هذا الفصل هو جزء من كتاب: من هو الإنسان – البابا شنودة الثالث .
مقدمة الكتاب
مَن هو الإنسَان؟
سأل داود النبى هذا السؤال فى المزمور الثامن. فقال للرب "من هو الإنسان حتى تذكره" هذا الذى "على أعمال يديك أقمته.. اخضعت كل شئ تحت قدميه.." (مز8: 4، 6). وتحدث عن مصير هذا الإنسان على الأرض، فقال فى مزمور آخر "إنما نفخة كل إنسان قد جُعل. إنما كخيال يتمشى الإنسان" (مز39: 5، 6).
وأجاب القديس يعقوب الرسول على سؤال "ما هى حياتكم؟" فقال "إنها بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل" (يع4: 14).
وعود فنسأل "من هو الإنسان؟".
فنجيب إنه جسد ونفس وروح (1تس5: 23).
أنه نفس تشتهى. وهو روح تتصل بالله: تصلى وتتأمل وتتعبد، "وتشتهى ضد الجسد، حتى يقاوم أحدهما الآخر" (غل5: 17).
والإنسان هو مجموعة من الغرائز والطاقات، يسيطر عليها أحياناً ويوجهها. وفى أحيان أخرى تتسلط هذه الغرائز عليه وتوجه طاقاته.
الإنسان هو ضمير يشرّع، ويرقب ويقضى ويدين...
الإنسان هو ذلك العقل الجبار، الذى صنع مركبات صعد بها إلى القمر. ولا تزال مركباته تدور حول الأرض، ترى وتصوّر.
الإنسان هو قلب ينبض بمشاعر وأحاسيس: ترق أحياناً فتبكيه، وتقسو أحياناً فتحوله إلى وحش كاسر...
الإنسان هو فكر لا يصمت. وأفكاره على أنواع ومستويات.. قد تعلو حتى تصل إلى السماء وإلى الله. وقد تتدنى فلا تنشغل إلا بالجسد والمادة. وقد تتعقد حينما تبحث أموراً فوق مستواها.
الإنسان هو هذا كله معاً...
ولكن ليس بمقياس واحد. وكثيراً ما يطغى فيه أحد هذه العناصر أو بعضها، فتصبح هذه هى السمة التى تميزه عن غيره.. وقد تتصارع فيه هذه العناصر التى ذكرناها، ويستمر فيه الصراع، أو يهدأ ويستقر. وفى هذا يختلف إنسان عن آخر...
وقد قال البعض عن الإنسان، إنه عالم صغير Miro Kosmos.
فيه الجبل العالى، وفيه البحر العميقن وفيه الطين والمستنقع...
فيه الذهب والدر، وفيه الرمل والحصى.
فيه النور الساطع، وفيه الضباب الذى يحجب النور.
فيه أشيا عديدة تتآلف حيناً، وتتناقض فى حين آخر...
ولقد تحدثت عن الإنسان وتركيباته فى عظات ألقيتها فى الكاتدرائية الكبرة بالقاهرة.
ونشرت عن ذلك عشرين مقالاً فى جريدة وطنى.
ثم جمعت لك ذلك كله – أيها القارئ العزيز – ليكون بيد يديك فى هذا الكتاب.. محاولاً فيه أن أجيب عن هذا السؤال "من هو الإنسان؟".
بقى موضوع (الأرواح)...
الذى أود أن أنشر عنه كتاباً خاصاً، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
نوفمبر 1995.
البابا شنوده الثالث.
الإنسان نفس وجَسد وروح
الفصل الأول مما يتكون الإنسَان؟
الإنسان نفس وجَسد وروح
جَسَد وروح ونفس
يتكون الإنسان من جسد ونفس وروح.
وهكذا علمنا الكتاب المقدس وصلوات الكنيسة.
1 - يقول القديس بولس
الرسول فى (1تس5: 23) "ولتُحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم عند مجئ ربنا يسوع المسيح"... وهو هنا قد ذكر الجسد والنفس والروح.
إن الجسد معروف لا نقاش فيه...
2 - ولكن للمفارقة بين النفس والروح، نذكر الآتى:
يتحد القديس يهوذا غير الأسخريوطى فى رسالته، فيقول عن الأشرار إنهم "نفسانيون لا روح لهم" (يه19).. أى أنهم يسلكون حسب أهواء النفس، وليس حسب الروح...
ويقول القديس بولس الرسول عن قوة كلمة الله فيصفها بأنها حية وفعالة، وامضى من كل سيف ذى حدين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح.. "(عب4: 12). وهكذا فرّق بين النفس والروح...
3 - ونحن نصلى فى القداس الإلهى ونقول:
"طهر نفوسنا وأجسادنا وأرواحنا". ونقول عن التناول من الأسرار المقدسة "طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا"...
4 - كذلك الآباء الروحيون فى نسكياتهم:
يفرقون فى السلوك بين المستويات الجسدانية والنفسانية والروحانية. [اقرأ كتابنا عن حياة الفضيلة والبر من ص إلى ص].
5 - ولعلنا فى هذه المناسبة،
نذكر فى التفريق بين النفس والروح:
كان قدماء المصريين يعتقدون فى الكا، والبا.
وكلمة (كا) معناها الروح. وجمعها (كاو) أى أرواح. ومن أمثلتها إسم الملك صاحب الهرم الثالث: (من كاو رع) أى أرواح رع الخالدة.. ولعل كلمة (البا) عندهم تقابل النفس عندنا.
خلق الإنسان أولاً من تراب. والتراب صار الجسد. نفخ الله فيه نسمة حياة. وهذه النسمة هى الروح البشرية، وليس الروح القدس كما يظن البعض. لأنه لو كان روح الله قد اتحد بهذا الجسد اتحاد اقنومياً، ما كان ممكناً للإنسان أن يخطئ.
ولنتحدث الآن عن كل مركبات الإنسان: النفس والروح والجسد:
النفس
نذكر أولاً الفرق بين النفس والروح.
النفس هى التى تعطى الحياة للجسد.. والروح هى التى تعطى حياة للإنسان مع الله. لذلك فالحيوانات أنفس، وليست أرواح كالبشر.
أرواحنا خالدة، والحيوانات ليست لها أرواح خالدة.
ومادامت النفس تعطى الحياة للجسد، لذلك قيل فى سفر اللاويين:
"نفس الجسد فى دمه" (لا17: 11، 14).
ولهذا حرّم الله أكل الدم. فقيل "لا تأكلوا دم جسد ما، لأن نفس كل جسد هى دمه. كل من أكله يُقطع" "لا تأكل منك دماً، ولا يأكل الغريب النازل فى وسطكم دماً (لا17: 14، 12).
وهذا المنع عن الدم بدأ من أيام أبينا نوح.
فلما صرح الله للبشرية بأكل اللحم، منعها عن الدم فقال لهم "كل دابة حية تكون لكم طعاماً. كالعشب الأخضر دفعت إليكم. غير أن لحماً بحياته لا تأكلوه" (تك9: 3، 4).
واستمر هذا المنع فى العهد الجديد. فحينما قرر الآباء الرسل قبول الأمم فى الإيمان، أرسلو إليهم "أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام، وعن الدم المخنوق والزنا" (أع15: 29).
الدم فيه حياة الإنسان. إن سُفك دمه، انتهت حياته، انتهت نفسه.
ولعل أحداً يقول إن موت الإنسان يعنى موت المخ، أى توقفه بكل مراكزه عن الحركة. وبالتالى موت القلب، أى توقفه عن النبض. وفى الواقع ليس هناك تناقض بين هذا وما قلناه. لأنه إن سُفك دم الإنسان، لا يصل دم إلى المخ فيموت. وأيضاً لا يجد القلب دماً يضخه، فيتوقف عن النبض. وتتوقف الرئتان عن عملهما فى التنفس. فيلفظ الإنسان نفسه الأخير. ولذلك قيل أيضاً إن كلمة النفس أخذت من النفس (فى التنفس).
لأن نفس الإنسان فى دمه، استخدم الدم فى التكفير عن الخطايا، لأن نفساً تؤخذ عوضاً عن النفس.
وهكذا يقول الرب "لأن نفس الجسد هى فى الدم، فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم. لأن الدم يكفّر عن النفس" (لا17: 11). وهكذا كان يرش دم الذبيحة مستديراً حول المذبح أو يصب أسفل المذبح أو على حوائطه (لا1: 5، 11، 15) (لا3: 2، 8)... (لا4: 29، 30، 34). وما كانوا يأكلون منه إطلاقاً...
المعانى الثلاثة للنفس
1 - قلنا إن المعنى الأول للنفس
هو أنها مصدر الحياة الجسدية للإنسان. وأن نفس الإنسان فى دمه، إذا سفك دمه مات...
2 - النفس تعنى الإنسان كله:
وهكذا فى خلق الإنسان، قيل "إن الله نفخ فى آدم نسمة حياة، فصار آدم نفساً حية" (تك2: 7). إذن كلمة نفس تعنى الإنسان كله.
ومن جهة الذين خلصوا من الطوفان فى الفلك، قال القديس بطرس الرسول عن الفلك "الذى فيه خلص ثمانى أنفس بالماء" (1بط3: 20). ويقصد بثمانى أنفس ثمانية أشخاص.
وقيل فى سفر التكوين عن بنى يعقوب الذين جاءوا إلى مصر "جميع النفوس ليعقوب التى أتت إلى مصر الخارجة من صلبه، ما عدا نساء بنى يعقوب، جميع النفوس ست وستون نفساً" (تك46: 26). ويقصد بذلك 66 شخصاً.
يشبه هذا ما قاله ملك سادوم لأبينا ابراهيم بعد إنتصاره فى حرب كدر لعومر وباقى الملك، وبعد أن ردّ سبى سادوم. قال هذا الملك لأبينا ابراهيم "اعطنى النفوس، وأما الأملاك فخذها لنفسك" (تك14: 21). يقصد هنا أعطنى الناس...
وبنفس المعنى قال السيد الرب "تعلموا منى فإنى وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم" (مت11: 29). أى تجدوا راحة لأشخاصكم.
وفى عقوبة من يأكل شيئاً مختمراً فى اسبوع الفطير بعد الفصح، قيل "سبعة أيام لا يوجد خمير فى بيوتكم. فإن كل من أكل مختمراً تقطع تلك النفس من جماعة إسرائيل" (خر12: 19).. أى يقطع ذلك الشخص من جماعة المؤمنين.
وفى نفس الكلام عن أن نفس الإنسان فى دمه، قيل "لا تأكل نفس منكم دماً" (لا17: 12). أى لا يأكل شخص منكم دماً.
وأيضاً قال الرب فى سفر حزقيال النبى "النفس التى تخطئ هى تموت" (حز18: 20).. أى الشخص الذى يخطئ هو يموت...
النفس أحياناً بمعنى الروح
مثل قول الرب للغنى الغبى الذى قال "أهدم مخازنى وأبنى أعظم منها، وأجمع هناك جميع غلاتى وخيراتى.." فقال له الله "يا غبى، فى هذه الليلة تطلب نفسك منك. فهذه التى أعددتها لمن تكون؟!" (لو18: 20: 12). يقصد تؤخذ روحه منه، فيموت.
فالمعروف أن روح الإنسان هى التى تخرج بالموت. كما قال السيد على الصليب "يا أبتاه فى يديك أستودع روحى" (لو23: 46). وكما قال القديس اسطفانوس أثناء رجمه "أيها الرب يسوع، أقبل روحى" (أع7: 59).
مثال آخر وهو قول الرب "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها. بل خافوا بالحرى من الذى يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما فى جهنم" (مت10: 28).. وكلمة (نفس) هنا، المقصود بها هو الروح...
الجسَد
أولاً ملاحظة أقولها هى أن الجسد ليس شراً فى ذاته.
1 - لأنه لو كان الجسد شراً،
ما خلق الله جسداً. فالله لا يخلق الشر. فالله عندما خلق الإنسان بجسد، رأى أن ذلك حسن جداً (تك1: 26 - 31).
2 - ولو كان الجسد شراً،
ما كان الرب قد تجسد (يو1: 14). فمن المحال القول أن جسد المسيح كان شراً!! فالملاك الذى بشرّ العذراء بميلاد المسيح، قال لها "القدوس المولود منك، يدعى إبن الله" (لو1: 35).
3 - ولو كان الجسد شراً،
ما كان الله يقيم الجسد من الموت.. كان يتركه يأكله الدود، ويتحول إلى تراب، وينتهى أمره!
4 - ولو كان الجسد شراً،
ما كانت تحدث معجزات عن طريق الأجساد. مثل الميت الذى قام، لمن لمس عظام إليشع النبى (2مل13: 20، 21).
أو مل المناديل والمآزر التى كانت تؤخذ من على جسد بولس الرسول وتوضع على المرضى، فتزول عنه الأمراض وتخرج منهم الأرواح الشريرة (أع9: 12)...
إن الجسد ليس شراً فى ذاته، وإلا ما كنا نكرم أجساد ورفات القديسين، ونلتمس منها بركة.
والجسد ليس شراً فى ذاته، لأنه يشترك مع الروح فى العبادة: الروح تخشع والجسد يسجد معها ويركع. والروح تخاطب الله فى الصلاة، والجسد يرفع يديه ونظره إلى فوق. ويقول مع داود النبى "وليكن رفع يدى ذبيحة مسائية" (مز141: 2) "بإسمك أرفع يدى، فتشبع نفسى كما من شحم ودسم" (مز63: 4، 5).
ولو كان الجسد شراً، ما كان الرسول يقول "مجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله" (1كو6: 25). إذن الجسد هو لله، ويمكن أن يمجده.
ولو كان الجسد شراً، ما كان يعتبر هيكلاً للروح القدس، كما قال الرسول "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذى فيكم" (1كو6: 19). "أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم" (1كو3: 16).
ولو كان الجسد شراً، ما كان الذى يطعم جسداً جائعاً كأنه يطعم المسيح نفسه، كما قال الرب "كنت جوعاناً فأطعمتمونى" (مت25: 35).
وكذلك ما كان الرب يشفى الأمراض، ويمدح السامرى الصالح الذى اهتم بجسد إنسان جريح "(لو10: 33، 34).. وأيضاً ما كان يقول" لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى "(مت9: 12) (لو5: 31).
الجسد إذن ليس شراً، ولكن الشر فى أن الجسد يرتبط بالمادة وبشهوات العالم الفانى، ويقاوم الروح ويسلك ضدها.
وحينئذ يكون الخطأ ليس فى الجسد، إنما فى إنحراف الجسد نحو الخطية، مثل الزنا. والبطنة والسكر والمخدرات والإدمان. وما يسميه الكتاب "شهوة الجسد، وشهوة العين، وتعظم المعيشة" (1يو2: 16). كذلك شهوات باقى الحواس، إذا انحرفت. وكما قال الحكيم "العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تشبع من السمع" (جا1: 8) ليس العيب إذن فى الجسد، بل فى الاستخدام السئ لهذا الجسد. وفى هذه الحالة يقول الرسول:
"الجسد يشتهى ضد الروح، والروح ضد الجسد. وهذان يقاوم أحدهما الآخر" (غل5: 17).
لذلك يقول "اسلكوا بالروح، ولا تكملوا شهوة الجسد" (غل5: 16).
ولكن ليس كل جسد يشتهى ضد الروح. فهناك أجساد ترتفع إلى المستوى الروحى. ويصير الجسد روحياً فى رغباته وتصرفاته.
وفى القيامة العامة سنقوم بأجساد روحانية (1كو15: 44).
إنه نفس الجسد، ولكن فى حالة من التجلى، نسميه الجسد الممجد كما قال القديس بولس الرسول عن عمل ربنا يسوع المسيح فى مجيئه الثانى: "الذى سيغير شكل جسد تواضعنا، ليكون على صورة جسد مجده" (فى 3: 21).
الروح وإمكانية سقوطها
الروح هى مصدر علاقة الإنسان بالله.
فيها تكمن محبة الإنسان لله، والاشتياق إليه، والصلة به. ومنها تصدر الصلاة الروحية، والتأملات الروحية. وهى التى تقود الفكر فى طريق الله، والجسد أيضاً، وتدير كل مشاعر القلب بأسلوب روحى. وبهذا يصل الإنسان إلى السلوك بالروح، فى شركة مع روح الله القدوس.
ومادامت الروح هى عنصر الحياة الروحية فى الإنسان، يحل لنا أن نسأل:
هل الروح يمكن أن تسقط، وأن تخطئ، وأن تتدنس؟!
نعم، يمكن أن تخطئ الروح كما يخطئ الجسد تماماً.
يمكن أن تخطئ الروح وحدها بغير جسد.
ويمكن أن تخطئ مع الجسد، ويمكن أن تدفع الجسد إلى الخطية.
وسنشرح كل هذا التفصيل. وذلك لأن البعض يظن أن كل الخطأ سببه الجسد، وهو الذى يقود الروح إلى السقوط. وهذا خطأ.
فهناك أخطاء كثيرة يمكن أن تقع فيها الروح وحدها:
مثال ذلك الأخطاء التى وقع فيها بعض الملائكة:
فالملائكة أرواح، كما قيل فى المزمور "الذى خلق ملائكته أرواحاً، وخدامه نار تلتهب" (مز104: 4). وقد سقطت مجموعة من هذه الملائكة، هى الشيطان الذى وصُف بأنه التنين، والحية القديمة، وابليس، والشيطان "(رؤ20: 2). وقد قال القديس يوحنا الرائى إنه أبصر حرباً فى السماء بين ميخائيل وملائكته والشيطان وملائكته (رؤ12: 7).
هؤلاء الملائكة الذين سقطوا تسموا بالأرواح الشريرة أو الأرواح النجسة.
كما قيل إن الرب أعطى تلاميذه سلطاناً على الأرواح النجسة ليخرجوها (مت10: 1). وفى إرساليته للسبعين رسولاً، قال لهم "لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بالحرى أن أسماءكم قد كتبت فى السموات" (لو10: 20).
أول خطية سقط فيها الشيطان – وهو روح – هى الكبرياء.
التى بها قال فى قلبه "أصعد إلى السموات. أرفع كرسى فوق كواكب الله... أصعد فوق مرتفعات السماء. أصير مثل العلى" (أش13: 4: 14).
الشيطان أيضاً – وهو روح – سقط فى الجسد.
ونحن نقول للرب فى القداس الإلهى "والموت الذى دخل إلى العالم بحسد إبليس، هدّمته.." ذلك أن الشيطان حسد الإنسان على محبة الله له، وخلقه على صورته ومثاله، فحسده وأسقطه، وأوقعه تحت حكم الموت.
الشيطان – وهو روح – وقع فى الكذب، وفى إغواء الآخرين.
فقد كذب عندما قال لآدم وحواء "لن تموتا" (تك3: 4). وقد وصفه الرب بأنه "الكذاب وأبو الكذاب" (يو8: 44). ويدخل فى كذبه كل الحيل التى يغوى بها العالم. وهو لا يزال يعثر الناس ويضلهم. وقيل عنه إنه فى أواخر الأيام، حينما يحلّ من سجنه، إنه "يخرج ليضل الأمم..." (رؤ20: 8).
إذن الروح يمكن أن تسقط فى الكبرياء، والحسد، والكذب، وإغواء الآخرين.. كل ذلك بدون جسد. وقيل أيضاً فى الكتاب:
"قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم16: 18).
تشامح الروح إذن هو خطية: كما وقع فيها الشيطان، يقع فيها الكثير من الناس أيضاً.
وإذا وقعت الروح فى التشامخ تجذب الجسد معها.
فيكون التشامخ فى نظراته، وفى صوته، وفى طريقه جلوسه وطريقة مشيه، وفى حركاته وفى إرشاداته.. وما فى روحه من تشامخ، صدر للجسد أيضاً.. وهكذا أيضاً فى كل شهوات الروح، ما أسهل أن تجذب الجسد معها.
ومعروف أن كلاً من الكبرياء والعظمة، تبدأ فى الروح أولاً قبل الجسد.
خطية حواء بدأت أولاً بالروح، التى خضعت لغواية الحية، واشتهت أن تصير مثل الله، وحينئذ بدأ الجسد يشتهى الثمرة المحرمة، ثم يقطف ويأكل...
اشتراك الروح والجسَد
قد تبدأ الروح بالخطية ويشترك الجسد معها. أو تسيطر شهوة الجسد عليه، فيشرك الروح معه، بما فى ذلك العقل والفكر...
والعكس صحيح: الروح تشتعل بعواطف البر ومحبة الله، فتجذب الجسد معها ويشترك معها فى روحياتها.
فمثلاً خشوع الروح، يقود إلى خشوع الجسد.
مخافة الله وهيبته التى فى الروح، تجعل الجسد ينحنى، أو يركع أو يسجد. كما نقول فى المزمور "أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك، وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك" (مز5: 7). المخافة التى فى الروح، جعلت الجسد يسجد.
الهيبة التى تملك الروح، تجعل الإنسان يخلع حذاءه قبل الدخول إلى الهيكل. ذلك عملاً بقول الرب لموسى لما رأى العليقة المشتعلة ولا تحترق "اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذى أنت واقف فيه أرض مقدسة" (خر3: 5). ونفس الكلام قيل ليشوع بن نون "(يش5: 15).
أما الذين يدخلون هيكل الله المقدس بالحذاء، كأى مكان عادى.. فلأن الروح لم تخشع، وهكذا الجسد أيضاً لم يخشع!
إنى أعجب للذين يصلون أحياناً وهم جلوس!!
أين خشوع الروح عندهم، وأين خشوع الجسد؟!
إن لم يسجد الجسد أثناء الصلاة، فعلى الأقل يقف أمام الله فى مهابة وتوقير. ولعل إنساناً يسأل: بأيهما نبدأ؟ بخشوع الجسد أم خشوع الروح؟ ابدأ بأيهما. إن بدأت بخشوع الروح، سيخشع الجسد معها. وإن بدأت بخشوع الجسد، ستخشع الروح معه.
فأنت إن تعودت أن تنحنى حينما تصلى وتقول "قدوس قدوس قدوس".. فإن هذا الإنحنا فى جسدك، سيُدخل الخشوع إلى روحك. وحينما تخلع حذاءك قبل الدخول إلى الهيكل، فهذا العمل الجسدانى سيشعرك أنك أمام مكان مقدس، فيدخل الخشوع إلى روحك...
وهكذا الصوم قبل التناول والطهارة الجسدية، تشعرك بهيبة السرّ، فيدخل الخشوع إلى روحك، ومعه الإهتمام بالإستعداد الروحى.
مادام الإنسان من جسد وروح متحدين معاً، إذن ما يلحق أحدهما يلحق الآخر أيضاً، إيجاباً وسلباً. فإذا حدث تسيب من الناحية الجسدية وعدم إهتمام، فهذا يصيب الروح أيضاً. وبقدر الحرص جسدياً، يكون الحرص روحياً كذلك.
ليس هذا مع الله فقط، وإنما فى معاملة الناس أيضاً.
فإن كنت بروحك فى الداخل تحترم إنساناً، تجد هذا الإحترام يظهر أيضاً فى إنحناءك جسدياً وأنت تسلم عليه. وإن كانت فى روحك عجرفة من الداخل أو لامبالاة، فإن سلامك عليه سيكون من الناحية الجسدية بعجرفة ولا مبالاة.
الروح والجسد يتجاوبان معاً، إلا لو حد إنقسام بينهما.
وحينئذ يوجد صراع بينهما "وكل منهما يقاوم الآخر". ويعيش الإنسان فى هذه الإثنينية. وينتهى إلى أحد أمرين: إما أن الجسد يستسلم للروح ويطيعها... ويسلك معها فى حياة البر. وإما أن الروح تخضع له، وتسلك معه فى حياة الإستهتار...
الروح هى صورة الله
حينما خلق الإنسان على صورة الله ومثاله (تك1: 26، 7). إنما الروح هى التى خلقت على صورة الله. ففى أى شئ كانت على صورته؟
1 - أولاً: على صورته فى البر والقداسة،
حسبما ورد فى (أف4: 24) عن عودة الإنسان بالتجديد إلى صورته الأولى فهو "المخلوق حسب الله فى البر وقداسة الحق" فحينما ترجع الروح إلى صورتها الأصلية، ترجع إلى حالة القداسة والبر. فالروح البشرية حسب طبيعتها هى خيّرة. والشر دخيل عليها.
2 - الإنسان أيضاً على صورة الله فى المعرفة:
ومن هنا كانت روح الإنسان تتميز بالعقل والنطق. ومنذ البدء أعطاها الله المعرفة، وقام آدم بتسمية كل الحيوانات. وما أطلقه عليها صارت هى أسماءها (تك2: 19). غير أنه لابد أن نذكر فى موضوع المعرفة: أن معرفة الإنسان مهما نمت، هى معرفة محدودة، بينما معرفة الله غير محدودة. وإن شاء الله سنشرح هذا الموضوع فى كتابنا (سنوات مع أسئلة الناس).
3 - روح الإنسان خلقت على صورة الله فى الحرية.
وهكذا خلق الله الإنسان بحرية إرادة، وبحرية الإرادة قد سقط. وكان الله يعرف أنه إن منح الإنسان حرية قد يسقط ويخطئ. ويحتاج خلاصه إلى التجسد والفداء. ففضل الرب أن يحتمل هذا فى مقابل أن يخلق الإنسان وله روح حرّة، لا يرغمها على حياة البر، إنما تسير فى البر بإرادتها.
وهكذا أيضاً حينما قدّم الله وصاياه للبشر فى أيام موسى، قال للشعب فى سفر التثنية "أنظر. قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، والموت والشر.. البركة واللعنة. فاختر الحياة لكى تحيا أنت ونسلك، إذ تحب الرب إلهك" (تث30: 15، 19).
أنظروا إلى أى مدى أحب الله أن يخلق الإنسان على صورته فى الحرية، وهو يعلم أنه سيخطئ. ويكون ثمن خلاصه هو التجسد والألم والعار والصليب والموت والقبر... ليكن. فهذا أفضل من أن يجعله مسيراً نحو الخير... يتركه ليختار الخير بحريته..
ولولا هذه الحرية، ما وضع الله الوصية، والثواب والعقاب.
4 - خلق الله روح الإنسان على صورته فى السلطة.
فلما خلق آدم وحواء، قال لهما: أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض، واخضعوها. وتسلطوا على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل حيوان يدب على الأرض "(تك1: 28). وكرر الله بركة السلطة هذه لنوح وبنيه بعد رسو الفلك (تك9: 1، 2).
تبقى بعد كل هذا نقطة حساسة وجوهرية فى موضوع (صورة الله) وهى:
5 - إن كان الله قد خلق الإنسان على صورته، والله غير محدود، فما هو نصيب الإنسان من هذه الصفة؟!
حقاً إن الله وحده هو غير المحدود. ولا يمكن أن يشاركه أحد فى هذه الصفة الإلهية الذاتية. فكيف يكون الإنسان على صورته فى هذا المجال، بينما الإنسان كأى مخلوق، هو مخلوق محدود؟! الحل هو الآتى.
الإنسان محدود. ولكن الله وضع فيه الإشتياق إلى غير المحدود.
ففى روحه اشتياق إلى الله غير المحدود. واشتياق غير محدود إلى الروحيات والسعى إلى حياة الكمال.
كمثال ذلك القديس بولس الرسول الذى صعد إلى السماء الثالثة (2كو12: 2، 4)، والذى تعب فى الخدمة والكرازة أكثر من جميع الرسل (1كو15: 10)، نراه يقول "ليس أنى قد نلت أو صرت كاملاً، ولكنى أسعى لعلى أدرك.." "أنا لست أحسب نفسى أنى قد أدركت. ولكنى أفعل شيئاً واحداً، إذ أنسى ما هو ورا، وامتد إلى ما هو قدام. أسعى نحو الغرض، لأجل جعالة دعوة الله العليا فى المسيح يسوع.." (فى3: 12 - 14).
إلى أين هذا السعى، وهذا الإمتداد إلى قدام؟ وماذا يريد أن يدركه أكثر مما قد أدركه؟! لا شك أنه الإشتياق إلى اللامحدود...
بسبب هذا وجُد الطموح فى روح كل إنسان.
الإمتداد إلى قدام، محبة المثاليات، الإنطلاق نحو غير المحدود.. محبة الكمال.. غير أن كل إنسان يوجه هذا الإشتياق فى الإتجاه الذى يروقه. وهنا تختلف نوعية الطموح. ولكن الطموح ذاته موجود، فى الإشتياق إلى غير المحدود.
بقيت هناك موضوعات كثيرة خاصة بالروح.
وتساؤلات عن الروح بعد الروح.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.