الفصل الخامس الضمير

الفصل الخامس الضمير

ضمير الإنسَان والعَوامل المؤثرة عليه الضمير يمكن أن يخطئ

الضمير ليس صوت الله فى الإنسان، لأن الضمير يمكن أن يخطئ. وأن ينحرف. وصوت الله لا يمكن أن يخطئ.

الضمير داخل الإنسان كالعقل والروح. فالعقل يمكن أن يخطئن وكذلك الروح وكذلك الضمير. الضمير كأى جهاز من أجهزة الإنسان، يمكن أن يضعف وان يقوى: يمكن أن يستنير بالروح القدس وبأقوال الآباء والوعظ والتعليم وبالحياة الروحية... كما أنه يمكن أن يضعف وأن ينام، وتطغى عليه المصحلة، وتطغى عليه الإرادة.

ما أسهل أن يختل الضمير، وتتغير أحكامه، وتتقلب موازينه، كالمدرس الذى يدفعه ضميره إلى تغشيش تلميذ، أو كالطبيب الذى شفقة على إمرأة يجهضها، أو يعمل عملية ليستر فتاة فقدت بكارتها، أو يكتب شهادة مرضية لغير مريض ليساعده. أو كالأم التى تستر على أولادها لكى تنقذهم من عقوبة أبيهم، فتغطى أخطاءهم بأكاديب.

والعجيب فى كل هؤلاء أن ضمائرهم لا تتعبهم ولا تبكتهم. بل على العكس يشعرون أنهم عملوا شيئاً حسناً، يفرح قلوبهم...

إن عدم تبكيت الضمير على الخطأ، يدل على خلل فيه، أما كونه يفرح بالخطأ، فهذا يدل على إنقلاب فى كل موازينه.

إن الضمير يمكن أن يتشكل حسب مبادئ الإنسان ومثالياته. ويتغير تبعاً لتغير هذه المثاليات. لهذا لا يكون حكمه سليماً باستمرار، ولهذا تختلف وتتنوع ضمائر الناس، فما يراه أحدهم صواباً يراه غيره شراً، والعكس بالعكس.

وتوجد أمثلة كثيرة تظهر إمكانية خطأ الضمير وإنحرافه.

قال السيد المسيح لتلاميذه، تأتى ساعة.. يظن فيها كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله "(يو16: 2). ولا شك أن الضمائر التى تظن أن قتل الرسل خدمة لله، هى ضمائر منحرفة.

مثال ذلك أيضاً أباطرة الرومان الذين كانوا يبخرون أمام أصنام آلهتهم قبل محاربة أعدائهم، ويقتلون من يرفض ذلك، وضميرهم مستريح. وبهذا السبب استشهد القديس موريتيوس قائد الكتيبة الطيبية، لأنه رفض التبخير أمام الأصنام، وقتلت معه كتيبته!!

مثال ذلك أيضاً أهل الجاهلية الذين وقعوا فى واد البنات، وأيضاً الناس الذين يوزعون السجاير فى الجنازات على ضيوفهم، وضميرهم يتعبهم إذ لم يقدموها!! وكذلك أيضاً الذين يستخدمون الميكروفونات بطريقة تتعب الناس، وتؤذى المريض، وتعطل الطالب عن مذاكراته، وتزعج النائم المحتاج إلى راحة...

كذلك المصريون القدماء الذين كانوا يلقون فتاة جميلة فى النيل لاسترضائه ليأتى الماء فى مناسبة وفاء النيل.

إن الضمير قاض يحب الخير، ولكنه ليس معصوماً من الخطأ.

كما أن الخير يختلف مفهومه عند كثيرين، والضمير أيضاً يقع تحت تأثيرات كثيرة نذكر فى مقدمتها نوع المعرفة، والشهوات والعاطفة والإثارة، وتأثير الجماعة، وتأثير القادة، وكذلك الإرادة فى قوتها أو ضعفها.

الضمير موجود قبل الشريعة المكتوبة.

به أصبح قايين مداناً أو مستحقاً للعقوبة (تك4). قبل أن توجد وصية تقول "لا تقتل". وبه ترفع يوسف الصديق عن خطية الزنا بقوله "كيف أفعل هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله؟!" (تك39: 9).

وبالضمير وُجد فى العالم الوثنى فلاسفة يدعون إلى الخير والفضيلة، دون أن تكون لديهم شريعة إلهية. وعنه قال الكتاب "إن الأمم الذين بلا ناموس هم ناموس لأنفسهم" (رو2: 14)...

ولكن لاختلاف معرفة الناس، ولاختلاف عقلياتهم ونفسياتهم، لذلك تختلف الضمائر.

هناك ضمير صالح، مثل ميزان الصيدلى: الزيادة فيه تضر، والنقص يضر. وهناك ضمير فريسى يهتم بالحرف لا بالروح. وضمير آخر منحرف. وضمير لا يبالى.. وقد يوجد إنسان له ضميران: واحد يحكم به على غيره بكل عنف وقسوة. وواحد يحكم به على نفسه بكل رقة ومجاملة!

وضمير تؤثر عليه العقائد والتقاليد.

فعابد الوثن إذا لم يبخر أمام الوثن ويسجد، يتعبه ضميره. وفى بعض البلاد إذا لم يقتل الأب إبنته التى فقدت بكوريتها، يثور عليه ضميره لأنه لم يغسل شرف الأسرة من العار. وكذلك أيضاً الإبن الذى لم ينتقم لمقتل أبيه قاتليه.

هناك ضمير واسع يبلع الجمل، وضمير ضيق يصفى عن البعوضة.

الضمير الواسع يمكن أن يجد تبريراً لأخطاء كثيرة. أما الضمير الضيق فهو ضمير موسوس، يظن الشر حيث لا يوجد شر، ويضخم من قيمة الأخطاء، ويقع فى (عقدة الذنب) ويرى نفسه مسئولاً عن أمور لا علاقة له بها إطلاقاً، وتملكه الكآبة أحياناً واليأس، ويظن أنه لا فائدة من كل جهاده، وأنه هالك، وقد وقع فى التجديف على الروح القدس.

الضمير تؤثر عليه الرغبات

الرغبات والعواطف، حباً كانت أم كرهاً، تؤثر على الضمير فى أحكامه وفى سلوكهن إذ ينذر أن يوجد من يحكم فى شئ حكماً مجرداً تماماً من الرغبات ومن العواطف.

يقع إنسان فى مشكلة، يرى أنها لا تحل إلا بالكذب.

فتراه يسمى الكذب ذكاء أو دهاء، وإن أدان تصرفه، فإنه يخفف حكمه عليه جداً، ويلتمس له ألف عذر، ولا يشتد بنفس الشدة التى يحكم بها على تصرفات الآخرين.. وقد يسمى بعض الكذب بالكذب الأبيض، أو يسميه مزاحاً...

وقد يحب إنساناً فيدافع عن كل تصرفاته، مهما كانت خاطئة.

دون أن يتعبه ضميره، بل يتعبه ضميره إن لم يدافع! ويسمى هذا الدفاع الخاطئ لوناً من الوفاء أو الواجب. وربما يدعو غيره أن يسلك مسلكه، ويتكلم بحماس شديد، وإنفعال، يتعطل معهما عمل الضمير، وينسى قول الكتاب:

"مبرئ المذنب، ومذنب البرئ، كلاهما مكرهة للرب" (أم17: 15).

إن الذى يبرر المذنب، هو إنسان ضد الحق، وضد العدل. ولا يستطيع أن يعتذر عن هذا، بالعطف أو الرحمة.. إذ يمكنه أن يعترف بأن هناك ذنباً، ثم يطلب لهذا المذنب العطف والرحمة. أما تبرئة المذنب، فهى إختلال فى الضمير...

والعواطف قد تتدخل فى إحكام الضمائر وتكوينها.

فالذى يحب إنساناً، قد يكذب ويبالغ فى مديحه، وهو مستريح القلب، وقد يكذب كثيراً لإنقاذه من ورطة، وضميره المريض يشجعه، على إعتبار أنه يؤدى خدمة لصديق... وبالتالى ما أسهل أن يقع كثيرون فى مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة). وتقبل ضمائرهم وسائل كثيرة خاطئة، بحجة أن الغرض نبيل.

الضمير قد يمرض من جهة أحكامه، ومن جهة عواطفه، فلا يبكت فى حالات تستحق التبكيت، أو يوبخ بأسلوب هادئ جداً فى أمور خطيرة. وقد قال البعض "إن الضمير قاض عادل، ولكنه ضعيف، وضعفه واقف فى سبيل تنفيذ أحكامه". ولكن الصعوبة الكبرى أن يكون الضمير ضعيفاً، وفى نفس الوقت يكون أيضاً غير عادل.

لذلك لا تعتمد على ضميرك وحده، بل إلجأ إلى تحكيم ضمائر أخرى سليمة ومحايدة، بعيدة عن تأثير الأغراض والبيئة والقيادة..

فالإرشاد الروحى هو ضمير سليم محب، يقومَم مسيرة ضمير المعترف، وكما قال الكتاب "هناك طريق تبدو للإنسان مستقيمة، وعاقبتها طرق الموت".

المعرفة تؤثر على الضمير

المعرفة تؤثر على الضمير يستنير بالفهم، لأنه ما أكثر الذين يخطئون عن جهل، وإذا عرفوا يمتنعون عن الخطأ.

شاول الطرسوسى كان أحد الأتقياء الذين أخطأوا عن جهل..

ولذلك نراه يقول، أنا الذى لست مستحقاً أن أدعى رسولاً لأنى أضطهدت كنيسة الله، ولكننى رحمت، لأنى فعلت ذلك بجهل "(1تى1: 13). ولكن الجهل لا يمنع من أن الخطية خطية.

ونحن نصلى فى الثلاثة تقديسات ونطلب من الله أن يصفح لنا عن خطايانا التى فعلناها بمعرفة، والتى فعلناها بغير معرفة، وفى والعهد القديم كان الذى يفعل خطية سهواً (بجهل): إذا أعلموه بها، يقدم عنها ذبيحة لإثمه لتغفر له (لا4).

ما أعمق قول الرب "هلك شعبى من عدم المعرفة" (هو4: 6).

لهذا أرسل الرب الأنبياء والرسل والمعلمين والكهنة والمرشدين، لكى يعرفوا الناس طريقه، لأن ضمائرهم لم تعد كافية لإرشادهم، أو لأن ضمائرهم قادتهم فى طريق خاطئة.

والكتاب المقدس أيضاً، هو لإنارة الضمير، ولهذا قال داود "لو لم تكن شريعتك هى تلاوتى، لهلكت حينئذ فى مذلتى" (مز119).

لأن ضمير الإنسان قد لا يكون كافياً لإرشاده الروحى، أوجد الله آباء الإعتراف والمرشدين الروحيين، لأنه هناك طريق تبدو للإنسان مستقيمة، وعاقبتها طرق الموت "(أم14: 12).

كما أن الشيطان قد يحاول أن يتدخل لكى يرشد الإنسان إلى طريق منحرف، كما فعل مع أمنا حواء فى القديم.

المعرفة إذن تؤثر فى الضمير، صالحة كانت أم خاطئة.

المعارف الخاطئة يمكن أن تقود الضمير أيضاً. ألم تكن الفلسفة الأبيقورية المبنية على اللذة تقود ضمائر تابعيها؟ وكذلك الفلسفات الإلحادية. ألم تؤثر على ضمائر من اعتنقها، وتحرفه عن طريق الإيمان كله وتؤثر على سلوكه؟

الذين يعترفون بخطاياهم تأثرت ضمائرهم بالإيمان السليم الذى تعلموه والذين يرفضون الإعتراف بمن بعض المذاهب تأثروا هم أيضاً بالمعرفة التى تلقنوها ضد الإعتراف.

هناك معلمون يدعون تلاميذهم إلى الجدية الكاملة، وعدم الضحك إطلاقاً، لأنه "بكآبة الوجه يصلح القلب" (جا7: 3). ومعلمون آخرون يدعون تلاميذهم إلى البشاشة وحياة الفرح، لأنه "للبكاء وقت وللضحك وقت" (جا3: 4). وحسب نوع المعرفة، يتأثر الضمير.

هناك من يقولون إن تحديد النسل خاطئ، فيتعب ضمير من يحدد نسله، وآخرون يقولون إنه محلل، فيستريح الضمير بذلك...

لكل هذا، ينبغى وجود وحدة فى التعليم فى الكنيسة، حتى لا تتبلبل ضمائر الناس بما تسمعه من تعاليم متناقضة...

ولهذا قام التعليم فى الكنيسة على التسليم، لكى يحتفظ التعليم بنقاوته، وليحتفظ بوحدته. فقال بولس الرسول "تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضاً" (1كو11: 23). وقال لتلميذه تيموثاوس "وما تسلمته منى بشهود كثيرين أودعه أناساً أمناء.." (2تى2: 2).

المعرفة تقود الضمير، لذلك اشترط فى الأسقف أن يكون صالحاً للتعليم (1تى3: 2). ولذلك أيضاً وبخ السيد المسيح الكتبة والفريسيين لأن تعليمهم كان يظلل ضمائر الناس. ولهذا أيضاً تكلم الكتاب عن "معلمين وأنبياء كذبة" (مت7: 15). وقال لاسرائيل "مرشدوك مضلون" (أش3: 12) (أش9: 16).

إن ضمائر الناس تتأثر بمعرفة ما هو الخير والشر، وتتأثر أيضاً من جهة الإمان بالمعلومات العقائدية.

وربما تكون المعرفة من الكتب، والنبذات، أو من الإجتماعات. ولهذا يحسن أن يدقق الشخص فى الكتب التى يطلع عليها، وفى نوعية الإجتماعات التى يحضرها.. بل فى كل ما يقرأ...

فى وسط الجماعة يتأثر الإنسان بالإنفعال وبضمير الجماعة. وقد يقترف أمراً، إذا خلا إلى نفسه، يوبخه ضميره عليه.

تأثر الضمير بالجماعة

مثل شاب يندفع فى مظاهرة يهتف ويخرب، فإذا قبض عليه، والقى فى السجن، فإنه وهو وحده فى هدوء السجن، يفكر بطريقة أخرى غير هتافه وسط الجماعة، وأيضاً قد يعبث شاب ويلهو وسط جماعة من أصدقائه، دون أن يصحو ضميره او يوبخه، فإن خلا إلى نفسه وبخه.

فى وسط الجماعة صاحت جموع اليهود "أصلبه، أصلبه" (يو19: 15، 16).

مخالفين ضمائرهم، أو إنسياقاً دون دراية بخطورة ما يفعلون. ولذلك قال الرب على الصليب "يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون" (لو23: 34). لأن ضميرهم تعطله دوامة الجماعة.

وفى وسط الجماعة، قد تقود الضمير الشائعات والإثارات، وقد يصدق ما يقولون ويتصرف متأثراً بما سمعه.

إن مريم المجدلية مثال واضح لتأثير الجماعة على الضمير.

لقد رأت المسيح. وأمسكته بقدميه، وسجدت له (مت28: 9). وسمعت منه قوله "إذهبى وقولى لأخوتى أن يمضوا إلى الجليل، هناك يروننى" (مت28: 10). ومع ذلك لما اندمجت وسط الجماعة، وسمعت الشائعات التى نشرها الكهنة عن سرقة الجسد المقدس، ذهبت إلى بطرس ويوحنا وقالت لهما أخذوا سيدى، ولست أعلم أين وضعوه، وقالت نفس الكلام للملاك (يو20).

الضمير قد يتشجع إذا أثرت عليه جماعة صالحة، وقادته إلى الخير. ولكنه قد يتراخى وينام فى وسط جماعة خاطئة، أو قد تتغير مبادؤه. ويحكم على الأمور حكماً مختلفاً. وهذا ما نلاحظه فى بعض من يتركون بلادهم لمدة طويلة.

ولهذا فإننا نرى ضمائر السواح والمتوحدين، تختلف إختلافاً كبيراً عن ضمائر العلمانيين، فى حساسيتها، وأحكامها، واستنارتها، بل قد تختلف عن ضمائر كثير من رهبان المجامع.

على أن هناك ضمائر قوية، قد لا يطغى عليها تيار المجتمع، وإنما هى التى تؤثر فيه. مثال ذلك الأنبياء والمصلحون.

إنهم لم يتأثروا بفساد جيلهم، بل تولوا قيادته، وغيروه إلى أفضل. ولكن ليس كل إنسان أقوى من الجماعة... هؤلاء الأقوياء يتصفون بالصلابة والصمود وعدم الإتقياد. إنهم يذكروننى بالجنادل الستة التى إعترضت مجرى النيل، ولم تؤثر فيها كل تياراته ومياهه وأمواجه مدى آلاف السنين.

الضمير يتأثر بالقادة

الضمير أيضاً يتأثر بالقادة والمرشدين والمعلمين والأشخاص المشهورين والآبا.

وكثيراً ما نجد إنساناً صورة طبق الأصل من أبيه الروحى أو الجسدى، فى أسلوبه، فى أفكاره، فى طباعه، بل حتى فى حركاته. يعتنق كل مبادئه، ويتأثر بها ضميره، وتصير جزءاً من طبعه، وبخاصة بالنسبة إلى المبتدئين، والذين فى فترة تكوين مثالياتهم.

الضمير والإرادة

والضمير فى طريقه، قد يصطدم بأمور عديدة أولها الإرادة.

فإذا مالت الإرادة نحو الخطية، وأرادت تنفيذها، وحاول الضمير منعها، فإنها تعمل على إسكات هذا الضمير أو الهروب من صوته. ويقوم صراع بين الضمير والإرادة: إما أن ينتصر فيه الضمير، وإما أن تنتصر فيه الإرادة وتنفذ الخطأ.

إن الضمير هو مجرد صوت يوجه الإرادة نحو الخير، ويبعدها عن الشر، ولكنه لا يملك أن يرغمها.

يكفى أن يكون مجرد صوت، يصيح باستمرار فى عقل الإنسان وفى قلبه: إن هذا الأمر خطأ، فيشهد للحق...

يوحنا المعمدان لم يرغم هيرودس على الخير، بل كان مجرد صوت يصيح فى وجهه، إنه لا يحل لك أن تأخذ إمرأة أخيك زوجة. ولم يسمع هيرودس للمعمدان، ولكن ذلك النبى العظيم بقى ضميراً للشعب كله، يصيح فى وجه الملك الفاسد: لا يحل لك.

والإرادة قد تحاول إسكات الضمير، بحجة سلامها النفسى..!

إنها لا تريد أن يكون هذا الضمير سبباً فى تعكير صفوها الداخلى، فيفقدها سلامها ويتعب نفسيتها. لذلك تسكته.

هذه الإرادة المريضة يهمها راحة النفس، وليس راحة الروح، فالروح تستريح فى طاعة الرب وفى نقاوة القلب، وترحب فى هذا بالتوبيخ، عكس النفس التى يتعبها التوبيخ..

وقد تهرب الإرادة من الضمير، ولا تعطيه فرصة...

تهرب من محاسبة النفس، وتهرب من توبيخ الضمير، بالمشغولية المستمرة. وإن أتاها صوت الضمير من مصدر خارجى، من أب او صديق، أو معلم، تحاول أن تغير مجرى الحديث إلى موضوع آخر، لأن صوت الضمير يتعبها، فتهرب منه.

وقد يجد الضمير أنه لا مجال له، فيستكين ويصمت.. ويمضى الوقت ويتعود الصمت، ولا يتدخل فى أعمال الإرادة...

وتبقى الإرادة وحدها فى الميدان، تعمل ما تشاء، وتتفرغ لرغباتها، ولا تعطى فرصة للضمير.. فيصبح ضميراً غائباً، أو ضميراً مستتراً، أو ضميراً نائماً، ويتعطل عمله فى الإرشاد...

وتساعد الضمير على السكوت، وسائل التسلية المتعددة، ووسائل الترفيه وطغيان لذة الخطية، والمشغولية المستمرة، وعدم جدوى التوبيخ، ويأس الضمير من إمكانية العمل، أو الوعد المستمر بتأجيل التوبة. وهكذا يبدو أمام الضمير أنه لا فائدة، وتنتصر الإرادة على الضمير وتبقى فى الخطية. لأن الضمير مجرد مرشد، لا يرغم الإرادة على قبول مشورته.

الضمير مثل إشارات المرور فى الطريق، قد تضئ باللون الأحمر لكى يقف السائق، ولكنها لا ترغمه على الوقوف.

ما أسهل أن يخالف السائق إشارة المرور الحمراء، ويستمر فى سيره، وتكتب له مخالفة ولا يبالى. إن الضمير مجرد مرشد، أما التنفيذ ففى يد الإرادة.

فهل إذا إنحرفت الإرادة، وأسكتت الضمير، يهلك الإنسان؟

هنا تتدخل إرادة الله، ويرسل نعمته، ليخلص الإنسان من إرادته.

مادام ضمير الإنسان ضعيفاً، والإرادة المنحرفة مسيطرة، إذن لابد من قوة خارجية تتدخل لإنقاذه. هنا يدخل الروح روح الله القدوس، وهنا تظهر صلوات الملائكة والقديسين، وتعمل النعمة، لكى توقظ الإنسان الغافل، وتلين قلبه القاسى.

مثال ذلك ما حدث لمريم القبطية، وهى فى عمق الخطية، لا تفكر إطلاقاً فى التوبة بل تشتاق إلى خطايا جديدة، تسقط فيها كثيرين.. ولكن النعمة اجتذبتها فى مدينة القدس، وسرعان ما استجابت لعمل النعمة، وتابت بل صارت قديسة عظيمة، استحقت أن تبارك القس زوسيما.

النعمة قد تتدخل وحدها، بافتقاد من روح الله القدوس. أو تتدخل بناء على صلاة تطلب معونة الله.

وقد تكون الصلاة من شخص الخاطئ نفسه، يصرخ إلى الله قائلاً "توبنى يارب فأتوب" (أر31: 18). وربما تكون من أحبائه المحيطين به، المصلين من أجل خلاصه، وقد تكون الصلاة من أرواح الملائكة القديسين الذين انتقلوا. إذن الأمر يحتاج منا إلى صلوات لتتدخل المعونة الإلهية.

أن الناس لاتنقذها مجرد العظات، فالعظات قد تحرك الضمير، وربما مع ذلك تتحرك الإرادة نحو الخير..!

نحن محتاجون إلى قلوب تنسكب أمام الله فى الصلاة، لكى يعمل فى الخطاة، ويجذبهم إلى طريقه، فالرسول يقول "الإرادة حاضرة عندى، وأما أن أفعل الحسنى، فلست أجد، لأنى لست أفعل الصالح الذى أريده بل الشر الذى لست أريده إياه أفعل" (رو7: 18، 19).

هناك عبارة جميلة وردت فى سفر زكريا النبى عن يهوشع الذى كان واقفاً بملابس قذرة والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه، فجاء واحد من طغمة الأرباب، وقال للشيطان "ينتهرك الرب يا شيطان، ينتهرك الرب. أفليس هذا شعلة منتشلة من النار؟" (زك3: 2). وأنقذ الرب يهوشع...

ومع تدخل النعمة، يبقى الإنسان أيضاً حراً.. يستجيب للنعمة أو لا يستجيب. يفتح للرب الذى يقرع على بابه (رؤ3: 20) أو لا يفتح. يقبل عمل الروح، أو يحزن الروح، أو يطفئ حرارة الروح، أو يقاوم الروح...!

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل السادس الجسَد

الفصل الرابع العَقل

المحتويات
المحتويات

المحتويات