هذا الفصل هو جزء من كتاب: من هو الإنسان – البابا شنودة الثالث .
الفصل التاسع الروح الإنسَانية
روح الإنسَان وعلاقتها بالروح القدس
إذا تكلمنا عن الحياة الروحية، أو الحياة بالروح، لابد أن نتعرض لأمرين هامين وهما: الروح الإنسانية، وروح القد القدوس من حيث عمله فى روح الإنسان.
الروح الإنسَانية
يول القديس بولس الرسول فى رسالته إلى رومية:
إذن لا شئ من الدينونة الآن على الذين فى المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد، بل حسب الروح "(رو8: 1).
إنه يدقق هنا على السلوك حسب الروح.
والذى يسلك حسب الروح، لابد أن يقوى روحه، حتى يمكنها أن تنتصر على الجسد، وعلى المادة والخطية والعالم...
وهكذا يقول فى نفس الإصحاح "فإن الذين هم حسب الجسد، فبما للجسد يهتمون. ولكن الذين حسب الروح، فبما للروح (يهتمون). لأن إهتمام الجسد هو موت. ولكن إهتمام الروح هو حياة وسلام" (رو8: 5، 6).
قوة الروح تظهر حتى فى الشخص غير المؤمن. الهندوس مثلاً لهم تداريب روحية عميقة يقوون بها أرواحهم البشرية، فتكون أرواحهم أرواحاً قوية.
انظروا إلى جماعات اليوجا، بتداريبهم تصبح أرواحهم قوية، بغض النظر عن عمل الروح القدس.. وهكذا يمكن لكثيرين من غير المسيحيين الذى لا يؤمنون بالروح القدس، ولم يمسحوا بمسحة الميرون المقدس أن تكون لهم أرواح بشرية قوية، ويمكنهم أن يسلكوا فى حياة صالحة، ويبعدوا عن شهوات العالم الردية، بغض النظر عن ناحية الإيمان...
أما المؤمن فعليه أمران: تقوية روحه الإنسانية، وأيضاً الشركة مع الروح القدس.
ولا شك أن هذا يكون فى مستوى روحى أعلى بكثير من غير المؤمن.
شركة الروح القدس
حينما تشترك الروح الإنسانية مع الروح القدس، يكون عليها واجبان: أحدهما إيجابى والآخر سلبى.
أما الجانب السلبى، فهو أن تبتعد عن إطفاء الروح، وإحزان الروح، ومقاومة الروح، والتجديف على الروح.
وعن هذا يقول الكتاب "لا تطفئوا الروح" (1تس5: 19)، "لا تحزنوا روح الله الذى به ختمتم.." (أف5: 18). وتكلم الكتاب أيضاً عن مقاومة الروح، فى قول القديس اسطفانوس أول الشمامسة لليهود "يا قساة الرقاب.. أنتم دائماً تقاومون الروح القدس، كما كان أباؤكم، كذلك أنتم" (أع7: 51). والتجديف على الروح القدس، ذكره السيد الرب (مت12: 31).
أما العلاقة الإيجابية بالروح القدس، فتبدأ بالميلاد من الروح.
وهكذا قال الرب "المولود من الروح، روح هو" (يو3: 6). وقال "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح، لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو3: 5). وهكذا يولد الإنسان من الروح فى المعمودية.
ثانى علاقة بالروح هى فى مسحة الروح القدس.
هذه التى ذكرها القديس يوحنا الرسول فى (1يو1: 20، 27) فقال "وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس.." إنها المسحة المقدسة فى سر الميرون المقدس.
وهكذا بالمسحة يصير جسد الإنسان هيكلاً للروح القدس.
وعن ذلك قال القديس بولس الرسول "أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل الروح القدس الذى فيكم.." (1كو3: 16).
النقطة الثالثة فى العلاقة بالروح القدس هى الشركة مع الروح.
وفى هذا يقول القديس بولس الرسول فى البركة الختامية "نعمة روبنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس، تكون مع جميعكم (2كو13: 14). إنها شركة لروح الله مع روح الإنسان. شركة فى العمل. فيها يعمل روح الله معك، فيك، وبك.
المهم فى هذا أن تستجيب روح الإنسان لعمل الروح القدس فيها.
وبهذا تكون فى شركة معه، أما التجديف على الروح، فهو رفض عمل الروح، رفضاً كاملاً، مدى الحياة، وبهذا لا يتوب الإنسان، لأنه لا يستطيع التوبة بدون عمل الروح فيه. وإذ لا يتوب، لا تغفر له خطاياه.
رابعاً: أما الشركة مع الروح، فيظل الإنسان ينمو فيها، حتى يصل إلى إتمام الوصية القائلة:
"إمتلئوا بالروح" (أف5: 18).
أو على حسب ترجمة أخرى "أجعلوا روح الله يملؤكم".
خامساً: وبالشركة مع الروح، والإمتلاء بالروح، يصل الإنسان إلى نتيجة هامة. وهى ثمار الروح، الذى ذكرها القديس بولس الرسول فى رسالته إلى أهل غلاطية (غل5: 22، 23). وثمار الروح تأتى كنتيجة لعمل روح الله فى الإنسان، ونتيجة لإستجابة روح الإنسان لعمل روح الله، واشتراكها معه.
أية نتيجة للأمرين معاً.. وهذا هو المنهج الروحى المتكامل، بالنسبة لسلوك الإنسان فى حياة الروح. وإذا سارت روح الإنسان فى شركة مستمرة مع روح الله، فلابد أن تصل إلى نتيجة واضحة، وهى:
سادساً: حرارة الروح، كما قال الرسول "حارين فى الروح" (رو12: 11).
مادام قد قيل عن الرب "إلهنا نار آكلة" (عب12: 29).. إذن فمن الطبيعى أنه إذا اشترك روح الإنسان مع روح الله، لابد أن يصبح هذا الإنسان حاراً فى الروح... وكلما ابتعد عن الله، تفتر روحه.
ليس غريباً إذن انه عندما حل روح الله على التلاميذ فى اليوم الخمسين حل بألسنة "كأنها من نار" (أع2: 3).
وهكذا لأن الملائكة أشخاص روحيون، أو لأنهم أرواح، لذلك قيل عنهم فى المزمور "الىذ خلق ملائكته أرواحاً وخدامه ناراً تلتهب" (مز104: 4).
فالإنسان الذى يكون فى حالة روحية، تُعرف روحياته من حرارته:
يكون حاراً فى الروح: إذ صلى، تكون صلاته حارة جداً، ملتهبة بالحب الإلهى. والصلاة بالروح تظهر حرارتها فى الدموع. او فى الإنسحاق، أو فى الإيمان القوى. أو ربما تكون حرارتها فى ألفاظها وتعبيراتها.
ومن أمثلة الصلاة الروحية، صلاة المؤمنين من أجل الرسل، التى زعزعت المكان (أع4: 31).
أيضاً الإنسان المشتعل بالروح، تظهر روحياته فى حرارة خدمته.
خدمة ملتهبة، فيها الغيرة النارية التى يقول فيها "غيرة بيتك أكلتنى" (مز119). فيها حماس الخدمة، وقوة الخدمة، بعكس الخدمة غير الروحية، الخاملة الذابلة، التى هى مجرد روتين وبلا تأثير.
الحياة الروحية الملتهبة تظهر أيضاً فى حياة الإنسان الخاصة:
كما يقول القديس يوحنا الحبيب فى بدء رؤياه "كنت فى الروح، فى يوم الرب" (رؤ1: 10)، أى فى حالة روحية معينة...
وقد تبدو حياة الروح فى المحبة الإلهية القوية.
لأن المحبة وصفت بالنار، كما قيل فى سفر النشيد "مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة، والسيول لا تغمرها" (نش8: 7). فالمحبة كالنار، سواء كانت محبة لله، أو للناس، أو للكنيسة والخدمة.
عمل الروح فى الإنسان يعطيه حرارة، على أن البعض ربما يفهم الوداعة فهماً خاطئاً، كما لو كان الوديع بلا حرارة ولا حيوية..!
سابعاً: إذا سلك الإنسان حسب الروح، وتمتع بسكنى روح الله فيه، فإنه سوف يتمتع بما يسمى: سلطان الروح، أو قوة الروح.
يكون لروحه سلطان على جسده، ويكو لروحه سلطان على الشياطين. كما قيل عن التلاميذ إن الرب "أعطاهم سلطاناً على أرواح نجسة حتى يخرجوها" (مت10: 1). وقال لهم "ها أنا أعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو" (لو10: 19).
يكون للروح سلطان فى تأثيرها حتى على الناس.
وهذا هو الذى يعطى للكلمة قوة، ويكون لها سلطان أن تدخل إلى العقل والقلب، وأن تحدث تأثيراً فى الناس.
الشخص الذى يشعر بهيبة أبيه ويخافه، هناك سلطان من روح أبيه عليه، وسلطان من الشريعة والوصية والطبيعة. أما الإنسان الذى لا تزال هناك معركة بين جسده وروحه "ويقاوم أحدهما الآخر" (غل5: 17)، وتقف الروح أحياناً فى موقف المنهزم، فهذا قد فقد سلطان روحه. أما إذا انتصرت روحه، فحينئذ يكون لها سلطان.
هذا السلطان كان يجعل الشياطين ترتعب أمام بعض القديسين؟
ثامناً: الإنسان الذى يحيا بالروح، هو إنسان قوى، ولا يخاف.
عنده قوة داخلية، لا تخشى شيئاً من الخارج. أما الذين يخافون، فأرواحهم ليست لها قوة. وهكذا فإن الخائفين وضعهم سفر الرؤيا فى قمة الهالكين. إذ كتب "وأما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة، فنصيبهم فى البحيرة المتقدة بنار وكبريت.." (رؤ21: 8). عجيب أن الخائفين هم بعيدون عن روح الله الذى هو مصدر القوة.
هذا الذى قال عنه الرب "ولكنهم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم. وحينئذ تكونون لى شهوداً" (أع1: 8).
أما الذى أخذت روحه قوة من روح الله فإنه إن خدم يخدم بقوة. وإن تكلم، يتكلم بقوة، وهكذا كانت الكنيسة الأولى قوية. وقيل عن خدمتها إن ملكوت الله قد أتى بقوة "اما عيب الخدام، فهو أنهم يخدمون كثيراً، ولكن ليس بقوة.. يخدمون بنشاط كبير، ولكن ليس بقوة الروح!!
الروح وكيفية الاهتمام بهَا
يقول القديس بولس الرسول "الذين هم حسب الجسد، فبالجسد يهتمون. والذين هم حسب الروح، فبالروح يهتمون" "لأن إهتمام الجسد هو موت. ولكن إهتمام الروح هو حياة" (رو8).
إن كان الأمر هكذا، فكيف يكون الإهتمام بالروح؟
أنظر كيف تهتم بجسدك. وقارن هل بنفس الدرجة تهتم بالروح؟
غذاء الروح
أنت تعطى جسدك غذاءه، كل يوم. بل ثلاث مرات كل يوم. وتعطيه الغذاء بكميات كافية حسبما يلزمه.
فهل أنت تعطى روحك غذاءها، كل يوم؟
وأنت تعطى الجسد غذاءه من كل العناصر والأصناف اللازمة: تعطيه الكالسيوم لبناء العظام، والحديد لبناء الدم، والبروتين لبناء الأنسجة. وتعطيه السكر والكربوهيدارت لأجل الطاقة. وتعطيه ألواناً متعددة من الفتيامينات والعناصر.. فهل أنت تعطى الروح كل ما يلزمها من أصناف الغذاء.
الروح تحتاج فى غذائها إلى القراءات الروحية، وإلى التأمل الروحى، وإلى القداسات والإجتماعات الروحية، وإلى الألحان والتراتيل، وإلى الفكر الروحى والتأثير الروحى، والمعاشرات الروحية...
فهل أنت تقدم لها كل هذا الغذاء. لمنفعتها وتقويتها؟
وأنت تعطى الجسد راحته. والروح تحتاج إلى الهدوء والخلوة الروحية.. فهل تقدم لها ذلك؟ وهل تريحها أيضاً بالإيمان والسلام القلبى؟
الجسد أيضاً إذا مرضن تعرضه على أطباء. وحسبما أمروا تنفذ، وتأخذ الدواء اللازم والعلاج. والروح أيضاً فى مرضها تحتاج إلى أطباء روحيين، هم الآباء الروحيون، المرشدون الروحيون الذين يلزمك أن تأخذ ما يصفونه لك من علاج.
إن كان فى الطب الجسدى، الوقاية خير من العلاج.
ففى الطب الروحى كذلك أيضاً: عن كل ما يضعف روحك، عن كل أسباب الخطية. تبعد عن "المعاشرات الردية التى تفسد الأخلاق الجيدة" (1كو15: 33). لأنه "طوبى للرجل الذى لم يسلك فى مشورة الأشرار، وفى طريق الخطاة لم يقف، وفى مجلس المستهزئين لم يجلس" (مز1). وهكذا تقوى الروح بالبعد عن الأجواء التى تضعف الروح أو تحطمها...
كل هذه تقويات عادية. فكم بالأكثر يكون حال الروح، إن كان روح الله يعمل فيها ويتولى قيادتها.. وهنا نرى للروح مسحة من الجمال بما يُسمى (زينة الروح).
زينة الروح
عجيب أن الإنسان – قبل أن يخرج من بيته – يقف أمام المرآة يتأمل نفسه، ليطمئن على أناقته وزينته وحسن مظهره، بينما لا تهمه روحه ومنظرها وحسن زينتها. فما هى زينة الروح إذن؟
الروح تتزين بالفضائل. مثال ذلك قول القديس بطرس الرسول: زينة الروح الوديع الهادئ "(1بط3: 4).
إن أورشليم السمائية، التى تمثل الكنيسة فى العالم الآخر، قيل عنها فى سفر الرؤيا "مهيأة كعروس مزينة لعريسها" (رؤ21: 2).
وقيل فى سفر النشيد عن الكنيسة بالإجمال، أو عن الروح البشرية بصفة خاصة إنها "معطرة بالمر واللبان وكل أذرة التاجر" (نش3: 6)...
أمام الله تكون هكذا، وأمام الناس أيضاً، يرونها مزينة بالوداعة والرقة والإتضاع واللطف. فهل تطمئن على روحك هكذا – قبل أن تخرج من بيتك، وقبل أن تتقابل مع الناس – حتى لا تعثر أحداً. بل على العكس – فى زينتك الروحية – يرى الناس أعمالك الحسنة فيمجدوا أباك الذى فى السموا "(مت5: 16).
عن هذه الزينة الروحية نغنى نحن فى التسبحة ونقول:
"زينت نفوسنا يا موسى النبى. بكرامة القبة، التى زينتها".
وبهذه الزينة تتجمل الروح فى مقابلتها للرب فى السماء. يترك الإنسان جسده على فراش الموت، وتخرج الروح صاعدة إلى ا لله، لها رائحة المسيح الزكية. كذبيحة مقدسة يتنسم منها رائحة الرضا (تك8).
إن الروح المزينة بالفضائل هى حقاً صورة الله على الأرض.
لقد خلقنا الله فى البدء، بهذه الصورة الجميلةن بروح رأيناها فى آدم وحواء، مزينة بالبراءة والبساطة، لا تعرف شرالإ على الإطلاق. كما يقول عنها سفر النشيد "مشرقة كالشمس، جميلة كالقمر..". وكما قال القديس يوحنا الحبيب:
كنت فى الروح
هكذا قال فى سفر الرؤيا "كنت فى الروح، فى يوم الرب".
فما هو معنى "كنت فى الروح"، لو أتيح لنا أن نتأمله؟ إنها حالة روحية تذكرنا بقول القديس بولس الرسول فى صعوده إلى السماء الثالثة "كنت فى الجسد، أم خارج الجسد، لست أعلم، الله يعلم" (2كو12: 2).
إنها حالة إنسان كان فى الروح. الروح وحدها تعمل، والجسد معطل تماماً عن العمل معها وهى فى رؤياه. ليست حواس الجسد هى التى ترى، بل حواس الروح. ولا هو الذى يسمع، بل هى حواس الروح، تسمع أشياء لا يُنطق بها (2كو12: 4). لأن النطق الجسدانى خارج عن هذا النطاق. هذا النطق الجسدى لا يعرف هنا أن يدخل فى غير إختصاصه..! كذلك من جهة النظر..
إنها حالة "رجل مفتوح العينين، يرى رؤى القدير" (عد24: 3 - 5).
تذكرنا بصلاة أليشع النبى من أجل تلميذه جيحزى: افتح يارب عينى الغلام فيرى (2مل6).. أو بقول السيد الرب لتلاميذه القديسين ".. أما أنتم فطوبى لعيونكم لأنها تبصر.." (مت13: 16). إنه بلا شك لا يتحدث هنا عن عيون الجسد، بل عن بصيرة الروح. وبنفس المعنى نفهم قوله لهم ".. ولآذانكم لأنها تسمع"..
فى الأبدية نرى ما لم تره عين، ولم تسمع به إذن (1كو2: 9). لأنه أسمى من حواس الجسد، وأعلى من مستواها فى الإدراك.. نراه فى الروح، وبالروح...
متى يعطينا الرب هذه البصيرة الروحية، ويصبح كل منا إنساناً مفتوح العينين؟ ليتنا على الأقل نعطى لروح الله فرصة ليعمل فينا، وندخل فى شركة الروح...
شركَة الروح
ونقصد أن تحيا أرواحنا فى شركة دائمة مع روح الله. هذه التى قال عنها معلمنا بولس الرسول ".. وشركة الروح القدس تكون مع جميعكم" (2كو13: 14). إذ نسلّم ذواتنا لروح الله يعمل فينا، وتشترك أرواحنا مع روح الله فى العمل. فتصبح حياتنا كلها حياة روحية. يصبح كلامنا كلاماً روحياً، ومحبتنا للناس محبة روحية، وتصرفاتنا تصرفات روحية. وحينما نسلك بحكمة، تكون حكمة روحية، نازلة من فوق من عند أبى الأنوار. وحينئذ ينطبق علينا قول الرسول:
"لا دينونة الآن على الذين هم فى المسيح، السالكين ليس حسب الجسد، بل حسب الروح" (رو8: 1).
الذين هم فى المسيح يسوع، هم الذين بدونه لا يقدرون أن يعملوا شيئاً (يع15: 5). هؤلاء الذين قال عنهم الرب ".. واكون أنا فيهم" (يو17: 26)... وكلما نموا فى الروح، يستطيعون أخيراً أن يقولوا مع القديس بولس الرسول "أحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فى" (غل2: 20).
مادام المسيح هو الذى يحيا فىّ، إذن لا دينونة على الذين هم فى المسيح يسوع، الذى يعمل هو فيهم، مادام يحيا فيهم.. وكأنك – وأنت فى هذا الوضع – تقول للرب:
عن أى شئ يارب تديننى؟! وأنا من ذاتى لم أعمل شيئاً!! لأن كل شئ بك كان، وبغيرك لم يكن شئ مما كان...
هذه العبارة قيلت فى البدء عن الخليقة. ولكنها يمكن أن تُقال أيضاً بالمثل عن حياتك الروحية، فى شركتك مع الله وروحه. لأن الذى فى المسيح، هو خليقة جديدة "(2كو5: 17).
وهذه الحياة التى لا دينونة عليها، هى حياة التسليم الكامل الدائم لروح الله.
لا نعنى بها شركة مؤقتة مع الروح القدس، إنما شركة شاملة معه، بحيث يشترك روح الله فى كل عمل من أعمالك، فى كل كلمة تنطق بها: كما قال الرب "لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم السماوى هو المتكلم فيكم (مت10: 20)...
ما أجمل هذا أن يشترك معك روح الله فى كل شئ. لا ينفصل عنك، ولا تنفصل أنت عنه. بل يسكن فيكن وتصبح هيكلاً له (1كو3: 16).. وهكذا تكون أيضاً أداة فى يديه يعمل بها ما يريد هو أن يعمله.
إن صرت هكذا، تكون لك أيضاً هيبة الروح.
هيبَة الروح
إن روحك تفقد هيبتها، حينما تخضع للشيطان وتعطيه مجالاً أن يعمل فيها يوجهها. أما الروح التى تصمد فى قوة أمام الشيطان، مستندة على الرب حبيها (نش3).. فإن هذه تصبح لها هيبة أمام الشياطين. إنها روح الإنسان الذى وعده الله قائلاً "يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات. واما أنت فلا يقتربون إلك.." (مز91: 7).
هؤلاء تصرخ الشياطين أمامهم خوفاً أو عجزاً.
حاولوا أن يجسوا نبضهم، ليجدوا مدخلاً إليهم، فلا يستطيعوا. فأصبحوا لذلك يخافون، ولا يجسرون على الإقتراب منهم. يخيفهم أن يروا فيهم صورة الله.
هيبة أرواحهم ليست عن عظمة أو كبرياء، بل ليست تواضعهم.
كما اعترف الشيطان قائلا للقديس مقاريوس الكبير "بل بتواضعك تغلبنا".. لأن الإنسان المتواضع، يرى فيه الشياطين صورة الله المتواضع، الذى تجسده "أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد" (فى 2: 7).. لأن التواضع هو حلّة اللاهوت التى لبسها، لما تجسد لخلاصنا...
إن الأرواح التى تهابها الشياطين، هى أيضاً الأرواح التى جاهدت وغلبت.
إنها الأرواح التى لا تستطيع الشياطين ان تغويها أو تغريها، ولا حتى بصعوبة.. إنها أرواح لا تستسلم لعدو الخير، ولا فى الهفوات التى تبدو بسيطة. بل هى أرواح مخلصة لخالقها، لا تخونه فى شئ، بل تسلك بتدقيق (أف5: 15)... هى أرواح لم تطلب من الشيطان شيئاً، ليست لها شهوة على الإطلاق يحققها لها الشيطان. إنها أرواح كبيرة.
أرواح كبيرة
كبيرة فى محبتها، وكبيرة فى عفتها، وكبيرة فى قوتها واستطاعتها...
إنها أرواح كبيرة فى مستواها الروحى. لم تقف عند حدود التوبة والجهاد، وإنما ظلت تنمو فى حياة البر، حتى وصلت إلى القداسة، وظلت تنمو فى القداسة ساعية نحو الكمال، حسب وصية الرب "كونوا أنتم أيضاً كاملين، كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل" (مت5: 48).
أرواح لا تسعى فقط لخلاص ذاتها، بل لخلاص الذين يسمعونها أيضاً (1تى4: 16). إنها أرواح تبنى الملكوت.
هناك أرواح كبيرة، لم يقتصر عملها على خدمة الله هنا على الأرض، بل حينما تترك الجسد وتصعد إلى السماء، ينتدبها الله أيضاً لبعض خدمات على الرض.
ينتدبها لإنقاذ بعض أولاده فى العالم، أو لأداء رسالة معينة، كما يحدث مثلاً لروح مثل مارجرجس، أو روح مارمينا، وبعض الشهداءء والقديسين الذين نطلب شفاعتهم. ولم تنته حياتهم بالموت، بل مازالوا يعملون...
هذه الأرواح الكبيرة غير الأرواح الصغيرة الضعيفة، التى لا تزال تكافح ضد الجسد. والتى إن تابت بضعة أيام، تعود مرة أخرى إلى خطاياها وإلى عاداتها المسيطرة فى ضعف أو فى حجز.
الأرواح الكبيرة هى ايضاً كبيرة فى معرفتها، لها روح الحكمة والإفراز وهبها الله الفهم والإدراك، وأصبحت لها قدرة على إرشاد الآخرين وقيادتهم. وهذه الحكمة التى يسلكون بها ليست عملاً بشريا، إنما هى من مواهب الروح (1كو12).
وفى تنفيذ وصايا الله، تسلك هذه الأرواح بالروح لا بالحرف (2كو3: 6).
الروح.. وليسَ الحَرف
يركز القديس بولس الرسول على عبارتين: السلوك حسب الروح، والإهتمام بالروح (رو8: 1، 6).
ولا شك أن المهتمين بالروح، يهتمون فى سلوكهم بروح الوصية، وليس بحرفيتها.
وذلك لأن "الحرف يقتل، ولكن الروح يحيى" (2كو3: 6). وهكذا يقول الرسول فى نفس الآية: "جعلنا خدام عهد جديد: لا الحرف، بل الروح".
الذى يسلك بالحرف، هو إنسان فريسى أو ناموسى..
مثل اليهود فى موقفهم فى وصية حفظ السبت!
الفريسيون كانوا يتمسكون بالحرف، كما فعلوا مع الرب فى وصية السبت مثلاً. حتى أنه حينما منح البصر للمولود أعمى، وكان ذلك فى يوم سبت، قالوا "هذا الإنسان ليس من الله، لأنه لا يحفظ السبت" (يو9: 16). وقالوا للمولود أعمى "أعط مجداً لله. نحن نعلم أن هذا الإنسان خاطئ" (يو9: 24).
ولما شفى السيد مريض بيت حسدا، بعد مرضه 38عاماً، يقول الكتاب إن اليهود "كانوا يطلبون أن يقتلوه، لأنه فعل ذلك فى يوم سبت" (يو5: 16).
إنه الحرف الذى يقتل، لأنه يدل على عدم فهم لروحانية الوصية.
كيف يسلك الإنسان بالروح إذن؟
هنا ونود أن نتأمل السلوك فى بعض الفضائل:
1 - الصوم مثلاً، وكيف يكون بالروح؟
الصوم
كثيرون يصومون، ويظنون أن الصوم هو فقط الطعام النباتى. ويحاولون أن يجهزوا لأنفسهم أطعمة نباتية شهية جداً فى أكلها، ومغذية جداً فيما يضيفونه عليها من ألوان الطعام النادرة والغالية الثمن..!! ويتساءلون عن السمن النباتى، والجبنة النباتى، واللبن النباتى، والشيكولاتة النباتى، وينسون قول دانيال النبى عن صومه:
"كنت نائحاً ثلاثة أيام. لما أكل طعاماً شهياً، ولم يدخل فمى لحم ولا خمر ولم أدهن" (دا10: 2، 3)..
وأحب أن أركز هنا على عبارة "لم آكل طعاماً شهياً".. لأنه حيث يأكل الإنسان أطعمة شهية أثناء صومه، كيف يمكنه أن يسيطر على رغبات الجسد، وهو يعطيه ما يشتهيه من الطعام؟!
كيف تشترك الروح إذن مع الجسد فى الصوم؟
حتى لا يكون صومنا مجرد صوم جسدانى، بطريقة حرفية بعيدة عن الروح! أما الصوم الروحى، ففيه تكون الروح زاهدة، ومرتفعة عن مستوى المادة، وعن مستوى طعام الجسد. كذلك أثناء الصوم نعطى الروح طعامها الروحى. ونعطيها الفرصة أن تسيطر على الجسد [يمكن للتفاصيل، أن تقرأ كتابنا: روحانية الصوم].
ننتقل إلى نقطة أخرى وهى المطانيات.
المطانيات
المطانيات هى السجود. فما المقصود بهذا السجود.
ليس السجود هو مجرد إنحناء الجسد. إنما أيضاً: إنحناء الروح مع الجسد.
لذلك يقول المرتل فى المزمور "أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل إلى بيتك، وأسجد قدام هيكل قدسك بمخافتك"...
وعبارة "مخافتك" تدل على خشوع الروح أثناء السجود. وعبارة "بكثرة رحمتك أدخل إلى بيتك" تعنى الشعور بعدم الإستحقاق. وهكذا يصيح الشماس أثناء القداس.
"أسجدوا الله بخوف ورعدة..".
هنا المشاعر الروحية تصحب حركة الجسد.
أحياناً تعتذر لإنسان وتضرب له مطانيةن فلا يقبلها منك. إذ يشعر أنها عمل جسدانى لا روح فيه.
وقد تقول بعد ذلك: ماذا أفعل له أكثر من هذا؟ لقد ضربت له مطانية، وانحنيت برأسى إلى الأرض!!
يا أخى، المهم أن تنحنى روحك.. لا تتمسك بحرفية المطانية دون روحها. ولذلك نسمع داود النبى يقول:
"لصقت بالتراب نفسى" (مز119: 25).
ولم يقل "لصقت بالتراب رأسى"...
الصَلاة
الصلاة حرفياً هى الحديث مع الله.
وهى روحياً: اتصال روح الإنسان بروح الله.
وقد يصلى إنسان، أو يظن أنه يصلى، بينما لا توجد هذه الصلة بينه وبين الله!!
لذلك وبخ الله اليهود بقوله "هذا الشعب يكرمنى بشفتيه. أما قلبه فمبتعد عنى بعيداً" (أش39: 13) (مت15: 8). إنها صلاة غير مقبولة، لأن الله يريد القلب...
أتظن أنك تصلى، لأنك تحرك شفتيك أمام الله؟!
وقد يكون ذلك بلا فهم، وبلا روح، وبلا مشاعر: بلا حب، بلا خشوع، بلا إتضاع..!!
أتريد أن ترضى ضميرك من جهة الصلاة؟! حتى لو كانت هكذا!! أم تصلى بروحك، وتصلى بذهنك، تقصد كل كلمة تقولها فى صلاتك...
صدق ماراسحق عندما قال عن مثل هذه الصلاة:
قل لنفسك: أنا ما وقفت أمام الله لكى اعدّ ألفاظاً.
ذلك لأن كثيرين يهمهم أن يطيلوا الصلاة بغير فهم، أو أنهم يتلون عدداً كبيراً من المزامير، بسرعة لا تأمل فيها، ولا يتابعون معنى الألفاظ أثناء صلاتهم!!
والمزامير كلها روحانية، لكنهم يقتصرون على الحرف.
وبالمثل من يرددون كلمات التسبحة فى الأبصلمودية بسرعة عجيبة، لا يتابعون فيها المعنى.. وكذلك بالنسبة إلى كثير من الألحان.. المهم أمامهم هو الحرف وليس الروح. والشعور بأن الإنسان أدى (قانونه) فى الصلاة، واستراح ضميره بذلك، بينما لم تصعد هذه الصلاة إلى الله، لأنه لم تكن هناك صلة، ولم تشترك الروح فيها ولا القلب.. ما أجمل قول القديس بولس الرسول:
"أصلى بالروح، وأصلى بالذهن أيضاً" (1كو4: 15).
"أرتل بالروح، وارتل بالذهن أيضاً".
القبلة
نسمع فى القداس عبارة "قبلوا بعضكم بعضاً بقبلة مقدسة". والقبلة هى تعبير عميق عن الحب. وعبارة "مقدسة" تعنى أنها تكون طاهرة وبغير رياء...
ويسلم كل منا على من يجاوره، رمزاً إلى سلامه مع الناس جميعاً.. فهل نقتصر على هذا الشكل أو هذا الحرف؟! بينما لا يكون سلام فى قلوبنا مع الناس!!
يهوذا الأسخريوطى قبل السيد المسيح.
بالحرف لا بالروح، والحرف يقتل.. مظهر خارجى يدل على المحبة، تختفى وراءه خيانة.. لذل كتحرم الكنيسة التقبيل من أربعاء البصخة، أحتجاجاً على قبلة يهوذا الخائنة.
وأنت كلما تقابل أناساً تبدأ بالسلام.
أهى حرفية كلمة سلام؟ أم هو سلاح حقيقى بالمعنى الروحى؟.. ما أكثر ما نقول من كلام، ومن تحيات، ومن مجاملات، بمجرد الحرف، وبلا روح.
أنمتنع عن المجاملات إذن؟ كلا...
بل ندخل إليها الروح والحق، فتدل على الحب وعلى التعاطف على حسن التعامل، وتقدير الناس.. نفعل هذا من كل قلوبنا. ويظهر هذا فى ملامح وجوهنا، وفى نظرات عيوننا. ليس بالحرف بل بالروح.
العطاء
بالروح هو تعبير عن الحب، وعن المشاركة القلبية فى احتياجات الناس واحتياجات الكنيسة.
ولكن البعض يأخذونه بالحرف: مجرد العطاء!! فيقدمونه ولو إضطراراً، بلا حب!
وينسون قول الكتاب "المعطى المسرور يحبه الرب" (2كو9: 7).. العطاء يبدأ من القلب، وليس بمجرد اليد. والمعطى روحياً هو الذى يفرح حينما يعطى، لأنه يشعر أنه اشترك فى إسعاد إنسان، أو أخذ بركة المساهمة فى احتياجات الكنيسة.
غير أن البعض يحاسبون الله حساباً عسيراً!!
يقتصرون على العشور، إن دفعوها!! ويدققون فى حساباتهم جداً، حتى لا يزيد العطاء عن العشور.. وقد يدخلون فيها بعض واجباتهم الإجتماعية اللازمة نحو الأقرباء والمعارف، وما أضطروا لدفعه فى مناسبات معينة لبعض المشروعات ولشئون الخدمة.
ويظهر أن القلب غير مشترك فى العطاء.. الروح لم تشترك!
بالروح، لا نتعالى على الفقراء الذين نعطيهم. بل نرى أنهم يأخذون من الله وليس منا. هو الذى أعطانا ما نعطيه لهم.
إن العطاء الذى يتم بالإضطرار، أو بغير حب، هو عطاء لم تشترك فيه الروح.
الخدمة
أحياناً نأخذ من الخدمة حرفيتها أو شكليتها. ونظن أننا نساهم فى عمل الكنيسة. دون أن ندخل إلى روح الخدمة. بل حتى من جهة الحرف ننسى المعنى الحرفى لكلمة خادم.
وننسى الإتضاع اللازم للخدمة.
العقل يعمل فى الخدمة بما فيه من معرفة، وكذلك الجسد بنشاطه، بينما الروح لم تشترك فى الخدمة! وتصبح الخدمة مجالاً لإظهار الذات، ويختلط بها حب السيطرة والنفوذ والتنافس بين الخدام، الأمر الذى لا يتفق مطلقاً مع كلمة (خادم). وكأننا فى الخدمة نركز حول ذواتنا، وليس حول ملكوت المسيح الذى قال عنه يوحنا:
"ينبغى أن هذا يزيد وأنى أنا أنقص" (يو3: 30).
وتصبح الخدمة مجرد معلومات يلقيها خادم مدارس الأحد، أو مجرد أعمال إدارية ومالية يقوم بها مجلس الكنيسة ولجانه. أو مجرد أنشطة تقوم بها الهيئات العاملة فى الكنيسة.. وفى كل هذا ننسى روح الخدمة. ولا تشترك أرواحنا فى الخدمة!!
السَبت
إنه يوم الرب (حالياً الأحد). حفظه حسب الحرف هو أنك "لا تعمل فيه عملاً" (خر20: 10).
أما بالروح فهو أنه سبت للرب، أى راحة للرب. يستريح فيه الرب معك. ويستريح أولاده أيضاً.
إنه يوم للرب. فإن قمت فيه بعمل الخير، تكون قد عملت ما يريح الرب، وما يريح الناس... ويصبح هذا اليوم (سبتاً) أى راحة..
وهكذا علَم السيد المسيح أنه يحل فعل الخير فى السبوت. لأن فعل الخير فيه راحة للناس. وهذه هى روح الوصية.
أما عدم العمل على الإطلاق، ففيه راحة الجسد، ولكن ليست فيه راحة لروحك، ولا راحة للناس الذين لم تخدمهم بامتناعك الكامل عن العمل!
الطقوس
هل أنت تدرى روحانية كل طقس فى الكنيسة؟
وهل تشترك فيه بروحك؟
الكامل مثلاً يحمل الإنجيل فوق رأسه ويدور به حول المذبح. فهل تدرى أن هذه الدورة إشارة إلى إنتشار الإنجيل فى المسكونة كلها؟ وهل تصلى من أجل هذا؟ والشماس يمسك الشمعة أثناء قراءة الإنجيل، إشارة إلى قول المرتل "سراج لرجلى كلامك، ونور لسبيلى" (مز119). فهل تقبل كلمات الإنجيل لتستنير بها فى ذهنك وقلبك وضميرك؟ ورئيس الكهنة يرفع تاجه من فوق رأسه خشوعاً وإحتراماً لكلمة الإنجيل. فهل تكون أنت فى نفس الخشوع. هل روحك تشترك فى نفس الطقس؟
وهل روحك تشترك مع الطقوس الخاصة بكل تحركات الأب الكاهن فى الكنيسة وكل عمله؟
إن فعلت هذا، تشترك روحك فى صلوات القداس الإلهى، وفى كل صلوات الليتورجيات ولا تقتصر فقط على شركة الحواس.. لأن الروح هو الذى يحيى (2كو3: 6).
ونفس الوضع بالنسة إلى الأعياد.
هل أنت تفرح فيها، لأن مجرد الصوم قد انتهى؟! أم تدخل إلى روحانية العيد؟ فتفرح مثلاً بميلاد المسيح، لأنه بدء قصة الخلاص، بما فيه من إتضاع وحب، وتفرح بقيامته، بما فى ذلك الإنتصار على الموت، وباكورة القيامة، وفتح أبوابك الفردوس.. ويدخل كل هذا إلى قلبك ومشاعرك...
العقيدة
هل تأخذها – حسب الحرف – كمجرد لاهوتيات، وأمور عقلية تكون موضع جدل مع الطوائف الأخرى؟!
فى المعمودية مثلاً، هل تدخل روحك فى عبارة "مدفونين معه فى المعموديةط (كو2: 12). وأيضاً فى مفهومها أنها موت مع المسيح وقيامة معه (رو6: 4، 8).
وتدرك أنه فى هذا الدفن قد صلب الإنسان العتيق، وقام إنسان جديد فى حياة جديدة (رو6: 6، 4).
ثم تسأل نفسك: هل لا يزال "الإنسان العتيق" موجوداً فى حياتك؟ وأيضاً ما هى الحياة الجديدة التى نلتها فى المعمودية؟ وهل أنت فى المعمودية قد "لبست المسيح" حسب قول الرسول (غل3: 27). أى لبست ما فيه من بر، ولبست الصورة الإلهية التى جاء بها...
وهنا تدخل إلى روح المعمودية. وهكذا مع باقى العقائد.
الولادة من الله: هل هى حسب الحرف مجرد عقيدة تجادل فيها متى ينالها المسيحى؟
أم تدخل إلى روحها، وتتذكر قول الرسول "كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية.. ولا يستطيع أن يخطئ، لأنه مولود من الله" (1يو3: 9).
"وأيضاً المولود من الله يحفظ نفسه، والشرير لا يمسه" (1يو5: 18). وهكذا كلما تقول "أبانا الذى فى السموات"، تشعر بوخز فى ضميرك، وتقول للرب "لست مستحقاً أن أدعى لك إبناً" (لو15: 19). ذلك لأننى أخطئ، ولم أحفظ نفسى...
وهل فى كل أسرار الكنيسة، تدرك بروحك النعمة المخفاة فى كل سر، وتعيش روحك فى هذه النعمة؟
الرموز
هناك عبارات معينة فى الكتاب المقدس: إن أخذتها حسب الحرف، تنطبق عبارة "الحرف يقتل" (2كو3: 6). ولكنك بالروح تفهم معناها، وتدرك ما فيها من رموز.
سفر نشيد الأناشيد مثلاً، أتستطيع أن تدرك ما فيه بحرفية الألفاظ، أم بالمعنى الروحى الرمزى؟!
كذلك كثير من الألفاظ التى وردت فى الكتاب مثل كلمات سيف، ونار وخمير وغير ذلك مما ذكرناه فى مقالاتنا عن "مصطلحات الكتاب المقدس"...
إن كلام الله هو روح وحياة (يو6: 63).
تفهمه بروحك، وتحوله إلى حياة...
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.