هذا الفصل هو جزء من كتاب: من هو الإنسان – البابا شنودة الثالث .
الفصل الحادى عشر الحياة
الوصايا، ويتحكم فيها الضمير ومدى يقظته أو نومه... وكذلك الفكر ونوعية إنشغاله...
ويتحكم فى الإرادة أيضاً: مدى تدين الإنسان، وقربه أو بعده عن الله ووصاياه...
ما هى الحيَاة؟ وكيفَ تكون؟
ما هى الحيَاة؟
ليست الحياة مجرد أنفاس تتردد، أو قلب ينبض.. لأن هذه هى مجرد الحياة المادية، التى قال عنها معلمنا يعقوب الرسول إنها "بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل" (يع4: 14)، أو هذه التى قال عنها المرتل فى المزمور "الإنسان كالعشب إيامه. كزخر الحقل كذلك يذبل لأن ريحاً تمر عليه فلا يكون، ولا يعرفه موضعه بعد" (مز103: 15، 16).
هذه الحياة الجسدية هى فترة غربة واختبار، هدفها الحياة الحقيقية، التى توصلنا إلى الحياة الأبدية.
ما هى إذن الحياة الحقيقية؟ وكيف نحصل عليها؟
إن القديس يوحنا الحبيب فى أواخر إنجيله بعد أن سجَل معجزات للسيد المسيح انفرد هو بذكرها، يقول ".. أما هذه فقد كُتبت لكى تؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابن الله الحى. ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه" (يو20: 31).
فما معنى عبارة "تكون لكم حياة"؟
هذه العبارة التى وردت من قبل على لسان السيد المسيح نفسه، حينما قال ".. أتيت لتكون لهم حياة، ولكن الرب ما كان يقصدها، إنما كان يقصد حياة من نوع آخر. ونفس المعنى هو ما كان يقصده رسوله يوحنا. فما هى هذه الحياة؟
واضح أنه ليس كل إنسان يعيش على الأرض، يمكنه أن يعتبر نفسه حياً. قال الرب لملاك كنيسة سادرس فى سفر الرؤيا "إن لك إسماً أنك حى، وأنت ميت" (رؤ3: 1).
إذن فالخاطئ هو إنسان ميت، مهما كانت له حياة جسدانية.
وهكذا قال الآب عن الابن الضال الذى تاب ورجع "ابنى هذا كان ميتاً فعاش" (لو15: 24). أى كان ميتاً فى حالة الخطية، وصارت له حياة فى توبته. وبنفس المعنى قال القديس بولس الرسول "كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا" (أف2: 1). وأيضاً "ونحن أموات بالخطايا، أحياناً مع المسيح" (أف2: 5).
لقد صارت لنا حياة بالخلاص الذى قدمه لنا المسيح.
إنها الحياة الأبدية التى قال عنها الرب "لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية. ولكن ماهى الحياة الحقيقية التى تكون لنا هنا على الأرض. يقول القديس بولس الرسول فى ذلك:
"لى الحياة هى المسيح" (فى1: 21).
نعم إن المسيح هو الحياة. ألم يقل لمرثا أخت لعازر "أنا هو القيامة والحياة" (يو11: 25). وقال لتلاميذه "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو14: 6). وقيل عنه فى أنجيل يوحنا "فيه كانت الحياة" (يو1: 4).
ومادام المسيح هو الحياة، إذن من يثبت فيه يثبت فى الحياة، ويكون من الناحية الروحية كائناً حياً. وما أعمق ما قاله القديس بولس الرسول فى ذلك:
"لكى أحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فىّ" (غل2: 20).
انتقل إلى معنى آخر للحياة، وهو سكنى الروح القدس فينا. بحيث تكون حياتنا تحت قيادة الروح القدس، كما قيل "الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله" (رو8: 14). وقد عبّر السيد المسيح عن بعض عمل الروح القدس فينا، فقال "لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذى يتكلم فيكم" (مت10: 20).
أما عن سكنى الروح القدس فينا، فقد قال الرسول "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم" (1كو3: 16).
إذن الحياة الحقيقية هى حياة الإنسان المؤمن الذى هو هيكل الله: المسيح يحيا فيه، والروح القدس يسكن فيه.
وعن علاقة هذا المؤمن بالآب، يقول السيد المسيح "إن أحبنى أحد، يحفظ كلامى، ويحبه أبى. وإليه نأتى، وعنده نصنع منزلاً" (يو14: 23). أى أنه يصير منزلاً للأب والابن، وهو هيكل للروح القدس. أى يصير مسكناً للثالوث القدوس. حقاً ما أعمق أن تكون الحياة مع الله هكذا...!!
إن كانت لنا الحياة هى المسيح، فماذا يحدث فينا ولنا؟.
مادام المسيح يحيا فينا، إذن ما نفعله، يكون هو ما يفعله المسيح فينا. وهنا ينطبق قول الرسول "لا أنا، بل المسيح".. وحينئذ لا نخطئ (1يو3: 9). بل نحيا الحياة الحقيقية. وتكون لنا فيما بعد: الحياة الأبدية، حيث نستطيع أن نأكل من شجرة الحياة (رؤ2: 7). ويعطينا الرب إكليل الحياة (رؤ2: 10).
كيف ننال الحيَاة؟
1 - هذه الحياة الحقيقية تبدأ بالإيمان فى المعمودية.
حيث نموت مع المسيح، لكى نقوم أيضاً معه. كما قال الرسول "مدفونين معه فى المعمودية، التى فيها أقمتم أيضاً معه" (كو2: 12) (رو6: 2 - 5). وفى المعمودية يُصلب إنساننا العتيق معه، ليبطل جسد الخطية (رو6: 6). وبموت إنساننا العتيق، يقوم إنسان آخر جديد شبه المسيح. وفى هذا قال الرسول:
"لأن جميعكم الذين اعتمدتم للمسيح، قد لبستم المسيح" (غل3: 27).
لبستم البر الذى للمسيح، فى الإنسان الجديد الذى قام مع المسيح فى المعمودية، ليسلك فى جدة الحياة، أى فى الحياة الجديدة. وفى المعمودية أيضاً لبستم الحياة فى المسيح. وكيف ذلك؟ إن كانت الحياة هى التخلص من الموت، ففى موتكم مع المسيح فى المعمودية، تتخلصون من حكم الموت الذى ضدكم، وتدخلون إلى الحياة.
2 - وتنالون الحياة الحقيقية أيضاً، بالتوبة.
وفى أهمية التوبة يقول السيد الرب "إن لم تتوبوا، فجميعكم كذلك تهلكون" (لو13: 3، 5). والهلاك هو فقدان الحياة. وحسناً قال الكتاب إن "الله أعطى الأمم التوبة للحياة" (أع11: 18). وقال "توبوا وارجعوا فتمحى خطاياكم" (أع3: 19).
ومادامت أجرة الخطية هى الموت (رو6: 23)، تكون التوبة هى طريق الحياة. وفى التوبة يتخلص الإنسان من محبة العالم، عالماً أن "محبة العالم هى عداوة لله" (يع4: 4). و "إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب" (1يو2: 15). من أجل هذا، تضع الكنيسة فى القراءات فى كل قداس قول الرسول "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التى فى العالم.. لأن العالم يبيد وشهوته معه" (1يو2: 15، 17).
3 - إذن الحياة الحقيقية – تكون من الناحية السلبية – فى ترك الخطية. أما من الناحية الإيجابية، فتكون فى السلوك بالروح.
وكما قال الرسول "لا شئ من الدينونة الآن على الذين هم فى المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" (رو8: 1). وقال أيضاً "لأن إهتمام الجسد هو موت، ولكن إهتمام الروح هو حياة وسلام" (رو8: 6). إذن فالحياة الحقيقة تكون فى الإهتمام بالروح، بحيث نصل إلى هذه القاعدة:
جسد الإنسان ينقاد بواسطة روحه. وروحه تنقاد بروح الله.
هكذا تكون الحياة الحقيقية. وفى هذا يقول المرتل فى المزمور "من هو الإنسان الذى يهوى الحياة، ويحب أن يرى أياماً صالحة؟ اكفف لسانك عن الشر، وشفتيك عن النطق بالغش. حد عن الشر وافعل الخير. اطلب السلامة واتبعها. فإن عينىّ الرب على الصديقين، وأذنيه مصغيتان إلى طلبتهم" (مز34: 12 - 15).
ويقول الرب فى أواخر سفر التثنية "أنظر قد جعلت أمامك الحياة والخير، والموت والشر.. فاختر الحياة لكى تحيا أنت ونسلك، إذ تحب الرب إلهك وتسمع لصوته وتلتصق به، لأنه هو حياتك" (تث30: 15، 19، 20). مادام الله هو حياتك، فالبعد عنه هو البعد عن الحياة...
إذن لكى تحيا يجب عليك الإهتمام بالروح، والسلوك بالروح، والبعد عن الخطية. لأن الإنسان الخاطئن ليست له حياة روحية، ولا حياة إلهية أى الشركة مع الله. ولن تكون له حياة أبدية.
4 - نقطة أخرى فى الحصول على الحياة، وهى التناول من سر الأفخارستيا:
هوذا السيد المسيح يقول: "أنا هو خبز الحياة" "أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذى أنا أعطى، هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم". وقال أيضاً "الحق الحق أقول لكم: إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليست لكم حياة فيكم. من يأكل جسدى ويشرب دمى، فله حياة أبدية، وأنا أقيمه فى اليوم الأخير" "لأن جسدى مأكل حق، ودمى مشرب حق، من يأكل جسدى ويشر دمى، يثبت فىّ وأنا فيه" "من يأكلنى يحيا بى" "من يأكل هذا الخبز، فإنه يحيا إلى الأبد" (يو6: 41 - 58).
فهل تتغذى روحياً بسر الإفخارستيا، وهل تتناول منه باستحقاق؟ متذكراً قول الرسول إن من يتناول بدون استحقاق "يكون مجرماً فى جسد الرب ودمه" "وأنه يأكل ويشرب دينونة لنفسه" (1كو11: 27، 29).
5 - نقطة اخرى فى الحصول على الحياة، هى الغذاء الروحى وبخاصة كلمة الله.
وقد قال الرب فى ذلك "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرد من فم الله" (مت4: 4) (تث8: 3). وقال الرب أيضاً "أعملوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقى للحياة الأبدية" (يو6: 27). إذن فليعمل كل إنسان للحصول على هذا الطعام الروحى الذى يؤهله للحياة الأبدية. الذى قال عنه الرب "الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة" (يو6: 64).. تدركون روحانية الكلمة، وتحولونها إلى حياة لكم.
عندما انفصل بعض تلاميذ الرب عنه، فقال للإثنى عشر "ألعلكم أنتم أيضاً تريدون أن تمضوا، حسناً أجابه القديس بطرس الرسول" يارب إلى من نذهب؟! وكلام الحياة الأبدية هو عندك "(يو6: 68). فاحرص يا أخى أن تتمسك بكلام الحياة...
واحرص أيضاً على كل الوسائط الروحية التى هى سبب للحياة. إحرص على التأمل، والقراءات الروحية والإجتماعات الروحية، وقراءة سير القديسين التى قال عنها الآباء إنها مثل الماء للغروس الجديد.
أما كلام الله، فلتلهج فيها نهار والليل (يش1: 8) (مز1: 2)، وتعمل به، وتعلمه لأولادك، وتتكلم به حين تجلس فى بيتك (تث6: 6، 7).
حيَاة مثمرة
الإنسان الحى هو الذى لحياته رسالة يقوم بها، مهما كانت حياته على الأرض قصير بهذا تصبح حياته منتجة ومثمرة.
لا يهمنا فى حياة أولاد الله طولها وإنما عمقها.
يوحنا المعمدان:
كانت حياته فى الخدمة حوالى السنة. ولكنه استطاع فيها أن يهيئ الطريق قدام الرب، ويقدم له شعباُ مستعداً بالتوبة. وبهذا استحق أن يكون أعظم من ولدتهم النساء (مت11: 11). واختتم حياته بالاستشهاد وهو يشهد للحق موبخاً الملك هيرودس (مت14: 3 - 12).
اسطفانوس أول الشمامسة:
كان مجرد شماس، لا كاهناً ولا اسقفاً. وكانت فترة خدمته قصيرة. ولكن حياته كانت مثمرة. فما أن وضعت اليد عليه، حتى قيل إن "كلمة الله كانت تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جداً فى أورشليم، وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان (أع6: 7، 8). وسبب نجاح حياته أنه كان مملوءاً من الروح القدس والحكمة والإيمان والقوة (أع6: 3، 5). وسبب نجاح حياته أنه كان مملوءاً من الروح القدس والحكمة والإيمان والقوة (أع6: 3، 5). ونال إكليل الشهادة، واستحق أن يرى الرب يسوع قائماً عن يمين الله (أع7: 55). وكان وجهه كوجه ملاك (أع6: 15).
فهل حياتك مثمرة؟ وأى عمل لك تستحق عليه إكليلاً؟
هناك من نالوا إكليل البتولية أو إكليل العفة. ومن نالوا اكليل الجهاد أو اكليل الشهادة ومن نالوا اكليل الرهبنة أو اكليل الكهنوت. ومن نالوا اكليل البر، أو أنواعاً أخرى من الأكاليل...
فما هو إكليلك أنت؟ إن كان لك ثمر يستحق "تمسك بما عندك، لئلا يأخذ أحد إكليلك" (رؤ3: 11) "لئلا تتزحزح منارتك من مكانها" (رؤ2: 5). واستمع إلى قول الكتاب:
"كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً، تقطع وتلقى فى النار" (مت3: 10).
فلتكن حياتك إذن مثمرة للملكوت، وللمجتمع الذى تعيش فيه. مثمرة فى حياة الفضيلة والخدمة – وليكن ثمرك مستمراً.
حيَاة مستمرة وممتدة
مثل حياة الآباء والقديسين، الذين بعد تركهم لعالمنا الفانى، لا تزال ثمار حياتهم وجهادهم قائمة فى الكنيسة ينتفع بها الكل. سواء كانوا نماذج فى القدوة الصالحة، أو كانوا أبطالاً للإيمان.
من أمثلة هؤلاء القديسين أثناسيوس الرسولى.
حياته لم تنته بموته، فلا تزال ممتدة عبر الأجيال، فى كتاباته اللاهوتية دفاعاً عن الإيمان ضد الأريوسيين.
وحياة القديس يوحنا ذهبى الفم، لا تزال ممتدة تعمل فى جيلنا طويلة بعدهم مثل القديس كيرلس الكبير، والقديس باسيليوس، والقديس غريغوريوس، والقديس ساويرس الأنطاكى.
كذلك آباء البرية العظام الذين لا تزال حياتهم ممتدة فى الرهبنة فى كل بلاد العالم، أمثال القديس أنطونيوس الكبير، والقديس باخوميوس الذى وضع قوانين الرهبنة، والقديس بولا أول السواح. هل انتهت حياة هؤلاء بموتهم؟! كلا بلا شك.
وبالمثل أيضاً ما نذكره عن قديسى التوبة.
الذين تركوا لنا مثالاً حياً عن الرجوع إلى الله بتوبة حقيقية ظلت تنمو حتى وصلت إلى حياة القداسة فى عمق، كالقديس موسى الأسود والقديس أغسطينوس والقديسة مريم القبطية، وأمثال أولئك.
هناك قديسون آخرون حياتهم ممتدة فيما يقدمونه لنا من شفاعة ومعونة.
كالقديسة مريم العذراء والقديس مارجرجس وباقى القديسين الذين – على الرغم من مفارقتهم للعالم – لا يزال الله يوفدهم فى خدمات معونة يقدمونها للبشر الأحياء على الأرض. أترى هؤلاء قد انتهت حياتهم بتركهم لعالمنا الفانى، أم لا تزال حياتهم ممتدة فى أجيالنا وما بعدها؟!
هذه هى فكرة بسيطة عن الحياة الحقيقية التى كانت مثمرة خيراً على الأرض، وصارت ممتدة بعد رحيلها إلى العالم الآخر. ليتها تكون قدوة لنا جميعاً.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.