هذا الفصل هو جزء من كتاب: من هو الإنسان – البابا شنودة الثالث .
الفصل الثانى طاقات الإنسَان
لقد زودَ الله الإنسان بطاقات كثيرة، كل منها لها اختصاصاتها، ولها إمكانياتها ومقدراتها، نذكر منها:
العقل، والروح، والنفس، والضمير، والإرادة، والحواس...
يضاف إلى كل هذا، ما يمنحه الله لكل إنسان على حدة من مواهب.
ويختلف كل إنسان عن غيره فى درجة هذه الطاقات كلها.
صدقونى إننا لم نعرف بعد، مقدار عظمة كل هذه الطاقات البشرية العجيبة...
ما كان يتصرو أن العقل مثلاً، يمكن أن تصل طاقاته إلى اختراع سفن الفضاء تصل إلى القمر مباشرة ويتمشى الإنسان عليه.. أو أن يخترع أقمار صناعية تجول حول العالم، وتجمع أخباراً وترسل صوراً عن كواكب فى السماء.. ومن كان يتصور أن العقل البشرى يستطيع أن يتوصل إلى إختراع عقل آلى، واختراع الكومبيوتر، ويستعين بالآلة على سرعة التفكير، وجمع المعلومات، واستنتاج الحقائق.
وليست طاقات العقل هذه ضد الدين فى شئ. فالله هو الذى خلق العقل ومنحه طاقات.
فكل ما يصل العقل إليه، يرجع الفضل فيه أولاً وأخيراً إلى الله تبارك إسمه، الذى وضع فيه كل هذه القدرات حين خلقه.. ويمكننا أن نقول إننا لم نصل بعد إلى إكتشاف كل طاقات العقل، الذى يمكنه أن يخترع أموراً لا تخطر حالياً على فكر إنسان...!
والروح فى الإنسان لها أيضاً طاقات عجيبة مذهلة.
الناس لم يعرفوا كل طاقات الروح، لأنها لم يكتشف تلك الطاقات ولم يستخدموها، ذلك لأنهم لم يدخلوا فى التداريب التى تنشط الروح، وتمنحها الإنطلاق الطبيعى لها.. ونحن حينما نقرأ عن تداريب الروح التى تجريها جماعات من الهندوس ومن اليوجا، وما وصلوا إليه من نتائج، نرى عجباً.. إنها ليست معجزات أو قدرات خارقة، ولكنها الطاقة الطبيعية للروح، التى لا نستخدمها نحن، لأننا نهمل ذلك أو لا ندركه...
كذلك طاقات الحواس لم نستخدمها كلها...
وذلك لعدم شعورنا بالإحتياج إليها. فعدم استخدامها جعلها طاقات كامنة مختفية، تظهر حينما تفقد حاسة معينة، فنستعيض عنها بتنشيط حواس أخرى بديلة...
فإنسان مثلاً يفقد بصره: ويحاول أن يستعيض عنه بالسمع وباللمس، فتقوى عنده حاسة السمع وحاسة اللمس، وربما حاسة الشم أيضاً. لأنه أخذ يدرب هذه الحواس تدريباً دقيقاً، لتكون له أبواباً للمعرفة عوضاً عن النظر. وهنا تظهر الطاقات الجبارة الموجودة فى هذه الحواس، والتى كانت كامنة غير ظاهرة فى حالة عدم استخدامها...
إن الإنسان الكامل، فى كمال عقله، وكمال روحه، وكمال حواسه كلها، لم يوجد بعد نستثنى من هذا ناسوت السيد المسيح طبعاً.
إن طبيعة الإنسان فى كمالها من كل ناحية، تحتاج إلى حرص اهتمام، بحيث لا يفقد الإنسان قوة طاقاته، كما تحتاج إلى تداريب للحفاظ على هذه الطاقات، ولكى تنمو أيضاً...
نعم، يلزم كل إنسان أن ينمى قدراته وطاقته.
وأن ينمى أيضاً المواهب التى يمنحها الله له.
الله منحك عقلاً، ووهبك ذكاء خاصاً فى عقلك، أو وهبك لهذا العقل ذاكرة قوية.. فيلزمك ليس فقط أن تحافظ على كل ذلك، بل أيضاً أن تنمى عقلك وذكاءك، وذاكرتك.. تنمى قدرتك على التفكير السليم، وعلى الاستنتاج، وعلى حل المشاكل...
فالمسائل الرياضية والتمارين الهندسية، التى كنا ندرسها فى المدارس، لم تكن لمجرد العلم أو بهدف التخصيص، إنما كانت لها فائدة أخرى فى تدريب العقل على التفكير...
خذ مثلاً إثنين يلعبان شطرنج، وكل منهما صامت يفكر:
ما هى الخطوة التى سيلعبها زميله، وكيف يرد عليها؟ وماذا سيكون ردّ زميله على رده؟ وكيف سيتصرف وقتذاك؟ وكيف يمكنه أن يعرقل خططه؟ وكيف يضع هو خططاً غير مكشوفة، تصل به إلى النتيجة المطلوبة، ولو بعد مراحل..؟ إنه تدريب على الذكاء، وليس مجرد تسلية لقضاء الوقت.
الألغاز أيضاً وحلها، والمسابقات، كلها تداريب للتفكير..
وما أكثر تداريب الذكاء وتنمية التفكير.
يمكنك أن تستخدمها لنفسك، ولأولادك أيضاً ولتلاميذك، حتى ينشأوا بعقل قوى متدرب على الفكر. وحتى إذا صادفتهم مشكلة، يكون عقلهم مستعداً لمواجهتها بغير إضطراب.
وفى الحياة العملية توجد تداريب على الحكمة فى التصرف، أو تنمية الفكر عن طريق المشورة والإنتفاع بخبرات الآخرين.
ضميرك أيضاً يحتاج إلى تنميته.
إن بولس الرسول حينما يقول "إنى بكل ضمير صالح قد عشت لله إلى هذا اليوم" (أع23: 1)، إنما يذكرنا أن هناك ضميراً صالحاً، وضمائر أخرى غير صالحة. فهناك ضمير واسع يبلغ الجمل، وضمير ضيق يصفى عن البعوضة. وكان الكتبة والفريسيون واقعين فى كليهما (مت23: 24). يوجد ضمير مريض لا يميز تماماً بين ما هو خير وما هو شر. ويوجد ضمير ضعيف تؤثر عليه العوامل الخارجية...
وينمو الضمير عن طريق سماع الوعظ والكلام الروحى، وعن طريق المعرفة السليمة والتأثر بالقدوة الصالحة.
وأنت محتاج إلى أن تغذى ضميرك بكل ذلك، وتتعود محاسبة نفسك ولومها على كل أخطائها مهما صغرت. وفى نفس الوقت تتعود الجدية والتدقيق. فبهذه الوسائط كلها، ينمو ضميرك فى المعرفة وفى الحكم فى قيادة النفس بشرط أن تبتعد عن الوسوسة التى تتخيل الشر حيث لا يوجد، أو تحكم على الأخطاء بأزيد من طبيعتها...
وهنا أقول إن معارفك أيضاً تحتاج إلى تنمية.
هناك نمو طبيعى فى المعرفة خلال مراحل العمر. وهناك أيضاً تنمية للمعرفة، تغذى هذا النمو الطبيعى بمادة سليمة. والذى يهتم بنموه فى المعرفة، يتحول إلى إنسان مثقف، ويبعد عن الجهل المحارب للنفس. ويستطيع أن يكون عضواً نافعاً فى المجتمع، إلى جوار نفعه الشخصى...
والمعرفة تغذى عقله، وتغذى ضميره. وتدفعه إلى السلوك السليم.
فيعرف ليس فقط التمييز بين الخير والشر، وإنما أيضاً بين اللائق وغير اللائق، المناسب وغير المناسب. وتساعده المعرفة على الحكمة وحسن التصرف، وعلى النجاح فى التعامل مع الناس. وإذ نما فى ذلك قد يصل إلى القدرة على الإرشاد.
ويحتاج الإنسان أيضاً إلى تنمية وتقوية إرادته.
فكثيرون يعرفون الخير، ولكن إرادتهم لا تقوى على عمله. ويعرفون الشر ومضاره، ومع ذلك فإرادتهم أضعف من أن تبعد عنه، وتعجز إرادتهم عن مقاومة الخطيئة، مع معرفتهم بكل نتائجها. وذلك لأن الرغبة أو الشهوة تسيطر على الإرادة وتقودها فى طريقها.
الإرادة سلاح ذو حدين، يستخدم للخير وللشر.
وكل إنسان يحتاج إلى تقديس الإرادة وإلى تقوية الإرادة. وبهذا تكون طاقة نافعة له فى حياته الروحية. وهناك تداريب كثيرة لتقوية الإرادة، منها تداريب ضبط النفس. ومنها الصوم أيضاً. ومنها ضبط اللسان، وضبط الحواس، وضبط الفكر، والسيطرة على الأعصاب، وتداريب التخلص من العادات الخاطئة...
وبتنمية الإرادة نميز بين الحرية والتسيب...
فكلنا نحب الحرية. ولكن ندرب أنفسنا على أن نسلك فى الحرية بإرادة صالحة، وبضمير سليم، وفى حياة روحية وصلة بالله.. وإلا تحولت الحرية إلى لون من التسيب، وفقد الإنسان سيطرته على إرادته، وعلى ت وجيه حياته توجيهاً سليماً...
حياتك بكل طاقاتها، وزنة سلمك الله إياها، لتعتنى بها.
لذلك يلزمك أن تنمى شخصيتك بصفة عامة، لتتحول إلى شخصية قوية سويّة، سواء فى العقل أو الضمير، أو الإرادة، أو المعرفة، أو الحكمة والسلوك، او الحكم على الأمور، أو النفسية السويّة.
من جهة كل هذا، تحتاج إلى إهتمام خاص، وإلى الإستفادة من الوقت وحسن استخدامه.
كثيرون يضيعون أوقاتهم فى التفاهات، أو فى مجرد الترفيه والتسلية، أو يبحثون عن وسائل لقتل الوقت.. دون مراعاة لاستخدام الوقت فى تكوين شخصياتهم تكويناً سليماً.. وهؤلا يلزمهم أن يهتموا ببناء أنفسهم، بأن يولوا اهتماماً خاصاً لتنمية معارفهم وثقافتهم، وتقوية إرادتهم. والوصول بعقولهم وأرواحهم إلى أسمى وضع ممكن. واستخدام كل طاقاتهم لخيرهم وخير الناس، مع تنمية وتنقية وتقوية هذه الطاقات...
لا تترك شخصيتك هكذا دون ضابط ودون إهتمامن ودون نمو...
ولا تجعل كل اهتمامك بنفسك يتركز على الخارج، وليس على الداخل.. كفتاة مثلاً، كل اهتمامها بنفسها، وكل تنميتها لشخصيتها، يتركز فى اهتمامها بشكلها، بجمالها وزيّها..! مقياسها الوحيد لشخصيتها هو المرآة، تطمئن بها على نفسها. وقد لا تستخدم سوى هذه المرآة الخارجية، دون أن تكون لها مرآة داخلية لترى بها حالة الروح والعقل والنفس والضمير...
أو إنسان كل مقاييسه لشخصيته هى المركز واللقب والمال، دون النفس من الداخل...
الجسد أيضاً طاقة وهبها الله للإنسان.
فهو الجهاز التنفيذى، لكل القرارات التى تصدر عن الروح، وعن العقل، وعن الإرادة وعن الضمير... والجسد القوى يستطيع أن ينفذ، بينما الجسد الضعيف يعجز عن ذلك...
وما أسهل أن تؤثر أمراض الجسد على النفس.
فتجلب لها ألواناً من الألم أو الحزن، أو الضيق أو التذمر. وكثير من الناس قد يصلون إلى درجات من الإنهيار النفسى بسبب حالة أجسادهم، أو يصلون إلى مرض الكآبة، أو إلى الحيرة والقلق.. أو تنشغل عقولهم بكيفية التصرف مع حالة الجسد...
وبعض أمراض الجسد تؤثر على كثير من طاقاته. أرتجاج مثلاً أو نزيف فى المخ قد يؤثر على بعض مراكز المخ كالذاكرة أو الحركة، أو الصوت... وتصلب الشرايين قد يؤدى إلى فقدان الذاكرة. وأعصاب الجسد إذا التهبت، تؤثر على نفسية الإنسان وسلوكه. وأمراض القلب تؤثر على طاقاته...
كذلك شهوات الجسد تؤثر على العقل وعلى الضمير.
وتحاول أن تستخدم العقل لتحقيق رغباتها، كما تسكت الضمير أو تحاول أن توجد لهذه الشهوات أعذاراً وتبريرات!!
وشهوة الجسد قد تستأثر الفكر تماماً، فلا يدور إلا فى فلكها، كما تضعف الروح وتبطل صلتها بالله.
لكل هذا يلزمنا الاهتمام بأجسادنا. لا نضعفها بحيث تتعطل طاقاتنا. ولا تثير غرائزنا بحيث تضعف أرواحنا.
النقطة الهامة التى نريد أن نذكرها بعد كل ما قلناه هى:
حفظ التوازن بين طاقات الإنسان، والتعاون والتكامل.
فلا نوجد تناقض أو تصارع بين طاقاته، ونتفادى أن يوجد إنقسام فى شخصيته أو صراع داخلى. كما قال أحد الأدباء عن صراع بين مشاعره وضميره:
"كنت أصارع نفسى وأجاهد، حتى كأننى إثنان فى واحد. هذا يدفعنى، وهذا يمنعنى". ما أسهل أن تتصارع الطاقات: الجسد يشتهى ضد الروح، والروح ضد الجسد (غل5: 17). أو النفس ضد الضمير. أو العقل ضد الإرادة.
ويجد الإنسن نفسه أنه ليس شخصاً واحداً، بل كأنه إثنان يتصارعان! صراعاً بين طرق متشعبة تتجاذبه، أو بين محبته للخير وشهوته للخطيئة، أو بين أفكار لا يعرف أين الخير فيه. وما أشهر ما قاله الشاعر إيليا أبو ماضى فى قصيدته:
"لست أدرى:
إننى ألمح فى نفسى صراعاً وعراكاً.
وأرى نفسى شيطاناً، وأحياناً ملاكاً.
هل أنا شخصان يأبى هذا مع ذاك اشتراكاً.
أم ترانى واهماً أراه: لست أدرى.
الإنسان السليم السوى لا يوجد فيه هذا الصراع.
من الجائز أن يوجد صراع بينه وبين عوامل أو حروب خارجية. ولكنه فى داخل نفسه مستقر تماماً، غير منقسم على ذاته، فى فكره ولا فى مشاعره ولا فى إرادته. هو إنسان واحد، يحارب بكل طاقاته حرباً خارجة عنه.
أما الحرب الداخلية فتحدث لأسباب منها: أن طاقة من طاقات الإنسان تحب أن تسيطر على طاقاته الأخرى أو بعضها.
إنسان مثلاً يحكم عقله، فتسير أموره سيراً حسناً. ثم تأتى نفسه فتشتهى شهوة، أو تنفعل إنفعالاً، فتخرج العقل من سيره الطبيعى ليخضع لها. وكثيراً ما قلت:
ما أسهل أن يكون العقل خادماً مطيعاً لرغبات لنفس!
رغبة للنفس خاطئة، وهى مصرة عليها ومنقادة لها، وتخضع العقل لها، ليقدم لها براهين وأدلة، وربما يستخدم آيات من الكتاب المقدس بتأويل خاص يناسبه، أو قصصاً من قصص الآباء.. ولو رغبت النفس فى العكس يسايرها العقل بأدلة وبراهين.
أم يخطئ ابنها، فيقدم عقلها للدفاع عنه، ملبياً مشاعر قلبها. ونفس الخطأ يقع فيه ابن الجيران، فينتقده عقلها بشدة، لأن النفس لم تدفعه إلى الدفاع.
وهكذا نرى العقل يزن أحياناً بميزانين.
وهنا التناقض، لأنه كان حراً فى إحدى الحالتين، وتابعاً للنفس فى الحالة الأخرى. أما الإنسان العادل، صاحب العقل الحر، فيقول عن الحق إنه حق، ولو كان صادراً من عدوه. ويقول عن الباطل إنه باطل، ولو كان صادراً من أبيه أو من أخيه.
العقل يقع تحت تأثيرات أخرى كثيرة.
[Place Image #01 here].
العناد توجيه الطَاقَات والغرائز وَالمواهب
خلق الله الإنسان وفى طبيعته طاقات كثيرة، منها الغرائز، التى يبدو بعضها هداماً، أو يستخدمه الكثيرون استخداماً سيئاً خاطئاً. بينما كل شئ فى طبيعة الإنسان يمكن استخدامه للخير، حتى ما يظنه البعض خاطئاً..! وسنضرب لذلك بعض أمثلة:
يقع الإنسان فى يد مرشد قاسٍ، فيحطم طاقاته، ويحطم معها نفسيته. بينما تتناوله يد مرشد حكيم، فيحول طاقاته إلى الخير.
ويمكن أن نطبق هذه القاعدة على العناد مثلاً..
هل العناد خطية أم طاقة؟
أم هو طاقة فى الأصل، أنحرفت فصارت خطية؟
نسمى العناد خطية، إن كان عناداً فى خطاً.
ومع ذلك يمكن استخدامه فى الخير.
وحينئذ يسمى إصراراً وصموداً وثباتاً فى الخير.
خذوا مثالاً لذلك أبطال الإيمان...
لا شك أن القديس أثناسيوس الرسولى كان خصماً عنيداً جداً للأريوسية، لو صح هذا التعبير.. فقد وقف فى صلابة نادرة، وبإرادة حديدية، يدافع عن الإيمان السليم ضد أريوس، وضد الأريوسيين فى عنفوان قوتهم وسلطتهم.. حُكم عليه أكثر من مرة، ونفى عن كرسيه أربع مرات. وقيل له "العالم كله ضدك يا أثناسيوس" فقال "وأنا ضد العالم".
يتحول الأمر إذن إلى تصميم وصمود وثبات، لا تراخى فيه ولا تساهل.. مادام على حق.
نفس الوضع نقوله عن الشهدا والمعترفين...
رسوخ عجيب فى الإيمان.. على الرغم من كل الإغراءات، ومن كل التهديدات، ومن السجن والنفى وألوان التعذيب المرعبة. ولكن القلب كان راسخاً لا يتزعزع. ربما مضطهدوهم وصفوهم بالعناد، وبصلابة الرأى. ولكنه كان (عناداً) مقدساً، هو ثبات على الإيمان...
نفس الصلابة نجدها فى الإقدام على الرهبنة.
يعاند الإنسان نفسه التى قد يحاول العالم إغراءها بكل السبل، ويعاند كل أفكار العدو ولا يأبه بها. بل ربما يقف ضده والده وأهله، ويؤثرون عليه بعواطف متعددة وضغوط شديدة، تصل عند البعض إلى حد العنف..! ومع ذلك يبقى طالب الرهبنة راسخاً فى فكره، لا يتحول عنه...
ونفس الوضع قد يحدث فى التكريس على متنوع صوره.
محاربات عديدة قد تقوم لتمنع التكريس، ويقابلها قلب صلب، وفكر راسخ، وإرادة ثابتة، لإنسان لا يتحول ولا يتزعزع...
قد يُسمى البعض هذا عناداً، ولكنه تصميم...
أيضاً العناد مع النفس فى الجهاد الروحى.
فى الصوم، وحفظ العفة، وحفظ الفكر والحواس، وضبط اللسان، وضبط الأعصاب.. وفى كل التدريبات الروحية، وفى ما يسمونها بفضيلة التغصب.. بل فى كل الحروب الروحية، ومقاومة الإنسان للخطية، حسبما وبخ القديس بولس الرسول المتراخين بقوله "لم تقاوموا بعد حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية" (عب12: 4).
كل ذلك يحتاج إلى عناد ضد الشيطان والخطية والجسد...
فيجد الشيطان نفسه أمام إنسان قوى، ليس سهلاً. يعجم عوده، فيجده صلباً.. يحاول الدخول إلى قلبه وإلى فكره. فإذا هو "جنة مغلقة، عين مقفلة، ينبوع مختوم" (نش4: 12). يقف أمامه رجل الله بكل عناد وتصميم، كصخرة جامدة لا تلين...
لماذا إذن أخذ العناد صورة سيئة أمام الناس؟
هذا العناد السئ هو التصميم على الخطأ.
بحيث يسلك الإنسان فى طريق خاطئ، ويصمم عليه، ويرفض كل تفاهم وكل نصيحة مخلصة، بعقل مغلق عن كل إصلاح لمساره، حتى لو صدرت النصيحة عن صديق وفى، أو أب روحى، أو مرشد موثوق به.. ومهما كان الحق واضحاً...
هنا يكون العناد تصلباً فى الفكر والإرادة، وليس ثباتاً على حق.
وعلينا فى إفراز وحكمة، أن نفرّق بين الأمرين، ولا نخلط بينهما فى حكم واحد..! ونلاحظ هذا الأمر جيداً فى تربية النشء، فى تربية الأطفال وتوجيه الشباب.
إن وجدنا عناداً، صادراً عن إرادة قوية، نحاول توجيه هذه الإرادة نحو الخير.
تبقى الإرادة فى قوتها وصلابتها وتصميمها، لا نحطمها. ولكن نغير مسارها، بحيث تتجه نحو الخير، بنفس القوة. فنستفيد منها، وينتفع صاحبها أيضاًن ولا يخطئ...
الغضب
الغضب طاقة، مهما استخدامه الإنسان كخطية.
يعتبر خطية إن أخذ طابعاً جسدانياً نفسانياً.
جسدانياً: إن تحول إلى نرفزة، بتوتر الأعصاب وثورتها، وعلو الصوت وهياجه، وعدم إنضباط الملامح والحركات، مع أخطاء اللسان وعنف وقساوة الألفاظ.. ونفسياً من حيث الغيظ والكراهية، والإنتقام للنفس، وثورة القلب والفكر بأسلوب غير روحى، وربما يصل إلى أخطاء أشنع كالشتائم والإهانات.
وجرح إحساس الآخرين أو إلى الضرب...
ومع ذلك فالغضب طاقة يمكن استخدامها للخير.
وقد شرحت لكم فى كتابى عن (الغضب) كيف يكو الغضب أحياناً غضباً مقدساً.. وكيف أن موسى النبى الذى قيل عنه "وكان الرجل موسى حليماً جداً، أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (عد12: 3)... موسى هذا لما رأى الشعب يعبد العجل الذهبى، "حمى غضبه"، وأخذ هذا العجل الذهبى، وحرقه ب النار، وطحمه حتى صار ناعماًن وذرّاهن وانتهر هرون رئيس الكهنة ووبخه (خر32: 19 - 21).
إذن الطاقة الغضبية يمكن تحويلها إلى الخير.
ونلاحظ أن يوحنا كاسيان كتب بابا ًعن الغضب فى كتابه (المعاهد) وشرح فيه أقوال الآباء فى شرح الآية "اغضبوا ولا تخطئوا" (مز4). وقال فى ذلك:
يمكنكم أن تغضبوا ولا تخطئوا، إذا غضبتم على خطاياكم.
أى أن الإنسان إذا غضب على خطاياه ونقائصه وضعفاته وسقطاته، لا يكون مخطئاً أثنا غضبه. كما أن هذا الغضب المقدس يقوده إلى أنه لا يخطئ فى المستقبل. وهكذا يكون قد قام بتوجيه الطاقة الغضبية فى إتجاه سليم، ضد نفسه، لإصلاح نفسه وليس ضد غيره...
ألا يدخل فى هذا قول الرب أيضاً "إن كانت عينك اليمنى تعثرك، فاقلعها والقها عنك" (مت5: 29).
نحن لا نحطم الطاقة الغضبية، إنما نحسن توجيهها.
الطاقة الغضبية يمكن انت تنتج الحماسن والغيرة المقدسة، والنخوة. وإن تحطمت، صار الإنسان خاملاً.
بها يغضب الإنسان على الشر، كما غضب فينحاس الكاهنن وطوّبه الرب وكافأه "(عد25: 6 - 13). وكما غضب داود ووقف ضد جليات يقاومه. وأراح الأرض من غروره وتحدياته (1صم17: 26 - 51).
ولا يمكن للإنسان الروحى أن يرى الشر أمامه، ولا يتحرك قلبه من الداخل! فقد قيل عن القديس بولس الرسول إنه لما ذهب إلى أثينا "احتدت روحه فيه إذ رأى المدينة مملوءة أصناماً" (أع17: 16).
ولكن إذا غضب الإنسان من أجل هدف روحى، ينبغى أن تكون وسيلته روحية.
لأن الهدف المقدس تناسبه وسيلة مقدسةز فلا يشتم، ولا يتكبر ويتعالى على غيره، ولا يتجاوز حدوده، ولا ينساب لسانه أو قلمه بغير إنضباط وفى أسلوب خارج عن الأدب واللياقة..!! وهكذا كما وجه الغضب توجيهاً مقدساً، يوجه وسيلته أيضاً توجيهاً مقدساً.
الطموح
ليس الطموح خطية. بل هو طاقة مقدسة.
به يتجه الإنسان إلى الكمال كصورة لله.
لقد خلقنا الله على صورته ومثاله (تك1: 26)، والله غير محدود. لذلك وضع فينا الإشتياق إلى غير المحدود. وقال لنا "كونوا كاملين، كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل" (مت5: 48).
ويمكن توجيه الطموح فى مسار روحى.
وهكذا فإن بولس الرسول الذى صعد إلى السماء الثالثة (2كو12: 2 - 4). والذى تعب فى خدمة الرب أكثر من جميع الرسل (1كو15: 10)... بولس هذا يقول "أنا لست أحسب نفسى أنى قد أدركت. ولكنى أفعل شيئاً واحداً: إذ أنا أنسى ما هو وراء، وأمتد إلى ما هو قدام. اسعى نحو الغرض.." (فى3: 13).
هذا الإمتداد إلى قدام، مصدره الطموح الروحى.
الطموح إذن يؤدى إلى النمو الروحى.
والطموح أيضاً يشمل الحياة كلها...
فى كل عمل تمتد إليه يد الإنسان: فى دراسته، وفى وظيفته، وفى كل مسئولياته العالمية والعائلية، كما قال القديس يوحنا الحبيب "فى كل شئ أروم ان تكون ناجحاً وصحيحاً، كما أن نفسك ناجحة" (3يو2)... "فى كل شئ" كما يقال أيضاً فى المزمور الأول عن الإنسان المطوّب وكل ما يعمله ينجح فيه "(مز1: 3). ونفس الكلام قيل عن يوسف الصديق (تك39: 3).
والطموح روحياً، ليس معناه أن تتفوق على الآخرين، إنما أن تتفوق موضوعياً.
ليس أن تتغلب على غيرك فى العمل، إنما أن تتقن العمل إتقاناً مثالياً. وفى نفس الوقت تتمنى أن كل منافسيك يتقنون نفس العمل بنفس الإتقان المثالى. فالطموح لا يضيع فيك محبتك للناس.
الطموح إذن هو طموح روحى، يشمل النمو الروح المستمر فى كل فضيلة. وهو أيضاً طموح روحى، يشمل النمو الروحى المستمر فى كل فضيلة. وهو أيضاً طموح فى كل أعمالك ومسئولياتك لتصل فيها إلى كل كمال ممكن، دون أن تصطدم بعوامل شخصية.
ولا يأخذ الطموح أسلوباً مادياً أو عالمياً.
كالطموح فى الغنى والمناصب والألقاب والسلطة، ومحبة العالم، وتعظم المعيشة.
القوة
أولاد الله ينبغى أن يكونوا أقويا، لأنهم صورة الله على أن تتجه القوة إتجاهاً روحياً...
وما أجمل قول الرب "ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم. وحينئذ تكونون لى شهوداً" (أع1: 8). وقول الكتاب "وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع. ونعمة عظيمة كانت على جميعهم" (أع4: 33).
فإن كان واحد من أولادك يريد أن يكون قوياً، لا تحطم فيه هذه الرغبة...
محبَة النفس
إنما وجهها توجيهاً سليماً، بأن يكون قوياً فى روحياته، فى إرادته، فى إنتصاره على الخطية... قوياً فى خدمته، فى إقناعه، فى معلوماته، فى محبته، فى بذله، فى تأثيره على الآخرين... قوياً فى تداريبه الروحية، فى صلاته، فى تأملاته...
ولا تأخذ قوته أسلوباً شمشونياً أو عالمياً.
ولا تعنى قوته إنتصاره على غيره، إنما كسبه للغير...
هل محبة النفس خطية؟
كلا، فقد قال الكتاب "تحب قريبك كنفسك" (مت21: 39).
ولكن المهم أن تتجه محبتك لنفسك إتجاهاً روحياً.
فتحب لنفسك النقاوة والقداسة. وتحب لنفسك أن تكون هيكلاً مقدساً للروح القدس، وأن تنال نصيبها فى الملكوت، وتكون بلا لوم أمام الله... نفساً منتصرة، تنضم إلى جماعة الغالبين، ويقودها الله فى موكب نصرته (2كو2: 14).
ولا تكون محبتك لنفسك، أن تتركها لتسلك حسب هواها.
أو أن تقول كما قال سليمان "ومهما اشتهته عيناى، لم أمنعه عنهما" (جا2: 10). فمن الفضائل المعروفة، ضبط النفس. وأيضاً محاسبة النفس ولوم النفس أى تبكيتها على أخطائها.. بهذا تظهر محبتك الحقيقية لنفسك...
وليست محبة النفس هى الأنانية، أو تفضيل نفسك على غيرك.
فالرب يقول "من يرفع نفسه يتضع. ومن يضع نفسه يرتفع" (مت23: 12). ويقول الكتاب "مقدمين بعضكم بعضاً فى الكرامة" (رو12: 10).
أتحب نفسك؟ حسناً تفعل. بهذه المحبة، قوّمها لترجع كما كانت صورة لله. واحترس من أن تحب نفسك محبة خاطئة..!
إن كنت تحبها، إصعدها على الصليبن حتى كما تتألم معه، تتمجد أيضاً معه (رو8: 17). وحتى تستطيع أن تتغنى قائلة "مع المسيح صُلبت. فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى (غل2: 20).
إذ أحببت نفسك، أوصلها إلى إنكار الذات، فتكون مثل المسيح الذى "أخلى ذاته" (فى2: 7).
فليست محبة النفس أن تدللها. بل أنت بهذا تضيعها. بينما العكس هو الصحيح، كما قال المسيح:
من وجد نفسه يضيعها. ومن أضاع نفسه من أجلى يجدها "(مت10: 39).
المواهب
لنفرض أن إنساناً له موهبة فى الرسم أو النحت أو الشعر أو الموسيقى أو التلحين، أو حتى فى التمثيل أو الغناء أو ما أشبه...
هل نكبت عنده هذه الموهبة، ونقول له إتجاهاً روحياً، على رغم أن هذه الموهبة تبعده عن الله!!
كلا، بل يمكن توجيه كل هذه المواهب توجيهاً روحياً.
ونحن نحتاج إليها كلها داخل الكنيسة. نحتاج إلى أشخاص يؤلفون لنا تراتيل، وإلى آخرين يتقنون التلحين لكى يلحنوا هذه التراتيل، وأشخاص لهم مواهب صوتية وآخرين لهم قدرة على العزف، لتكوين كورال روحى...
بل نحتاج إلى إنشاء مسرح قبطى.
ينتج لنا مسرحيات جميلة عن سير الشهدا وآباء البرية وباقى القديسين. ويجسم لنا تاريخنا بأسلوب مؤثر. ويمكن تسجيل ذلك كله على أفلام أو أشرطة فيديو، تُعرض على الشباب والعائلات، وعلى القرى فى الخدمة الريفية. وكل ذلك يلزمه مواهب التأليف والتمثيل والتلقين والإخلااج، وفى المكياج والتصوير، وفى دراسة ملابس العصر وتصنيعها.. ولا نحسب أن فى ذلك شيئاً من الخطأ...
إنما الخطأ هو فى سوء إستخدام الموهبة..
إما استخدامها بأسلوب روحى، وبهدف إنجاح الخدمة، وجذب أولادنا من حول الأفلام التى تتعبهم إلى أفلام أخرى تشبعهم بمشاعر روحية.. كل ذلك نافع ومفيد، وليس فيه أى خطأ. بل الخطأ هو فى نقص هذا المجال...
الخطأ ليس فى الفن، وإنما فى الإنحراف بالفن.
كل شئ طَاهر للطاهرين
إذن نحارب الإنحراف، ولا نحارب الفن، ولا نكبت المواهب. فى كل ذلك، فلنتذكر قول الرسول "كل شئ طاهر للطاهرين" (تى1: 15).
نستخدم كل موهبة بطهارة، وكل صفة بطهارة.
نستخدم الفن بطهارة، فيصير طاهراً معناز.
ونستخدم الغضب بطهارة، فيتحول إلى حماس روحى، وإلى غيرة مقدسة.
حتى المخدرات يستخدمونها فى العمليات الجراحية، فتصير فى هذا المجال الطبى طاهر للطاهرين.
الخوف قد يكون نقصاً، وقد يتحول إلى مرض نفسى. ولكن إذا حولناه إلى مخافة الله، صار طاهراً للطاهرين. وهكذا يتحول الخوف إلى فضيلة تقى من السقوط فى الخطية.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.