلما ورائى فاجعلكما صيادى الناس" (وتكونون لى شهوداً.. "(أع8: 1).
والله هو أول رابح للنفوس.
ربحهم بالحب، بالسعى إلى خلاصهم، وإلى رد الضال منهم. وإصحاح 15 من لوقا يعطينا ثلاثة أمثلة عن ذلك: الخروف الضال، والإبن الضال، والدرهم المفقود... ومن أجل هذا، نقول عن الرب فى ختام كل صلاة بالإجبية:
الذى لا يشاء موت الخاطئ، مثلما يرجع ويحيا. الداعى الكل إلى الخلاص، من أجل الموعد بالخيرات المنتظرة.
الله، من أجل ربح النفوس لمكوته، أرسل الأنبياء والرسل لهدايتهم وقيادتهم إلى التوبة. وعين الرعاة، وأقام الخدام ورجال الكهنوت، لكيما يعدوا للرب شعباً مبرراً، كما كان يوحنا المعمدان: الملاك الذى يهيئ الطريق أمامه.
وقد أعطانا السيد المسيح مثالاً عملياً لربح النفوس.
وهكذا قيل عنه إن الكل قد سار وراءه (يو19: 12). عندما دخل أورشليم، ارتجت المدينة لقدومه. وعندما كان يدخل البيوت كانت تزدحم حتى لا يوجد موضع لقدم. وفى قصة شفاء المفلوج: بسبب الزحام لم يستطع المفلوج أن يدخلوه، فنقبوا سقف البيت وأنزلوه (مر4: 2). وفى معجزة الخمس خبزات والسمكتين، كان عدد الرجال – غير النساء والأطفال – خمسة آلاف.
ومن الأمثلة الرائعة لربح النفوس، القديس بولس الرسول:
ذلك الذى قال "فإنى إذا كنت حراً من الجميع، استعبدت نفسى للجميع، لأربح الكثيرين. فصرت لليهودى كيهودى، لأربح اليهود، للذين تحت الناموس كأنى تحت الناموس، لأربح الذين تحت الناموس.. صرت للضعفاء كضعيف، لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شئ، لأخلص على كل حال قوماًط (1كو19: 9 - 22).
صياد حكيم يلقى شباكه، ولابد أن يرجع بها مملوءة...
وهكذا كان السيد المسيح، الذى قيل عنه أنه كان يجول يصنع خيراً (أع38: 10). كان يربح الناس بأنواع وطرق شتى: بالتعليم والكرازة، بالشفاء، بالعطف، بالحب، بالتأثير الشخصى، بكل نوع.
وأنت كيف تراك ستربح النفوس؟
تربح الناس بالحب:
أول وسيلة تربح بها الناس، هى الحب. إن لم تحب الناس، وإن لم يحبوك، لا تستطيع أن تقودهم إلى الله. لأن الناس يميلون إلى سماع من يحبونهم.
والشخص الذى ينفر منك، تكون خسرته فى علاقتك معه. وأيضاً لا يمكن أن تجذبه إلى الله. لن يسمع منك بينما الذى تحبه، قد يحب الله بسببك وتقدم له الله بالحب.
ومن مظاهر محبتك للناس، أن تحتملهم.
كل إنسان فى الدنيال له أخطاؤه وله ضعفاته، وإن ظللت ترقب أخطاء الناس وتحاسبهم عليها، تكون النتيجة أنك تخسر الناس وأن يخسروك... احتمل الناس إذن.
إنسان تحتمل أخطاءه، وآخر تحتمل ثرثرته. وثالث تحتمل جهله، ورابع تحتمل ضعفه، وخامس تحتمل أعصابه.. إلخ.
وكرمز لطول بال الكاهن واحتماله، تكون ملابسسه واسعة فضفاضة. رمزاً لسعة الصدر. لأن الذى يكون ضيق الصدر، يخسر الناس. تذكر أن السيد المسيح قد حمل جميع خطايا العالم كله...
من أمثلة احتمال الله للناس، أنه يوجد ملايين من الملحدين ينكرون وجود الله، أو يجدفون عليه، والله يحتملهم بدون عقوبة.
ما أسهل أن يبيد الله كل هؤلاء، ولكنه ساكت، يحتمل. ربما لا يخلص هذا الجيل، ويدرك الخلاص الجيل التالى، وهكذا يحتمل الله الذين يستهزئون بالدين والتدين.
احتمل الناس بالمحبة، فتكسبهم، فإن المحبة لا تسقط أبداً (1كو8: 12). وتذكر قول الكتاب:
"إن جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فاسقه" (رو20: 12). "إن عاملك إنسان معاملة رديئة، واحتملته فى لطف، فإنك بإحتمالك له – كما يقول الكتاب –" تجمع جمر نار على رأسه "(رو20: 12). ولا شك أن ضميره سيوبخه من جهتك. مثلما قال إنسان إحتمله" أنت تقتلنى بنبلك هذا، تحطمنى بأدبك ". كان يرى انسانه العتيق يتحطم...
ما أسهل أن تغلب الناس بالنبل مثلما قال الكتاب "لا يغلبنك الشر. بل اغلب الشر بالخير" (رو21: 12).
جرب مثلاً أن يسئ إليك إنسان فتكون أول من يسعى لإنقاذه حينما يقع فى مشكلة.. جرب الأدب الجم فى الرد على إنسان متسيب فى ألفاظه لا شك أنه يحتقر نفسه ويحترمك...
أما إن أردت أن تأخذ حقك من الناس بالقوة، فسوف تخسر الناس، وتخسر حقك وتخسر الله، وتخسر أبديتك..
وكما تربح الناس بالحب والإحتمال والمعاملة الطيبة، اربحهم بالحكمة.
اربح الناس بالحكمة:
السيد المسيح يهمه أن نكون حكماء حتى أنه مدح وكيل الظلم، لأنه بحكمة صنع (لو8: 16). مدح الحكمة التى فيه، وليس الظلم ويقول الكتاب "الحكيم عيناه فى رأسه. أما الجاهل فيسلك فى الظلام" (جا14: 2).
ولأن الشمامسة يعملون أيضاً فى ربح النفوس، اشترط الآباء الرسل – فى إختيار الشمامسة السبعة – أن يكونوا مملوئين من الروح القدس والحكمة "(أع3: 6).
كان يمكن الإكتفاء بشرط الإمتلاء من الروح القدس، على إعتبار أنه روح الحكمة والمشورة والفهم (أش2: 11) ولكنهم شددوا على صفة الحكمة هذه.
قال بولس الرسول: "إننا نتكلم بحكمة بين الكاملين. ولكنها حكمة ليست من هذا الدهر" (1كو6: 2).
وقد تحدث القديس يعقوب الرسول باستفاضة عن الحكمة النازلة من فوق (يع13: 3 - 17).
إنها حكمة تصلح لربح النفوس، لأنها طاهرة مسالمة مترفقة مذعنة، مملوءة رحمة وأثماراً صالحة... وقال "من هو حكيم وعالم بينكم، فلير أعماله بالتصرف الحسن فى وداعة الحكمة".
أما الحكمة العالمية فنسميها أحياناً بالدهاء والخبث إذ تحوى تدابير شريرة.
وكم من أشخاص فكروا أن يريحوا الناس بالخداع والكذب، وبالإنحراف، وبأن يكونوا ذوى وجهين، وذوى لسانين، وبارعين فى سبك الخطط!! وفى سبل الإغراء والتشويق. أما أنتم فلا تكن لكم هذه الحكمة، بل الحكمة الروحية النازلة من فوق...
أبيجايل إمرأة نابال الكرملى، استطاعت بالحكمة أن تربح داود النبى وتمنعه عن الإنتقام من زوجها وعن إرتكاب القتل (1صم25).
واعجب داود بأسلوبها الحكيم الذى يمتزج فيه الإتضاع، وبالتوبيخ الهادئ المشبع بالمديح؟
وقال لها "مبارك الرب الذى أرسلك اليوم لاستقبالى. ومبارك عقلك. ومباركة أنت، لأنك منعتنى عن إتيان الدماء". وكانت لما مات زوجها، أن تزوجها داود، الذى قبل منها التوبيخ دون أن يغضب...
الإنسان الحكيم يعرف متى يتكلم، وكيف يتكلم؟ ومتى يصمت، وكيف يتصرف؟
ويعرف المداخل التى يدخل بها إلى نفوس الناس، وكيف يقول لهم ما يمكنهم قبوله، وكيف ينصحهم بما يمكنهم عمله وكيف يدرجهم فى الوصول إلى الفضيلة بل وإلى الكمال... ولذلك اتصف آباؤنا القديسون بالإفراز.
الرجل الحكيم يزيد عدد اصدقائه.
أما الجاهل فيخسر أعز أحبائه...
الحكيم يعرف كيف يكسب الناس. والذين قد كسبهم، يعرف كيف يحتفظ بهم أيضاً...
والمرأة الحكيمة لا تخسر زوجها، ولا تخسر أقارب زوجها أيضاً: أمه وأخوته.. وحيث توجد الحكمة، يمكن أن تحل كل المشاكل الزوجية، وكل الخلافات العائلية.. وبالحكمة كل فريق يربح الآخر.. قال القديس يوحنا ذهبى الفم:
"هناك طريقة تتخلص بها من عدوك وهى أن تحول العدو إلى صديق.
طبعاً، لا نستطيع أن ننكر أن هناك أشخاصاً ليس من السهل كسب صداقتهم. ويكون السبب راجعاً إليهم هم. مثلما حدث للسيد المسيح نفسه مع الكهنة والفريسيين والصدوقيين ورؤساء الكهنة وشيوخ الشعب. ولو أن عدداً كبيراً منهم قد آمن فيما بعد.
ولأن كسب جميع الناس ليس سهلاً لذلك قال الرسول: "إن كان ممكناً، فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس" (رو18: 12).
لذلك فإن رحب الناس قد يحتاج إلى صبر وإلى إحتمال، وقد يحتاج إلى وقت.
ولا يأتى بالإلحاح الكثير وبالإسراع.. فربما الإلحاح سراع بأتيان بنتيجة عكسية، لأنهما ربما يتعبان أعصاب ونفسية الشخص الذى تريد كسبه، أو تريد مصالحته. وربما يسببان له العناد.. أو أنه يشعر بإصرارك فيتثاقل ويعتز ويفرض شروطاً وحلولاً صعبة...!
بالحكمة فى التصرف، يمكن أن تكسب الناس فى العلاقات الإجتماعية وفى الروحيات أيضاً...
أليس من المخجل أن كثيرين من أهل العالم، يكونون حكماء ويكسبون الناس بينما أولاد الله يفشلون فيما نجح فيه أولئك؟
مشكلة تقابل إنساناً، فيرتبك لها، أو يتصرف فيخطئ. ونفس المشكلة تقابل شخصاً آخر، فيحلها بمنتهى السهولة.. إنها بالحكمة..
ولكن ليست الحكمة أن تربح الناس على حساب المبادئ والروحيات، أو تربحهم وتخسر الله.
تربح النفوس لله:
العاملون فى هذه الخدمة، سماهم الرب "صيادى الناس". ولابد أن تكون لهم حكمة الصياد الذى يعرف طباع السمك، وطبيعة المياه. والذى يعرف كيف يلقى شباكه فى العميق.
حكمة إنسان اختبر الطريق الروحى وسار فيه، وعرف حروبه ومطباته.. لهذا يعرف نوعية الكلام الذى يقدمه للناس.
1 - من هذه الحكمة أنه لا يقدم للناس روحيات فوق مستواهم، لكى لا ييأسوا أو يفشلوا من أول الطريق.
هذه المشكلة عرضها السيد المسيح فى توبيخه للكتبة والفريسيين فقال إنهم "يحزمون أحمالاً عسرة الحمل، ويضعونها على أكتاف الناس" (مت4: 23).
كثير من الخدام لهم مثاليات معينة ويريدونأن كل احد يسير فى هذه المثاليات، ومن أول خطوة.!!
وإلا من الخدام لهم مثاليات معينة ويريدون أن كل احد يسير فى هذه المثاليات، ومن أول خطوة.!!
وإلا فإنهم يرفضونه وينتقدونه ويقولون إنه لا يصلح للطريق الروحى. بينما السيد المسيح لم يقل هكذا، بل إنه تدرج حتى مع تلاميذه، وقال لهم "عندى كلام لأقوله لكم، ولكنكم لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (يو12: 16). وتلميذه بولس الرسول تعلم هذه القاعدة فقال:
"سقيتكم لبناً لا طعاماً، لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون" (لكو2: 3).
والرسل الإثنا عشر – فى مجمع أورشليم – راعوا نفس القاعدة فرأوا أنه "لا يثقل على الأمم الراجعين إلى الله. بل يرسل إليهم أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام، والزنا، والمخنوق، والدم" (أع20، 19: 15). فلا يوضع على أعناقهم نير "لم يستطع آباؤنا ولا نحن أن نحمله" (أع10: 15).
ولكن ليس معنى التدرج، أن نتساهل فى وصايا الله! كلا، بل ندرب الناس عليها بالتدريج، إلى أن يصلوا..
ذلك أن بعض الخدام يغلقون أبواب الملكوت أمام الناس، بتصعيب الطريق فلا هم يدخلون، ولا يجعلون الداخلين يدخلون (مت13: 23).. والبعض الآخر يتساهلون إلى الدرجة التى يفقد فيها المخدوم روحياته، ويفقد جدية الحياة الروحية أيضاً..!
2 - ومن الحكمة أن الخدام لا يقودون الناس فى مناهج روحية متناقضة..
كان يتوب إنسان، فيقوده البعض إلى حياة الندم والإنسحاق والدموع، بينما يشده البعض الآخر إلى حياة الفرح بالرب "وبهجة الخلاص" ويشجعه فريق على الخدمة وعلى التحدث بكم صنع الرب به. بينما يقوده آخرون إلى الشعور بعدم الإستحقاق، وعدم الإسراع إلى الخدمة، حتى تستوفى التوبة حقها من مشاعر الخزى على الخطية...
وهكذا يرتبك المسكين بين مشورات متناقضة، ولا يدرى أين يسلم!
ويزيد الأمر تعقيداً أن كل فريق يشرح له أن الفريق الآخر مخطئ، وإن سلك وراءه سيضيع! وهنا تظهر الذات فى الخدمة. ويتنافس الخدام بغير حكمة فى إختطاف المخدومين من بعضهم البعض.
3 - كذلك ليس حسناً أن يقحم خادم نفسه فى خصوصيات إنسان، ويتطوع لإرشاده، بدون معرفة بظروفه وداخلياته ونوع نفسيته.
لذلك فإن الكنيسة وضعت هذا الإرشاد تحت مسئولية أب الإعتراف الذى يعرف نفسية وظروف المعترف، ويستطيع أن يقدم له العلاج الذى يناسب حالته. وفى نفس الوقت يقوده فى منهج واحد لا تناقض فيه، يوافق مستواه الروحى.
رابح النفوس الحكيم يعرف متى يقدم التوبيخ على الخطية، ومتى يفتح باب الرجاء بلا توبيخ، حسبما ينفع النفس.
فالشخص الغارق فى تبكيت نفسه اليائس من خلاصه، فهذا نقدم له الرجاء. أما الذى لا يشعر بجسامة الخطية، وينظر إليها ببساطة ممتزجة باللامبالاة، فإننا نوبخه بشدة لكى يستيقظ إلى نفسه ويعرف أن الخطية خاطئة جداً، وأجرتها الموت.
4 - والخادم الحكيم لا يحاول أن يجعل من يخدمهم صورة منه
فلا يقود الناس إلى الوحدة، والصمت، إن كان هو يحب ذلك. فربما له تلميذ إجتماعى لا تناسبه الوحدة.
وبالعكس لا يقود مخدوميه كلهم إلى الخدمة التى تستغرق كل الوتق والجهد إن كان هو يحب ذلك، فربما له تلميذ يحب حياة الصلاة والتأمل والهدوء.
ولا يجوز له أن يطبعهم بطابعة، فكل إنسان له نفسيته الخاصةن وله ما ينسابه...
وكل إنسان له ظروفه الخاصة، وله درجة معينة فى الروحانية، ربما لا يوافقها المنهج الذى يسير عليه الخادم.
وظيفة الخادم إذن أن يرشد إلى الحق مجرداً. ويترك التفاصيل إلى ما يناسب نوعية النفس، وإلى إرشاد أب الإعتراف.
بعض الخدام إذا تحمسوا لشئ، يريدون أن يتحمس له كل أحد، مهما كانت حالته!
فمثلاً واحد منهم متحمس لإصلاح معين، وثائر فى داخله، يريد أن يكون الجميع ثائرين مثله! وقد تضرهم هذه الثورة، وقد يخطئون فيها، وقد لا تكون حكيمة..
أو شخص يحب الرهبنة، فيدعو الكل إليها وقد لا تناسبهم.
5 - رابح النفوس الحكيم، ينبغى أن يكون صبوراً لا يمل.
ليس من الحكمة أن يتعجل الثمر ولا أن ييأس من مخدومه ويتركه، إن لم يستجب لتعليمه بسرعة، أو تحتد أعصابه عليه ويكثر من توبيخه لئلا يفشل ذاك أيضاً.
الخدمة تحتاج إلى طول أناة، وإلى رفق بالخطاة. كما أن الرب نفسه يتأنى، وطول أناته تقتاد إلى التوبة (رو4: 2).
بطول الأناة تحول أوغسطينوس من شاب خاطئ إلى قديس عظيم، وتحول شاول الطرسوسى من مضطهد للكنيسة إلى أكبر كارز تعب فى الخدمة.
لذلك لا تشطب من كشفك أسماء الذين افتقدتهم بضع مرات ولم يحضروا، ولا تيأس من الذين نصحتهم مراراً ولم يتوبوا..
ولا تظن أنه لا استجابة، ربما توجد الإستجابة، ولكن تحتاج إلى وقت...
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.