الفصل العاشر الإرَادة

الفصل العاشر الإرَادة

الإرادة كيف تقوى؟ وكيف تضعف؟

كثيراً ما يرغب الإنسان فى أن يسلك حسناً، ولكنه لا يستطيع. أو يعرف أن هذا الأمر خطأ، ويريد أن يبتعد عنه، ولكنه لا يقدر. إرادته ضعيفة!

مثل إنسان واقع تحت عادة رديئة، ولا يستطيع أن يتخلص منها. يعرف مثلاً أن التدخين يتعب صحته، ويضيّع ماله، ويفقده إرادته، وتبقى رائحته فى فمه وأسنانه. ومع ذلك لا يقدر أن يبطل التدخين. إنه يريد، ولكن لا يستطيع. وقد شرح القديس بولس الرسول هذا الأمر فى (رو7) فقال بلسان حال إنسان يفعل أموراً لا يريدها:

"لست أفعل ما أريده. بل ما أبغضه إياه أفعل!.. فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا، بل الخطية الساكنة فىّ. فإنى أعلم أنه ليس ساكناً فىّ، أى فى جسدى شئ صالح. لأن الإرادة حاضرة عندى، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأنى لست أفعل الصالح الذى أريده، بل الشر الذى لست أريده إياه أفعل. فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل، فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة فىّ.. ويحى أنا الإنسان الشقى. من ينقذنى من جسد هذا الموت! (رو7: 15 - 24).

إنها حالة إنسان عاجز عن مقاومة الخطية، وعاجز أيضاً عن فعل الخير. إرادته ضعيفة فى الحالين.

أسباب ضعف الإرادة

نريد هنا أن نبحث: ما السبب فى ضعف الإرادة؟ وكيف نقدر أن نقوى هذه الإرادة الضعيفة.

لا شك أن الميل إلى الخير هو الأصل فى الإنسان الذى خُلق على صورة الله كشبهه ومثاله (تك1: 26، 27). إذن الميل إلى الشر، هو شئ دخيل عليه، لابد لنا أن نبحث عن أسبابه...

بإمكان الإنسان – وبخاصة فى نعم العهد الجديد – أن يسير فى طريق الرب. فما الذى يدفعه إلى طريق الخطية؟ وما الذى يضعف إرادته أمامها؟

نرجع إلى التاريخ فنجد أن أمنا حواء، عندما خلقها الله، لم تكن فيها خطية. ولكنها أخطأت حينما اشتهت أن تصير مثل الله، حسب إغراء الشيطان لها (تك3: 5). وبهذه الشهوة ضعفت إرادتها، فلم تستطع أن تقاوم إغراء الشجرة المحرمة، بل على العكس "رأت أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت" (تك3: 6).

1 - إذن أول شئ يضعف الإرادة هو الشهوة:

أية شهوة: سواء شهوة الجسد، أو شهوة المال والقنية، أو شهوة المناصب وتعظم المعيشة، أو شهوة الإنتقام. كلها شهوات تتسبب فى ضعف الإرادة. فحينما تدخل الشهوة إلى القلب، تضعف الإرادة عن مقاومتها. وكلما زادت الشهوة، فإنها تضغط على الإرادة بشدة، حتى تنهار الإرادة تماماً. وحينئذ يتم قول الرسول "الشر الذى لست أريده، إياه أفعل"...

لذلك فمن عوامل تقوية الإرادة، معالجة شهوات الإنسان، وطردها من القلب.

2 - ومما يضعف الإرادة ويقوى الشهوة، القرب من مادة الخطية.

أى القرب من مسبباتها.. وكما قال أحد الآباء "وأنت بعيد عن مادة الخطية، قد تأتيك المحاربة من الداخل فقط. أما إن صرت قريباً من مادة الخطية، فحينئذ تقوم عليك حربان: إحداهما من الداخل، والأخرى من الخارج، ويتعاونان على إسقاطك، إذ تضعف بينهما...

لذلك على الإنسان الحكيم أن يبعد عن العثرات، وعن مادة الخطية وأسبابها، لكى لا تضعف إرادته أمام مغريات الخطية.

والبعد عن مادة الخطية يشمل البعد عن كل المعاشرات الرديئة التى تتعبكن والتى تدخل فكر الخطية إلى عقلك وإلى قلبك، فيضغط الفكر عليك، فتضعف إرادتك أمامه. وهكذا قال الكتاب "المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة" (1كو15: 33). ومن هذه المعاشرات المعثرة، حذرنا المرتل فى المزمور الأول، فقال: "طوبى للرجل الذى لا يسلك فى مشورة الأشرار، وفى طريق الخطاة لا يقف، وفى مجلس المستهزئين لا يجلس" (مز1: 1). لأنك إن عشت فى هذا الجو الردئ، سوف تضعف إرادتك.

3 - ومما يضعف الإرادة بالأكثر، طول المدة فى جو الخطية

عنصر السرعة أمر هام، سواء السرعة فى ترك الخطية، لأن هذه السرعة تقوى إرادتك. كذلك السرعة فى عمل الخير، لأن هذا يقوى إرادتك إيجابياً...

لذلك إن حاربتك الخطية، فقاومتها للتو، ولم تستبقِ فكرها عندك، تجد إرادتك قد قويت، وأصبحت قادرة على طرد الخطية.

أما إن تركتها ترعى فى قلبك، وتدغدغ حواسك، وتلعب بعواطف، وتغرى نفسك، وتقنع عقلك.. فإنها بطول المدة تقوى عليك. فتضعف إرادتك عن مقاومتها. وإن انتصرت، يكون ذلك بمجهود كبير تبذله، وبتدخل النعمة لإنقاذك..

فرق كبير بين أن تنزع الخطية وهى عشب فى الأرض، أو أن تحاول نزعها بعد أن تتأصل جذورها فى الأرض، ويرتفع جذعها عالياً فى الهواء، وتنتشر فروعها هنا وهناك. لذلك حسناً قال المزمور عن الخطية "طوبى لمن يمسك أطفالكن ويدفنهم عند الصخرة" (مز137: 9). "والصخرة كانت المسيح" (1كو10: 4).

إن أتاك فكر خاطئ، وطردته بسرعة، حينئذ تقوى إرادتك.

أما إن فتحت لهذا الفكر أبواب ذهنك، وتباطأت فى طرده، وأخذت معه وأعطيت، واستمر الفكر فى ذهنك فترة، حينئذ تضعف إرادتك أمامه. فإما أن تخضع له، أو إن طردته بعد حين، يكون ذلك بصعوبة بالغة، وما أسهل أن يعود إليك مرة أخرى، مستغلاً تساهلك أمامه...!

السرعة إذن لازمة لتقوية الإرادة، سواء فى طرد الخطية، أو تنفيذ الوصية.

يوسف الصديق: لما ضغطت عليه الخطية، هرب بسرعة، ولو تمزقت ثيابه. ولو كان قد انتظر بعض الوقت، وتباطأ فى الهروب، ما كان يدرى ما سيحدث له!!

ولما تباطأ لوط فى الخروج من أرض سادوم، دفعه الملاكان دفعاً، وأخرجاه منها، وقالا له: اهرب لحياتك. لا تقف فى كل الدائرة، لئلا تهلك (تك19: 16، 17).

إن طول المدة، والإستمرار فى جو الخطية، والتردد، كل ذلك يضعف الإرادة. أما الإنسان القوى الإرادة، فإنه يسرع فى عمل الخير، لا يؤجل.

لا ينتظر، لئلا يغريه الشيطان. بإعادة التفكير، وربما يحاول تغيير فكره! فالشيطان لكى يبعد الإنسان عن فعل الخير، لا يقول له لا تفعل. بل يقول له: انتظر. فكّر. فلنناقش الأمر معاً. مجرد دقائق، وأعطيك المشورة الصالحة! وبهذا الأمر يكون قد ضيّعك... إن طول المدة من جهة التباطؤ فى عمل الخير، يفتح المجال لحرب مضادة، ما أسهل أن تضعف فيها الإرادة.

لنأخذ مثالاً: الابن الضال، حينما أتاه فكر التوبة:

بعد أن أدرك سوء حالته، قال: "أقوم الآن وأذهب إلى أبى، وأقوله له: أخطأت إلى السموات وقدامك، ولست مستحقاً أن أدعى لك إبناً، اجعلنى كاحد أجرائك". ولم ينتظر، بل يقول الكتاب "فقام وذهب إلى أبيه" (لو15: 17 - 20). من يدرى، لو كان قد تباطأ فى التنفيذ، ماذا كان سيحدث لإرادته.

وابراهيم أبو الآباء، حينما أمره الله أن يقدم إبنه محرقة:

ولم يتباطأ أبداً، بل "بكر ابراهيم صباحاً جداً" "وأخذ اسحق إبنه، وأخذ الحطب والسكين" (تك22: 3). بكل قوة وإرادة، بدأ فى تنفيذ أمر الرب، لم يتباطأ إطلاقاً. وربما لو انتظر، أو أخذ يراجع فكره، ما كنا ندرى أية حروب تثور عليه! وإن لم تضعف إرادته، كانت ستضعف إرادة سارة أم الصبى.. ويجد أن مشاكل كثيرة قد أحاطت به، تحاول ان تضعف إرادته.

حينما تحرك النعمة إرادتك للخير، ولا تنتظر لتفكر أو تناقش الأمر. بل نفذ. وإلا انتهز الشيطان فرصة ترددك، ويشترك معك فى التفكير، ويضعف إرادتك.

وإذا بالرغبة الطيبة التى كانت عندك تفتر وقد تزول.. إنما تنفيذ عمل الخير دون تردد، يدل على قوة الإرادة، ويؤدى أيضاً إلى تقوية الإرادة.

وسأضرب لك بعض أمثلة: لنفرض أنك فى سماعك لعظة، أو قراءتك كتاب روحى، أو سماعك لنصيحة من أب اعترافك، أتاك فكر أن تصالح شخصاً أنت متخاصم معه.. لا تنتظر قدم حالاً، واذهب إليه لتصالحه. أما لو أنك انتظرت، ربنا تتغير نيتك. ويأتيك فكر: ولماذا أذهب أنا لأصالحه؟ من الأفضل أن أنتظر إلى أن يأتى هو ليصالحنى. أنا موافق على مبدأ المصالحة. ولكن إن ذهبت أنا إليه لأصالحه، ربما يظن هذا ضعفاً منى، أو اعترافاً منى بالخطأ. إذن حرصاً على كرامتى، ننتظر إلى أن يدخل وسيط بيننا، فهذا أفضل. وهنا تكون الإرادة قد ضعفت من جهة المبادرة للمصالحة. وقد ينتهى الأمر إلى عدم المصالحة، وقد فقدت إرادتك بسبب التردد والمناقشة!

فى دفع العشور مثلاً. قد تبدأ بإرادة قوية لدفعها. فإن نفذت بسرعة، حينما تستلم مرتبك، تدفع عشوره مباشرة كما تدفع إيجار مسكنك، أو تحجر العشور فى صندوق خاص هو صندوق الرب إلى أن تسلمه لأصحابه.

أما إن أجلّت الموضوع، فإنك تفتح أمامك باباً لحروب تضعف إرادتك فى دفع العشور، إذ تبدأ أن تفكر وتتفاوض مع الموضوع، وتبحث احتياجاتك المالية فى هذا الشهر، وربما تقول: لنا عذر فى تأجيل العشور، أو أننا ندفعها فيما بعد ولو بتقسيطها على شهور. أو ننتظر إلى حين أن تصلنا علاوة فى الشهر الفلانى وحينئذ ندفع.. وهكذا تضعف إرادتك ولا تدفع.

نفس الوضع بالنسبة إلى مقاومة الخطية. لما حسد قايين هابيل أخاه. وفكّر فى قتله، قال له الرب يحذره "عند الباب خطية رابضة، وإليك اشتياقها، وأنت تسود عليها" (تك4: 7).. عبارة "وأنت تسود عليها" معناها أن إرادته فى ذلك الوقت كانت تقوى على مقاومتها. فلم لم يطردها من ذهنه ومن قلبه، وتباطأ فى ذلك، أصبحت هى التى تسود عليه.. أى تسود على إرادته، فقام على أخيه وقتله...

اعرف أنك أجهزة حساسة تتأثر بسرعة: سواء عقلك أو حواسك، او قلبك أو مشاعرك.. فلا تترك كل هذه للحرب الروحية فترة طويلة، وإلا ضعفت إرادتك!

4 - مما يضعف الإرادة أيضاً: التدرج فى جو الخطية.

إن النزول السريع ملحوظ. ولكن التدرج البطئ فى النزول قد لا تلحظه. ربما لا تدرك مثلاً أنك تنزل عشرات الأمتار فى سفرك من وادى النطرون حيث الأديرة إلى القاهرة... أو إلى الأسكندرية حينما تصل إلى البحيرة المالحة!

كذلك فى الحياة الروحية، قد تنزل تدريجياً نزولاً من الحرارة إلى الفتور إلى البرودة فالسقوط، حيث تنهار إرادتك، وأنت لم تلحظ كيف ضعفت بالتدريج!

احترس إذن لنفسك.. إن وجدت أن خطايا معينة ترفضها تلقائياً وبسرعة، أعرف إن إرادتك لا تزال قوية.

ولكن إن وجدت أنك ترفض، ولكن بعد أن تفكر بعض الشئ أو بعد تردد، اعرف انك قد بعدت عن قوتك الأولى وأخذت إرادتك تضعف، إذ لم يعد لها الصد المباشر للخطية. وإن وجدت أنك تسير مع فكر الخطية بضعة خطوات ثم تستيقظ لنفسك. وتمتنع عن الإستمرار.. اعرف أن إرادتك بدأت فى الضعف، ولكن لم تستمر. سقطت ولم تكمل السقوط!

أما إن سقطت ولم تعرف كيف تقومن أو لا تريد أن تقومن فأعرف أن إرادتك قد أنهارت واصابها العجز. وتحتاج إلى علاج قوى وسريع.

إن الخطية قد لا تحاربك دفعة واحدة. وبوجه مكشوف، لكى لا ترفضها إرادتك بل تخدع هذه الإرادة بالتدرج.

تتدرج معك تدرجاً طويلاً، ربما لا تشعر به، وفى كل ذلك تضعف إرادتك بقبول هذا التدرج.. إلى أن توقعك فى الهوة.. وربما تكون الخطوة الأولى التى تقودك إلى الخطية، ليست خطية فى ذاتها، بل هى خطوة مخادعة مستترة. ولكن بتدرجها تخدع إرادتك لتقبلها فتفقد هيبتك الأولى، وتسلب قوة الإرادة بالتدريج حتى تستسلم.

إذن مما يضعف إرادتنا أننا لم نكن حازمين ولا حاسمين من أول خطوة.

وبسبب التهاون والتراخى تفقد الإرادة قوتها، وتقف موقف الضعف. إن محاربة الخطية تحتاج إلى موقف حاسم من الإرادة، لكى تصدها من بادئ الأمر. فالتراخى والتكاسل والتباطؤ يؤدى إلى إضعاف الإرادة...

إن شمشون الجبار، بالتدرج وطول المدة، ضعفت إرادته أمام إلحاح دليلة.. هذا الإلحاح الذى لم يطرده شمشون عنه من أول الأمر.. وبالوقت إنهارت إرادته فكشف سره، وسقط سقوطاً عظيماً (قض16).

كيف تقوى الإرادة؟

هناك عوامل كثيرة تقويها، نذكر من بينها:

1 - وسائط النعمة:

وسائط النعمة تقوى العلاقة مع الله، وتحفظ الفكر معه. وبهذا تقوى الإرادة وتستحى من الإستسلام للخطية.

لذلك إن أرادت أن تقوى إرادتك، اجعل وسائط النعمة معك باستمرار. فطالما أنت مواظب على التأمل فى الإنجيل، وعلى الصلاة والمزامير والأجبية، وعلى التراتيل والتسابيح والإجتماعات الروحية، والإعتراف والتناول، تجد نفسك محصوراً بمحبة الله، وإرادتك قوية لا تضعف أمام الخطية، بل تكون لك مناعة ضدها.

ولكن إذا بعدت عن الوسائط الروحية، تضعف روحياتك، ويقل ميلك نحو الخير، وتصير إرادتك سريعة الإنجذاب نحو الخطية. وينتهز الشيطان الفرصة فيهاجمها، وليس حولها سلاح روحى يقوى عزيمتها فى مقاومتها، إذ قد بعدت عن الهاتف الداخلى الذى يدعوها إلى الله...

قد يقول إنسان: أنا سالك فى كل الوسائط الروحية، وأصلى وأصوم، ومع ذلك فإن إرادتى ضعيفة أمام الخطيةّ!! فكيف هذا؟

أقول له: من الجائز أنك تمارس وسائط النعمة. ولكن ليس بطريقة روحية. فأنت تقرأ الكتاب كمجرد تأدية واجب بدون تأمل. وتصلى كروتين وبدون فهم. وتذهب إلى الإجتماعات فى الكنيسة، كعادة بدون إستفادة!! ولكن إ كنت تمارس وسائط النعمة بطريقة روحية، فلا شك أنها ستقوى إرادتك.

أمامنا فى ميزان الحياة كفتان: كفة الله، وكفة العالم.

أحياناً نضع الكثرة فى كفة العالم، حتى تصير هى الأكثر ثقلاً. بينما كفة الله ليس فيها شئ. فتصبح فى الموازين إلى فوق. فإن وجدت كفة العالم تثقل، ضع أنت ما تستطيعه من وسائط النعمة فى كفة الله، إلى ان تزيد عليها. وهكذا تقوى إرادتك فى عمل الخير. أنت إنسان ميّال مثل بندول الساعة، تارة تتحرك يميناً وتارة شمالاً. وكلما تدفع نفسك نحو الله تجد إرادتك تقوى بالأكثر.

لذلك أجعل نفسك محاطاً بجو روحى باستمرار، يقوى إرادتك.. وابعد عن كل جو معثر يضعف الإرادة...

سأضرب لكم مثلاً كيف أن الإنسان الذى هو فى جو روحى، تكون إرادته قوية، حتى أنه قال للرب: لو أنكرك الجميع، لا أنكرك أنا. ولو اضطررت أن أموت معك، لا أنكرك. إنى مستعد أن أمضى معك إلى السجن وإلى الموت (مت26: 33، 35) (لو22: 33).. ولكن بطرس نفسه، وهو فى دار رئيس كهنة اليهود، أخذ يسب ويلعن ويقول لا أعرف الرجل (مت26: 74). كانت إرادته قد ضعفت أو إنهارت فى ذلك الجو المعادى للمسيح!!

مثال آخر – غير بطرس – هو لوط البار:

حينما كان فى عشرة أبينا ابراهيم القديس، وإلى جوار المذبح، كانت إرادته قوية. فلما ذهب إلى سادوم، حيث فقد واسطتين روحيتين هما ابراهيم والمذبح، حينئذ ضعفت إرادته وإرادة زوجته وإبنتيه. وقيل عنه هناك إنه كان "مغلوباً من سيرة الأردياء فى الدعارة. إذ كان البار – بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم – يعذب يوماً فيوماً نفسه البارة بالأفعال الآثمة" (2بط2: 7، 8).

ولأهمية الوسائط الروحية فى تقوية الإرادة:

يقول الكتاب عن الرجل البار إنه "كشجرة مغروسة على مجارى المياه" (مز1). أى متصلة بينابيع الغذاء الروحى باستمرارن لذلك تكون مثمرة "تعطى ثمرها فى حينه، وورقها لا ينتثر".

تصوروا مثلاً إنساناً قد ارتبط قلبه بالصلاة والتأملات الروحية فى قراءة الكتاب. ثم هاجمه فكر ردئ. هل من المعقول أن تضعف إرادته أمام هذا الفكر؟! أم تكون على العكس محصنة ضده بتأملاتها الروحية...

ليكن فكرك وقلبك متعلقين بالله، فتصبح إرادتك قوية. أما إذا سرح فكرك فى أمور عالمية بعيداً عن وسائط النعمة، حينئذ تضعف إرادتك.

وأنت: ما هو الوسط الذى يحيط بك؟ وهل هو يقوى إرادتك نحو الخير أم يضعفها؟ هل عوامل التسلية والترفيه التى حولك، تقوى إرادتك وتعطيك مقاومة للخطية أم عكس ذكل؟ هل أصدقاؤك ومعارفك وأصحابك الذين تقضى معهم وقتك، يشجعونك على الإلتصاق بالله، ويعملون على تقوية إرادتك روحياً؟..

2 - من الأمور التى تقوى الإرادة أيضاً: التغصب:

هل أنت باستمرار تدلل نفسك، وتعطيها فى كل حين ما تهواه؟ كما فعل سليمان قائلاً "ومهما اشتهته عيناى، لم أمنعه عنهما" (جا2: 10)؟!... إن كان الأمر كذلك، فسوف تضعف إرادتك لأنها لا تجد ما يضبطها، فتفقد هى سيطرتها على رغباتها، وتفقد أنت سيطرتك على إرادتك. لذلك أغصب نفسك على عمل الخير، اغصبها على الإلتصاق بالله. وكلما كنت تغصب نفسك بكل حزم على الإتجاه الروحى، حينئذ ستقوى إرادتك بلا شك.

ولعلك تسأل هنا: هل إذا غصبت نفسى، أكون فى حالة روحية؟!

هل الصلاة بتغصب – مثلاً – هى صلاة روحية.

أقول لك إن محبة الله التى تدفعك إلى التغصب هى حالة روحية. كما أن التغصب هو الخطوة الأولى التى تقودك فى النهاية إلى الحياة الروحية التى لا تغصب فيها.. أنت تغصب نفسك على القراءة الروحية، ثم بلا شك ستجد لذة فى هذه القراءة، فتكملها بلا تغصب، بل بكل رضى واشتياق. وهكذا أيضاً مع الصلاة وكل التداريب الروحية.

التغصب إذن هو مجرد نقطة البدء، ولكنه لا يستمر هكذا.

الطفل الصغير حينما يرسلونه لأول مرة إلى المدرسة، يرفض ويبكى، لأنه سيترك حضن أبيه وأمه، ومحبة اقربائه له، ويترك الجو الذى تعود عليه ويذهب إلى جو غريب عليه... ولذلك فإنه يذهب إلى المدرسة بشئ من التغصب. ولكنه بعد قليل يجد لذة فى المدرسة، وما فيها من لعب وتسليات وأصدقاء جدد، وما فيها من دروس وتعليم.. فيشتاق إليها، ويحث أمه أن تلبسه ملابس المدرسة، ليسرع فى الذهاب إليها.

اغصب نفسك إذن على عمل الخير، فهذا سيقودك إلى محبة الخير.

وسيقودك إلى عمل الخير تلقائياً وبدون تغصب. واغصب نفسك أيضاً على ترك الخطية. فبهذا ستقوى إرادتك. وبدون تغصب سترفض الخطية.

اغصب نفسك على التوبة، فهذا هو الطريق الروحى، الذى نصحنا به القديس بولس الرسول، حينما وبخ العبرانيين قائلاً:

"لم تقاوموا بعد حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية" (عب12: 4).

عبارة (حتى الدم) تعنى أن تغصب نفسك على مقاومة الخطية، حتى لو أدّى الأمر أن تستشهد فى سبيل ذلك. ومعنى ذلك أنك بكل حزم ترفض كل ما تعرضه عليك الخطية من مغريات، ولا تستسلم لكل فكر ورغبة، بل تضبط نفسك، فتقوى إرادتك.

مثل شخص يدخل فى ريجيم للطعام مثلاً. فلا يأكل كل ما يشتهيه، ولا يكثر من طعام. ولو أتاه فكر أن يأكل من صنف حرّمه عليه الطبيب، ولو يأكل قليلاً، يرفض ذلك بحزم. ويقول لنفسه: القليل سيؤدى إلى الكثير. وهذا الصنف سيتطور إلى صنف ثانٍ وثالث، فالحزم أفضل.

إن ضبط النفس إذن يؤدى إلى تقوية الإرادة. وإذا قويت الإرادة تؤدى إلى مزيد من ضبط النفس.

كما أن هذا التغصب، فى ضبط النفس، سيجعل الشيطان يتعب منك ويعرف أنك لست سهلاً، فيهابك. وكلما تغصب نفسك، تدرك نعمة الله لتسندك وتعينك. لأنك بهذا التغصب تبرهن على محبتك لله وجهادك للسير فى طريقه. فيستجيب الله لجهادك ويجعل روحه القدوس يعمل فيك. وفى هذا التغصب أو هذا الجهاد، تعينك أيضاً صلوات القديسين الذين يصرخون إلى الله من أجلك، قائلين: أعنه يارب. لا تتركه...

عاند نفسك إذن. ولعل البعض يسألون هنا:

هل العناد خطية أم فضيلة؟

اقول: إذا عائد الإنسان نفسه حينما تشتاق إلى الخطية، يكون عناده فضيلة. أما إذا كان ياند متشبثاً بفكر خاطئ أو عمل خطية، حينئذ يكون عناده صادراً عن كبرياء وتمسك بالخطأ، فيكون خطية مزدوجة...

3 - من الأشياء التى تقوى الإرادة أيضاً: يقظة الضمير.

بحيث يكون ضميرك صاحياً باستمرار، لا ينام ولا لحظة...

ولكن يحدث فى بعض الأحيان أن يكون الضمير صاحياً، وبعكس ذلك تكون الإرادة ضعيفة فى عمل الخير، أو مشتاقة إلى الخطية، فتُسكت الضمير.

حقاً، إن الضمير يرشد إلى عمل الخير، ولكن لا يرغم الإنسان على السير فيه.

4 - تقوى الإرادة أيضاً: مخافة الله، ومحبة الله.

بالمخافة تقوى الإرادة فى البعد عن الخطية. وبمحبة الله تقوى الإرادة فى عمل الخير والبر. وكيف ذلك؟

الإنسان الذى يخاف الله، يخشى أن يعصاه. وخوفه من عمل الشر، وخوفه من عقوبة الله، وخوفه من الله الذى يراه، يجعل إرادته قوية جداً فى الإمتناع عن الخطية. وكلما عُرضت عليه يقول: "كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله؟!" (تك39: 9).

ومن الناحية الأخرى. فإن الإنسان الذى يحب الله، تلهب المحبة قلبه، وبالتالى تشتعل إرادته فى عمل البر، وبالأكثر فى رفض الخطية التى ما عادت تتفق مع طبيعته الجديد فى حياة القداسة.

5 - لذلك لكى تقوى الإرادة، لابد من قيم يتمسك بها الإنسان. ويلتزم بها.

لابد أن تكون له قيم معينة. لو قامت الدنيا وقعدت، لا يمكنه أن يتنازل عن هذه القيم. كإنسان مثلاً يضع أمامه قيماً معينة، بأن لا يكون مطلقاً جباناً ولا خائناً. وفى تنفيذ هذا، تكون إرادته من حديد. مهما كانت الضغوط الخارجية، يظل شجاعاً، ولا يخون وطنه ولا يخون كنيسته، ولا يخون إنسان إئتمنه على سرّ أو على وديعة.

كذلك الشهداء: كان التمسك بالإيمان من القيم التى يحرصون عليها. لذلك كل ما تعرضوا له من عذاباتن لم يضعف إرادتهم...

مثال آخر: إنسان من القيم التى أمامه أنه لا يسرق. فإن سرق، يحتقر نفسهن ولابد أن يعيد المسروق إلى أصحابه. بل لا يجرؤ إطلاقاً على أن يحتفظ فى بيته بمال حرام... إن ركب الأتوبيس مثلاً، وانشغل الكمسارى فلم يأخذ منه تذكرة، يسعى هو إليه ليشترى منه التذكرة. بينما شخص أخر بلا قيم: يقول ركبنا بدون تذكرة، لأن الكمسارى صاحبنا!! نعم، قد يكون صاحبكمن ولكنه ليس صاحب الأتوبيس. وليس من حقه أن يجاملكم!

إن إرادتنا تضعف أحياناً، لأن بعض القيم فى حياتنا قد ضعفت.

أما إن بقيت القيم قوية فى حياتنا، وكان التزامنا بها قوياً، فإن إرادتنا تكون قوية جداً. هناك قيم إجتماعية ودينية أيضاً: مثل احترام الكبار وإكرامهم، كإحترام الأساتذة والمدرسين، واحترام كبار السن. فلا يجرؤ إنسان مثلاً أن يهين والده أو استاذه، أو يرد عليه بالمثل، أو يجلس وهو واقف، أو يخدش شعوره بأية عبارة أو تصرف. وفى كل ذلك تكون إرادته قوية جداً فى التمسك بهذه القيم...

وبنفس المنطق هناك قيم أخرى، مثل إحترام القانون، واحترام النظام العام، واحترام الرؤساء.. طالما توجد هذه القيم، تكون الإرادة قوية فى الإلتزام بها. فإن ضعفت إحدى هذه القيم، تجد الإرادة منقاة إلى الثورة والإحتجاج والعصيان...

إن الدين يقدم لنا قيماً معينة. تكون الإرادة قوية فى تنفيذها.

مثال ذلك الصوم مثلاً. تجد الإرادة قوية أثناءه فى الإمتناع عن الطعام. فهو وسيلة لتقوية الإرادة. والإرادة القوية وسيلة لممارسته.

من القيم أيضاً: عدم الدخول إلى هيكل الله بالحذاء. هنا لا يمكن أن تضعف الإرادة على كسر هذه القاعدة، بل تلتزم بها بإرادة قوية... أما فى بلاد الغرب التى سقطت فيها هذ القيم، فإن الإلتزام بهذه القواعد غير موجود، وكسرها لا يتعب الضمير.

إن إرادة الإنسان إذن، تتحكم فى قوتها أو ضعفها أمور كثيرة.

تتحكم فيها الشهوة والرغبة، وتتحكم فيها القيم والإلتزام بها. ويتحكم فيها ضبط النفس أو التسيب. وكذلك البعد عن وسائط النعمة أو ممارسة هذه.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل الحادى عشر الحياة

الفصل التاسع الروح الإنسَانية

المحتويات
المحتويات

المحتويات