هذا الفصل هو جزء من كتاب: من هو الإنسان – البابا شنودة الثالث .
الفصل الرابع العَقل
إن كان العقل يقود الإنسان
فما ا لذى يقود العقل؟
المعروف عند جميع الناس أن الإنسان مخلوق عاقل. وأنا أريد أن أناقش هذا الموضوع: إلى أى حد الإنسان مخلوق عاقل؟
هل الإنسان عقل خالص صرف؟ أم أنه يخضع لمؤثرات كثيرة، تجعله أحياناً لا يتصرف بعقله كما ينبغى؟
وسنعرض لكل هذه المؤثرات ونفحصها...
1 - أو نقطة نناقشها هى نوع العقل:
أهو عقل ذكى؟ ام عقل عبقرى؟ ام متوسط الذكاء؟ أم ضعيف الذكاء؟ أم غير ذكى على الإطلاق؟
ذلك لأن عقليات الناس تتفاوت فى توعيتها ودرجاتها. وحسب التفاوت يختلف الفهم والتفكير والإستنتاج.
وتختلف أيضاً نوعية الذاكرة: هل هى مجرد ذاكرة جامعة وحافظة؟ أم حافظة ومرتبة؟ أم ذاكرة فوتوغرافية؟ وهل تسعفه فى أى وقت، أم تخونه أحياناً؟
كذلك ما نوع تفكيره؟ هل هو تفكير شامل؟ أن يتركز فى زاوية واحدة ويهمل الباقى؟ وهل هو تفكير سطحى او عميق؟ وما درجة عمقه؟
وعلى هذا القياس، إلى أى حد نقول عن كل أحد أنه عاقل؟
ليس الناس على حد سواء، حتى فى فهمهم، سواء فهم ما هو حادث، أو فهم ما ينبغى أن يحدث.. هناك شخص بالكاد يقود نفسه، وآخر يمكنه أن يقود غيره أيضاً. وثالث يحتاج إلى من يقوده.
2 - وهناك من تتعبهم طريقة تفكيرهم. وقد تتعب غيرهم معهم أيضاً...
إنسان قد يفكر فى مشكلة، ويساعده عقله على حلها. وإنسان آخر تستقطبه المشكلة، وتستولى على عقله وكل تفكيره، فى صحوه وفى نومه، وربما فى أحلامه ايضاً. ولا تترك له فرصة ليفكر فى غيرها. وبهذا تفكيره فيها يتعبهن ويقيناً يؤثر على أعصابه ونفسيته...
3 - وقد يوجد إنسان يسيطر على عقله الشك:
يشك فى الأحداث وما تحوى. ويشك فى الناس وتصرفاتهم ونواياهم... يشك فيما يقال وما يسمع. ويشك فى قدرته على التصرف. ويشك فى المستقبل.
والشك يتعبه ويؤلمه، وقد يجلب له الخوف والإضطراب ومع ذلك فعقله غير قادر أن يخرج من دائرة هذا الشك! ومهما قيل له من تبرير يزيل هذا الشك، فإنه يشك فى هذا التبرير أيضاً، ومدى صدقه، وما هو هدفه...
وقد ينمو الشك عنده فيشمل كل شئ، وكل احد حتى أعز الأحباء... ويصبح فريسة فلإشاعات وللظنون والأكاذيب...
ومن أصعب الشكوك التى تصيب بعض العقول، الشكوك الإيمانية:
مثل الشكل فى الله عند الملحدين وأمثالهم، والشك فى المعجزات عند بعض رجال العلم. والشك فى الحياة الأخرى وفى قيامة الأجساد، والشك فى الكتب المقدسة، أو فى بعض الحقائق الإيمانية والعقائدية والمسلمات...
وإذا وصل العقل إلى هذا الحد من الشك، ما أسهل أن يستلمه الشيطان ويلعب به...
ويزوّده عدو الخير بأفكار وأفكار، ويرشده إلى قراءات تزيد شكه، وإلى زملاء من نفس النوع، يعمقون الأفكار التى تحاربه ويضيفون إليها...
هل تظنون مثل هذا العقل عقلاً خالصاً، بينما هو فى قيادة غيره؟!
4 - العقل أيضاً يتأثر بالجهل:
سواء كان جهله نتيجة عدم معرفة، أو نتيجة معرفة مضللة وصلت إليه، ونتيجة لوقوعه فى الجهل، يتصرف تصرفات خاطئة. وإذ يجهل حقائق أى موضوع أو أى حدث، تسيطر عليه بعض الظنون والأفكار التى ما أسهل أن تتعبه..
يحتاج مثل هذا العقل إلى المعرفة الصادقة المقنعة، وإلى التوعية السليمة، وأحياناً إلى العتاب المشبع بالحب والنية السليمة، لكشف الحقائق...
وأصعب أنواع الجهل الذى يحارب العقل، الجهل الذى يرفض المعرفة...
أعنى العقل الذى يتمسك بجهله فى إصرار، مقتنعاً بما عنده من أفكار، ويشك فى كل توعية وكل شرح.. مثل هذا، ربما التجارب تصقله، أو النعمة تفتقده، بتجديد ذهنه (رو12: 3). وعلى كل كلما ينمو الإنسان فى المعرفة، تتغير طريقة تفكيره، على حسب نوع المعرفة التى تأتيه...
5 - هناك عقل يقوده مبدأ معين يؤمن به:
فهو يعيش داخل هذا المبدأ، سوا كان سليماً أم خاطئاً.. ولا يحب أن يتزحزح عنه بل يستمر حبيساً فيه. ويشكل هذا المبدأ هيكلاص أساسياً لحياته...
صدقونى، حتى بالنسبة إلى كثير من الفلاسفة، الذين يحكمهم العقل فرضاً، ينطبق عليهم المثل القائل بأن نقطة البد فى الفلسفة أحياناً تكون غير فلسفية.. أى ربما يبدأون بعامل نفسانى معين، يبنون عليه كل فلسفتهم.
مثل كرة ألقيتها من على جبل: إن ألقيتها شرقاً، تستمر بكل قوتها فى هذا الإتجاه الشرقى. وإن ألقيتها غرباً، تستمر فى هذا المجال الغربى بكل قوتها...
6 - نوع آخر من العقل يسيّره أب أو معلم.
فهو منقاد إلى عقل آخر يسيّره كيفما يشاء، سواء كان عقل أب بالجسد، أو أب روحانى، أو معلم أو مرشد.
وليست لديه فرصة أن يتصرف أو حتى يفكر. إلا داخل دائرة هذا المعلم وتفكيره وإرشاده. وتكاد شخصيته أن تكون مفقودة تماماً. وبخاصة لو كان هذا الأب أو المرشد شديداً فى سلطته، يتطلب لوناً من الطاعة العميا...
ويزيد هذا الإنقياد العقلى الكامل، إن كان عقل من يطيع مدفوعاً بثقة كاملة فيمن يطيعه. أو اعتقاده أنه سيهلك إن هو خرج عن حدود الطاعة، أو إن اقتنع بأن مجرد المناقشة أو الحوار مع من يرشده، لون من الكبريا...
هنا عقله لا يعمل، إنم يطيع عقلاً آخر.
7 - مثل هذا العقل قد تقوده أيضاً الأخبار أو الشائعات.
أو يقوده أى كتاب يقرؤه، أو تأثير فيلم يراه فى السينما أو فى التليفزيون أو الفيديو.. لأن عقله قد تعود الإستسلام والخضوع لقيادة أخرى تؤثر عليه... حتى لو كانت الصحافة، أو الأخبار التى يسمعها من الناس، أو أى شخص أقوى منه فكراً ومنطقاً...
وقد يثبت بعد فترة كذب الشائعات، أو عدم صحة الأخبار.. ولكن بعد أن تكون قد تركت فى نفسه أثراً، ليس من السهولة أن يزول...
أما العقل السليم القوى، فهو يفحص ويدقق.
كل ما يسمعه، يفحصه ويحلله. ويقبل منه ما يقتنع به، ويرفض الباقى. أو يترك بعض الأخبار الأخرى لمزيد من الدراسة والإستقصاء. ويمكنه أن ينتفع ببعض ما يقوله الناس. ولكنه لا يسلم ذاته لهم تسليماً كاملاً. ولا يكون مثل ببغاء "عقله فى أذنيه".
بعض القيادات ما أسهل أن تضيعهم التقارير المضللة، وبخاصة لو تأثروا بها لدرجة اتخاذ قرارات سريعة مبنية على باطل...
وما أكثر ما انحلت عائلات، نتيجة تصديق كل ما يقال.
8 - والعقل قد تقوده الأعصاب أحياناً.
إن كان سريع التأثر، سريع الإنفعال. ويفكر مدفوعاً بانفعالاته. شمشون أطاع دليلة، لأن كثرة إلحاحها عليه، كان ضاغطاً على أعصابه، التى دفعت عقله بلون من الضيق واليأس كشف فيه سرّه.
9 - وكثيراً ما يخضع العقل لمؤثرات عائلية أو إجتماعية:
فكثيراً ما تستطيع زوجة أب أن تؤثر على عقله وفكره، حتى يسئ معاملة إبنه من زوجته الأولى، مصدقاً ما تصبه فى أذنه من مؤاثرات.
كذلك المجتمع كثيراً ما يترك تأثيره على عقول الناس. فيكون الإنسان فى وسط الجماعة متأثراً بفكر الجماعة وانفعالها. مثل تلميذ فى مظاهرة، يردد كل ما يقوله زعماء المظاهرة. فإذا قبض عليه وألقى فى سجن، وجلس وحده، حينئذ يفكر عقله بطريقة أخرى، وقد يلوم نفسه على إندفاعه وراء المظاهرة...
10 - يوجد عامل آخر يسميه البعض (غسيل المخ).
وفيه يقع عقل تحت تأثيرات متوالية، وشكوك متعددة، وضغوط فكرية، بحيث تقتلع منه كل ما كان فيه، وتحشوه بفكر آخر جديد عليه.. ويخرج من هذه الدائرة التى حبسوا عقله فيها. وإذا به يفكر بطريقة أخرى، عكس ما كان قبلاً. بل قد يتحمس للفكر الجديد تماماً. الذى عاش فيه دون إتاحة فرصة للفكر الآخر أن يقيم توازناً مع ما يقع عليه من ضغوط فكرية.
11 - وقد تؤثر على العقل طوائف ومذاهب أخرى:
كإنسان يختلط فترة بمجموعة من الشيوعيين، تحوَل عقله إلى فكر شيوعى. أو يختلط بشهود يهوه فترة، فيصبح واحداً منهم وداعية لهم. وكذلك نقرأ عمن اختلطوا بالوجوديين، أو بالهيبز والبيتلز، وبطوائف أخرى متعددة. تركت تأثيرها على عقولهم، فأصبحوا يفكرون بطريقة أخرى.
إنسان يخالط متشددين، فيتحول إلى متشدد. أو يختلط بمستهترين، فيتحول إلى مستهتر. يضيق فكره أو يتساهل، حسب التأثير الواقع عليه.
12 - وقد تؤثر على العقل نوعية نفسيته:
فالإنسان صاحب النفسية الرقيقة الحساسة، ما أسهل أن يتأثر تفكيره بأية كلمة تقال له، ويصور له فكره أنها خطيرة وصعبة. والإنسان صاحب النفسية البسيطة، كثيراً ما يتقبل عقله أموراً لا يمكن أن يصدقها متعمق باحث عن الحقيقة...
13 - وقد يتأثر العقل بعاداته وطباعه:
تسيَره العادة أو الطبع، فى أمور لا يقبلها العقل المتزن، بل ربما أكثر من هذا، يبدأ العقل فى تبرير تلك العادات وتلك الطباع، وما يصدر عنها من سلوك. وقد يثق العقل بأن هذه العادة تضرَه، ومع ذلك تنتصر العادة. لأن القيادة لا تكون وقتذاك فى يد العقل، وعلى رأى المثل "الطبع يغلب".
هل بعد كل هذا نقول إن الإنسان مخلوق عاقل، بمعنى أن العقل هو الذى يقوده؟! كلا.
14 - هناك عقل آخر يقوده الخوف:
الخوف يشل عقله عن التفكير، ويقوده بنفسه...
مثل أبينا آدم، خاف فاختبأ من الله خلف الشجرة!! بينما العقل يقول إنه مهما إختبأ، لابد أن يراه الله. ولكن الذى كان يقوده، كان هو الخوف وليس العقل...
وقد يقود الخوف هذا العقل ليشتغل لحسابه.
كأن يخطئ إنسان، ويخاف من نتائج أخطائه، فيدفع العقل إلى تغطيتها بحيل أو أكاذيب أو إتهام غيره ظلماَ... كل ذلك ليستره...
الإنسان الخائف لا تطمئن إلى سلامة تفكيره.
15 - عقل آخر تقوده الشهوة:
أية شهوة: شهوة جسد، أو شهوة إنتقام، أو شهوة مناصب أو ألقاب، أو شهوة مال، أو شهوة عظمة، أو شهوة... وقد يضيع عقله فى سبيل تحقيق هذه الشهوة...
فالذى تسيره شهوة الإنتقام، ترى كل عقله يفكر فى كيف ينتقم، ولا يفكر مطلقاً فى عواقب ذلك، ولا فى وصايا الله.. إنه محصور داخل هذه الشهوة، تسيطر على كل تفكيره، وحدها.. وينفذ ويضيع... لأن عقله لم يستطع أن يمنعه عن الجريمة.
16 - والعقل قد تقوده العاطفة.
هناك عاطفة تقود العقل، وعاطفة بلا عقل. وهناك عقل بلا عاطفة، وعقل متزن له عاطفة ولكنه يحكمها. أنواع أربعة، وكل نوع يختلف عن الآخر.
فالعقل الذى تقوده العاطفة، مثل الأم التى تمنع إبنها من السفر لفائدته، لأنها تريده إلى جوارها، أو الأم التى تتدخل فى كل شئون إبنتها الزوجة، بحكم عاطفتها، ولكن بلا عقل فتتلف حياتها، وزواجها.
أو مثل تلميذ بسبب العاطفة، يغشش زميلاً له فى الإمتحان، فيقع الإنسان فى مسئولية وتحقيق، وقد يلغى إمتحانهما...
إيزابل باسم العاطفة، فكرت فى وسيلة لكى تريح زوجها، وتمكنه من إمتلاك حقل نابوت اليزرعيلى. وكانت سبباً فى هلاكه وهلاكها. وسمح عقلها أن يغرق فى لجة من الأخطاء الدينية والإنسانية.
17 - وهناك عقل يقوده الروح القدس:
حقاً إن العقل له قدرة على التفكير، ولكن إذا ما استثار بالروح القدس، الذى يعرفه بكل الحق.. حينئذ تكون أفكاره سليمة تماماً وروحية وموافقة لمشيئة الله.
أصعب نوع من العقل، هو الذى يعلن استقلاله عن الله.
ويسلك حسب فهمه البشرى، الذى قال عنه الكتاب "لا تكن حكيماً فى عينى نفسك" (أم3: 7). والذى قال أيضاً "وعلى فهمك لا تعتمد" (أم3: 5). أما الذى يقوده روح الله، فهو الذى يقول لله "لتكن مشيئتك".
18 - يشابه هذا العقل الروحى، من تقوده وصايا الله.
كما قال داود النبى "وصية الرب مضيئة تنير العينين عن بعد" (مز19). وكما قال "سراج لرجلى كلامك، ونور لسبيلى" (مز119).
هذان النوعان الأخيران، يمكن أن تقودهما الروح، ويقودهما ضمير صالح أمام الله... ضمير مستنير بالروح القدس أيضاً...
العقل قد يخطئ، وتترسب عليه عوامل تفقده الرؤية السليمة. وهنا نتأمل معاً قول القديس بولس الرسول فى رسالته إلى أهل رومية "تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رو12: 2). فما معنى:
تجديد الذهن أهمية التجديد
فى المعمودية نأخذ تجديد الطبيعة. أما تجديد الذهن، وتجديد اسلوب الحياة، فأمر نحتاج إليه باستمرار فى حياتنا. فلا يتحجر الإنسان على وضع معين.
تجديد الذهن، معناه تغيير نظرة الإنسان إلى الأمور.
وما أكثر عبارة التجديد فى المزامير وفى الكتاب. فنحن فى كل صلاة نقول فى المزمور الخمسين "قلباً نقياً إخلق فىّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدده فى أحشائى". ونقول فى مزامير الساعة "سبحوا الرب تسبيحاً جديداً".
وفى الوضع الجديد لنا فى المسيحية يقول الكتاب "خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذى يتجدد للمعرفة حسب صورة الله" (كو3: 9، 10). لاحظوا هنا عبارتى جديد، ويتجدد. ولكنه يتجدد للمعرفة. وهنا نفهم تجديد الذهن، أى يأخذ معرفة جديدة لم تكن له.
وهذا التجديد فى المعرفة، تصحبه قوة جديدة للتنفيذ. إذ يقول الكتاب "وأما منتظرو الرب، فيجددون قوة. يرفعون أجنحة كالنسور. يركضون ولا يتعبون يمشون ولا يعيون" (أش40: 31).
إن الله يريد أن يكون لنا عنصر الجدة فى حياتنا. لذلك يقول لنا فى سفر حزقيال النبى "أعطيكم قلبا ً جديداً، وأضع روحاً جديدة فى داخلكم" (حز36: 26). وهنا نسأل ما معنى تجديد الذهن؟
الإنسان يخطئ، لأن فكره يقوده إلى الخطية. لذلك فإن الله يريد للإنسان أن تتغير نظرته إلى الأمور.
† † †.
ولنأخذ كمثال: نظرة الإنسان إلى الجسد:
هل تفكير ذهنه فى الجسد، أن الجسد هو للمتعة واللذة؟ سواء كانت المتعة فى الأكل والشرب والملبس، او فى الممارسات الجنسية أو الزنا، أو فى الشعور بجمال الجسد أو قوته.. إن كان الأمر كذلك، فسوف يخطئ.
وهنا ينصحه الرسول بتجديد ذهنه، أى أن يأخذ فكره شكلاً جديداً.
وفى تجديده، ينظر إلى الجسد كهيكل لله:
باعتباره أنه هيكل للروح القدس، والروح القدس يحل فيه (1كو6: 19). إذا تجدد ذهنك، حينئذ ينظر إلى الجسد كمجرد وعاء للروح، سواء روحه الإنسانية أو روح الله الساكن فيه. وحينئذ يمكنه عن طريق الجسد أن يمجد الله، كما قال الرسول:
"مجدو الله فى أجسادكم، وفى أرواحكم، التى هى لله" (1كو6: 20).
وهنا على الإنسان باستمرار أن يمجد الله فى الجسد وبالجسد. ولعل هذا يتم إن كان الجسد يسير مع الروح فى طريق واحد. أما إن كان هناك صراع بين الجسد والروح (غل5: 17). فهذا يدل على أنه لا يزال فى المفهوم القديم للجسد من حيث أنه جهاز للمتعة، ويحتاج أن يغير فكرته هذه.
لأنه حتى لو انتصر على شهوة الجسد، وهو بهذا الوضع، يكون قد امتنع عن ارتكاب الخطية، وهو لا يزال يحبها. أما فى تجديد الذهن، فهو ينتصر على الخطية لأنه قد ارتفع فوق مستواها، ولا يحتاج إلى جهد للخلاص منها.
† † †.
وعندما يتجدد ذهنه، لا ينظر فقط إلى جسده بهذه النظرة، إنما ينظر هكذا أيضاً إلى أجساد الآخرين. فإن نظر إلى إمرأة، لا يشتهيها فى قلبه (مت5: 28). ذلك لأن جسدها – فى مفهومه الروحى – هو هيكل للروح القدس، له سمة القداسة وبخاصة فى حالة تناولها من الأسرار المقدسة.
بتجديد ذهنه، ينظر إليها كإبنة لله، لها احترامها، تنال منه كل توقير، بعيداً عن النجاسة والفساد. ولا يلزم المرأة أن تتغطى من قمة رأسها إلى كعب قدميها، لكى ينجو هو من الشهوة الكائنة فى قلبه.. طبعاً الحشمة لازمة ولكن:
بتجديد ذهنه ينجو من الشهوة، من الداخل.
بدون وسائل خارجية تلجم شهوته. وهو مجرد لجام من الخارج! وهكذا – فى تجديد ذهنه – لا يقول إن هذه المرأة تعثرنى. إنما يقول: إن ما كان يعثرنى – قبل تجديد ذهنى – هو شهوات قلبى الداخلية، بسبب مرض ذهنى وسوء تفكيره.
الذى تجدد ذهنه ينظر إلى الجسد نظرة سامية، كخادم لعمل الروح، لعمل البر. به يركع ويسجد ويصلى. وبه يخدم ويتعب فى الخدمة. بل يقدم الجسد ذبيحة مرضية لله (رو12: 1). وهكذا نرى أن الشهدا والمعترفين قدموا أجسادهم لله ذبيحة مقدسة، ولم يكن الألم عائقاً لهم.
بتجديد ذهنهم لم يخافوا الموت، بل رأوا أن الموت هو الوسيلة التى توصلهم إلى المسيح.
هذا الذهن الجديد هو الذى منح الشهداء شجاعة فى مواجهة الحكام الوثنيين، وشجاعة فى تحمل الآلام، ناظرين إلى الألم كإكليل فوق رؤوسهم. وبهذا الذهن الجديد كانوا يسبحون ويرتلون وهم فى طريق الإستشهاد.. وبهذا المفهوم لما أراد أهل رومه أن ينقذوا القديس أغناطيوس الأنطاكى من إلقانه إلى الأسود الجائعة، عاتبهم على ذلك بقوله "أخشى أن محبتكم تسبب لى ضرراً. وقد وصلت إلى نهاية المطاف..".
† † †.
نفس الوضع بالنسبة إلى الصوم، فالإنسان الروحى الذى تجدد ذهنه، لا يبذل جهداً فى الإنتصار على لذة الطعام، لماذا؟
لأنه وصل إلى الجسد الزاهد، وليس إلى مجرد الجسد الصائم.
لقد تغيرت نظرته إلى الأكل والطعام. ورأى أنه فى الصوم يشعر بإنطلاق روحه بغير عائق من الجسد.. ارتفع فوق مستوى الماديات، ولم تعد الماديات تغريه.. ويتطور متقدماً فى الوصول إلى روحانية الجسد...
طبعاً الجسد الروحانى نلبسه فى القيامة (1كو15: 44).
ولكنه يقترب من هذه الروحانية، بقدر ما تحتمل طبيعته.
† † †.
نتحدث عن تجديد الذهن أيضاً، من جهة الطموحات والآمال.
حسب هدف الإنسان، هكذا تكون وسائله.
فإن كان الإنسان ينظر بنظرة عالمية إلى العلو والعظمة والكرامة، وإلى النجاح والطموح، فهكذا تكون تصرفاته.
الإنسان الروحى – الذى تجدد ذهنه – ينظر إلى الطموح نظرة روحية، فيها يرجع إلى الصورة الإلهية التى خُلق بها منذ البدء. بحيث يرى العظمة الحقيقية، أنه يعيش بلا خطية. كما قال الرسول إن المولود من الله لا يخطئ، والشرير لا يمسه. ولا يستطيع أن يخطئ، لأنه مولود من الله (1يو3: 9) (1يو5: 18). فى تجديد ذهنه يقول: كيف اهبط بمستواى إلى وضع الخطية؟! "كيف أفعل هذا الشر العظيم، وأخطئ إلى الله" (تك39: 9).
ومن جهة النجاح والتفوق، للذهن المتجدد رؤية أخرى.
فهو لا يخلط النجاح بالذات، إنما بالوصية الإلهية. غنه لا يجعل النجاح مجرد وسيلة، ليرضى عن نفسه، ولكى تكون صورته مضيئة أمام الناس. إنما ينجح لأن أولاد الله ينبغى أن يكونون دائماً ناجحين. ليرضى الرب عنهم. وأيضاً يكونوا ناجحين، لأن الرب معهم وهو سبب نجاحهم.
والتفوق فى نظره، هو تفوق فى النوعية، وليس مجرد تفوق على الغير.
فحتى لو تفوق على غيره، وكان الأول فى الترتيب، ومع ذلك لم يصل إلى المستوى العالى، فإن هذا لا يرضيه. وفى داخله يشعر بالتقصير.. إنها فى نظره ليست منافسة مع الغير، يصير فيها الأول. إنما هو جهاد للوصول إلى الكمال، بكل ما تستطيع طاقته أن تصل إليه.
ومن جهة العظمة، لا يهدف أن يكون عظيماً أمام الناس.
إنما كما كان المعمدان "عظيماً أمام الله" (لو1: 15).
هيرودس الملك كان عظيماً أمام الناس، عظمته فيها كبرياء، ويعطى فيها مجداُ لله. لذلك سمح الله أن يضربه الملاك، فأكله الدود ومات (أع12: 21 - 23). أما يوحنا المعمدان، فكان سر عظمته، أنه من بطن أمه كان مملوءاً من الروح القدس. وأمام الناس كان يقول عن السيد المسيح "ينبغى أن ذاك يزيد، وأنى أنا أنقص" (يو3: 30) "أنا لست مستحقاً أن أحل سيور حذائه" (لو3: 16).
فما هو نوع العظمة الذى يدور فى ذهنك؟
هل هو الكرامة العالمية فى البحث عن مديح الناس؟! أم هى كرامة الإتضاع كما قال الرب: من يضع نفسه يرتفع.. استمع إذن إلى قول القديس أنطونيوس الكبير: من سعى وراء الكرامة، هربت منه. ومن هرب منها بمعرفة، سعت وراءه، وأرشدت الناس إليه "..
† † †.
إذا تجدد ذهن الإنسان، يركز نظره فى الأبدية، أكثر مما ينظر إلى العالم الحاضر.
وذلك حسبما قال الرسول "غير ناظرين إلى الأشيا التى تُرى، بل إلى التى لا تُرى. لأن التى تُرى وقتية. وأما التى لا تُرى فأبدية" (2كو4: 18).
إنه لا يفعل مثل الغنى الغبى، الذى ركز فى خيرات العالم الحاضر، وكيف انه سيهدم مخازنه ويبنى أعظم منها ويقول لك يا نفسى خيرات كثيرة موضوعة لسنين عديدة (لو12: 19). فجاءه الصوت الإلهى "يا غبى. فى هذه الليلة تؤخذ نفسك منك. فهذه التى أعددتها لمن تكون؟!".
الذى يركز فى الأرضيات، تزعجه الضيقة.
فإن تجدد ذهنه، يفرح بالضيقات.
بنظرته الجديدة يرى فى الضيقات بركات عديدة. كما قال الرسول "أحسبوه كل فرح يا أخوتى، حينما تقعون فى تجارب متنوعة.." (يع1: 2). وهكذا يأخذ من الضيقة فضائل الصبر والإحتمال، وبركة الآلام وأكاليلها. ولذلك قال القديس الأنبا بولا السائح: "من هرب من الضيقة، هرب من الله". وبهذا أوصانا الله أن ندخل من الباب الضيق الذى يؤدى إلى الحياة (مت7: 13، 14).
† † †.
الإنسان الذى تجدد ذهنه، يجدد وسائله.
ربما فيها شر يظنه خيراً.
ربما فيما ينشر الخير، أو ما يظنه خيراً، يلجأ إلى وسائل خاطئة مثل العنف والقسوة، او الإدانة ومسك سيرة الناس. ربما ينظر باستمرار إلى القذى التى فى عين أخيه، ناسياً الخشبة التى فى عينيه...
فإن تجدد ذهنه، يعالج الأمور فى وداعة وفى رحمة وفى إتضاع وحب. وفى ذلك قال الرسول "أيها الأخوة إن انسيق إنسان فأخذ فى زلة، فاصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة، ناظراً إلى نفسك لئلا تجرب أنت أيضاً. احملوا بعضكم بعضاً أثقال بعض" (غل6: 1، 2).
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.