هذا الفصل هو جزء من كتاب: من هو الإنسان – البابا شنودة الثالث .
الفصل السادس الجسَد
الجسَد ونظرة المسيحية إليه
بمناسبة الصوم الذى نتدرب فيه على قهر الجسد، نود أن نتحدث عن هذا الجسد، ونظرة المسيحية إليه، هل شر أم خير؟
الجسَد ليسَ خطيَة
ليس الجسد شراً فى ذاته، لأسباب عديدة.
1 - لو كان الجسد شراً،
ما كان الله قد خلقه. ونلاحظ أنه بعد أن خلق الإنسان – وله هذا الجسد – "نظر الله إلى كل ما عمله، فإذا هو حسن جداً" (تك1: 31).
2 - لو كان الجسد شراً فى ذاته،
ما كان السيد المسيح قد تجسد، ولبس جسداً مثلنا. وقيل عنه "والكلمة صار جسداً" (يو1: 14).
3 - لو كان الجسد شراً،
ما كان الكتاب يقول "ألستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذى فيكم.." (1كو6: 19). وما كان يقول أيضاً "ألستم تعلمون أن أجسادكم هى أعضاء المسيح" (1كو6: 15).
4 - لو كان الجسد شراً،
ما كان الله يقيم هذا الجسد!! ويكفى أن الإنسان قد احتمله على الأرض، ولا داعى أن يحتمله أيضاً فى الأبدية!!
5 - لو كان الجسد شراً،
ما كان الله يمجد هذا الجسد فى القيامة، فيقوم جسداً روحياً وجسداً سماوياً (1كو15: 44، 49).. "يقام فى قوة، وفى مجد، ويلبس عدم موت" (1كو15: 43، 53). بل يكون ممجداً فى شبه جسد الرب الممجد، كما يقول الرسول عن الرب "الذى سيغير شكل جسد تواضعنا، ليكون على صورة جسد مجده" (فى3: 21).
6 - لو كان الجسد شراً
ما كنا نكرم أجسام القديسين وعظامهم، ونعتبرها ذخائر فى الكنيسة وبركة، وتجرى منها عجائب.
7 - ولو كان الجسد شراً،
ما كان الكتاب يقول "قدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة.." (رو12: 1). بل ما كان يقول "مجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى الله" (1كو6: 20).
وعلى الرغم من كل هذا يتحدث الكتاب كثيراً ضد الجسد (رو8)، "وأعمال الجسد" (غل5: 19)، والإهتمام بالجسد، والسلوك حسب الجسد (رو8: 1 - 9)...
عن أى جسد يتكلم؟ إنه لا يتكلم عن الجسد فى ذاته، أو الجسد بصفة عامة، إنما عن الجسد الخاطئ.
الجسَد الخاطئ
إنه الجسد الذى يقاوم الروح...
هذا الذى قال عنه الرسول "الجسد يشتهى ضد الروح، والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر، حتى تفعلون ما لا تريدون" (غل5: 17).
هذا الجسد الخاطئ، ذكر الرسول فى نفس الرسالة أمثلة عديدة من أعماله الخاطئة (غل5: 19 - 21).
والجسد الخاطئ هو الجسد الشهوانى.
وشهواته مادية ونجسة. ولذلك يقول الرسول "اسلكوا بالروح، فلا تكملوا شهوة الجسد" (غل5: 16). وشهوة الجسد قد تكون "الزنى والنجاسة والدعارة" (غل5: 19). وقد تكون شهوة البطنة التى هى الطعام والشراب والسكر. أو قد تكون فى شهوة أمور حسية تتحول إلى عادة مسيطرة أو إلى إدمان، مثل التدخين والمخدرات...
والجسد الخاطئ هو الذى يهتم بالمادة، وقد تستعبده.
وعن هذا الإهتمام قال الرسول "اهتمام الجسد هو عداوة لله" "لأن اهتمام الجسد هو موت. ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلام" (رو8: 7، 6). وعن هذا الإهتمام قال الرب "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون" (مت6: 25). كما قال أيضاً "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض.. بل اكنزوا لكم كنوزاً فى السماء" (مت6: 19).
والجسد الخاطئ هو الذى يقود الروح والنفس إلى الخطأ.
فحينما تخطئ حواسه، تشترك معها نفسه وروحه، فيتدنس الإنسان كله روحاً وجسداً. كما قال الرب "من نظر إلى إمرأة ليشتهيها، فقد زنى بها فى قلبه" (مت5: 28). فهناك إشتراك بين الجسد فى نظره، وبين النفس فى شهواتها، والروح التى يمثلها القلب...
انظروا إلى سليمان كيف أخطأ حينما استسلم إلى شهوات الجسد.
وقال "بنيت لنفسى بيوتاً، غرست لنفسى كروماً، عملت لنفسى جنات وفراديس.. جمعت لنفسى أيضاً فضة وذهباً.. اتخذت لنفسى مغنين ومغنيات، وتنعمات بنى البشر وسيدة وسيدات.. ومهما اشتهته عيناى لم أمسكه عنهما" (جا2: 4 - 10). وهكذا عاش حياة جسدانية.. وسقط عن طريق النساء (1مل11). بل يقول الكتاب إن "نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب" (1مل11: 4).
وهكذا استطاع جسده أن يهوى بروحه إلى عمق الخطية.
ولم يمجد الله فى روحه، وفى فى جسده. بل سقط كله!
حقاً ما أعمق العبارة التى قالها القديس بولس الرسول:
"ويحى أنا الإنسان الشقى. من ينقذنى من جسد هذا الموت؟!" (رو7: 24).
أعضاء خاطئة
قد لا يخطئ الجسد كلهن ولكن يخطئ عضو واحد منه، فيدنس الجسد كله، ويدنس الروح معه أيضاً.
خذوا اللسان كمثال، وهو عضو صغير.
ولكن كما يقول القديس يعقوب الرسول "هكذا اللسان أيضاً، هو عضو صغير ويفتخر متعظماً. هوذا نار قليلة، أى قود تحرق. فاللسان نار، علم الإثم.. الذى يدنس الجسم كله. ويضرم دائرة الكون ويضرم من جهنم" (يع3: 5، 6).
أنظروا كم هو عدد الخطايا، التى يقع فيها الإنسان نتيجة لسقطات اللسان، كما يقول الكتاب "بكلامك تتبرر، وبكلامك تدان" (مت12: 37).
بل باللسان يتنجس الإنسان، كما يقول الرب ".. بل ما يخرج من الفم، هذا ينجس الإنسان" (مت15: 11).
وكما نذكر دنس اللسان، نذكر دنس العين أيضاً.
فإن كانت محبة العالم هى عداوة لله كما قال القديس يعقوب الرسول (يع4: 4).. فهوذا القديس يوحنا الرسول يقول "إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب. لأن كل ما فى العالم شهوة الجسد، وشهوة العين، وتعظم المعيشة" (يو2: 15، 16).
شهوة العين التى وقعت فيها أمنا حواء، لما نظرت إلى الشجرة فإذا هى "بهجة للعيون، وشهية للنظر" (تك3: 6).
وما أكثر الخطايا التى تقع فيها العين.
حينما ينظر الإنسان نظرة شهوة، أو نظرة غضب أو حقد، أو نظرة حسد أو إنتقام، أو نظرة كبرياء أو استهزاء بالغير، أو ينظر نظرة ماكرة، أو نظرة قاسية.. وتتعدد الخطايا، وتظهر صورتها واضحة فى العين.
وما أكثر الأعضاء الأخرى التى تخطئ...
اليد التى تسرع إلى الضرب، أو إلى القتل، أو إلى السرقة، أو إلى خطايا أخرى عديدة.
والقدم التى تسرع إلى أماكن الخطية.
أو ملامح الوجه، التى تظهر عليها الكبرياء، أو الغضب، أو القسوة...
لهذا كله ولغيره، تحدث الكتاب عن إخضاع الجسد.
إخضَاع الجسَد
لعل من أهم الآيات وأخطرها فى إخضاع الجسد، هو قول القديس بولس الرسول "بل اقمع جسدى وأستعبده. حتى بعد ما كرزت لأخرين، لا أصير أنا نفسى مرفوضاً" (1كو9: 27)... إنها عبارة مرعبة يقولها هذا القديس الذى صعد إلى السماء الثالثة (1كو12: 2). والذى تعب أكثر من جميع الرسل (1كو15: 10).. لكى يرينا بهذا خطورة الجسد، وأهمية إخضاعه، وقمعه واستعباده...
ومن الأقوال البارزة أيضاً هى إخضاع الجسد، هى قول الرسول "ولكن الذين هم للمسيح، قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" (غل5: 24). أى أن كل شهوة للجسد ضد السلوك بالروح، يدقون فيها مسماراً ويصلبونها. فلا تتحرك فيهم فيما بعد.
ومن الوسائل الهامة لإخضاع الجسد، فضيلة الصوم.
سواء من جهة إخضاع الجسد بالإمتناع عن الطعام، وبتحمل الجوع، أو بالإمتناع عما تشتهيه من الأطعمة، كما قال دانيال النبى فى صومه "لم آكل طعاماً شهياً، ولم يدخل فمى لحم وخمر" (دا10: 3). وإن لم تستطيع الإمتناع الكامل. فلتقلل.
وكما تمنع جسدك عن الأكل، تمنعه عن الشهوات الأخرى.
ومن وسائل أخضاع الجسد، ضبط الحواس، واللسان.
ضبط النظر، والشم، واللمس... وكما قال الرب فى العظة على الجبل "إن كانت عينك اليمنى تعثرك، فاقلعها والقها عنك.. وإن كان يدك اليمنى تعثرك، فاقطعها والقها عنك" (مت5: 29، 30).. على الأقل تقطع شهواتها..
من وسائل ضبط الجسد أيضاً السهر.
ونقصد به السهر فى الصلاة والعبادة. كما قال الرب "اسهروا وصلوا، لئلا تدخلوا فى تجربة" (مت26: 41). وكما قال أحد الآباء "اغصب نفسك فى صلاة الليل، وزدها مزامير"...
ومن وسائط ضبط الجسد: الزهد والنسك.
على الأقل البعد عن الترفيهات والكماليات، وعن المبالغة فى الزينة العالمية، فقد ركز الرسول على "زينة الروح الوديع الهادئ، الذى هو قدام الله كثير الثمن" (1بط3: 4). المهم هو أن تتزين الروح بالفضائل. كما يقول عنها النشيد "معطرة بالمر واللبان وكل أذرة التاجر" (نش3: 6).
وليعرف الإنسان أن الجسد ليس للمتعة والترفيه.
بل هو لتمجيد الله، كما قال الرسول "مجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله" (1كو6: 20).
كيف نمجد الله بأجسَادنا
أولاً: باشتراك الجسد مع الروح فى عملها.
الروح مثلاً تصلى، والجسد يشترك معها فى الوقفة الخاشعة، وفى رفع اليدين، وحفظ الحواس، وفى الركوع والسجود.. نقول ذلك لأن البعض يخطئون ويظنون أن الله "إله قلوب" فقط، بلا يهتمون باشتراك الجسد!! وقد يصلون وهم جلوس، وربما وهم مستلقون على الفراش!!
أو بعض الأجانب الذين لا يخلعون أحذيتهم فى دخولهم إلى الهيكل ناسين قول الكتاب "اخلع حذاءك من قدميك، لأن المكان الذى أنت واقف عليه موضع مقدس" (خر3: 5)، (يش5: 15).
2 - نمجد الله بتعب الجسد فى الخدمة.
كما قال الرسول عن خدمته "فى أتعاب فى أسهار فى أصوام" (2كو6: 15) وأيضاً "فى الأتعاب أكثر... بأسفار مراراً كثيرة بأخطار فى البرية، بأخطار فى البحر.. فى تعب وكد، فى أسهار مراراً كثيرة، فى جوع وعطش، فى أصوام مراراً كثيرة، فى برد وعرى.." (2كو11: 23 - 27).
آباؤنا كانوا فى خدمتهم وفى بذلهم كالشمعة التى تذوب لكى تضئ للآخرين. لذلك نوقد الشموع أمام أيقونات القديسين، لأن حياتهم كانت نوراً، ولأنهم بذلوا أنفسهم فى خدمتهم وعبادتهم.
3 - آباؤنا الشهداء لا شك مجدوا الله بأجسادهم.
ولذلك فالكنيسة ترفع الشهداء فوق درجات القديسين الآخرين، لأنهم تألموا كثيراً من أجله. وكما يقول الكتاب "إن كنا نتألم معه، فلكى نتمجد معه أيضاً" (رو8: 17).
4 - أما نحن، فعلى الأقل فلنمجده بتعب الجسد.
كان القديس الأنبا بولا يتعب كثيراً بالجسد فى نسكه وفى جهاده الروحى، حتى ظهر له الرب وقال له "كفاك تعباً يا حبيبى بولا". فرد القديس "وماذا يكون تعبى إلى جوار ما بذلته لأجلنا يارب".
5 - إننا نمجد الله أيضاً عن طريق طهارة الجسد.
حتى يستريح روح الله فى داخلنا، إذ يجد أجسادنا هياكل مقدسة له.. وحتى بطهارة الجسد نقدم للناس الصورة الإلهية، وايضاً نستطيع التقدم إلى الأسرار المقدسة، ونتطهر بها أيضاً...
ومن مظاهر هذه الطهارة العفة، والحشمة.
أجسَاد القديسين
هؤلاء القديسون الذين مجدوا الله فى أجسادهم، مجد الله أجسادهم كذلك.
مثال ذلك جسد العذراء الذى أصعده الله إلى السماء.
وكذلك الكرامة التى كانت تمنح لهذه الأجساد حتى أن عظام أليشع النبى كان لها البركة التى لمسها ميت فقام (2مل13: 21).
وقد مجد الله أجساد القديسين حتى فى حياتهم.
مثل وجه موسى الذى أضاء بنور بعد مقابلة للرب على الجبل، حتى أن الشعب لم يستطع النظر إليه، فوضع على وجهه برقعاً، ليمكنهم النظر إليه (خر34: 30 - 35).
ومثل وجه اسطفانوس الشماس الذى أثناء محاكمته "شخص إليه جميع الجالسين فى المجمع، ورأوا وجه كأنه وجه ملاك" (أع6: 15).
ومن أمثلة ذلك المناديل والعصائب التى كانوا يأخذونها من على أجساد الرسل، فتشفى الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة (أع19: 12).
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.