الفصل الثامن الفكر

الفصل الثامن الفكر

مقدمَة

الفكر هو عمل عقلى، يمكن أن يكون خيراً أو شراًن حسب حالة الإنسان.

فالتأمل – مثلاً – هو لون من التفكير الخيّر...

كذلك الأفكار الخاصة بمحبة الله، مثلما قال الكتاب "تحب الرب إلهك من كل قلبك... ومن كل فكرك" (مت22: 37).

ومن الأفكار الصالحة أيضاً، ما قاله القديس بولس الرسول ".. وأما نحن فلنا فكر المسيح" (1كو2: 16).

أما عن الخطأ فى الفكر، فذلك مثل ما قال عنه الكتاب:

"فكر الحماقة خطية" (أم24: 9).

وأيضاً "مكرهة الرب أفكار شريرة" (أم15: 26).

ونريد فى هذا المقال، أن نبحث معاً موضوع الأفكار.

الفكر والقلب

الفكر يتعلق بالقلب، يأخذ منه ويعطى.

خطية الفكر قد تكون فى نفس الوقت خطية قلب، إن كانت نابعة منه، حسب قول السيد الرب "الإنسان الصالح، من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح. والإنسان الشرير، من كنز قلبه الشرير يخرج الشر" (لو6: 45). وهكذا قيل فى قصة الطوفان: "ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر فى الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم" (تك6: 5).

عبارة "أفكار قلبه" هنا، تعنى الأفكار النابعة من قلبه.

فلا يمكن منطقياً أن قلباً طاهراً تخرج منه أفكار شريرة. لأنه "من ثمارهم تعرفونهم... كل شجرة جيدة تصنع ثماراً جيدة. وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً ردية" (مت7: 16، 17). وهكذا قال الكتاب "تحب الرب إلهك من كل قلبك" قبل أن يقول "ومن كل فكرك" (مت22: 37). فالقلب أولاً. ولهذا قال الكتاب:

"فوق كل تحفظ احفظ قلبك، لأنه منه مخارج الحياة" (أم4: 23).

المطلوب منك إذن، أن تحفظ قلبك، وتحفظ فكرك، وتحفظ الخط الواصل بين القلب والفكر. فما معنى هذا الخط الواصل؟

من الجائز أن تأتيك الأفكار من الخارج، من مصادر أخرى سنشرحها، فإذا ما قبلت الفكر فى أعماقك، يصل حينئذ إلى قلبك.

وحينئذ يتحول الفكر إلى مشاعر فى القلب وإلى إنفعالات.

فكر الزنا يتحول إلى شهوة زنا. وفكر الغضب يتحول إلى إنفعال غضب. وفكر الحقد يتحول إلى مشاعر حقد.. فالفكر الخاطئ يوصل الخطأ إذن إلى القلب. كما أن مشاعر القلب تتحول إلى أفكار.. والإثنان يتبادلان المواقع. ويصير كل منهما سبباً أو نتيجة...

تخرج الأفكار الخاطئة من العقل إلى القلب، إذا ما تساهلت مع الفكر. وتخرج الأفكار الخاطئة من القلب إلى العقل، إذا كان القلب غير نقى.

هناك مصدر آخر للفكر هو الحواس.

الحواس

الحواس هى أبواب للفكر، يدخل منها إلى العقل. فما تراه بعينيك، تفكر فيه، وما تسمعه بأذنيك، تفكر فيه. كذلك ما تلمسه وما تشمه، وربما ما تذوقه أيضاً.. تفكر فيه...

إن أردت أن تضبط أفكارك، اضبط حواسك أيضاً.

الحواس هى أبواب للفكر، يدخل منها إلى العقل. فما تراه بعينيك، تفكر فيه، وما تسمعه بأذنيك، تفكر فيه. كذلك ما تلمسه وما تشمه، وربما ما تذوقه أيضاً.. تفكر فيه...

إن أردت أن تضبط أفكارك، اضبط حواسك أيضاً.

لا تتركها سائبة. إنما احترس. لأنه كما يحدث تبادل المواقع بين القلب والفكر، كذلك يحدث ما بين الفكر والحواس. فربما أفكارك الخاطئة تدعوك إلى النظر والسمع واللمس. وبنفس القياس حواسك الخاطئة تجلب لك الأفكار.

مصدر آخر من مصادر الفكر، هو البيئة والصداقة.

البيئة والصَداقة

إن الذين تعاشرهم من الناس، يجلبون لك أفكاراً جيدة أو رديئة.. سواء كانوا أصدقاء أو معارف أو جيران، أو زملاء فى العمل، أو أقرباءك فى بيتك. وعلى رأى ذلك الأديب الذى قال:

قل لى من هم أصدقاؤك، أقول لك من أنت؟

ما أكثر الأفكار التى تأتى من (الزن فى الآذان). كلمة تقال لك اليوم بمحاولة إقناع، فلا تصدقها، فإن سمعتها باكر باقناع، قد تشك، وإن ضغطت عليك الإقناعات، بعد باكر، قد تقبلها. وإن استمر الضغط، قد تؤمن بها وتنشرها، وتنفعل بها. وهذا جزء مما يسمونه "غسيل المخ".

وغسيل المخ يأتى من وضع العقل تحت تأثير فكرى متتابع وضاغط، لمدة طويلة، مع إبعاده عن أى مجال فكرى مضاد للرد أو للحوار، إلى أن يتغير فكر الإنسان تماماً...

يأتى الفكر أيضاً من البيئة: من الرأى العام، والصحافة، والإعلام، والمطبوعات..

بواسطة القراءات صار البعض شيوعيين فى أفكارهم. قراءات أخرى تجلب أفكاراً شهوانية. قراءات ثالثة تجلب أفكاراً فلسفية. وقراءات من نوع آخر تجلب أفكاراً روحانية أو نسكية، أو تحمسك للخدمة.. أو تحمسك للعقيدة...

ومثل القراءات أيضاً: الراديو والتلفزيون والفيديو والكاسيتات.. هل أنت وحدك فى العالم؟! إن كل ما حولك يؤثر عليك.

هذه كلها تأتى للعقل بأفكار من الخارج، وليس من القلب.. أما دور القلب هنا، فهو قبوله لإستخدام هذه الوسائط.

مصدر آخر من الفكر، هو توالد الأفكار...

توالد الأفكَار

الفكر يلد فكراً، ويلد شكوكاً وظنوناً، ويلد أيضاً أحلاماً...

لا يوجد فكر عقيم ولا فكر عاقر، وبخاصة مع العقل الخصيب. فقد يأتيك فكر من أى مصدر، فتأخذ مع الفكر وتعطى. فيلد لك أفكاراً أخرى كثيرة. وترسخ هذه فى العقل الباطن. والعقل الباطن هو مصدر آخر للأفكار.

العقل البَاطن

والعقل الباطن تخزن فيه الأفكار والصور الأحداث والرغبات والمشاعر، ويصبح مصدر لأفكار وأحلام وظنون.

أضرب لك مثلاً بالريكوردر أو الكمبيوتر، حيث تخزن فيه معلومات تسترجعها متى تشا.. عقلك أصعب من هذا الكومبيوتر، لأن المعلومات التى فيه قد تخرج منه دون أن تشاء، كأفكار أو أحلام، وهنا أتذكر سؤالاً وجهه البعض إلىّ:

هل الأحلام الخاطئة تعتبر خطية، بينما هى بغير إرادتى؟

وكانت الإجابة: قد تكون الأحلام الخاطئة بغير إرادتك وقت خروجها من العقل الباطن. ولكنها لم تكن بغير إرادتك وقت تخزينها فيه. أما إن كانت مجرد محاربة من العدو، وبغير إرادتكن فستجد أنك تقاومها وترفضها فى الحلم، وربما تستيقظ، كشئ مزعج لم تحتمله...

فابحث هل أحلامك من رواسب قديمة ترسبت فى عقلك نتيجة لشهوات أو صور أو أفكار؟ لهذا نقول عن هذه الأحلام أنها "شبه إرادية". لأنه اليست نتيجة إرادة حاضرة، إنما نتيجة لإرادة سابقة. ومع ذلك لو كانت الإرادة الحاضرة ترفضها تماماً، فستجد أنك تقاومها فى الحلم.

من مصادر الفكر أيضاً أسباب نفسية:

أسباب نفسية

إنسان مثلاً فى طبعة القلق أو الإضطراب، تجده – بدون أى سبب خارجى – خاضعاً لأفكار القلب والإضطراب النابعة من نوعية نفسيته. كذلك إن كان إنسان فى نفسيته طبع الخوف، تجد أن الخوف تطارده.. وبالمثل إذا كان شخص شكاكاً بطبيعته، تجد أفكار الشك تراوده وتتعبه، بدون أى سبب واقعى...

لمعالجة كل هذه الأفكار، لابد من معالجة النفسية.

فإذا صلحت النفس، صلحت الأفكار أيضاً.

لذلك تجد الشخص البسيط، لا يراوده الشك. والإنسان الوديع الهادئ، لا تحاربه أفكار القلق ولا الخوف..

إنسان يسمع خبراً، فيقول لك هذا الخبر خطير. وقد لا يكون خطيراً على الإطلاق. ولكن نفسيته صورته له هكذا. وحسب نفسيته ستكون أفكاره.. بينما شخص أخر يتلقى نفس الخبر بكل هدوء، ولا تنزعج أفكاره بسببه.

إنسان حسب نوع نفسيته تأتيه أفكار يأس، فينسحب من مشروع معين، بينما زميل له فى نفس المشروع، لا ييأس ولا ينسحب، بل يستمر وفى قلبه أمل ورجاء...

ثلاثة يرون شخصاً واقفاً فى الظلام، فيقول أحدهم أنه لص أو قاتل، ويقول الثانى: لعله فى موعد مع إمرأة. بينما يفكر الثالث إنه واقف يصلى. حسب نفسية كل منهم تكون أفكاره. مصدر آخر للأفكار هو حروب الشياطين.

حروب الشَيطان

ربما لا تكون الأفكار نابعة من قلب الإنسان أو من نوع نفسيته، ولا هى بسبب البيئة والتأثيرات الخارجية. إنما قد تكون أفكاراً من الشيطان يلقيها فى العقل.

متى تعتبر هذه الحروب قد وصلت إلى مرحلة الخطية، ومتى لا تكون خطية؟ وما موقف الإنسان منها؟

الفكر وَ محَاربَاته

فى العقل طبقتان: طبقة سطحية، وطبقة عميقة.

الأمور التى تأخذها بطريقة سطحية، أى لا تهتم بها إهتماماً كبيراً، هذه لا تتعمق فى ذهنك، وسرعان ما تنساها. مثلها مثل كثير من الأخبار والأحاديث التافهة والعارضة فى حياة الإنسان اليومية. هذه لا تثبت فى الذاكرة، ولا فى الذاكرة، ولا فى القلب والمشاعر. بل كبخار تظهر قليلاً ثم تضمحل...

أما الأمور التى تأخذها بعمق، سواء من الناحية الفكرية، أو النفسية، وتظل تأخذ معها وتعطى فى فكرك، ويستمر عقلك يفكر فيها فترة طويلة.. فهذه تدخل إلى أعماقك، وتترسب فى عقلك الباطن. وتلد لك أفكاراً أخرى، أو تظهر ثمارها فى أحلام وظنون ومشاعر.

الأمر إذن يتوقف على طريقتك فى التفكير. ليس فيما يحدث لك أو معك، إنما فى تجاربك مع الفكر، أى فى ال Response.

خذ مثلاً الصلاة والسرحان فيها، وعلاقة ذلك بالطبقتين السطحية والعميقة فى عقلك وهنا تسأل:

لماذا يسرح الإنسان أحياناً فى صلاته؟ وفى أى شئ يسرح؟ ومتى؟

إنه يسرح حينما يأخذ بعض الأمور فى عمق، وتظل معه فى فكره أثناء الصلاة. أو أنه يتذكر أموراً أخذها من قبل بعمق، وتصاحبه فى صلاته. وحينئذ يكون فى عقله فكران يتمشيان معاً: فكر الصلاة وفكر السرحان. وقد يتبادلان الموضع. فيكون أحدهما فى المنطقة السطحية، والآخر فى المنطقة العميقة، حسب درجة جهاده وتركيزه فى ألفاظ ومعانى الصلاة، أو استسلامه لفكر السرحان. ويصبح وكأنه لا يصلى!!

أما الذى يصلى من عمق فكره ومن عمق قلبه: إن أتاه فكر سرحان، فإن هذا الفكر يمضى بسرعة إذ لا يجد له مكاناً فيه.

لذلك نقول للذين تحاربهم أفكار السرحان فى صلواتهم:

لا تأخذوا كل الأمور العالمية بعمق، ولا تشغلوا أفكاركم بكل ما تجمعه الحواس مما تسمعونه وترونه.. ولا تجعلوا كل ذلك يرتبط بعقولكم ومشاعركم وأعصابكم. وإلا فإن العقل سوف يخزنه ثم يقدمه لكم أثناء الصلاة: أولاً فى المنطقة السطحية. فإن وجد استجابة منكم، يدخله إلى المنطقة العميقة.

وحبذا لو رتبتم فترة روحية تمهيدية تسبق الصلاة.

وينتقل بها الفكر من العالميات إلى الروحيات. لأنه صعب على العقل أن ينتقل فجأة من الإنشغال المادى إلى الفكر الروحى الصافى...

وهكذا من الأفضل أن يسبق الصلاة وقت للترتيل أو القراءة الروحية، أو التأمل أو التعمق فى فكرة روحية معينة، أو بعض المطانيات مصحوبة بابتهالات سريعة.. ثم يقف الإنسان بعد ذلك ليصلى، وقد ابتعد فكره عن أمور العالم ومشغولياته. ويكون هذا التمهيد الروحى، مثل رفع البخور على المذبح قبل تقديم الذبيحة المقدسة عليه...

يذكرنا هذا بقصة القديس يوحنا القصير، الذى رآه تلميذه يلفّ حول قلايته ثلاث مرات قبل أن يدخلها. فسأله عن سبب ذلك، فأجابه القديس: كنت وسط مجموعة من الأخوة. وقد أخذوا يتناقسون، فتركتهم وجئت. ولكن صوت المناقشة كان لا يزال فى أذنى، فرأيت أن أدور حول قلايتى، لأطرد صوت المناقشة من أذنى قبل أن أدخل القلاية... إلى هذا الحد كان القديس محترساً من جهة نقاوة فكره.

يتعب الإنسان أيضاً، إذا أخذ كل الأمور بحساسية.

أى أنه يتأثر بكل شئ، وفى عمق: هذه الحساسية تجعل كل ما يتأثر به، يترسب فى داخله، ويجلب له أفكاراً تضغط عليه وتتعبه.

وهنا يختلف طبع كل شخص عن الآخر، ويختلف فكره.

فإن صادفتك مشكلة، حاول أن تحلها وتنتهى منها وإن وجدت أنها صعبة الحل، اتركها إلى حين، ولا تنشغل بها. اعطها مدى زمنياً تحل فيه، تاركاً الأمر إلى الله حلال المشاكل.

ولكن سيطرة الأفكار، تأتى لإنسان يفكر بعمق وبغير حلّ. او أنه يفكر فى متاعب المشكلة، دون أن يفكر فى حلّ المشكلة.

وهذا هو السبب الذى يجعل البعض – إن صادفته مشكلة – تسيطر على عقله ومشاعره وأحاسيسه وانفعالاته. فلا يفكر إلا فيها، ولا يتكلم إلا عنها. هى معه فى صحوه وفى نومه، فى تفكيره، وفى أحاديثه. أدخلها إلى أعماقه. ولم يعد قادراً على الخروج من مجالها، عقله يسلّم المشكلة إلى قلبه. وقلبه يسلّمها إلى فكره. وفكره وقلبه يسلمانها إلى أعصابه. وأعصابه تسلمها إلى انفعالات وإلى لسانه أيضاً، فيظل يتحدث بها مع كل من يتحدث يقابله.. وقد يستمر معه التفكير فى المشكلة أياماً أو اسابيعاً. ينشغل بها نهاراً، وقد يحلم بها ليلاً.

وربما يجلب له هذا التفكير ألواناً من الأمراض الجسدية: من ضغط دم، وسكر. وقرحة فى المعدة، وتعب فى الأعصاب. إلى جوار التعب النفسى.. كل ذلك، لأنه تعامل مع الفكر بحساسة زائدة، فسيطر الفكر عليه...

أما الإنسان الروحى فإنه يسيطر على الفكر. ولا يجعل الفكر يسيطر عليه.

على أن هناك نوعاً من الناس، لا يحب أن تسيطر عليه الأفكار. فيقول: الأفضل أن أصرف الفكر. ولكنه للأسف يصرفه بطريقة خاطئة!!

فإن أساء إليه إنسان وغضب، يقول لا أكبت الغضب فى قلبى، وإنما لابد ان أصرفه. أنا سأرد على هذا الشخصن، الكلمة بكلمتين. وأصفى حسابى معه. أقول له.. وإن قال أقول.. وهكذا يظل الفكر منشغلاً.. ولا يكون قد تخلص من الفكر، بل زادت سيطرة الفكر عليه...

حسن أن تصرف الفكر. ولكن بطريقة روحية وعملية، وبلا كبت..

وإن اشتغل الفكر داخلك، لا تلقى عليه كل حين وقوداً.

وتصفية الأفكار تأتى أولاً من الداخل، من طريقة تعامل القلب معها. بالإضافة إلى التخلص من الأسباب التى تجلبها من الخارج، كما ينبغى عدم التساهل مع الفكر، وعدم أعطائه فرصة يأخذ فيها سلطاناً على العقل.

محاربة الفكر

هنا ويسأل البعض سؤالاً طالما يتكرر:

هل كل فكر خاطئ يأتينا، يعتبر خطية؟

والجواب على ذلك هو: من الجائز أن يكون الفكر محاربة من الشيطان، أو هو قادم إليك من الخارج، من مصدر خارج عنك، أو من الناس الأشرار.. أما إن كان صادراً من قلبك، من رغباتك الداخلية، ومن شهواتك، فهو حينئذ يكون خطية 100٪.

فإن كان الفكر الخاطئ صادراً من الخارج، فإن الحكم عليه يتوقف عليك: هل تقبله أو لا تقبله.

إنه لا يعتبر خطية، إن كنت لم تقبله، بل تضايقت منه وطردته، حتى لو ألح عليك وأنت رافض له بكل قلبك. بل قد تصلى أثناءه وتقول: "يارب نجنى من هذا الفكر".. حتى هذه المرحلة يعتبر الفكر محاربة خارجية... إذن متى يعتبر الفكر الخاطئ خطية؟

إن الخطية تبدأ من بدء استسلامك للفكر.

وتزيد إن انفعلت بهان وقبلتها، وخضعت الإرادة لها. حينئذ يكون العقل قد فتح لها بابه، بإرادته، واستمر معها، وبدأ يتعامل معها، ويأخذ ويعطى. بل ربما يكون قد تجاوب معها وخلطها بمشاعره، وأسكنها داخله..

لذلك حسناً قيل فى سفر النشيد ".. أختى العروس جنة مغلقة، عين مقفلة، ينبوع مختوم" (نش4: 11). أى مغلقة ومقفلة أمام كل أفكار الشيطان وحيله. وعن نفس الأمر قيل فى المزمور "سبحى الرب يا أورشليم.. لأنه قوىّ مغاليق أبوابك" (مز147).

واعلم يا أخى أن فكر المحاربة حينما يأتيك يكون فى أوله ضعيفاً، وفى الطبقة السطحية من عقلك.

ذلك لأنه من الخارج، ومن السهل عليك أن تطرده. فإن قبلته، يدخل إلى العمق شيئاً فشيئاً. فإن انفعلت به، يزداد تعمقه، ويرتبط بإرادتك. فإن وصل إلى القلب، يختلط بمشاعرك. وحينئذ تصبح المحاربة من الداخل وليس من الخارج. ومن هنا تبدأ سطوة الفكر وصعوبة طرده.

حقاً، ما أسهل أن تدخل الأفكار، وما أصعب أن تخرجها.

ما أسهل أن تقبل الفكر، وما أصعب أن تطرده.

فكر الشك مثلاً. من الجائز أن يدخل إلى العقل بسهولة. ولكن من الصعب أن يخرج. وهكذا فكر الشهوةن وفكر الإنتقام، وفكر العظمة والمجد الباطل. احترس إذن من دخول الأفكار إليك.

ليس كل فكر يقرع على بابك، تقول له: مرحباً بك. تفضل وادخل.

بل الفكر الشرير تقول له "اذهب يا شيطان" (مت4: 10). وترشم نفسك بعلامة الصليب، وتطرد الفكر. لأنك إن فتحت له أبواب فكرك، تكون خائناً لله. وإن فتحت له أبواب قلبك، تكون أكثر خيانة. وتكون كمن يطرد الروح القدس السكن فيك (1كو3: 16). وأعلم أنه حينما يحاربك الفكر من الخارج، تكون إرادتك أقوى وتقدر أن تطرده. وكلما زحف الفكر إلى داخلك، تضعف إرادتك، ويقوى الشيطان فى محاربته لك. ويقول هوذا قد فتح باب التفاوض معنا. نستطيع الآن أن نتفاهم معه، ونضمه إلينا بالتمام!!

يكون كمن يعرض رشوة على شخص ما، فإن وجده ليناً معه، يستمر فى التفاوض، وتتم العملية. أما إن كان حازماً ويصده من البدء، فإنه لا يجرؤ.. عليك إذن أن تصد الفكر من البدء. ولا تخدع نفسك وتقول: أريد أن أختبر الفكر وأرى إلى أين ينتهى!! فأنت تعلم تماماً إلى أين ينتهى...

إذن أطرد الفكر بسرعة قبل أن يتوغل فيك. أطرده وهو فى مرحلة طفولته، قبل أن ينضج ويكبر ويقوى عليك.

وهنا نذكر قول المزمور "يا بنت بابل الشقية.. طوبى لمن يمسك أطفالك ويدفنهم عند الصخرة" (مز137: 9). فالفكر – وهو طفل – تستطيع أن تدفنه عند الصخرة "والصخرة كانت المسيح" (1كو10: 4). أما إن تركته إلى أن يكبر، فقد لا تقوى عليه. وحسناً قال الآباء "أدبوا الأحداث قبل أن يؤدبوكم". فإن أدبت الطفل، لا يجرؤ عليك عندما يكبر. كذلك إن أدّبت فكر الخطية وهو طفل، تستطيع أن تطرده قبل أن يكبر..

إن سيطرة الأفكار قد يكون سببها أيضاً شهوة خاطئة فى القلب، وليس مجرد محاربة من الخارج.

وفى هذه الحالة تصدر الأفكار من القلب، وتشعلها الشهوات، وتلّح على الفكر إلحاحاً لا يستطيع منه فكاكاً، تريد أن تجول الفكر إلى فعل...

فالخطية قد ملكت القلب وكل مشاعره، وبالتالى ملكت الفكر. وأصبح "من كنز قلبه الشرير يخرج الشرور" (لو6: 45).

والأمر يحتاج بلا شك إلى توبة، تنقذ القلب من شهواته، فلا يعود مصدراً لأفكار شريرة.. ويحتاج الأمر إلى تجديد الذهن، كما قال الرسول "تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رو12: 2).

وتجديد الذهن يحتاج إلى عمل إيجابى، فلا يقتصر الأمر على مجرد الجهاد الصلبى فى مقاومة الأفكار.

الفكر وَ محَاربَاته (ب)

محاربات الفكر كما قلنا إما تأتى من الداخل أو من الخارج.

المحاربات التى من الخارج، هى مثل ما حدث لأمنا حواء:

إنسانة بسيطة وهادئة وبريئة، وأتاها الفكر من خارج، من الحية. أفكار شك مثل "أحقاً قال لكما الله أن لا تأكلا..؟" "كلا، لن تموتا" "يوم تأكلان من الشجرة، تصيران مثل الله، عارفين الخير والشر" (تك3).

هذا الفكر الذى أتى إلى حواء من الخارج، أتعبها، وذلك لأنها قبلته.

وانتقل الفكر إلى الحواس، ثم إلى القلب.

انتقل إلى الحواس، فنظرت إلى الشجرة، بنظرة ليست كما كانت تراها من قبل. فوجدت أن الشجرة "جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وشهية للنظر" (تك2: 1).

القلب تغير من الداخل، وكذلك الحواس من الخارج. والفكر فقد نقاوته، ودفع الإرادة بعيداً عن الله.

أما أنت: فأن أتاك فكر خاطئ، قاومه.

وكل فكر خاطئ، يوجد أسلوب تقاومه به. فهناك فكر ترد عليه بآية أو بضع آيات، فيهرب منك. وفكر آخر ترد عليه بمشاعر معينة، فلا يثبت أمامك...

ولنأخذ فكر الكبرياء أو المجد الباطل، كمثال:

هذا الفكر يمكن أن تقاومه بأن تتذكر خطاياك، فيخجل من تذكارها فكر الكبرياء. أو أن تتذكر الدرجات العليا التى وصل إليها القديسون. فتشعر أنك لا شئ إلى جوارها. أو أن تقول لنفسك: لو أننى سرت فى هذا الفكر، لتخلّت عنى النعمة وفارقتنى، وحينئذ أسقط فى خطايا كثيرة، كما قال الكتاب "قبل الكسر الكبرياء. وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم16: 18) أو أنك تقول لفكر الكبرياء: هذا العمل الذى أفتخر به، لم أعمله، إنما عمله الله بواسطتى. فإن نسبته إلى نفسى، فسوف لا يعمل الله معى، لئلا يقودنى ذلك إلى الإفتخار وبهذا أفشل فى أداء أى عمل صالح!! وليس هذا من صالحى.. وهكذا تجد أن تذكرك لعلم النعمة فيك، يبعد عنك فكر الكبرياء. وبهذه الطرق وغيرها تتخلص منه...

هناك قديسون تخصصوا فى التعامل مع الأفكار...

وكانوا مرشدين فى أساليب محاربتها. ومن بين هؤلاء القدس مارأوغريس الذى له ميامر (مقالات) عن حرب الأفكار والرد عليها.

ومن وسائل ذلك الرد على كل فكر بآية من الكتاب.

فإن حاربتك أفكار الغضب مثلاً، تضع أمامها قول الكتاب ".. لأن غضب الإنسان لا يصنع برّ الله" (يع1: 20).

وإن حاربتك أفكار الزنا، تقول كما قال يوسف الصديق "كيف أصنع هذا الشر العظيم، وأخطئ إلى الله؟" (تك39: 9). أو تتذكر قول القديس بولس الرسول "لا تضلوا. لا زناة، ولا عبدة أوثان، ولا فاسقون ولا مأدبون، ولا مضاجعوا ذكور، ولا سارقون.. يرثون ملكوت الله" (1كو6: 9، 10). وإن حوربت بمحبة العالم، تذكر قول القديس يعقوب الرسول ".. لأن محبة العالم عداوة لله" (يع4: 4)، وكذلك قول القديس يوحنا الرسول "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التى فى العالم.. إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب" (1يو2: 15).

وهكذا تضع أمام كل فكر آية تطرده. لذلك عليك أن تحفظ آيات ترد بها على الأفكار التى تحاربك، فتصدها بها.

آباؤنا القديسون كانت لهم خبرة فى محاربة الأفكار.

ليتنا نتذكر تلك الخبرة فى قراءتنا لسيرهم، ونستفيد بذلك.. أنا أنت فعلى الأقل: لا تقبل أى فكر ردئ، بل أطرده بسرعة. ولتكن أبوابك مغلقة دونه، حسب تعليم الكتاب.. كما يجب أن ترد عليه بحزم. وتذكر كيف أن أيوب الصديق، لما عرضت عليه زوجته فكراً خاطئاً، ردَ عليها فى حزم. وانتهرها قائلاً "تتكلمين كلاماً كإحدى الجاهلات" (أى2: 10). فأسكتها بسلطان، ولم يدعها تتمادى فى الكلام. بل قل لها فى حزم: نفسك بأى فكر خاطئ، أسكتها، ولا تجعلها تتماد فى الفكر. بل قل لها فى حزم: "تتكلمين كلاماً كاحدى الجاهلات"...

هناك طريقتان تتخلص بهما من حروب الأفكار، وهما: تنقية القلب والفكر. وأيضاً إنشغال القلب والفكر.

إنشغال الفكر

إنه أسلوب وقائى وإيجابى تتخلص به من الأفكار، من قبل أن تجئ.

لأنه إن انشغل فكرنا بالله، نصل إلى محبة الله. وإن تعمقت محبة الله فى قلوبنا تصير طبيعتنا غير قابلة لأفكار العدو.

مثل إنسان قوى فى صحته. إذا حاربه ميكروب، لا يستطيع أن يقوى عليه. أو شخص محصن ضد مرض معين، فذلك المرض لا يجد له مجالاً عنده. إنه لا يترك نفسه حتى تصيبه الأمراض ثم يعالجها!! بل يتخذ الوسائل التى تمنع إصابته بالمرض.

فالإنسان الروحى يحصَن نفسه ضد الأفكار الشريرة، بأن يملأ قلبه وعقله بمحبة الله ومحبة الخير. لذلك نقول له:

إشغل عقلك، قبل أن يأتى الشيطان ليشغله.

إشغل عقلك بالفكر الصالح، بالتأملات والقراءات الروحية، قبل أن يأتى عدو الخير، ويقدم لك أفكاراً من عنده.

لأنه إن كان لإنسان سكن. وتركه فارغاً، قد يأتى أناس أشرار ويحتلونه ويسكنونه. وإخراجهم منه ربما يحتاج إلى تعب وجهد. أما إن كان فى هذا المسكن نور وأثاث وكراسى مثلاً فى شرفاته، فإنه لا يجرؤ أحد أن يدخله عنوة، إذ يخاف من ساكنيه ويرى أنه إن أقدم على ذلك سيتعرض للمخاطرة...

هكذا إن كنت منشغل الفكر، يعرف الشيطان أنك لست متفرغاً له، فيتركك ولو إلى حين...

فإن كنت منشغلاً باستمرار، يحتار كيف يدخل إليك... ليس فقط بسبب الإنشغال الروحى، بل حتى الإنشغال العلمى أيضاً، والإنشغال بالعمل، وبالأنشطة المتعددة، وحتى الإنشغال بالرياضة أو الفن، أو العمل اليدوى.

لذلك فإن الطلبة المجتهدين، الذين يشغلون عقولهم دائماً بدراستهم، يكونون غير متفرغين لأفكار الخطية. كما يقول المثل:

عقل الكسلامن معمل للشيطان.

وبالتالى فإن الطلبة المهملين لدراستهم، يكونون أكثر تعرضاً لأفكار الخطية. لأن عقولهم غير منشغلة، فيأتى الشيطان ويعشش فيها...

اشغل عقلك إذن بشئ مفيد، سواء كان مفيداً لروحياتك وأبديتك، أو مفيداً لمعرفتك وثقافتك، أو مفيد لخدمتك. اشغل عقلك بقراءات وتأملات، بفكر نافع لك..

لكن إن كنت فى فراغ، وعقلك فى فراغ، ما أسهل أن يقول لك الشيطان: اسمح لى أن أجلس معك وأسليك...

أحكى لك حكاية، أقدّم لك فكرة من عندى، مادمت لا تجد شيئاً تفكر فيه... وهكذا يسرح بك من موضوع إلى موضوع، حتى يدخلك بالتمام إلى مجاله، ويسيطر على تفكيرك. أو على الأقل يضيع وقتك فى ما لا يفيد...

إن آباءنا القديسين الذين كانوا يتدربون على الصلاة الدائمة، أو يرددون صلاة "يارب يسوع" مئات أو آلاف المرات، كان عقلهم ينشغل بهذه الصلاة، بحيث يرددها تلقائياً.. فإن سكت الواحد منها، يظل عقله منشغلاً بهذه الصلاة، بدون جهد منه، وبدون أن يدفعه لترددها.

هكذا أيضاً من يشغل عقله بأيات يرددها، أو بموضوع روحى يتأمله، أو بقصة من الكتاب المقدس أو من سير القديسين...

لذلك فى خروجك من بيتك، لا تترك نفسك للطريق يرتب لك ما تفكر فيه.

لا تترك عقلك سائباً، من دون فكر معين يربطه وينشغل به، لا تتركه للقاءات وللمناظر وللأحاديث، ترسم له مسار تفكيره، وتقدم له الفكر الذى يشغله والوقود الذى يشعله... ما أسهل عندما تخرج من بيتك، أن تأخذ معك آية أو مزموراً، أو موضوعاً روحياً، او فكرة معينة لها عمقها، لكى يكون لك ذلك غذاء لفكرك فى الطريق.

فى الصباح اقرأ فصلاً من الكتاب، وتخيّر لك معنى من معانيه يصحبك فى الطريق، أو مزموراً تحفظه. وليكن ذلك موضوعاً لتفكيرك. وهكذا إن هاجمك فكر، يجدك مشغولاً، وأبوابك مغلقة أمامه.

والعقل لا يستطيع أن يفكر فى موضوعين فى وقت واحد، وينشغل بهما بنفس العمق...

فإن أعطيت عمق فكرك لشئ مفيد. سيطفو أى فكر آخر على سطح عقلك، وينقشع بسرعة. لأنك غير مهتم به وغير متفرغ له.. فإن أردت أن تقى نفسك من حروب الأفكار، عليك بالآتى:

قدّم لعقلك طعاماً روحياً، قبل أن يقدّم له العالم طعاماً ردياً.

كذلك ينفعك أن تكون لك مذكرة روحية، تسجّل فيها بعض أفكار تركت فى نفسك أثراً طيباً.

تفتح هذه المذكرة بين الحين والآخر، لتقرأ ما قد خزنته فيها، وتجتره كما يجتر الجمل غذاء سبق له تخزينه من جوفه. وتسرح فى تلك الأفكار الجميلة. وتضيف إليها أفكاراً أخرى نافعة.

أما إن كانت فى عقلك أفكار خاطئة مترسبة من زمن قديم، فحاول أن تطهر عقلك منها بعدم الإستعمال، وبإحلال غيرها مكانها...

كذلك لا تشغل عقلك بأفكار تافهة، لا هى خير ولا شرَ. ولكنها قد تتطور ولا تستطيع ضبطها...

[ وقد حدثتك عن هذا الأمر باستفاضة فى كتاب "حياة التوبة والنقاوة" فى باب نقاوة الفكر]...

وحاول أن تنقى قلبك من الداخل، لأن القلب النقى لا تخرج منه أفكار خاطئة.

وقد قال السيد الرب فى ذلك "لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع ثماراً ردية، ولا شجرة ردية أن تصنع أثماراً جيدة" (مت7: 18).

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل التاسع الروح الإنسَانية

الفصل السَابع القلب

المحتويات
المحتويات

المحتويات