الفصل السَابع القلب

الفصل السَابع القلب

القلب وَدخوله فى كل عَمَل

أهميَة القلب

لعل من أبرز الأمثلة على أهمية القلب، هى قول الكتاب فى سفر الأمثال:

"فوق كل تحفظ احفظ قلبك، لأن منه مخارج الحياة" (أم4: 23).

ذلك لأنه من القلب يصدر كل شئ، وهو الذى يعبر عن حقيقة الإنسان، وعن خفاياه ونواياه. والله يعرف كل ما فى قلب الإنسان. لذلك قيل عنه إنه "وازن القلوب" (أم21: 2) وأنه "فاحص القلوب") (مز7: 9) (رؤ2: 23).

القلب هو مركز المشاعر، ومركز العواطف، ومركز الحب. والرب يريد هذه المشاعر والعواطف القلبية، لذلك قال:

"يا ابنى، أعطنى قلبك" (أم23: 26).

وإن أعطيتنى قلبك، كنتيجة طبيعية: سوف "تلاحظ عيناك طرقى".

والحياة الروحية ليست مجرد ممارسات فى العبادة، أو فضائل ظاهرية، إنما هى حياة قلبية، حياة قلب يرتبط بالله بعلاقة الحب، وكل فضائله وعباداته وممارساته، تكون نابعة من هذا القلب، ومزينة بعلامة الحب.

هى ليست مجرد ممارسات من الخارج يمارسها الإنسان.. ولا مجرد ناموس، أى وصايا تنفذ حرفياً...

إنما الحياة الروحية – قبل كل شئ – هى حياة القلب مع الله.

وما أجمل قول المزمور فى مثل هذا المعنى:

"كل مجد إبنة الملك من داخل" (مز44).

مع أنها "مشتملة بأطراف موشاة بالذهب، ومتزينة بأنواع كثيرة" إلا أن كل مجدها من الداخل، فى قلبها فى روحها...

وسنرى الآن علاقة القلب بالمشاعر وباللسان والفكر والإرادة، وبالتوبة والعبادة وكل الحياة مع الله.

القلبُ مَصدر المشاعر

فيه الحنو والطيبة، أو فيه القسوة والشدة.

فيه الإيمان والثقة، أو فيه الشك وفقدان السلام.

فيه التواضع والوداعة، كما فيل عن السيد المسيح إنه وديع ومتواضع القلب (مت11: 29).

لا تظن أن الإتضاع هو أن يقول إنسان كلام إتضاع. مثل أن يقول "أنا خاطئ. أنا لا استحق شيئاً". فقد يقول هذا، ولا يحتمل مطلقاً أن يقول أن يقول له أحد: أنت خاطئ أو أنت مخطئ!!

التواضع الحقيقى هو تواضع القلب. والكبرياء هى إرتفاع القلب.

أول خطية فى العالم، كانت خطية قلب، خطية كبرياء.

بها سقط الشيطان، إذ ارتفع قلبه. وعلى ذلك وبخه الرب قائلاً:

"وأنت قلت فى قلبك: أصعد إلى السموات، أرفع كرسى فوق كواكب الله.. أصير مثل العلى" (أش14: 13، 14).

وعن الكبرياء يقول الكتاب "قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح" (أم16: 18). هى إذن خطية فى داخل الإنسان، فى قلبه قبل أن تأخذ مظهراً خارجياً.

القلب أيضاً فيه الخوف، كما فيه الإطمئنان.

أمر واحد يحدث لاثنين: أحدهما يخاف ويرتعش ويتخيل له نتائج مرعبة. بينما الآخر يقابله بكل سلام وإطمئنان، ويفكر فى هدوء كيف يتلاقى نتائجه السيئة... حسب قلب كل واحد، تكون مشاعره. لذلك يقول الكتاب "تقوّ وليتشدد قلبك" (مز27: 14).

إن القلب يشمل كل شئ فيك ومنك.

كل الفضائل مصدرها القلب. وكل الخطايا مصدرها القلب.

كلمات لسانك راجعة إلى قلبك. لأن الكتاب يقول "من فضلة القلب يتكلم الفم" (مت12: 34). كذلك الفكر أيضاً "الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح، يخرج الصالحات. والإنسان الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشر" (لو6: 45).

إن كان فى قلبك حب، يظهر الحب فى معاملاتك. وإن كانت فى قلبك عداوة أو كراهية، يظهر كل ذلك فى تصرفاتك. بل يبدو فى لهجة صوتك وفى نظرات عينيك. ومصدر ذلك هو القلب.. إلا لو كان هناك رياء، وأظهر الإنسان غير ما يبطن. وذلك أيضاً ينكشف...

القلب والفكر

القلب والفكر يعملان معاً. كل منهما سبب ونتيجة.

مشاعر القلب تسبب أفكاراً فى العقل. والأفكار تسبب مشاعر فى القلب. إن اشتهيت خطية، تجد هذه الشهوة تجلب لك افكاراً من نوعها. وإن فكرت فى الخطية، يجلب لك القلب شهواتها.

إن أردت صلاحاً لقلبك، أصلح إذن أفكارك. وابعد عن مصادر الفكر الخاطئة.

ابعد عن الأفكار التى تأتيك من الكتب، أو من الحواس، أو من المعاشرات الردية، أو من مصادر أخرى.. حينئذ لا تضغط الأفكار على قلبك، وتصل إلى استقامة القلب وصلاحه.

الوجوديون الذين رفضوا الله بقلوبهم: دخلت أفكار الإلحاد إلى أذهانهم. الإلحاد إذن قد يكون من الفكر والقلب معاً.

ربما تكون بينك وبين إنسان محبة.. ويأتى ثالث فيغير فكرك من نحوه، تجد قلبك قد تغير أيضاً من نحوه. ومع تغير قلبك تتغير ملامحك ومعاملاتك..!

تقول "أريد ان أعطى قلبى لله".

أقول لك: أعطه فكرك أيضاً...

حسبما يكون قلبك، يكون فكرك. وحسبما يكون فكرك، يكون قلبك. لذلك حسناً قال الكتاب "تحب الرب إلهك من كل قلبك.. ومن كل فكرك" (مت22: 37).

وتجديد الذهن يجلب تجديد القلب.

وهكذا يقول الرسول "تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رو12: 2). فإن دخلت إلى ذلك أفكار جديدة، اقتنعت بها وآمنت بها، ستجد نفسك قد تغيرت تبعاً لها، شكلاً وقلباً. وتجد ضميرك قد اخذ نوعية جديدة يقود بها قلبك...

وهذا هو عمل العظات فى تجديد الفكر والقلب.

ويتغير الفكر والقلب، يتغير أسلوب اللسان أيضاً.

وكل هذا لابد أن يؤثر على الإرادة.

القلب والإرادة

إذا ملأت محبة الله قلب إنسان، فإنه لا يستطيع أن يخطئ، لأن محبته لله هى التى تسيطر على تصرفاته. وهكذا تتجه إرادته نحو الله بالكلية...

إما إذا كان القلب غير كامل فى محبته لله، فإن إرادته تكون متزعزعة.

تتصرف حسب التأثيرات الخارجية عليها إن خيراً، وإن شراً. ولذلك حسناً قال الكتاب "تحب الرب إلهك من كل قلبك" وعبارة "كل" هنا لها أهميتها...

فإن كان كل القلب لله، تكون كل الإرادة لله.

أيضاً إن كان القلب يتميز بالجدية والتدقيق، والإلتزام بالقيم والمبادئ، فإنه على حسب تمسكه بكل هذا، تكون إرادة الإنسان قوية.

والقلب المتقلب، تكون إرادته متقلبة.

هناك إرتباط إذن بين القلب والفكر، وبين القلب واللسان، وبين القلب والإرادة، وبين القلب والفضيلة...

كل ما تتكلم به، يصدر من قلبك، لذلك يقول الكتاب:

القلب وَاللسَان

"من فضلة القلب يتكلم الفم" (مت12: 34).

ويشرح الرب ذلك فيقول "الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح. والإنسان الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشر" (لو6: 45).

إلا لو كان الكلام رياء، وليس من القلب.

أى أن يتكلم الإنسان بغير ما فى قلبه، أو بعكس ما فى قلبه. وفى هذه الحالة إن قلت كلمة طيبة بفمك، وقلبك بعكس هذا، فإن الله يحاسبك على ما فى قلبك، وليس على ما قلته بلسانك. بل تضاف إلى خطية القلب خطية الرياء...

الله الذى يحاسبك فى اليوم الأخير، هو فاحص القلوب (أر11: 20).

الكتبة والفريسيون المراؤون، كانوا يتكلمون بالصالحات وهم أشرار.

ولم ينفعهم كلامهم بشئ، بل أدانهم الله، وصبّ عليهم الويلات (مت23). وقال عنهم "إنهم ينقون خارج الكأس والصحفة، وهما من داخل مملوآن اختطافاً ودعارة" وأنهم "يشبهون قبوراً مبيضة: تظهر من الخارج جميلة، وهى من الداخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة" (مت23: 25، 27).

المهم إذن فى الداخل، فى القلب، لذلك يقول المزمور:

"كل مجد إبنة الملك من داخل" (مز45: 13).

على الرغم من أنها "مشتملة بأطراف موشاة بالذهب، ومزينة بأنواع كثيرة" بالكلام اللين وحده لا يأتى بنتيجة، إن لم يكن صادراً عن مشاعر حقيقية فى القلب. وإلا فإنه ينطبق عليه قول المزمور "كلماته ألين من الزيت، وهى سيوف مسلولة" (مز55: 21).

إنسان تعتذر إليه فلا يقبل اعتذارك.

لأنه يحس تماماً أن كلماتك ليست صادرة من قلبك، وأنها مجرد كلام... تقول "أخطأت"، ونبرات صوتك ذاتها لا تعبر عن أسفك وندمك، لأنها غير مختلطة بمشاعر قلبك. فتبدو رخيصة غير مقبولة...

الإنسان اللماح الحساس يستطيع أن يكتشف حقيقة الكلام، وهل هو صادر من القلب...

سواء أكان كلام مديح، أو كلام اعتذار، أو كلام نصح.. فالصوت يكشفه، وملامح الوجه تكشفه، وما هو داخل القلب يمكن إدراكه وكشفه، ولا يمكن للألفاظ أن تخفيه...

ما أعمق أهمية القلب فى العلاقة مع الله ومع الناس.

الحيَاة مع الله

تبدأ حياتك مع الله من قلبك...

تبدأ بالإيمان، والإيمان من عمل القلب...

وبالإيمان تثق بوجود الله عموماً، وبوجوده فى حياتك بصفة خاصة. وفى حياتك معه تتكل عليه، كما يقول الحكيم "توكل على الرب من كل قلبك، وعلى فهمك لا تعتمد" (أم3: 5). وفى إتكالك عليه، تسلمه حياتك، وتثق بقيادته لها.. وكل هذه مشاعر قلب.. وفى حياتك معه تقول له كل حين:

"مستعد قلبى يا الله، مستعد قلبى" (مز57: 7).

ونحن نرتل هذه العبارة فى ثانى مزمور من مزامير صلاة الساعة السادسة.. نحن مستعدون لعمل الله فينا، مستعدون للشركة مع الروح القدس الحال قى قلوبنا، مستعدون لطاعة وصاياه.. وعن هذه الوصايا يقول الرب "ليحفظ قلبك وصاياى" (أم3: 1).

ويقول المرتل فى المزمور:

"خبأت كلامك فى قلبى، لكيلا أخطئ إليك" (مز119).

إذن وصايا الله لابد أن تكون فى القلب، فى عمل المشاعر فى مركز العاطفة، وهكذا لا نخطئ إليه...

لذلك قال الله للشعب، حينما سلمه الوصايا "ولتكن هذه الكلمات التى أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس فى بيتك.." (تث6: 6)... وهكذا إذا كانت كلمات الرب فى قلب الإنسان يستطيع أن يلهج بها نهاراً وليلاً، كما أمر الرب عبده يشوع (يش1: 8). وكما قيل فى المزمور الأول عن الرجل البار:

"لكن فى ناموس الرب مسرته، وفى ناموسه يلهج نهاراً وليلاً".

مادامت كلمات الرب أصبحت مسرته، فمعناها أنها صارت موضع محبته، ودخلت إلى قلبه. وعن هذه المحبة يتحدث داود النبى كثيراً، وترددت فى صلواته عبارة "أحببت وصاياك" "وجدت كلامك كالشهد فأكلته" "فرحت بوصاياك كمن وجد غنائم كثيرة".. وهكذا يتغنى بوصاياه...

إن وصية الله تصبح صعبة علينا، إن تركناها خارج قلوبنا.

إن لم نمزجها بعواطفنا، ونشعر بجمالها ونحبها...

قلبك هو السَبب

تقول "فلان قد أضاعنى". أقول لك "لم يضيعك سوى قلبك".

لو كنت قوياً غير قابل للضياع، ما استطاع أن يضيعك.. ثم إن فلان هذا لا يستطيع أن يحاربك إلا من الخارج. فإن كان الداخل سليماً، فلن يضرك فى شئ...

إن البيت المبنى على الصخر، لم تستطع الأمطار والأنهار والرياح أن تسقطه، لأنه كان مؤسساً على الصخر (مت7: 35). والفلك أحاطت به المياه غزيرة جداً، ولم تستطع أن تغرقه، لأنه لم يكن فيه ثقب تدخل منه المياه، كما كان الله فى داخله...

صدق القديس يوحنا ذهبى الفمن حينما قال:

"لا يستطيع أحد أن يؤذى إنساناً، ما لم يؤذ هذا الإنسان نفسه".

تقول: الكلام الذى سمعته غيّر أفكارى وشككنى!

أقول لك هو قلبك القابل للتشكيك. لو كنت ثابتاً فى قلبك، ما كان الشك يدخل إليه، مهما سمعت من كلام...

لصان أحاطا بالمصلوب. أحدهما جدف عليه، والآخر آمن به رباً وملكاً، واعترف بذلك ودخل الفردوس (لو23: 39 - 43)... بينما المصلوب هو نفس المصلوب، والظروف الخارجية واحدة بالنسبة إلى اللصين. ولكن قلب أحدهما كان غير قلب الآخر...

هل كان الشك فى كلام توما أم فى قلبه؟

قطعاً كان الشك فى قلبه. ولم يكن فى لسانه، ولا فى إصبعه الذى أراد أن يضعه مكان الجروح!

أتقول: الضيقات زعزعتنى؟! أقول لك: لو كان قلبك قوياً ما كان يتزعزع...

لقد قلت لكم من قبل: إن الضيقة سميت ضيقة، لأن القلب ضاق بها ولم يتسع لها. أما القلب الواسع فإنه لا يتضيق بشئ. كما قال القديس بولس لأهل كورنثوس "فمنا مفتوح لكم أيها الكورنثيون، قلبنا متسع، لستم متضيقين فينا، لكنكم متضيقون فى أنفسكم.. لذلك أقول كما لأولادى: كونوا أنتم أيضاً مستعدين" (2كو6: 11 - 13).

القلب الواسع يتناول المشكلة ويحللها، ويأخذ بركتها ويحيلها إلى الله ليحلها...

صفات القلب الروحية

أولاً هو القلب النقى. ولذلك يقول الرب فى تطويباته "طوبى لأتقياء القلب، لأنهم يعاينون الله" (مت5: 8). يذكر الرسول القلب الطاهرة، فيقول "وأما غاية الوصية، فهى المحبة من قلب طاهر وضمير صالح" (1تى1: 5). كما يذكر أيضاً القلب الصادق (عب1: 26)، وبساطة القلب (كو3: 22). ويتحدث المزمور عن القلب الثابت المتكل على الله (مز112: 7).

ويذكر أيضاً القلب المتخشع (المنكسر) والمتواضع، الذى لا يرذله الله (مز50). والذى هو أفضل من الذبائح. وقيل عن السيد المسيح إنه "وديع ومتواضع القلب" (مت11: 29).

وحذر الكتاب من قساوة القلب (مت19: 8) (حز3: 7). وكذلك من القلب الملتوى (أم17: 20).

وإن كنا نهتم بنقاوة القلب، فلابد أن نذكر علاقة القلب بالتوبة، وأيضاً بالعمل الإيجابى فى الحياة الروحية، وعلاقته بالصلاة والعبادة..

القلبُ وعَمَله الروحى

القلب والتوبة

القلب الحقيقية هى التوبة الصادرة من القلب.

وليست الصادرة من مجرد الإرادة.. لأن الإرادة قد تقوى حيناً، وتضعف فى حين آخر. وقد تقوى الإرادة فتمتنع عن عمل الخطية. ولكن مع عدم إرتكابها، تبقى محبتها فى القلب، ولا تكون توبة حقيقية. فالتوبة الكاملة هى كراهية الخطية. وهذا يكون عمل القلب.

يقول الرب "أرجعوا إلىّ، أرجع إليكم" (ملا3: 7) ويقول:

"أرجعوا إلىّ بكل قلوبكم" (يوء2: 12).

هذا هو الرجوع الحقيقى، لأنه مادامت توجد فى القلب خطية محبوبة، لا يكون قد تاب توبة صادقة حقيقية.. وهكذا فى التوبة يتحدث الكتاب عن القلب الجديد، الذى تجدد بالتوبة، ويقول الرب فى ذلك:

"وأعطيكم قلباً جديداً، وأجعل روحى فى داخلكم" (حز36: 26).

وعبارة "وأعطيكم قلباً جديداً" تعنى قلباً جديداً فى مشاعره وفى رغباته، وفى اتجاهه نحو الله بشهوات جديدة، ونيات جديدة، ومفاهيم جديدة.. هذه هى التوبة الحقيقية، التى يقول عنها المرنم فى المزمور:

"من كل قلبى طلبتك" (مز119).

والتى يقول عنها الرب فى سفر يوئيل "مزقوا قلوبكم لا ثيابكم، وارجعوا إلى الرب إلهكم" (يوء2: 13).

ويقول "توبوا عن كل معاصيكم، وأعملوا لأنفسكم قلبا ً جديداً" (حز18: 31). ويقول أيضاً "وأعطيهم قلباً ليعرفونى" (أر24: 7). وفى مزمور التوبة، يقول داود وهو شاعر بأهمية القلب فى التوبة: قلباً نقياً أخلق فىَ يا الله "(مز50).

إن التوبة ترتبط إرتباطاً وثيقاً بنقاوة القلب. والتوبة معناها رجوع القلب إلى الله.. وإذا رجع القلب إلى الله، تصبح الإرادة قوية، قادرة على التخلص من الخطية. أما مشكلة البقاء فى الخطية، على الرغم من محاولة تركها، فسببها إن الإرادة وحدها تحاول أن تصل إلى التوبة، بينما القلب لا يريد.

التوبة التى من القلب، هى التى تستمر.

أما التوبة التى هى مجرد وعود من اللسان، فلا تبقى طويلاً، مادام القلب فى الداخل لم تدخله محبة الله، ولم يكره الخطية بعد... لذلك فإن البعد عن التوبة، يعتبره الكتاب قساوة قلب. وفى ذلك يقول القديس بولس الرسول:

"إن سمعتم صوته، فلا تقسوا قلوبكم" (عب3: 7، 8).

وتتكرر هذه العبارة ثلاث مرات فى نفس المناسبة، كما فى (عب3: 15) (عب4: 7).. ذلك لأن القلب القاسى، الخالى من مشاعر الحب نحو الله، لا تكون فيه أية إستعدادات لقبول عمل الله فيه، ولا أيه إستجابة لشركة الروح. إنه قلب قاس لا يلين، كما كان قلب فرعون الذى لم تؤثر فيه كل المعجزات والعجائب والضربات..

فالذى لا يستمع إلى صوت الرب، هو إنسان قاسى القلب.

التوبة ليست كلمات نقولها بألسنتنا. إنما هى تغيير فى قلوبنا. لهذا يقول الرب فى سفر حزقيال النبى:

التوبة الحقيقية هى تغيير فى القلب، وتغيير فى شهوات الإنسان الداخلية.

بحيث يشتهى الخير، بدلاً من إشتهاء الخطية.. وليست التوبة الحقيقية مجرد امتناع خارجى عن الخطية، بينما القلب يشتهيها فى الداخل!! لذلك يقول الرب عن التوبة:

"أرجعوا إلىّ بكل قلوبكم" (يوء2: 12).

فى حياة التوبة، ضع أمامك هذه الحقيقية.

إن انتصرت فى الداخل، فى القلب، انتصرت فى الخارج أيضاً.

أتقول فى الخارج عثرات مغريات حروب، ليكن. وليكن قلبك منتصراً فى الداخل، لا يمكن أن تؤثر عليه كل هذه. يوسف الصديق المنتصر فى داخله، لم تقو عليه العثرات والمغريات والحروب.

أتقول "فلان (نرفزنى) أغضبنى؟! كان الأول أن تقول إن فلاناً أظهر لى الخطأ الموجود فى قلبى. لأنه لو كان قلبى قوياً، ما كنت أقع فى النرفزة...

إن الخطية تتكرر لأن القلب متمسك بها.

والكلام الروحى عن التوبة لا يأتى بنتيجة، لأن القلب لا يريده، أو لأن القلب يرفضه بسبب تعلقه بمحبة خاطئة...

العثرات الخارجية تؤثر وتقود إلى الخطية، غن كان القلب يستجيب لها. أما إن كان يرفضها، فهذه العثرات لا تعثره هو.. قد تعثر غيره، إن وجدت فى قلب ذلك الغير قبولاً لها... إذن إصلاح الناس يأتى من الداخل...

إن الإنتصار على الخطية يأتى من الداخل.

فتاة تقول لها: لبسك، زينتك، شكلك، مكياجك.. أو شاب تقول له: شعرك الطويل، بنطلونك الجينز، منظرك.. وتحاول أن تضغط من الخارج، أو تؤنب وتوبخ.. تاركاً القلب كما هو!! اعرف تماماً أن هذا الأسلوب لا يجدى. المهم هو القلب من الداخل... الإقتناع القلبى والفكرى. هوذا القديس بولس الرسول يقول:

"تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رو12: 2).

إذن التغيير الخارجى، المفروض أن يأتى بالتجديد الداخلى، بذهن يفكر بطريقة جديدة، روحانية، ينفعل بها القلب ومشاعره... إننا نريد فى الوعظ أن نتفاهم مع قلوب الناس، وليس مع آذانهم فقط... إنما يتغير الذهن، ويتغير مع القلب أيضاً...

العجيب أن غالبية الناس فى اعترافاتهم يعترفون بالخطأ الظاهرى فقط، وليس بحالة القلب!

إنسان يغضب ويثور ويحتد ويشتم ويدين. ثم يعترف بهذه الخطايا فقط، ويندر أن يعترف بما فى داخل القلب من عدم محبة، وعدم إحتمال. وبأن القلب خالِ من الوداعة والتواضع واللطف.. وينقصه احترام الآخرين، ومراعاة مشاعرهم...

هل ننسى خطايا القلب، ونركز على خطايا اللسان؟!

بينما خطايا اللسان سببها أخطاء القلب الداخلية، لأنه من فيض القلب يتكلم الفم (لو6: 45)... والعجيب أن إنساناً يخطئ هكذا فيقول البعض عنه "حقاً إن كلامه خطأ، ولكن قلبه أبيض"!! كلا يا أخوتى فالقلب الأبيض، ألفاضه بيضاء، والعكس صحيح...

إننا فى أحيان أخرى نركز على خطايا الحواس، أو خطايا العمل، وننسى خطية القلب!!

نقول باستمرار إن خطية أمنا حواء، إنها خالفت الرب، وقطفت من الشجرة، وأكلت، وأعطت رجلها فأكل معها... وننسى خطية القلب التى أدت إلى كل هذا... القلب الذى دخلته الشهوة، بعدما استمع إلى كلام الحية.. ولما تغير القلب، تغيرت نظرة الحواس. ونظرت المرأة بقلب فقد بساطته ونقاوته، فإذا الشجرة "جيدة للأكل، وبهجة للعيون، وشهية للنظر" (تك3: 6).. بينما الشجرة كانت أمامهم كل يوم، ولم ينظروا إليها هكذا من قبل!!

ولكن النظرة تغيرت، لما تغير القلب...

لما دخلت الشهوة إلى القلب، بدأت الحواس تشتهى.

فخطية الحواس خطية ثانية، أما الأولى فهى خطية القلب.

استمعوا إلى الرب يقول فى عظته على الجبل عن الزنى:

"من نظر إلى امرأة واشتهاها، فقد زنى بها فى قلبه" (مت5: 28).

الزنى إذن قد كان فى القلب، قبل أن يصل إلى الحواس. شهوة القلب الرديئة هى التى نجست النظر.. هل نعتبر هذه إذه خطية نظر، أم خطية قلب؟ إنها خطية قلب أدت إلى خطية نظر.. ولو كان القلب نقياً، ما كانت هناك شهوة تالية للنظر...

أول خطية دخلت العالم، كانت خطية قلب.

إنها خطية الشيطان الذى ارتفع قلبه. قال فى قلبه "أصعد إلى السموات، أرفع كرسى فوق كواكب الله.. أصير مثل العلى" (أش14: 13، 14).. نذكر بهذا أيضاً خطية نبوخذ نصر إذ "ارتفع قلبه" (دا5: 20).

العمل الإيجابى للقلب

تكلمنا عن الخطأ فى مشاعر القلب ويعوزنا أن نتكلم عن عمله الإيجابى فى الفضيلة..

وكمثال: القلب وما فيه من حماس وغيرة مقدسة.

هذا هو مصدر كل خدمة ناجحة. الناس قد يتكلمون عن مظاهر هذه الخدمة ونتائجها. ولكن المهم هو حالة القلب الداخلية. هى السبب. وهذا هو الفرق بين الخدمة النارية الملتهبة، والخدمة الروتينية.. إنها مشاعر القلب من الداخل، ومدى إقتناعه باهمية خلاص النفس، والتزامه بالعمل على نشر الملكوت...

كذلك باقى ثمار الروح فى القلب (غل5: 22، 23).

وأولها المحبة كما يذكر الرسول، وأهمية محبة القلب لله وللناس، هذه المحبة التى يتعلق بها الناموس كله والأنبياء، كما قال السيد المسيح له المجد (مت22: 40). والمحبة هى عمل من أعمال القلب، وهى مصدر كل خير. يقول الكتاب:

"تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسكن ومن كل فكرك" (مت22: 37) (تث6: 5).

إذا وصلت إلى هذا الحب، تكون قد وصلت إلى القمة، ولم تعد تحت ناموس، ويزول من القب كل خوف "لأن المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج" (1يو4: 18).

أترانا نتكلم عن التنفيذ الظاهرى للوصايا، وننسى محبة الرب؟!

كلا، فالمحبة هى الأساس. وكل طاعة للوصايا – بدون محبة – ليست شيئاً أمام الله. وهكذا يعلمنا الرسول (1كو13).. هذه هى المحبة التى يرتفع بها الإنسان عن مستوى العالم والمادة والجسد، ويتعلق بالله وحده، كما قال الشيخ الروحانى "محبة الله غربتنى عن البشر والبشريات"...

وهذه هى أعماق الحياة الرهبانية.

ليست مجرد الرسامة، أو الملابس السوداء، أو الشكل.. إنما هى قبل كل شئ موت القلب عن العالم، أو موت العالم داخل القلب.. وبهذا الشعور وصل القديسون إلى الإستشهاد.

الإستشهاد كان داخل القلب، قبل تعذيب الجسد أو قتله من الخارج...

ولأن الله ينظر إلى القلب ويهمه القلب، لذلك قال:

القلب وَ العبَادة

"يا ابنى أعطنى قلبك" (أم23: 26).

وإن أعطيتنى قلبك، سوف "تلاحظ عيناك طرقى"..

لأن هناك من لهم العبادة الشكلية، يظهرون من الخارج أنهم يلاحظون طرق الرب، بينما لم يعطوه قلوبهم. مثل ذلك الكتبة. والفريسيون الذين يبدون مدققين فى تنفيذ الوصية، بينما قلوبهم بعيدة عن الله!! وعن هؤلاء وأمثالهم قال الرب:

"هذا الشعب يكرمنى بشفتيه. أما قلبه فمبتعد عنى بعيداً" (مر7: 6).

لهذا لم يقبل الله مثل هذه العبادة. وقال عن الذين يحفظون الشعائر الخارجية بينما قلوبهم ملوثة من الداخل: "لا تعودوا تأتون بتقدمة باطلة... رؤوس شهوركم وأعيادكم أبغضتها نفسى، صارت علىّ ثقلاً، مللت حملها. فحين تبسطون أيديكم، أستر وجهى عنكم وإن أكثرتم الصلاة لا أسمع، أيديكم ملآنة دماً" (أش1: 13 - 15).

أحياناً تضع لنفسك جدولاً روحياً تحاسب به نفسك على ممارساتك الروحية من صلاة وقراءات ومطانيات وتأمل.. إلخ.

فهل تحاسب نفسك على الممارسات أم على القلب؟!

من الجائز أن تضع علامة على قراءة الكتاب، وقلبك لم يشترك فى تلك القراءة، أو الصلاة وقلبك لم يشترك فيها، أو الصوم ولم يكن من قلبك، ولم يصم أثناءه قلبك عن الشهوات.. أتراه كان جدولاص لحياتك الروحية بالحقيقة، بينما لم يدخل فيه حساب لقلبك؟!

الصلاة المقبولة هى الصلاة التى من القلب.

وليست هى مجرد ألفاظ نرددها أمام الله.. لذلك فإننا نقول فى التسبحة "قلبى ولسانى يسبحان القدوس" وليس مجرد اللسان وحده.

كذلك الذهاب إلى الكنيسة أيضاً: هل أنت تأتى إلى الكنيسة بقدميك، أم بقلبك؟ استمع إلى المرتل وهو يقول: فرحت بالقائلين لى: إلى بيت الرب نذهب (مز122: 1).

والفرح هو بلا شك من مشاعر القلب...

كذلك قراءة الكتاب: حينما تكون بالقلب، تقول مع المرتل "فرحت بكلامك، كمن وجد غنائم كثيرة" (مز119). وهنا لا تجعل كلمات الله فى ذهنك فقط، بل تدخل إلى داخل قلبك، كما قال داود فى المزمور:

"خبأت كلامك فى قلبى، لكيلا لا أخطئ إليك" (مز119).

وهذا الذى أوصانا به الرب حينما أعطانا الوصاياإذ قال: "ولتكن هذه الكلمات التى أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس فى بيتك" (تث6: 6، 7). فى الأول تكون على قلبك، وليس فى مجرد أذنيك، أو حتى فى مجرد ذهنك..

القلب والصَلاة

الصلاة ليست مجرد كلام نتلوه أمام الله، وليست مجرد حديث مع الله، إنما هى مشاعر قلب ينسكب أمام الله، حتى من غير كلام، لذلك يقول المرتل:

"بأسمك أرفع يدى، فتشبع نفسى كما من شحم ودسم" (مز119).

مجرد رفع اليدين، حتى من غير كلام. فكم بالأولى كلامه!

فى صلاة كل من الفريسى والعشار: الفريسى تكلم كلاماً كثيراً، ولم يكن قلبه مع الله، فلم يقبل الله صلاته. أما العشار فقال عبارة واحدة، بقلب منسحق "فرجع إلى بيته مبرراً دون ذاك" (لو18: 14). وبالمثل العبارة الواحدة التى قالها اللص اليمين من أعماقه فورث بها الفردوس (لو23: 42، 43).

ليس المهم فى صلاتك كلماتها، بل مشاعرها...

هل هى صلاة بعاطفة، بحرارة، بفهم، بإيمان..؟ هل هى صلاة بإنسحاق قلب، باتضاع؟ هل هى صلاة فيها مشاعر الحب والشوق إلى الله؟ هل فيها العمق والتأمل؟ أم هى مجرد ألفاظ وكلماتك تعدها أمام الله، صادرة من شفتيك وليس من قلبك؟!

الصلاة إذن هى رفع القلب إلى الله.

وليست مجرد رفع اليدين، أو رفع العينين إلى فوق.. إنه رفع القلب عن كل الماديات والأرضيات لكى يتجه إلى الله بكل عواطفه.. اسمع قول الرب وهو يوبخ اليهود:

هذا الشعب يكرمنى بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عنى بعيداً (مت15: 8) (مر7: 6) (أش29: 13).

على ضوء هذه العبارة افحص صلاتك.. وحاول أن تشعر بعمق الصلة بينك وبين الله..

حتى صلوات الآخرين، تستطيع أن تميزها...

هل هى ابتهال من العمق، وحديث روحى مع الله، أم هى مجرد تلاوة، أو ضبط نغمات فى لحن..؟! وتراك تتأثر من الشخص الذى يصلى من قلبه، وكأنه يقول مع المرتل فى المزمور:

"من كل قلبى طلبتك" (مز119: 10).

وهذا هو ما يريده الرب نفسه "تطلبوننى فتجدوننى، إذ تطلبوننى بكل قلبكم" (أر29: 13). إذن صلاة الشفتين فقط، ليست صلاة بالحقيقة. ولهذا نقول فى صلوات التسبحة "قلبى ولسانى، يسبحان القدوس".. قلبى أولاً، ثم يشترك معه لسانى.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل الثامن الفكر

الفصل السادس الجسَد

المحتويات
المحتويات

المحتويات