كيف نتغلب على آلام الفراق؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف نتغلب على آلام الفراق؟

يقدم لنا القديس أمبروسيوس صورة رائعة عملية للتغلب على آلام الفراق. فقد كان له أخر أصغر منه يُدعى ساتيروس Satyrus، كان محامياً مثله يحملان فكراً واحداً. فالاثنان كانا محاميين ناجحين، وعندما سيم أمبروسيوس أسقفاً على ميلان للحال أغلق ساتيروس مكتبه وطلب أن يتسلم مكتب أمبروسيوس لكى يتفرغ أمبروسيوس للخدمة. بعد سنوات قليلة فى 17 أكتوبر عام 379 م أصيب ساتيروس بمرض خطير. تأثر أمبروسيوس بموت أخيه المحبوب جداً لديه كما لدى الشعب. فسجل كتابين أحدهما بمناسبة جنازة أخيه والثانى بعد أسبوع من الوفاة، أعلن فى الكتابين فى صراحة كاملة عن مشاعره، وفى نفس الوقت كشف لنا كيف تغلب على آلام الفراق.

اقتطفت هنا بعض عباراته التى تكشف عن سرّ عزائه فى موت أخيه وما وراءها:

أ. إعطاء الأولوية لرسالته الإنجيلية فى العالم: فى صراحة كاملة تحدث القديس مع شعبه أنه كان يحب أخاه حتى حسبه جزءاً منه، وبموته مبكراً شعر كمن فقد شيئاً ثميناً، ولكنه حسب أن رسالته أن يشهد لمسيحه مخلّص العالم لها الأولية على مشاعره الخاصة نحو أخيه الراقد. كما فى أثناء جنازة أخيه حوّل حديثه عن محبته لأخيه إلى الحديث عما فيه بنيان ملكوت الله، مشتاقاً أن يموت هو ويحيا شعب الله. لم تستطع محبته لأخيه وشعوره بمرارة آلام الفراق أن تشغله عن محبته للشعب.

[ليس شئ من الأمور الأرضية يا إخوتى الأعزاء أحسبها ثمينة للغاية، وأفضلها عن الحب. ليس شئ عزيز علىّ مثل أخ كهذا، لكن الأمور العامة (التى تخص الجماعة) تتقدم أمام أمورى الخاصة.

يليق بكل أحد أن يتحق ما هى مشاعره مفضلاً أن يُذبح من أجل الآخرين عن أن يعيش لنفسه. لأن المسيح مات حسب الجسد من أجل الجميع، لكى نتعلم ألا نعيش لأجل أنفسنا وحدنا[26]].

ب. شكره لله الذى وهبه أخاه الأصغر قرضاً واسترده منه. فعوض الحزن على موت أخيه، يشكر الله الذى أعطاه هذا الأخ المبارك، يشاركه أفكاره فى الحياة مع الربّ وخدمة شعب الله.

[يليق بى ألا أكون جاحداً لله. إنما أفرح أنه كان لى أخ كهذا عوض أن أحزن على فقدانه. فإن الأول كان هدية من الله (إذ أعطانى هذا الأخ) والثانى (أنه مات). فيلزمنى أن ارد لله ما اقترضته منه... إنه من الخطا أن ترفض، ما اقترضته، ومن التقوى أن ترفض التضحية (أى موت الأحباء) [27]].

ج. ارتفاع فكره من النظر إلى الوراء، ما قدمه أخوه ساتيروس من محبة شديدة وإغلاقه مكتبه ليدير مكتب أخاه وسماته الفائقة من محبة ووداعة وحب لخدمة الآخرين. إنما بالأحرى ينظره وهو فى الفردوس لم يعد أخاً للقديس الذى لم يعد يرتبط فقط بأسرته، بل صارت كل البشرية أسرته وإخوته، يحب الجميع ويصلى لأجلهم.

شعر القديس أمبروسيوس أن عبور أخيه إلى الفردوس هوعبور إلى ما هو أفضل فى كيانه هناك، بهذا حسب أمبروسيوس أنه بالفعل دخل الفردوس، يا لها من مشاعر حب رائعة لدى أمبروسيوس نحو أخيه! يعتبر القديس أمبروسيوس رحيل أخيه إلى الفردوس جعله أكثر التصاقاً به، لأن الفردوس هو الميراث المشترك للاثنين.

[كيف يلزمنى أن أبكيك أيها الأخ الكلىّ المحبة، يا من أنتزعت هكذا منى كى تصير أخاً للجميع؟!

إننى لم أخسر شيئاً، إنما تغيرت علاقتى بك. قبلاً كنا منفصلين عن بعضنا بالجسد، والآن نحن لسنا منفصلين فى الحنو، فإنك تبقى معى وستبقى إلى الأبد معى. بالحق حين كنت تعيش معى لم تزلك بلدنا عنى، وأنت أيضاً لم تكن تفضل بلدنا (أى شعب الكنيسة) عنى، والآن بالتأكيد صرت فى بلد أخرىن فلا أكون غريباً هناك حيث نصيبى الأفضل هناك بالفعل[28]].

د. التطلع إلى محبة إخوته له فى الضيق: يتحدث القديس أمبروسيوس مع شعبه كإخوة له مملوئين حباً وحنواً. فيقول: [بالحقيقة الامتنان عميق نحوكم أيها الإخوة الأعزاء، أيها الشعب المقدس، أنكم تقدرون حزنى. إنه ليس إلا حزنكم، فتحسبون هذه الفاجعة كما لو حلت بكم، فقدتم لى دموع المدينة كلها من كل الأعمار، والأمنيات طيبة من كل الطبقات الاجتماعية بمودة غير طبيعية. هذا ليس بحزن مع تعاطف خاص، وإنما هو خدمة وتقدمة صالحة من العامة.. حقاً كنت أود أن يعيش أخى لكن الحنو العام المزدهر مبهج جداً، وفى الوقت الضيق مُستحب جداً[29]].

ﮪ. تقديره لدموع الباكين: إذ رأى القديس أمبروسيوس دموع المدينة كلها على أخيه تذكر دموع الأرامل على طابيثا، فصلى بطرس وطلب منها ان تقوم، فقامت وجلست (أع 9: 40). أما ساتيروس الذى خدم المدينة فبكت عليه، لكن ساتيروس رقد لا ليقوم فى العالم بل ليتمتع بالقيامة فى يوم الرب العظيم. [هذا الذى مات لا يجلس بعد على النعش، إذ يجد راحته فى المسيح، وإن كان لا يتحدث معنا، فهو يفرح إذ يرى الأمور التى أعلى منا[30]].

و. خطف أخوه وهو صغير السن كى لا يتعرض فهمه للفساد: [ "إنه لا يحتاج أن يقوم إلى حين، ذاك الذى ينتظر القيامة الأبدية. فإنه لماذا يرجع إلى هذه الحالة البائسة والتعسة من الفساد، ويعود إلى الحياة الحزينة...؟ [31]].

تحدث بعض الآباء عن انتقال بعض الأبرار فى سن مبكر، فيقول الشهيد كبريانوس: [هذا كان مسراً فى عينىّ الله أن أخنوخ قد تأهل أن ينطلق من سم هذا العالم. لكن يعلمنا الروح القدس أيضاً خلال سليمان أن يسرون الله يؤخذون من هنا فى سن مبكر، ويتحررون سريعاً، لئلا خلال بقائهم لزمن طويل فى هذا العالم يفسدون بواسطة التعامل مع العالم[32]]. ويقول القديس أمبروسيوس: [إن كان لا يحزن أحد على أخنوخ الذى انتقل (تك 5: 24) حينما كان العالم فى سلام، ولم تكن الحروب قد اشتغلت، وإنما بالحرى يهنئه، كما يقول الكتاب عنه: "خُطف لكى لا يُفسد الشر فهمه" (حك 4: 11)، فكم بالأكثر يمكن أن يُقال هذا بأكثر تبرير حيث كثرت مخاطر العالم للحياة غير المستقرة؟ لقد خُطف لكى لا يسقط فى أيدى البرابرة، لقد أخذ لكى لا يرى دمار الأرض كلها، ونهاية العالم، ودفن أقربائه، وموت زملائه المواطنين، وفوق كل هذا وأكثرهم مرارة من أى موت، لئلا يرى العذارى والأرامل القديسات يُفسدن[33]].

س. يتطلع إلى موت أخيه ليس فقداناً للحياة بل خلاصاً من الخوف من المتاعب التى تهدده: يوجه القديس أمبرسيوس حديثه إلى أخيه الذى انتقل، قائلاً: "هكذا إذن يا أخى أحسبك سعيداً فى كل من جمال حياتك وفى ملائكة موتك. فإنك قد خُطفت ليس منا بل من المخاطر، إنك لم تفقد الحياة بل هربت من الخوف من المتاعب التى تهددك[34]].

ح. أخيراً، إذ يوجه حديث لأخيه الراحل يقول له إنه لا يعود إليه، إنما هو (أمبروسيوس) ذاهب إليه. لقد عاشا فى شركة معاً فى أمور كثيرة وسيتمتع بالشركة معه على مستوى أبدى[35].

بعدما تحدث سفر الرؤيا فى أسلوب رمزى عن حال الكنيسة خلال جهادها على الأرض إلى يوم لقائها بربنا يسوع عريسها بدأ يحدثنا عن بيت الزوجية السماوى، اى الملكوت الأبدى، المُعد لنا منذ تأسيس العالم. هذا الملكوت ليس غريباً عن المؤمن الحقيقى، بل هو امتداد لما يتمتع به هنا على الأرض عربوناً للسماء، وما يحيا به فى الفردوس لحظة انتقاله. لهذا بدأ السفر يتحدث فى الأصحاح الحادى والعشرين عن الملكوت الذى نعيشه هنا، والسلطان الذى لنا على إبليس وجنوده، كبداية لامتداد أبدى ولقاء سماوى مع أبينا السماوى وجهاً لوجه.


[26] Book 1 on the Decease of His Brother, 2.

[27] Ibid Book 2: 1.

[28] Ibid 6: 1.

[29] Ibid 28: 1.

[30] Ibid 29: 1.

[31] Ibid 30: 1.

[32] On Mortality, 23.

[33] Of the Decease of Satyrus, Book 30: 1.

[34] Ibid 31: 1.

[35] Ibid 79: 1.

هل نتجاهل آلام الفراق المقدسة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل نتجاهل آلام الفراق المقدسة؟

آلام الفراق أمر طبيعى، يعيشها الإنسان الذى وهبه الله الأحاسيس والمشاعر ليمارسها... فقد تألمت مريم ومرثا لانتقال أخيهما (يو 11: 19). وإذ رآهما السيد المسيح متألمين بكى (يو 11: 35)، مشاركاً إياهما آلامهما!

وجاءت العظة التى ألقاها القديس أمبروسيوس فى جنازة أخيه الأصغر ساتريوس Satyrus تكشف عن مشاعر القديس المرهفة نحو أخيه المحبوب لديه جداً.

[أقدم هذه العظة لكى أرافقه، فأكون معه بالروح فى رحلته إلى مدة أطول قليلاً، ولكى احتضنه بعقلى هذا الذى تراه عيناى. لأثبت نظرى بعمق عليه، أودعه ببطء وأظهر له ما فى القلب. لأخاطبه بكل شكل من الأشكال التى تُظهر معزتى له.

توقف ذهنى عن التفكير، لست أظن إنى قادر أن أفكر بأن ذاك الذى لازلت قادراً على رؤيته أمامى قد رحل. لا أستطيع أن أتيقن أنه مات، فإنى لازلت محتاجاً إلى خدماته التى أنسب إليها حياتى ونسماتى... إنى محتاج أن أهدئ من حزنى، لا أن أنتزع مشاعر عواطفى، فتشبع اشتياقاتى لا أن اسكنها لتنام[18]].

عاد بعد أسبوع من موت أخيه يعظ، فيبدأ كلماته بصورة مختلفة تماماً عنها فى يوم الجنازة، إذ يقول: [لقد حجمت اشتياقاى، لئلا وأنا أطلب أدوية قوية لجرحى الملتهب أزيده التهاباً عوض تهدئة آلامه[19]].

سجل لنا أيضاً القديس أغسطينوس مشاعره الفياضة يوم انتقال والدته القديسة مونيكا فقال فى اعترافاته:

[أغمضت عينيها فتملكنى حزن شديد، كاد يتحول إلى دموع لو لم تمتصها عيناى، بأمر صادر من إرادتى، من ينبوعها حتى كادت تجففها. أواه!...

رأينا أنه من المناسب أن نحتفل بهذا المأتم بلا صراخ ولا نواح ولا بكاء، لا كمن يبكون على موتاهم كأنهم ذاهبون إلى الفناء التام، لأن موت أمى لا يدعو إلى الحسرة، ولأنه ليس موتاً كاملاً... لم أذرف دمعة حتى ولا خلال الصلوات، لكننى طوال نهارى كنت أشعر فى داخلى بثقل الحزن على[20]].

وكتب القديس جيروم إلى باولا Paula سائلاً إياها ألا تفرط فى الحزن بسبب وفاة بلاسيللا Blaesilla، يقول: [بالتأكيد الآن إذ نؤمن بالمسيح ونحمله فى داخلنا، فبسبب زيت مسحته التى قبلناها (1 يو 2: 27) يليق بنا ألا نفارق هيكله، أى عملنا المسيحى، ولا نرتبك كالأمم غير المؤمنين، بل نبقى على الدوام فى الداخل كخدام مطيعين لإرادة الرب[21]].

ولعل من أجمل ما قدمته القديس ماكرينا لأخيها القديس غريغوريوس أسقف نيصص قبيل نياحتها هو الحياة المتهللة السماوية كسمة الإنسان الروحى. فى حديثهما معاً تذكرا أخاهما القديس باسيليوس الكبير الذى تنيح منذ سنوات، فتأثر القديس غريغوريوس جداً وانسابت دموعه، أما هى فلم تشعر بانهيار أمام حزنه، بل حولت الحديث عن أخيهما إلى الحديث عن الحكمة السماوية... رفعت قلب أخيها الأسقف من الذكريات إلى الالتهاب بالحياة العلوية. تمالكت نفسها وهى هزيلة الجسد لتقول له إنه لا يليق أن نحزن على الراقدين كمن لا رجاء لهم. كانت تخفى تنهداتها وكل ما تعانيه من ضيق فى التنفس لتبرز الجانب المضئ المفرح. وكانت تتحدث معه وتجيب على أسئلته. وكما قال: [لقد بدت نفسى وكأنها قد ارتفعت تماماً من جوها البشرى بما قالته وتحت تأثير حديثها، ووقفت فى المقادس السماوية].

كتب القديس غريغوريوس مقالاً يحوى حديثه معها، جاء فى مقدمته:

[باسيليوس العظيم بين القديسين قد رحل إلى الله من هذا العالم. لقد حزنت عليه كل الكنائس! كانت أخته "المعلمة" لا تزال حية، وقد سافرت إليها، لكى نتبادل التعزية من أجل فقدان أخيها.

كانت نفسى بحق مضروبة بالحزن، وذلك بتلك الصفعة المؤلمة، فبحثت عن شخص يمكن أن يحمل ذات مشاعرى على قدم المساواة، حتى يمزج دموعه بدموعى.

إذ كنا معاً فى الحضرة ألهبت رؤيتى للمعلمة كل آلامى، إذ كانت راقدة منبطحة حتى الموت... لقد حاولت أن تصلح من أمرى بالحديث معى، وأن تصحح بلجام (شكيمة) براهينها ما أصاب نفسى من تشويش. لقد اقتبست كلمات الرسول إنه لا يليق بنا أن نحزن على الراقدين (1 تس 4: 13)، فإن هذه هى المشاعر من لا رجاء لهم. وبقلب يعتصر ألم سألتها: "كيف يمكن للبشر أن ينفذوا ذلك؟ [22]].

والكنيسة كأم حنون تشارك المتألمين مشاعرهم، فشترك الكهنة والشمامسة والشعب مع أسرة الراقد فى الآلام، معبرين عن ذلك بنغمات الحزن التى يترنمون بها فى صلوات الجنّاز... لكنها نغمات تبعث مع الحزن عزاء ورجاء. وكما يقول الرسول: "ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة الراقدين، لكى لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم. لأنهم إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام، فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضاً معه" (1 تس 4: 13 - 14).

وفى عام 374 م، يبدو أن أمفليكوس Amphilochios لام ابن عمه القديس غريغوريوس أسقف نزينزا لأنه لم يتفاعل معه فى مشاعره عندما مات ابنه، فكتب إليه القديس وهو أصغر منه فى السن:

[إنك تحزن! أنت تبكى! بالنسبة لى، فيُفترض أنى مبتهج! كما ترى إننى كمن فى عيد، وأنا أفتخر بهذا.

أتحزن من أجل ابنك الذى أخذ منك واعطى كرامات يستحقها؟

إنك متأسف لأنه لم يعد بعد يهتم بك فى شيخوختك، ويرد لك كما يليق بما فعلته معه من أمور صالحة.

ماذا بالنسبة لى؟ ألم أحزن إذ تركنى والدى فى رحلته الأخيرة، فلا يعود يرجع ولا يُظهر ذاته لنا؟

مع هذا فأنا لا أنتقدك، ولا أطلب منك ذات التعزية التى لنا، فإننا نعرف أن الشعور بالألم بسبب موت الأحباء لا يترك مجالاً للاهتمام بمتاعب الآخرين...

إنك تتهمنى – كما فهمت – أننا لا نبالى بابنك الذى هو بالحق "أخى"، أو أننا قد خناه، وهذا أمر مؤلم! أتظن أننا لا نشعر بكل ما لحق بك وبأصدقائه وأقاربه أنه خسارة؟ ماذا يالنسبة لى؟ إننى خسرت أكثر من الكل، هو وحده كان سنداً لى، كان مرشدى، ورفيقى فى ممارسة التقوى...

بسبب حزنى القديم كنت عاجزاً عن الحضور إليك مرة أخرى، وذلك بسبب حزنى والتزامى نحو والدى، الذى يستحق الإكرام، فإنه ليس شئ يفوق هذا...

لتلقِ هذا الحزن جانباً الذى يبدو لى أنه ليس بلائقٍ[23]].

يظهر اهتمام المسيحيين بالمشاعر المقدسة نحو فراق الأحباء من الرسالة التى كتبها القديس غريغوريوس أسقف نزينزا إلى القديس غريغوريوس أسقف نيصص ليعزيه فى ثيؤسيبيا التى تبدو أنها كانت زوجته (قبل سيامته وعاشا بعد كأخين)، وإن كان البعض يرى إنها مجرد شماسة، عُرفت بفكرها الراجح وكانت محبوبة جداً[24].

[إنى معجب من ثباتك والفلسفة التى أظهرتها – كما سمعت – عند عبور أختك الطوباوية القديسة.

كان سلوكك هو سلوك رجل صالح وقائد تقى، له معرفة بالإلهيات والأمور البشرية أكثر من غيره. إنك إنسان يتطلع إلى ما هو محزن للغاية بالنسبة لغيره إو وجدوا فى مثل هذه الظروف، على أنها أمور محتملة.

لقد تركتها تذهب إلى القبر وتوضع فى أماكن الراحة كسنبلة قمح تُجمع فى الوقت اللائق (أى 5: 26)، بعدما شاركت فى سحر الحياة وهربت من اللحظات، فإن مدة حياتها مُقاسة تماماً، إذ رحلت قبل أن تحزن على موتك، فنالت كرامات فى جنازتها تليق بالقديسين.

كما تعرف، أود أنا أن أترك هذه الحياة، وإن كان ليس فى ذات العمر مثلك، إذ أريد لك عمراً أطول، إنما على الأقل ان أكون باراً مثلك!

ما هى مشاعرنا نحو ناموس الله الذى وُضع منذ القدم والذى تحقق الآن فى "ثيؤسيبياى" my Theosebia، ادعوها: "لى my" لأنها عاشت فى الله، فى قرابة روحية تفوق قرابة الدم.

ثيؤسيبيا هى مجد الكنيسة، لؤلؤة المسيح، فخر جيلنا، كرامة النساء.

ثيؤسيبيا أعظم مجداً وشهرة بين إخوتها الرائعين.

ثيؤسيبيا هى قديسة وزوجة كاهن، تكرم بالمساواة وتستحق أسراراً فائقة.

ثيؤسيبيا سيقتنيها الجيل القادم ويضعها فى سجل الخالدين، وفى قلوب كل من يعرفها ومن سيأتى بعد.

لا تعجب إن كنت أكرر اسمها، فإنى أجد لذة فى تذكر هذه الطوباوية[25]].


[18] De excessmfrat. 1.

[19] De excess frat. 1: 2.

[20] Confession, Book 12: 9: 29, 33.

[21] Ep 4: 39.

[22] Dialogus de anima et resurrectione qui inscribtur Macrinia.

[23] Letter 63 to Amphilochioc, the Elder, his consin.

[24] - للمؤلف: القديس غريغوريوس أسقفنيصص 1993، ص12.

[25] Letter 197.

من يحمل النفس بعد انفصالها عن الجسد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

من يحمل النفس بعد انفصالها عن الجسد؟

فى مثل لعازر المسكين والغنى، إذ مات لعازر جاءت ملائكة أبرار وحملوا نفسه إلى حضن إبراهيم (لو 16: 22). ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم إن نفوس الأشرار عند موتهم يُحملون بواسطة ملائكة أشرار.

جاء فى العظة 22 للقديس مقاريوس أن مجموعة من الشياطين وقوات الظلمة تأخذ نفس الشرير.

أشار القديس كيرلس الإسكندرى إلى أن النفس عندما ترحل: "يحملها ملائكة قديسون، ويعبروا فى الهواء، فتصعد إلى فوق"... يقود الملائكة القديسون النفس ويقدمون ما فعلته النفس من صلاح[17].


[17] St. Cyril of Alexandria: Homily 14 on the Departure of the Soul and the Second Coming.

هل من مجال للتوبة بعد الموت؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل من مجال للتوبة بعد الموت؟

كيف يمكن للنفس التى فى الجحيم أن تمارس التوبة، وقد انفصلت عن الجسد، ولا يوجد مجال لإعلان الحياة لله والناس. فى العالم يشترك الجسد مع النفس فى الإيمان، والسلوك فى الربّ، ويكافأ الاثنان معاً إما بالدخول فى السماء أو بالحرمان من رؤية الله.

لماذا لم يبطل الرب موت الجسد عن مؤمنيه فى هذا العالم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا لم يبطل الرب موت الجسد عن مؤمنيه فى هذا العالم؟

قد يسأل أحدهم: لماذا لم يبطل الرب عن مؤمنيه موت الجسد هنا، فلا يعمل الموت فيهم بعدما قاموا من الموت بموت الرب وقيامته، فيعيشون إلى الأبد دون أن تنفصل نفوسهم عن أجسادهم؟

أولاً: لكيلا يرتبط قلبنا الأرض. لم يسمح الله لنا أن نبقى هنا فى الجسد إلى الأبد، لئلا تتركز أنظارنا فى الأرضيات، ولا يرتفع رجاؤنا إلى الأبديات، فإنه "إن كان لنا فى هذه الحياة فقط رجاء فى المسيح، فإننا أشقى جميع الناس" (1 كو 15: 19). فالرب ارتفع إلى السماء حتى تشخص أنظارنا إلى فوق، وتنتظر اللقاء مع الله شخصياً من أجل الله ذاته وبه وفيه، ويكون هو الكل فى الكل.

ثانياً: لكى تظهر الحرية فى اختيارنا للإيمان. يقول القديس مقاريوس الكبير: [لو كان جسد الإنسان غير قابل للموت وغير مائل للفساد، لكان أهل العالم كله عندما يرون هذا الأمر الفائق الظن، أى أن أجساد المسيحيين لا تفسد، عندئذ ينجذبون إلى فعل ما هو خير بالضرورة لا باختيار منهم، ولكن المُراد أن تظهر الحرية التى منحها الله للإنسان منذ البدء... وتظل ثابتة. لهذا نظمت الأمور بتدبير مخصوص وتقرر انحلال الجسد، لكى يميل الإنسان إلى الخير أو الشر بإرادة منه].

ثالثاً: لكيلا نهتم بموت الجسد بل بموت الروح. يقول القديس أمبروسيوس [قال الرب عن يوحنا البشير: "إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجئ" (يو 21: 22). نحن لا نعتقد أن المقصود هنا يوحنا وحده، بل هى دعوة موجهة عامة لكثيرين. فالرب لم يستبعد موت الجسد بل موت الروح. لأنه يوجد أموات يعيشون، ويوجد أحياء قد ماتوا! مثال ذلك تلك المرأة المتنعمة التى قد ماتت وهى حية (1 تى 5: 6). وكما هو مكتوب: "ليبغتهم الموت لينحدروا إلى الهاوية أحياء" (مز 55: 15). فإنه يوجد من ينزلوا الهاوية أحياء، إذ بالخطية ينزلون إلى الهاوية ويقيمون فى مكان الموت. بالأحرى أحياء هم أولئك الذين لم تنته حياتهم عند موت الجسد، مثل إبراهيم واسحق ويعقوب، الذين نعرف أنهم أحياء بحسب سلطان الكلمة الإلهية، إذ أن الله: "إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، ليس إله أموات بل إله أحياء" (مت 22: 32)].

رابعاً: ربنا يسوع لم يغشنا. يقول الشهيد كبريانوس: [من يحارب (روحياً) من أجل الله، يلزمه أن يعرف أنه قد وُضع فى معسكر قاسٍ، على رجاء نوال جزاء سماوى، فلا يرتعب من عواصف العالم وأعاصيره، ولا يهتز منها، لأن الرب سبق أن أنبأنا عن كل ما سيحدث لنا. لقد سبق فأخبرنا عن حدوث حروب ومجاعات وزلازل وأوبئة فى كل مكان. وبحديثه هذا أوصى كنيسته وعلمها وهيأها وشددها لتحتمل كل ما سيأتى. لقد سبق فأنذرنا بأن الكارثة تتزايد شيئاً فشيئاً فى أواخر الزمان، وذلك لكيلا نهتز من مخاطر مميتة غير متوقعة. انظروا، فإن ما أنبأنا عنه يحدث. وإذ يحدث إنما يتبعه أيضاً ما قد وعدنا به قائلاً: "هكذا أنتم أيضاً متى رأيتم هذه الأشياء صائرة، فاعلموا أن ملكوت الله قريب" (لو 21: 31). هوذا ملكوت الله أيها الإخوة الأعزاء يقترب! [15]].

خامساً: لإعادة تشكيله من جديد بلا خطية. للقديس غريغوريوس أسقف نيصص رأى خاص بأن الموت ضرورى لكى يقود الجسد فيتشكل من جديد كأصله القديم دون أن يمتزج بالخطية التى ارتبطت به أثناء حياتنا على الأرض. يشبه جسد الإنسان بإناء خزفى تسلل السم فى مادته لذا يحتاج إلى إعادة عجنه ونزع كل أثر للسم منه، وترجع ذات المادة من جديد للتشكل بدون السم الذى تسلل إليها. هذا كله من قبيل محبة الله للإنسان هنا فى العالم بدم السيد المسيح، يتقدس بكامله، لكن يبقى صراع الجسد مع الخطية قائماً، لذا فنحن فى حاجة إلى إعاده تشكيله تماماً لتحمله من جديد فى استحقاقات الدم الثمين.

سادساً: غير الرب مفهوم الموت. إذ قبل مسيحنا الموت بإرادته لأجل خلاص العالم، غير مفهوم الموت، فلم يعد عقوبة يرتعب أمامها المؤمن، وإنما صار علامة حب يشتهيها المؤمن. يقبل الموت من أجل الله ومن أجل خلاص إخوته وبنيان نفسه، فيمارسه كل يوم كشركة مع المسيح المصلوب، وعربون حىّ للأبدية. يقول القديس يوحنا كاسيان، ليس فى خوف ورعب بل بروح الرجاء وترقب للأبدية، يتطلع المؤمن فى الممارسة اليومية للموت إلى حياته لا بنظرة سوداوية، بل بعينى الروح، فيرى مع كل نسمة يتمتع بالتجديد الروحى المستمر، حتى يبدو كأن جسده ينتقل من الجسد إلى الروح تدريجياً، مشتاقاً أن يرى اليوم الأخير، حيث يحمل عوض الجسد الترابى جسداً روحانياً (1 كو 15: 44). ينعم مع كل ممارسة للإماتة اليومية ليس فى بلادة وجمود بل بمعرفة روحية نامية، حتى ينتقل إلى كمال المعرفة حين يرى الله وجهاً لوجه[16]].


[15] Treatise 7 On the Mortality, 2.

[16] St. Cassian: Institutions, 41: 5.

كيف لا نخاف الموت؟!

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف لا نخاف الموت؟!

يقول القديس أمبروسيوس: [إن كنا نريد ألا نهاب الموت، فلنقف حيث يوجد المسيح، حتى يقول عنا: "حقاً أقول لكم إن من القيام ههنا قوم لا يذوقون الموت" (لو 9: 27). الذين بلغوا حقيقة إلى الشركة مع المسيح لن يعرفوا الموت. إنهم بلا شك يذوقون موت الجسد، ويتعرضون له، لكن تبقى حياة الروح]. كما يقول: [ينبغى علنيا ألا نصم آذاننا، بل أن نفتحها حتى نسمع صوت يسوع. فمن يسمع هذا الصوت لن يخشى الموت].

ويقول القديس أنبا أنطونيوس: [يجب علينا ألا نخاف هذا الموت، بل نخاف هلاك النفس الذى هو عدم معرفة الله. هذا هو ما يرعب النفس بحق!].

ويقول القديس يوحنا سابا: [هذا هو رجائى وشوقى إلى الرب: أن أكون فى تلك الساعة بلا معين من الناس، ولا من يغمض عينىّ غير الله. إذ أكون مُلقى على وجهى بالتأمل فيه. هذا أحب إلىّ من كل شئ!] وأيضاً يقول الأب أفراهات: [الذين يعيشون فى الملذات يهابون الموت، أما الحزانى فيترجونه لكى يرحلوا سريعاً].

بماذا يليق بنا أن نفكر فى لحظات خروجنا من العالم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

بماذا يليق بنا أن نفكر فى لحظات خروجنا من العالم؟

فى وسط الآلام لم تفكر الشهيدة جوليا فى نفسه، بل فى خلاص مضطهديها، مصلية:

"لتكن مباركاً يا إلهى وسيدى يسوع المسيح الذى أهلتنى أن أموت مثلك ومن أجلك مصلوبة على خشبة الصليب... أسألك يا إلهى بحق دمك الطاهر الذكى أن تنظر بعين رحمتك إلى هذا الشعب الجالس فى ظلام الموت، وتغفر لهم وتنير عليهم بنور الإيمان بك".

لماذا لا يرهب المؤمنون الموت؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا لا يرهب المؤمنون الموت؟

المسيحى الحقيقى كعضو حىّ مرتبط بالرأس يسوع المسيح، يقبل سمات المسيح المصلوب الذى قبل الموت بإرادته، فيعشق الألم ويبحث عنه ويشتهيه حتى الموت، لا لأجل الألم فى ذاته، ولا هروباً من العالم، بل لأنه علامة شركة الحب الحقيقى والوحدة بين العريس المتألم المصلوب وعروسه.

هكذا انطلق الصليب بالألم كما بالموت بالنسبة للمؤمن الحقيقى من كونه علامة الخطية ودلالة حجب الإنسان وحرمانه من الله مصدر السعادة ليصير علامة حب وشركة. فيقول الرسول بولس: "حاملين فى الجسد كل حين إماتة الرب يسوع" (2 كو 4: 10). ويؤكد أنها آلام المسيح: "لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضاً" (2 كو 1: 5).

إن كنا لا ننكر أن المسيحى من أجل آلام الفراق يحزن، لكن فى حدود، وإلى حين، فإن كثيرين من الوثنيين قبلوا الإيمان بالسيد المسيح عندما رأوا كيف واجه المسيحيون الموت بشجاعة وبشاشة. حتى فى فترات السلام كان أحد العوامل التى جذبت الوثنيين نحو الإيمان طقوس جنازات المسيحيين وما حملوه من أحاسيس السلام والرجاء فى الأبدية[12]. يقول البابا أثناسيوس الرسولى:

[إذ بسط يديه على الصليب طرح رئيس سلطان الهواء الذى يعمل فى أبناء المعصية (أف 2: 2)، مهيئاً لنا طريق السموات].

[حين رُفع جسده إلى العُلا، ظهرت الأمور التى فى السماء[13]].

[بعد قيامة مخلصنا الجسدية، لم يعد يوجد سبب للخوف من الموت.

الذين يؤمنون بالمسيح يطأون على الموت كأنه لا شئ، مفضلين أن يموتوا بالأحرى عن أن ينكروا الإيمان بالمسيح. فإنهم مقتنعون أن الموت لا يعنى دماراً بل حياة، خلال القيامة يصيرون غير قابلين للدمار... الدليل الواضح على هذا هو أنه قبل الإيمان بالمسيح كان الناس يتطلعون إلى الموت كموضوع مرعب، كشئ يجعلهم جبناء. وما أن قبلوا الإيمان وتعليم المسيح، صاروا على العكس يحسبون الموت أمراً صغيراً يدوسون عليه، ويجعلهم شهوداً للقيامة التى حققها المخلص ضد الموت[14]].


[12] Boniface Ramsey: Beginning to Read the Fathers, p. 218.

[13] Ep. To Adelphius, De Incarn 25.

[14] De incarnation Verbi, 27.

لماذا كان الوثنيون ينكلون بجثث الشهداء؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا كان الوثنيون ينكلون بجثث الشهداء؟

إذ أدرك المضطهدون الوثنيون إيما المسيحيين بالقيامة من الأموات، وأن سرّ قوة المسيحيين واحتمالهم العذابات بفرحٍ هو رجاءهم فى القيامة، لذلك كانوا يبذلون كل الجهد فى أن يبددوا أجسام الشهداء لا ليحرموا المؤمنين من اقتنائها فحسب، إنما كانوا يظنون أنهم يبددون رجاء المسيحيين فى قيامة الأجساد[10].

لم يهز هذا إيمان المسيحيين فى قيامة الجسد، إذ يقول المدافع تاتيان Tatian: [وإن دمرت النيران جسدى... وإن بُعثر بين الأنهار والبحار، ومزقته الوحوش الكاسرة إلى قطع، فإننى أجمع فى مخازن الله الغنية... وعندما يريد الله الملك سيعيد كيانى المنظور بالنسبة له وحده إلى حالته الأصلية[11]].


[10] Lebreton: History of the Primitive Church, p. 483.

[11] Or. Ad. Graecos, 6.

ماذا قال الفيلسوف أثيناغوراس عميد مدرسة الإسكندرية عن قيامة الموتى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا قال الفيلسوف أثيناغوراس عميد مدرسة الإسكندرية عن قيامة الموتى؟

يعتبر أول محاولة يقوم بها كاتب مسيحى للفلاسفة الوثنيين ليؤكد عقيدة القيامة ببراهين فلسفية وليس بدلائل من الكتاب المقدس وحده... ويعتبرمن أفضل ما كُتب فى هذا الشأن فى الكتابات المسيحية الأولى[7]. وبالرغم مما يشوبه من بعض العيوب، لكنه يكشف عن عمق فى الإدراك ومهارة فى التفكير[8].

يحوى هذا المقال 25 فصلاً، ينقسم إلى جزئين رئيسيين:

الجزء الأول يمثل الجانب السلبى، ألا وهو الرد على اعتراضات الفلاسفة ضد قيامة الأجساد (فصل1 - 10).

والجزء الثانى يمثل الجانب الإيجابى ألا وهو تقديم البراهين على حقيقة القيامة (فصل11 - 25).

هذا ويمكن القول بأن الجزء الأول يعرض وموضوع "الله والقيامة"، أما الجزء الثانى فيعرض "الإنسان والقيامة".

فى الجزء الأول أوضح أن اعتراضات الفلاسفة على القيامة إما بسبب نقص معرفة الله أو قدرته أو مشيئته فى القيامة. فمن جهة المعرفة فإن الله الذى يخلق الأجساد يعرف أن يقيمها. ومن جهة القدرة فإنه إذ يقدر أن يخلق من العدم ألا يقدر أن يعيد تكوينها حتى إن تحللت أو تناثرت أو اندمجت عناصرها فى الأرض أو فى الحيوان أو فى الإنسان. أما من جهة المشيئة، فهل الله لا يشاء القيامة خوفاً من أن يلحق بالقائم من الأموات ظلماً، أو لأن فى القيامة ما يشين الله. والحق أن القائم من الأموات لا يلحقه ظلم ولا تشين القيامة الله فى شئ، فهو يشاء القيامة.

وفى الجزء الثانى يعطى دلائل على القيامة خلال علاقتها بالإنسان:

أ. القيامة ضرورية للإنسان الذى خلقه الله كائناً عاقلاً ليعيش إلى الأبد (11 - 13).

ب. يتكون الإنسان من الجسد والنفس، هذه الوحدة يحطمها الموت لتعيدها القيامة من جديد فيحيا إلى الأبد (14 - 17).

ج. ينبغى أن يشترك الجسد مع النفس فى المكافأة فى العالم الآتى كما اشتركا معاً فى الجهاد والتصرفات هنا (18 - 23).

د. خُلق الإنسان من أجل السعادة الأبدية التى لا تتحقق بوجوده هنا على الأرض، وإنما فى الحياة الأخرى (24 - 25).

وقد دافع أوكتافيوس عن المسيحية، قائلاً بأنه أسهل على الله أن يقيم الأجساد من الموت عما سبق ففعله إذ خلقها من العدم، كما أوضح أن الطبيعة نفسها تؤكد القيامة.

[لاحظ كيف أن كل الطبيعة مشغولة فى تأكيد القيامة المقبلة، وتهبنا راحة. الشمس تغطس ثم تعود فتُولد، والكواكب تختفى ثم تعود، الزهور تموت ثم تعود فتحيا من جديد. البراعم تبزغ بين الأوراق بعد موتها. البذور لا تبزغ ما لم تُدفن.

الجسد فى هذا العالم يشبه الأشجار فى الشتاء، الذى يخفى اخضرارها تحت خداع العقم.

لماذا لا تصبر على الجسد لكى يأتى إلى الحياة ويعود ما دمت لا تزال فى الشتاء المرّ؟

يليق بنا أن ننتظر حتى يحلّ ربيع الجسد[9]].


[7] Altaner: Patrology, P. 130.

[8] Rev. B. Schmid: Manual of Patrology, 1903, P. 97.

[9] Octavius of Minucius Felix, 34.