ما هو موقف الوثنيين من الإيمان بالقيامة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف الوثنيين من الإيمان بالقيامة؟

إيمان المسيحيين بالحياة الجديدة بعد الموت وشركة الجسد المُقام مع النفس فى المجد الأبدى دفعهم لمواجهة الآلام والموت بفرح شديد مما جذب أنظار الوثنيين. وقد شهد القديس يوستين الشهيد عن ذلك حيث كشف عن مشاعره الشخصية قبل قبوله الإيمان، كيف أعجب بهم[5].

من جانب أخر رأى بعض الفلاسفة الوثنيين أنه من أصعب العقبات التى تعثرهم فى قبولهم المسيحية هو التعليم بميلاد فى حياة جديدة وقيامة الأجساد. هذا ما نلمسه فى ردود الفعل تجاه تصريحات بولس الرسول عن القيامة فى محكمة أريوس باغوس بأثينا. كان بعضهم يهزأون، والآخرون يقولون سنسمع منك عن هذا مرة أخرى (أع 17: 32). لذلك كثيراً ما تكررت حوارات فلسفية ولاهوتية فى كتابات المسيحيين خاصة فى دفاعهم عن الإيمان المسيحى كما فعل الفيلسوف أثيناغوراس عميد مدرسة الإسكندرية فى القرن الثانى[6].


[5] - Apology. 12.

[6] - راجع للمؤلف: آباء مدرسة إسكندرية الأولون، 1980، ص38 - 40.The Author: School of Alexandria, N. J. 1995, p. 224 - 235.

كيف واجهت المسيحية التيار الفلسفى الوثنى بخصوص الموت؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف واجهت المسيحية التيار الفلسفى الوثنى بخصوص الموت؟ [1]

كان لابد للمسيحية من مواجهة الكثير من التيارات الوثنية، وعلى وجه الخصوص الأفكار الخاصة بالموت. إذ كان الوثنيون يتطلعون إلى الموت كقضاء وقدرٍ يحل بالإنسان فيحطمه، ويهدد كل حيويته إلى النهاية.

عندما جاء السيد المسيح إلى العالم كان أغلب الأميين يتطلعون إلى الموت كأمر رهيب، ولا يعتقدون فى وجود حياة بعد الموت. فقد وُجدت على بعض المقابر نقوش، جاء فيها:

"يقدم الحظ وعوداً كثيرة، لكنه لا يحتفظ بوعد واحد منها.

عش يومك وساعتك، فإنه لا يوجد بالحقيقة شئ آخر بين أدينا! [2] ".

"افرح ما دمت حياً، فالحياة ليست إلا شيئاً قليلاً، تبدأ الآن، وتنمو بقوة تدريجياً، ثم تختفى تدريجياً[3]".

يعتقد بعض الفلاسفة الوثنيين فى الحياة بعد الموت، لكنها حياة بلا بهجة، هى أشبه بنوم أبدى ترتبط بظلمة الأرض. ولا يعتق أحد من تسليمه فى أيدى آلهة مملوءة غضباً[4]. فالموت بالنسبة لهم هو تحطيم لكل حياة، وإن اشتهاه البعض، إنما للخلاص من متاعب الحياة، لا لينعموا بحياة جديدة، وإنما ليعيشوا بلا حيوية ولا سعادة.

لقد هاجمت الفلسفات اليونانية موضوع قيامة الجسد من الأموات بطريق أو آخر. فلم يقبل أتباع أفلاطون وأفلوطين قيامة الجسد مطلقاً، فبالنسبة لهم ليست موضوع نقاش. بهذا يجعلون من البشرية نفوساً بلا أجساد، خلالها يفقد الإنسان كيانه الشخصى ووحدته، ويحتقر الجسد كأمر ردئ تريد النفس الخالدة الخلاص منه. والعجيب أن بعضهم إذ يرون أن النفس تتطهر بخلاصها من الجسد، ونسيانها للمآسى التى عاشت فيها أثناء اتحادها بالجسد، يعتقدون أنها تعود ثانية إلى مآسى جسدية. أما فرفوريوس (بروفوريوس) Prophyry، الفيلسوف اليونانى وأحد أبر ممثلى الأفلاطونية المحدثة فى القرن الثالث وبداية الرابع الميلادى فيرفض تناسخ الأرواح، أى عودة النفوس إلى أجساد أخرى لأنها بهذا ترجع إلى مآسى الجسد والحياة.

واجهت الكنيسة هذا التيار التشاؤمى كما يظهر من النقوش التى على مقابر المسيحيين الذين تلامسوا مع عربون الحياة السماوية وهم بعد على الأرض. كثيراً ما تعبّر هذه النقوش عما سيحل بالراقد من سلام وشركة فى الملكوت الأبدى المجيد. لا نجد أثراً لكلمات اللعنى والمرارة التى وُجدت على مقابر الوثنيين، بل جاء غالبيتها: "لتحيا فى الرب لتتهلل إلى الأبد..." إن عبّر البعض عن مرارة الحزن لأجل آلام الفراق فإنها قليلة للغاية.


[2] للمؤلف: آباء مدرسة إسكندرية الأولون، 1980، كوستى بندلى: إله الإلحاد المعاصر، منشورات النور، الأنبا يوأنس: السماء، 1974.Orellius: Inscriptionum Latinarum selectarum amplissima collection, Turici 1828 - 1856, 3. 6234.

[3] Cf. A. Rush: Death and Burial in Christian Antiquity, Studies in Christian Antiquity 1. Washington 1941, p. 89.

[4] Orellius, 2. 4793.

ما هى أنواع الموت؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى أنواع الموت؟

يذكر الكتاب المقدس ثلاث أنواع من الموت:

أ. الموت الجسدى الطبيعى، حيث يفقد الإنسان الحياة الحاضرة بانفصال نفسه عن الجسد.

ب. الموت الروحى، بانفصال الإنسان عن الله خالقه ومخلصه ومصدر تقديسه وتجديده وتهيئته للمجد الأبدى.

ج. الموت الأبدى، حيث يعزل الإنسان نفسه أبدياً عن الله ويُصر على ذلك، فيسقط تحت ثمرة عصيان وهو حرمانه من الأبدية. هذا هو الموت الثانى كما جاء فى سفر الرؤيا: "وطرح الموت والهاوية فى بحيرة النار" (رؤ 20: 14).

بالنسبة للموت فقد جاء ثمرة عصيان آدم وحواء، فسقطت البشرية كلها خلال الموت الجسمانى. أما أخنوخ وإيليا اللذين صعدا إلى السماء، فإنهما سيعودان عند ظهور ضد المسيح ويسندان الكنيسة ويستشهدا.


[1] Cf. Boniface Ramsey: Beginning to Read the Fathers, 1985, ch. XII.

ما هى نظرة المؤمن للموت؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى نظرة المؤمن للموت؟

إذ مات قيصريوس الابن البكر والطبيب الناجح الذى كان له حظوة لدى رجال الدولة فى القصر الإمبراطورى بالقسطنطينية ترقب أخوه الأصغر القديس غريغوريوس أسقف نزيانزا ماذا تفعل والدتهما فى هذا الحدث المؤلم. لاحظ أنها دخلت حجرتها وغابت ثم خرجت ترتدى ثياب العيد، وقد ملأت البشاشة وجهها. فقد ابتلع فرحها بانطلاق ابنها إلى السماء كل مشاعر الفراق.

المؤلمة! ولم يتعجب القديس من تصرفات والدته، فقد عرفها تماماً كشاهدة للحياة السمائية!

انطبع هذا الفكر السماوى على حياة ابنتها القديسة جورجونيا التى تطلّع إليها أخوها الأصغر منها القديس غريغوريوس النزينزى كنموذج حىّ للمسيحى الملتهب شوقاً نحو السماء، فسجل فى حديثه عنها الآتى:

[موطن جورجونيا كان أورشليم العليا (عب 12: 22 - 23)... التى يقطنها المسيح، ويشاركه المجمع وكنيسة الأبكار المكتوبين فى السماء...

كل ما استطاعت أن تنتزعه من رئيس هذا العالم أودعته فى أماكن أمينة. لم تترك شيئاً وراءها سوى جسدها. لقد فارقت كل شئ من أجل الرجاء العلوى. الثروة الوحيدة التى تركتها لأبنائها (الروحيين) هى الاقتداء بمثالها، وأن يتمتعوا بما استحقته...

هنا أتكلم عن موتها وما تميزت به وقتئذ لأوفيها حقها... اشتاقت كثيراً لوقت انحلالها، لأنها علمت بمن دعاها وفضلت أن تكون مع المسيح أكثر من أى شئ آخر على الأرض (فى 1: 23)].

هذه هى نظرة المؤمن الحقيقى للموت، إنه رحلة ممتعة نحو السماء خلال الاتحاد بالمسيح القائم من الأموات، وأما صلوات الجنازة فما هى إلا احتفال مفرح بعيد فريد!

إذ بدأت أسجل متقطفات من كتابات الآباء عن "الموت وما وراء الموت" أو "الفكر الأخروى" شعرت بعجز شديد، فقد كاد أن يحتل هذا الفكر كل كتاباتهم. يرى الآباء أبواب السماء مفتوحة تترقب بشوق مجيئهم، بل رأوا كأن السماء قد نزلت إلى قلوبهم بنزول رب السماء إلى أرضهم، ليحل وسط الناس كواحد منهم. إن كتبوا تعليقاتهم على نصوص فى الكتاب المقدس، أو دافعوا عن عقيدة إيمانية، أو سجلوا كتابات ليتورجية تعبدية، أو ألقوا عظات روحية أو بعثوا برسائل لسبب أو آخر، لا يتوقفون عن التأمل فى السماء والحديث عنها! أستطيع أن أقول بحق إنى أشعر بعجز شديد عن تسجيل فكر الكنيسة الحى فيما يخص الأمور الأخروية.

ما هو مفهوم الموت فى المسيحية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو مفهوم الموت فى المسيحية؟

الإنسان الذى يركز عينيه على أعماقه الداخلية فيرى مسيحه فى داخله، يتطلع أيضاً إلى موت الجسد فيراه عطية إلهية. يراه قنطرة عبور إلى الخلود، وتحرراً حقيقياً من الحياة الزمنية بكل متاعبها وأمراضها الروحية والجسدية. يقول القديس باسيليوس الكبير: [إن موت الأبرار صار رقاداً، بل صار هو الحياة].

ويقول القديس أنطونيوس الكبير: [الموت بالنسبة للذين يفهمونه خلود، أما بالنسبة للبلهاء الذين لا يفهمونه فهو موت. يجب علينا ألا نخاف هذا الموت، بل نخاف هلاك النفس الذى هو عدم معرفة الله. هذ هو ما يرعب النفس بحق!] كما يقول: [يستحيل علينا أن نهرب من الموت بأية وسيلة. وإذ يعرف العقلاء بحق هذا، يمارسون الفضائل ويفكرون فى حب الله، ويواجهون الموت بلا تنهيدات أو خوف أو دموع، مفكرين فى أن الموت أمر محتم من جهة، ومن جهة أخرى أنه يحررنا من الأمراض التى نخضع لها فى هذه الحياة].

هل كل ما ورد فى الكتاب المقدس يطابق ما جاء فى العلم الحديث؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل كل ما ورد فى الكتاب المقدس يطابق ما جاء فى العلم الحديث؟

نبدأ أولاً بنظرة الدين للعلم.

أ. إن بدأنا بأسفار موسى الخمسة، نلاحظ أن الحديث عن الخليقة حتى عصر موسى كان يعتمد على أساطير وتخيلات جاء فيها تصوير الآلهة أنها تتزوج من بعضها البعض، وأيضاً تحارب بعضها البعض الخ، بينما ما ورد فى سفر التكوين قُدم بصورة غاية فى البساطة كى يدركها حتى الصبى الصغير ولا تتعارض مع الحقائق العلمية خاصة وإن الأيام السبعة لا يُقصد بها 24ساعة بل فترة زمنية كما يقول القديس باسيليوس الكبير.

ب. لم يهاجم الكتاب المقدس البحث العلمى، إنما يهاجم التشامخ البشرى والاستخفاف بما وراء الزمن.

ج. يدعونا الكتاب المقدس إلى تقديس الجسد بحواسه والفكر بقدراته.

د. منذ القرن الأول حيث دخل مار مرقس الرسول الإسكندرية ووجد مدرسة الإسكندرية التى أنشأها بطليموس، ومدارس يهودية ومصرية لم يأخذ موقف معادياً منها، بل أنشأ مدرسة الإسكندرية (المسيحية) كما يقول القديس جيروم، وكان منهجها يشمل الدراسة بخصوص الفلسفات المعاصرة فى ذلك الوقت والطب والفلك والرياضيات، واللغات كاليونانية والمصرية (التى تطورت إلى القبطية)، وبالحب والتفاهم كسبت مدرسة الإسكندرية علماء من المدرسة الفلسفية وكان بعضهم يرتدى زى الفلاسفة وهم يدرسون فى المدرسة المسيحية.

ﮪ. اهتم القديس باسيليوس الكبير الذى نقل الرهبنة إلى قيصرية الجديدة بإنشاء مدارس لتعليم الصبيان والشباب ملحقة بالأديرة.

و. لم يستخفّ الكتاب المقدس من عطية العقل والعلم والأبحاث، ولكن أوضح غاية كلمة الله وهى العبور بالإنسان إلى وراء هذا العالم ليتعرّف على خالقه ويشترك مع السمائيين فى حياتهم المُطوبة.

ز. لا ننسى أن كثير من النظريات التى كنا ننظر إليها كحقائق علمية ثابتة حلّ محلها نظريات تًصححها.

ح. أغلب جامعات أوربا أنشأها رهبان اهتموا بالعلم، وإن كانت الان تفصل بين العلم والإيمان.

ط. قام البعض بعمل إحصائيات للعلماء المشهورين فى علوم مختلفة الذين أنكروا الإيمان بالله، ورجعوا إليه بأكثر غيرة وحماس فى أواخر حياتهم.

ى. يليق بنا أن ننظر إلى الإنسان ككيان واحد: الجسد والروح والنفس والعقل والعواطف، فإن كان الأطباء يبحثون فى صحة الجسد والنفسانيوس فى سلامة الجانب النفسى والعلم فى تقدم المعرفة العلمية الخ، فإننا لا نتجاهل أن جميع البشرية تواجه الموت، وعمل الإيمان تقديم ما يليق بنا أن ندركه بخصوص حياتنا بعد الموت، وعن إمكانية الإيمان والنعمة الإلهية فى التمتع بالفرح الداخلى وتحدّى كل المتاعب والضيقات ليختبر الإنسان عربون السماء.

ك. للأسف مع تأكد كل البشر أنهم لن يفلتوا من الموت، ينشغل البعض بما يخص الحياة الحاضرة ويتجاهلون وجود الحياة الأبدية الخالدة.

ل. وجود مئات من النبوات عن السيد المسيح المخلص منذ بدء الخليقة حتى لحظات تجسده، وهى متناسقة معاً، ويشهد لها المؤرخون غير المؤمنين. هذه النبوات ليست من وضع الكنيسة المسيحية لأنها لازالت فى العهد القديم الذى حفظه اليهود وتُرجم إلى لغات أخرى قبل مجئ المسيح مثل الترجمة السبعينية التى اهتم بها بطليموس فى القرن الثانى قبل الميلاد، واستخدمها الرسل للكرازة، خاصة الرسول بولس الكارز للأمم.

م. تظهر حكمة الكنيسة المسيحية منذ القرن الأول حيث قدمت كل دولة العبادة بلغتها وثقافتها وعاشت الكنيسة حتى القرن الخامس فى وحدة عجيبة، ولم تُصرّ أية دولة على أن تنادى بأن لغتها هى الوحيدة المقدسة فى العبادة المسيحية. وبروح الحب كثيراً ما تُرجمت الكتابات المسيحية إلى لغات الدول الأخرى دون أن تفقد دقتها وهدفها الروحى واللاهوتى. فبعض الكتب القبطية والعربية الخاصة بالأقباط ضاعت خلال هدم وحرق الكنائس والأديرة وحفظت باللغة الأمهرية واليونانية وغيرها من اللغات.

و. لا ينكر المؤمن أهمية تقدم العلوم، لكنها نظريات قابلة للتغير. نذكر على سبيل المثال: إنجيل يوحنا إلى فترة طويلة كان علماء دراسة الكتاب المقدس يثقون بأن هذا السفر ليس من كتابة القديس يوحنا، لأن أسلوبه يطابق ما جاء فى القرن الثانى لكن عندما اكتشفت مخطوطات نجح حمادى عام 1948 ووُجدت مخطوطات من القرن الأول تطابق أسلوب هذا السفر. وأيضاً أنكر البعض بعض الأحداث الواردة فى الكتاب المقدس مثل سفر دانيال، وجاءت اكتشافات حديثة فى علم الآثار تؤكد ما ورد فى الكتاب المقدس كحقائق تاريخية.

ماذا يعنى ما ورد فى افتتاحية السفر: “فى البدء خلق الله السماوات والأرض”؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى ما ورد فى افتتاحية السفر: "فى البدء خلق الله السماوات والأرض"؟

إن كان التعبير "فى البدء" (تك1: 1) لا يعنى زمناً معيناً، إذ لم يكن الزمن قد أوجد بعد، حيث لم تكن توجد الكواكب بنظمها الدقيقة، لكنه يعنى أن العالم المادى له بداية، وليس كما ادعى بعض الفلاسفة أنه أزلى، يشارك الله أزليته. هذا ما أكده القديس باسيليوس فى كتابه "الهكساميرون" أى "ستة أيام الخليقة"، إذ يقول إن تعبير "فى البدء" لا يعنى زمناً وإلا كان للبدء بداية ونهاية، وهكذا تكون لهذه البداية بداية وندخل فى سلسلة لانهائية من البدايات، لكن "البدء" هنا يعنى حركة أولى لا كما زمنياً، وذلك كالقول: "بدء الحكمة مخافة الله" (أم9: 10) [387]. كما يقول: [لا تظن يا إنسان أن العالم المنظور بلا بداية لمجرد أن الأجسام السماوية تتحرك فى فلك دائرى ويصعب على حواسنا تحديد نقطة البداية، أى متى تبدأ الحركة الدائرية، فتظن أنها بطبيعتها بلا بداية[388]]. ويقول: [الذى بدأ بزمن ينتهى أيضاً فى زمن[389]]. هذا لا يعنى وجود زمن فى بداية الحركة للعمل، إنما يؤكد انتزاع فكرة الأزلية، فمع عدم وجود زمن لكنه وجدت بداية قبلها إذ كان العالم عدماً. وقد جاء العلم يؤكد عدم أزلية المادة[390].

ويأخذ كثير من الآباء بجانب هذا التفسير الحرفى أو التاريخى "فى البدء" التفسير الرمزى أو الروحى، فيرون أنه يعنى "فى المسيح يسوع" أو "فى كلمة الله" خُلقت السماوات والأرض، وفيما يلى بعض كلمات الآباء فى هذا الشأن:

يقول القديس أغسطينوس: [الابن نفسه هو البدء. فعندما سأله اليهود: من انت؟ أجابهم: "أنا من البدء" (يو8: 25). هكذا فى البدء خلق الله السماوات والأرض[391]].

يقول العلامة أوريجينوس: [من هو بدء كل شئ إلا ربنا ومخلص جميع الناس (1تى4: 10) يسوع المسيح، "بكر كل خليقة" (كو1: 15)؟ ففى هذا البدء، أى فى كلمته "خلق الله السماوات والأرض"، وكما يقول الإنجيلى يوحنا فى بداية إنجيله: "فى البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله، هذا كان فى البدء عند الله، كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان" (يو1: 1 - 3). فالكتاب لا يتحدث عن بداية زمنية، إنما عن هذ البداية التى هى المخلص، إذ به صُنعت السماوات والأرض[392]].

يقول القديس ديديموس الضرير: [يفكر البعض أن "البدء" هو زمن، لكن من يتعمق فى كلمة "البد" يجد أنها لا تحمل معنى واحداً بل أكثر من معنى. فأحياناً تعنى العلة، فيكون المعنى هنا أن السماوات والأرض متواجدة فى العلة... بالحقيقة كل شئ صنعها الكلمة، ففى المسيح يسوع خُلق كل ما على الأرض وما فى السماء، الأمور المنظورة وغير المنظورة[393]].

فى اختصار نقول إن الله خلق العالم فى بداية مُعينة ولم يكن العالم شريكاً معه فى الأزلية، ومن جانب آخر فإن كلمة الله هو البدء الذى بلا بداية خالق الكل!


[387] Hexaemeron 6: 1.

[388] Ibid 3: 1.

[389] Ibid.

[390] - راجع د فوزى إلياس: ستة أيام الخليقة ص 11: 14.

[391] PI 821: 46.

[392] In Gen. Hom 1: 1.

[393] In Gen, hom 1.

هل توقف عمل الله من أجل الإنسان بعد أيام الخليقة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل توقف عمل الله من أجل الإنسان بعد أيام الخليقة؟

إن كان سفر التكوين يُقدم لنا فصلاً مختصراً للغاية عن عمل الله فى بدء الخليقة، فإن الله الذى كان يعمل ليقدم لنا العالم لخدمتنا، يبقى عاملاً خلاقاً فى حياتنا بلا انقطاع. فما سبق ففعله لا يتوقف، إذ يبقى الله نفسه يعمل فى حياة الإنسان ليجعل من أعماقه سماء جديدة وأرضاً جديدة يسكنها البرّ. وفى هذا يقول السيد المسيح: "أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو5: 17). لهذا ففى تفسيرنا هذا نود أن نتلمس عمل الله المستمر فى حياتنا الداخلية ليخلق فينا بلا انقطاع مُجدداً أعماقنا.

لماذا يعترض البعض على ما ورد فى سفر التكوين بخصوص خلق الإنسان الأول؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا يعترض البعض على ما ورد فى سفر التكوين بخصوص خلق الإنسان الأول؟

يقولون: قد أثبت الحفريات بطريقة قاطعة وجود عظام إنسان منذ أكثر من مليون سنة كما وجدت نقوش قديمة عن أيام آدم... فبماذا نُعلل هذا؟

أولاً: بحسبة رياضية بسيطة نجد أن سكان العالم حالياً لا يمكن أن يكون ثمر أكثر من 6000 عاماً بافتراض أن كل عائلة تنجب حوالى 3 أطفال، هذا مع خصم نسبة مرتفعة من الموتى بسبب الموت الطبيعى والكوارث الطبيعية والحروب... لو أن تاريخ الإنسان يرجع إلى مليون سنة، فإن الإنسان الواحد فى مليون سنة ينجب نسلاً لا تكفى آلاف مضاعفة من مساحة الأرض لوجودهم.

ثانياً: إن كل حقبة زمنية يمكن أن تكون عدة ملايين من السنوات، فغالباً ما تكون هذه العظام لحيوانات ثديية حملت شكل الإنسان ولها أيضاً قدرات، لكن ليس لها النسمة التى من فم الله التى تميز بها آدم وحواء. هذه الكائنات لا تحسب بشراً حتى إن حملت شيئاً من التشابه.

ماذا تعنى كلمة “يوم” فى الأصحاح الأول من سفر التكوين؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا تعنى كلمة "يوم" فى الأصحاح الأول من سفر التكوين؟

إنها لا تعنى فترة زمنية قياسية مدتها 24ساعة، إنما تعنى حقبة زمنية قد تطول إلى ملايين السنوات، فالشمس والقمر وبقية الكواكب لم تكن بعد قد خُلقت حتى الحقبة الزمنية الرابعة، وبالتالى لم يكن يوجد من قبل زمن مثل الذى نخضع له الآن، كما لم يكن للعالم نهار وليل بالمعنى المادى الملموس. هذا ما أكده كثير من الآباء منهم القديس جيروم[386]. وحتى بعد الخليقة كثيراً ما يتحدث الكتاب المقدس عن "اليوم" بمفهوم أوسع من اليوم الزمنى، من ذلك قول المرتل: "لأن يوماً واحداً فى ديارك خير من ألف" (مز84: 10؛ راجع مز90: 4؛ 2بط3: 8).

لقد جاءت كلمة "يوم" فى الكتاب المقدس بمفاهيم كثيرة، فأحياناً يقصد بها الأزل حيث لا توجد بداية، كقول الآب للابن: "أنت ابنى وأنا اليوم ولدتك" (مز2: 7؛ أع13: 32؛ عب1: 5)، كما قيل عن الله: "القديم الأيام" (دا7: 9) بمعنى الأزلى. وجاء عن "اليوم" بمعنى الأبدية التى فوق الزمن كالقول: "يوم الرب" (أع2: 20)، أى مجيئه الأخير حيث ينتهى الزمن، كما قيل عن السيد المسيح: "ربنا يسوع المسيح له المجد الآن وإلى يوم الدهر" (2بط3: 18).


[386] Hom 1.