هذا الفصل هو جزء من كتاب: من هو الإنسان – البابا شنودة الثالث .
الفصل الرابع مَا الذى يقود الإنسَان فى حَياته
الذكاء أيضاً يكون طاهراً للطاهرين. أما لغير الطاهرين فيتحول إلى طاقة مدمرة، وإلى دهاء ودسيسة وتآمر... الحب يكون طاهراً للطاهرين، ويتميز بالوفاء وبالعطاء وبالأخلاص والبذل ولكنه لغير الطاهرين قد يتحول إلى دنس، أو إلى تدليل، أو إلى أنانية مدمرة...
كل شئ نحكم عليه حسب استخدامه وحسب هدفه ووسيلته.
ويمكننا بالهدف الروحى والوسيلة الخيرة، تحويل جميع الطاقات إلى الخير، وإلى بناء الإنسان وبناء الملكوت.
فى الإنسان طاقات كثيرة تتحكم فى تصرفاته: منها العقل والروح والجسد والنفس والضمير والأعصاب والمواهب والقدرات والإمكانيات.
والمفروض فى الإنسان السوَى أن تتعاون فيه كل الطاقات معاً، بلا تعارض ولا تناقض.
وإن كان قد قيل فى الرسالة إلى غلاطية أن "الجسد يشتهى ضد الروح، والروح ضد الجسد. وهذان يقاوم أخدهما الآخر. حتى تفعلون ما لا تريدون" (غل5: 16، 17).. فإن المقصود بهذا الإنسان الروحى المبتدئ فى حياة الجهاد. ولكنه حينما ينتصر فى جهاده، لا يصبح فى حياته صراع بين الجسد والروحن بل يتعاون الإثنان معاً فى عمل واحد لأجل الله.
قد يقول البعض إن الإنسان يقوده عقله...
ولكن العقل ليس هو الموجه الوحيد للإنسان.
فالإنسان قد توجهه عوامل نفسية، أو عوامل عصبية، أو عوامل عاطفية.. ومن الجائز أن يوجهه الضمير. وقد يفكر العقل فى إتجاه، ويكون ضميره فى إتجاه آخر..
والإنسان قد تقوده طباعه وتوجهه..
وقد تكون هذه الطباع راسخة منذ الطفولة، لا تتغير. وربما يعترف الشخص ويتناول، ويصلى ويصوم، ويقرأ ويتأمل. وتبقى طباعه كما هى، أو يبقى مقوداً بعادات معينة تطغى عليه، أياً كان إتجاه عقله أو ضميره.
وقد يخطئ عقل الإنسان أحياناً فى إرشاده وحكمه على الأمور، كما.
العقل
يخطئ ضميره وفى ذلك قال الكتاب:
"توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة، وعاقبتها طرق الموت" (أم14: 12).
ومن أهمية هذه الحكمة، كررها الكتاب مرة أخرى فى (أم16: 25). هذه الطريق المهلكة التى عاقبتها طرق الموت، يكون العقل بلاشك موافقاً عليها، ويكون الضمير موافقاً عليها أيضاً، لأنها تبدو للإنسان مستقيمة.
إن سلك الإنسان حسب العقل، فأى عقل هو؟ المفروض أن يكون عقلاً سليماً، لأن العقول تختلف فى نوعيتها.
قد يكون العقل أحياناً خادماً مطيعاً لرغبات النفس.
فإن أرادت النفس شيئاً، تجد العقل يزودها بأدلة وبراهين وإثباتات. ومن الجائز أن يأتى لها بأدلة أخرى من الكتاب المقدس، يفسرها بطريقة تريح نفسه بل وتريح ضميره أيضاً.. وما أسهل أيضاً أن يذكر أقولاً للآباء ربما قيلت فى مناسبة معينة، ولكنه يقصها قصاً ويفصلها تفصيلاً لتناسب ما تريده نفسه. إن غضبت النفس يسير العقل فى تيارها، وإن رضيت يسير أيضاً فى تيارها...!
لذلك فعقل الإنسان يحتاج إلى توعية.
هناك أشخاص عقلهم هو الذى يتعبهم، كما أن عقل البعض يريحهم.
إنسان عقله يتعبه نتيجة لما يقدمه له هذا العقل من شكوك وظنون وأفكار، أو ما يقدمه له من مخاوف. أو نتيجة لأن عقله لا يفكر بطريقة سليمة، أو لا يضع فى إعتباره نتيجة ما يطرحه من أفكار.. عقله عبارة عن دوامة، إن دخل فيها يغرق، ولا يقر له قرار...
وعقل الإنسان قد يتعبه، إذا كان فى طبعه شئ من التشاؤم أو القلق، أو تصوّر الضرر حيث لا يوجد ضرر، أو التفكر فى الضياع أو الموت أو المستقبل المظلم بغير ما سبب يدعو إلى ذلك.
هناك أشخاص يعمل عقلهم على تكبير المشاكل.
بحيث تأخذ حجماً أكثر من حجمها الطبيعى، وبحيث تشكّل خطورة موهوبة.. أو أن عقلهم يخلط الأمور معاً، ويربط بين الأحداث وبعضها بطريقة تعقد الأمور وتسئ إلى العلاقات..! ويجمع بين أحداث مضت من زمن طويل، يضيف إليها تخوفات من مستقبل مبهم. وفى كل ذلك يضغط على نفسيته بطريقة تفكيره.
أو إنسان يتعبه عقله من عقدة أضطهاد موجودة عنده، يتصور فيه أن كل الذين حوله لا يحبونه. كأن تتخيل إبنة أن أبويها يحبان أختها أكثر منها...
أو إنسان يتعبه عقله لارتباطه بالخيال.
إما بخيال أثيم يتأمل فيه صوراً من الخطايا يلذذ بها مشاعره، أو خيال حالم يسمونه (أحلام اليقظة)، يعيش به فى الأمانى والرغبات بعيداً عن الواقع الذى يحققها. ويكتفى بالخيال يسعد به نفسه – دون عمل – ويضيع به وقته! بشهوة فى المناصب، أو فى الألقاب، أو الغنى...
وهناك إنسان يسدّ العقل أمامه الطريق.
ويخيّل أحياناً أنه لا خلاص (مز3)، وربما يقوده إلى الإنتحار نتيجة لليأس، وعجز العقل عن الوصول إلى حلّ، مع رفض العقل أيضاً أن يكشف مشاكله إلى مرشدين لحلها.
عكس ذلك إنسان عقله يريحه.
فيحل له مشاكله بأسلوب سليم، وبذكاء وحكمة. بل أيضاً يساعده على حلّ مشاكل الآخرين.
حتى الفلاسفة!! أحياناً تكون نقطة البدء عند بعضهم خاضعة لتأثيرات عديدة!!
وربما لا تكون فلسفة بعضهم عقلية خالصة، إنما متأثرة فى أساسها بعوامل عائلية أو إجتماعية أو إقتصادية أو سياسية، شكّلت عقله تشكيلاً خاصاً بنى عليه كل فلسفته.
يندر أن يكون العقل عند الغالبية عقلاً مجرداً.
فالعقل لا يعمل وحده، بل تتداخل معه عوامل أخرى.
منها التقاليد مثلاً، والبيئة، والعادات الموروثة.
التقاليد
هذه التقاليد ترغم العقل على تصرفات معينة. مثال ذلك تزويج الإبنة الكبرى قبل أخواتها مهما عرضت على هؤلاء الأخوات من زيجات ممتازة. فتجد الأب يرفض بغير سبب عقلى، إلا خضوعه للتقاليد! وهكذا فعل لابان فى تزويج ليئة قبل راحيل (تك29: 22 - 27). ضميره وعقله دفعاه أن يفعل هكذا، ولو بالغش والخداع!!
وكثيراً ما تكون الأخت الصغيرة ضحية لخضوع عقل أبيها للتقاليد، وبخاصة لو كانت أجمل من أختها الكبرى.
وما أكثر ما يضيع الناس أموالاً بسبب التقاليد المتبعة فى حفلات الخطوبة والزواج، أو فى التقاليد الخاصة بالجنازات، أو بالأعياد.. إلخ. وقد ينصح العقل بغير ذلك ولا يستطيع لأنه خاضع للتقاليد..
الإرشاد
لهذا كله قال الكتاب "وعلى فهمك لا تعتمد" (أ3: 5).
من أجل هذا أوجد الله المرشدين الروحيين والقادة. وأصبح العقل محتاجاً أن يخضع إلى الإرشاد لقيادته.
قد لا يستطيع الإنسان ان يخضع تماماً لفهمه الخاص فى قيادته، ولاحتى لضميره، لنقص فى قدرة كل منهما، أو لأنه يحاول أن يشكّل عقله وضميره بالطريقة التى تريحه.
فهو يحتاج إلى عقل أخر إلى جوار عقله غير خاضع للتأثيرات النفسية. كذلك يحتاج إلى ضمير صالح إلى جوار ضميره، إن كان ضميره ليس خالصاً فى أحكامه. لذلك يقال:
الذين بلا مرشد يسقطون مثل أوراق الشجر.
الأعصَاب
فالإرشاد لازم لإنقاذ الإنسان من خضوع عقله لرغباته!
فالعقل ورغبات النفس يتعاونان بطريقة (شيَلنى وأشيلكَ).. فكل منهما يسند الآخر فى الوصول إلى ما يريد.
والإنسان فى أحيان كثيرة تقوده أعصابه:
والأعصاب ليست مجرد مسألة عضوية Organic. إنما غالباً ما يدخل فيها العامل النفسى. فإذا تعبت النفس، قد تلتهب الأعصاب. وإذا التهبت الأعصاب تزيد النفس تعباً، وتصبح كل منهما سبباً ونتيجة.
وإذا إلتهبت الأعصاب، قد تتولى قيادة الإنسان، وحينئذ توقف كل قوى العقل والضمير وتنفرد بالموقف.
وتصبح تصرفات الإنسان عشوائية بلا ضبط للنفس..
وحينئذ تتدخل الروح، إن أفسحوا لها مجالاً.. فتكون مثل مرهم يهدئ الأعصاب، ويقود العقل قيادة سليمة. فتهدأ النفس أيضاً، ويستيقظ الضمير ويوبخ صاحبه على تصرفاته العشوائية السابقة...
الضمير
أى ضمير هذا الذى يقود الإنسان؟
الكتاب المقدس يتحدث عن صفة خاصة للضمير، هى (الضمير الصالح). (أع23: 1)، (1تى1: 5، 19) (عب13: 18).
ذلك لأنه قد يوجد ضمير غير صالح. ولذلك ما أجمل قول القديس بولس الرسول "أنا أيضاً أدرب نفسى ليكون لى دائماً ضمير بلا عثرة من نحو الله والناس" (أع24: 16).
هناك ضمير واسع يبلع الجمل، وضمير ضيق موسوس يصفى عن البعوضة (مت23: 24). وكذلك كان الكتبة والفريسيون. أما الضمير الصالح فهو مثل ميزان الذهب فى دقته ووزنه للأمور. بل هو مثل ميزان الصيدلى الذى يعرف أنه إن أزاد يضر، وإن نقص يضر.
الضمير الصالح هو الذى يستنير بإرشاد الروح القدس.
فهو لا يرشد الإنسان من ذاتهن ولا يعمل بمجرد معرفة بشرية، وإنما يرشده روح الله. ويكون أيضاً تحت إرشاد كلمة الله الصالحة وتعليمه الإلهى.
وأحياناً تقود الإنسان عواطفه وليس أعصابه.
العواطف
كثير من الناس تقودهم عواطفهم ومشاعرهم، من حب أو كراهية، أو حسد وغيرة، أو بذل وتضحية.. وربما النساء تقودهم عواطفهم أكثر مما يقاد بها الرجال.
ولكن العواطف وحدها لا تكفى، إذ ينبغى أن تمتزج بالعقل والحكمة.
عاطفة بلا عقل لا تكفى. وعقل بلا عاطفة لا يكفى. بل الإثنان يكلم أحدهما الآخر، وهكذا وضع الله فى الأسرة الأب والأم يكملان بعضهما البعض.. العاطفة وحدها قد تقود إلى تدليل الأولاد. والحزم وحده قد يقود إلى الخشونة. ولكن إذا امتزجت العاطفة بالحزم توصل إلى لون متكامل فى التربية. ويوجد أيضاً نوع من التوازن فى المعاملة. وهنا ننتقل إلى نقطة أخرى وهى:
الإنسان السوّى يقيم توازناً فى كل مشاعره وإنفعالاته وتصرفاته: توازناً بين العقل والعاطفة، وتوازناً بين الأنا والآخر.
فإن فكر فى ذاته فقط، دون أن يعمل حساباً للآخرين، قد يصل إلى لون من الأنانية، ويفشل كإنسان إجتماعى. وإذا فكر فى الآخرين فقط، قد يتعب أخيراً، ويصل إلى لون من التضجر والتذمر، إن لم يكن بذله ممتزجاً بقدر كبير من الحب ينسيه ذاته، أو يركز حبه لذاته فى أبديتها وليس فى الحياة على الأرض.
والإنسان السوّى يوزع عواطفه بطريقة سوّية.
فمثلاً يقيم توازناً بين المرح والكآبة فى حياته، بين الجدية والبساطة، وبين العمل والترفيه. ويضع أمامه قول الكتاب "لكل شئ زمان، ولكل أمر تحت السموات وقت.. للبكاء وقت، وللضحك وقت.. للسكوت وقت، وللتكلم وقت.. وللحرب وقت، وللصلح وقت" (جا3: 1 - 8).
التوازن
والإنسان السوَى يقيم أيضاً توازناً فى توزيع وقته:
يعطى وقتاً لعمله، ووقتاً لراحته. وقتاً لاحتياجاته الجسد، ووقتاً للوسائط الروحية. وقتاً لمسئوليات الأسرة، ووقتاً لمطالب الخدمة. وقتاً لعقله ومعرفته، ووقتاً لعبادته، ووقتاً للعمل الإجتماعى.. وكل مسئولية ملقاة عليه تأخذ نصيبها من الوقت.
يقيم توازناً بين المنح والمنع، وبين الأخذ والعطاء.
ويقيم توازناً بين انفعالاته المتنوعة.
هناك أشخاص تقودهم فى الحياة: المعرفة.
القيَادات الإلهيَة
فيأخذون قيادتهم من الكتب وسائر المطبوعات. إنما هذا الأمر يتوقف على نوعية الكتب والمطبوعات التى يستقون منها معلوماتهم. وبالمثل ينطبق هذا على المعرفة التى يتلقونها من وسائل الإعلام المتعددة.
المعرفة
ولأهمية المعرفة فى الحياة، قيل عن الخطاة إنهم جهلة.
ففى مثل العذارى، قيل "خمس منهم كن حكيمات، وخمس جاهلات" (مت25: 2). وقيل عن الملحدين "قال الجاهل فى قلبه ليس إله" (مز14: 1). وربما هذا الذى يصفه الكتاب بأنه جاهل يكون فيلسوفاً!!
فالجاهل لا يدرك حقيقة وجود الله وقدسيته، ولا يدرك قيمة ما يفعله هو، ونتيجة ذلك، وتأثير ذلك على أبديته. وقد يجعل أيضاً طبيعة نفسه وطبيعة الحروب التى يتعرض لها. ويجهل أن يتجاهل أن الله يراه فى كل ما يعمله ويقوله.. لكن ذلك قال الرب:
"هلك شعبى من عدم المعرفة".
وعلاج ذلك هو المعرفة السليمة. لأن هناك معرفة خاطئة تضر. بقى أن نقول أن هناك قيادة أخرى إلهية.
هذا هو الوضع المثالى، الذى يقول عنه الكتاب "لأن كل الذين ينقادون بروح الله، أولئك هم أبناء الله" (رو8: 14).
روح الله يقود أرواحهم. وأرواحهم تقود أجسادهم وعقولهم.
ويكون الله هو الكل فى الكل، فى حياتهم.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.