ما هو ارتباط التقليد الرسولى بالإنجيل؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو ارتباط التقليد الرسولى بالإنجيل؟

إيماننا بالمسيا المُخلص، أى بإنجيل الكنيسة، هو عصب تقليدنا المقدس ومركزه. فى اكثر من موضع يخبر الرسول بولس شعبه أنه يُسلّمهم تقليد "إنجيل الخلاص" أو "كلمة الخبر" أو "عمل الله الخلاص"، التقليد الذى نقبله من الكنيسة، إذ يقول: "وأعرفكم أيها الأخوة بالإنجيل الذى بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه... فإنى سلمت إليكم فى الأول ما قبلته أنا أيضاً: إن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دُفن وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب" (1كو15: 1 - 4). كما يقول: "تسلمتم منا كلمة الخبر من الله قبلتموها لا ككلمة أناس بل كما هى بالحقيقة ككلمة الله التى تعمل أيضاً فيكم أنتم المؤمنين" (1تس2: 13).

حقاً تقبل الرسل إنجيل الكنيسة، ليس مكتوباً على ورق بل تسلموه شفاهاً، لكى يودعوه فى الكنيسة بالتقليد الشفهى كما بالكتابى أيضاً.

فى هذا يقول C. Richardson: "قامت الكرازة المسيحية على العهد القديم والتقليد الحى ليسوع، هذا الذى تناقله فم من فم. فقد كان الشعور بالشهادة الشخصية فى الكنيسة الأولى قوياً للغاية فبايباس مثلاً سجل لنا تفضيله الصوت الحى الكائن فينا على الكتب... [175]1.

لقد بدأ كثير من الباحثين فى الغرب يدركون هذه الحقيقة: أن التقليد لا يقف جنباً إلى جنب مع الكلمة المكتوبة كأنهما اثنان، إنما هما شئ واحد، ما يعلنه الكتاب تسلمته الكنيسة تقليداً شفهياً.

يقول F. Bruce أستاذ الدراسات النقدية للأسفار المقدسة وتفسيرها بجامعة مانشستر: "بينما يميل مسيحيو الغرب إلى إقامة الكتاب المقدس والتقليد، الواحد مقابل الآخر كما لو كان التقليد شفهياً فحسب وغير مكتوب، ليس ما يمنع أن يكون التقليد مكتوباً. فقد أخذ التقليد الرسولى يُشك مكتوباً فى حينه. وسار كتاباً يحمل سلطاناً رسولياً على ذات المستوى، إذ يشجع القديس بولس مسيحيى تسالونيكي:" اثبتوا وتمسكوا بالتقاليد التى تعلمتموها سواء كان بالكلام أم برسالتنا "(2تس2: 15) [176]2.

وجاء فى قاموس وستمنستر الجديد للكتاب المقدس: "على أى الأحوال، استخدم هذا التعبير" التقليد "فى معنى حسن عن التعليم الرسولى المُسلم فى الكنيسة بالكلمة الشفهية أو المكتوبة[177]3".

يقول J. N. D. Kelly: "لهذا عادة يقصد الآباء بالتقليد، التعليم الذى عهد به الرب أو رسله للكنيسة، سواء كان مٌسلماً شفاهاً أو بالكتابة..." لقد وضح هذا التعبير تماماً فى إشارة القديس أثناسيوس[178]4 للتقليد الفعلي الأصيل للكنيسة الجامعة وتعاليمها وإيمانها بأنه "الأمر الذى وهبه الرب وأعلنه الرسل وحافظ عليه الآباء[179]5".

حقاً، لقد استلمت الكنيسة "كلمة الله" قبل أن تُسَطر على الورق، وتمتعت بالبشارة المُفرحة، وتفهمت بالروح القدس المعنى العميق لكلمة الله، خلال التقليد الشفهي، وتسلمته ليس فقط خلال الكلمات بل أيضاً خلال طريقة الحياة. لقد قبلت حياتها قبلما أن يكون العهد الجديد مكتوباً أكثر من عشرين عاماً. وحينما سجل الإنجيليون والرسل العهد الجديد بوحى الروح القدس، قبلته الكنيسة وكرمته وفهمته كحيات سبق لها أن عاشتها. هكذا الإنجيل ليس بغريب عن التقليد، لكن الأول جزء من الأخير، كلاهما يعلنان "الحق الواحد"، ويشرحان طبيعة الكنيسة.

ربما يتساءل أحدهما إن كان التقليد الشفهى قد توقف بظهور أسفار العهد الجديد. لكننا نجيب بأن الرسل أنفسهم قد ذكروا المؤمنين بالتقليد الشفهى حين كتبوا رسائلهم للجماعات المسيحية الأولى، إذ من خلاله يستطيعون أن ينالوا فهماً للحق المسيحى: "إذ كان لى كثير لأكتب إليكم لم أرد أن يكون بورق وحبر، لأنى أن آتى إليكم وأتكلم فماً لفم لكى يكون فرحنا كاملاً" (2يو12). "وكان لى كثير لأكتبه لكننى لست أريد أن أكتب إليك بحبرٍ وقلمٍ. ولكننى أرجو أن أراك عن قريب فنتكلم فماً لفم" (3يو14، 13). أما الأمور الباقية فعندما أجئ أرتبها "الكلمة اليونانية تعنى" أطقسها "(1كو11: 34)." لأجل هذا تركتك فى كريت لكى تكمل ترتيب الأمور الناقصة وتقيم فى كل مدينة قسوساً "(تى1: 5).

فى مواضع كثيرة يُوصى الرسول بولس تلاميذه أن يحفظوا التقليد، ويودعونه اناساً آخرين، وأن يتمسكوا بالتقاليد التى تعلموها بالكلام أو برسالته وأن يتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التقليد الذى أخذه منه (2تس3: 6). كما حذرنا من كل تقليد بشرى مقاوم للإيمان "حسب أركان العالم وليس حسب المسيح" (كو2: 8).

علاوة على هذا، ففى الكنيسة الأولى قبل البعض المسيحية فى أمم كثيرة بالرغم من وجود ترجمة للكتاب المقدس إلى لغتهم حتى ذلك الحين، وبهذا لم يكن فى قدراتهم أن يتعلموا الحق منها بل من التقليد الشفهى[180]1.

القديس إيرنياؤس فى القرن الثانى هو أول من ناقش موضوع التقليد. لقد أثار تساؤلاً مفترضاً: لو لم توجد أسفار مقدسة ماذا كان يحدث؟ إلى أى شخص نلتجئ؟ "أما كنا نلجأ إلى الكنائس الأكثر قدماً، التى عاش فيها الرسل، ونأخذ عنها ما هو ثابت وأكيد؟! أى بديل لذلك لو أن الرسل أنفسهم لم يتركوا لنا أية كتابات، أما كنا ملتزمين أن نعتمد على تعاليم التقليد التى قدّموها لأولئك الذين عهدوا إليهم بالكنائس[181]2؟!".


[175] 1 C. Richardson: Early Christian Father, p 957.

[176] 2 F. F. Bruce, P. 37.

[177] 3 New Westminster Dictionary of the Bible, p 957.

[178] 4 Athanasius: Ad Serap. 28: 1.

[179] 5 J. Kelly, p. 30,31.

[180] 1 P. E. Hallett: A Catholic Dictionary, London 1951, p 782.

[181] 2 St. Irenaeus: Adv. Haer 4: 3: 1. J. F. Bethume – Baker: An Introduction to the Early History of Christian Doctrine, London 1920, p 55 - 56.

ما هو دور التقليد فى العصر الرسولى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور التقليد فى العصر الرسولى؟

ظهرت أسفار العهد الجديد تدريجياً فى عصر الرسل لكنها لم تكن بعد قد قُنيت كنسياً. وكان التقليد فى هذا الحين هو المصدر الوحيد للإيمان المسيحى والتعاليم المسيحية والعبادة.

ويمكننا أن نلخص الدور الذي قام به التقليد فى ذلك الوقت فى حياة الكنيسة، فى النقاط التالية:

1 - إذ ظهرت الكنيسة إلى الوجود استخدمت أسفار العهد القديم، وعلى مسئولية السيد المسيح ورسله تقبل المسيحيون هذه الأسفار من اليهود، وتطلعوا إليها بكونها حكمة الله الموحى بها التى لها سلطانها. حسبت الكنيسة نفسها وارثة لكنيسة اليهود فى تقليدها القديم هذا، أى وارثة للأسفار المقدسة.

وجدير بالذكر أن الكنيسة الأولى كانت تقرأ الأسفار المقدسة بعين مستنيرة بفكر مسيحى خالص، إذ قبلت النبوات المذكورة فى هذه الأسفار، واستخدمتها بتفسير معين[172]1 لم يكن قد عرفه اليهود بعد. هذا التفسير تسلمته الكنيسة من الرسل، ولدينا يقين أنه مُسلم من ربنا نفسه.

2 - مع إن كتب العهد الجديد لم تُقتن كنسياً، حتى منتصف القرن الثانى، لكن الآباء تقبلوها ككلمة الله الموحى بها، واقتطفوا منها فى كتاباتهم.

3 - خلال التقليد أدرك آباء الكنيسة وحدة الأسفار المقدسة، أقصد الوحدة بين العهدين القديم والجديد، بكونهما كلمة الله الواحدة، حتى قبلما تُقنن أسفار العهد الجديد كنسياً.

4 - أعلن الرسل أن التقليد الذى تسلموه خلال تلمذتهم ليسوع المسيح هو أحد مصادر سلطانهم الرسولى، فقد كرزوا كشهود عيان لأحداث حياة السيد المسيح وأعماله الخلاصية. فالقديس يوحنا يقول: "الذى كان من البدء، الذى سمعناه، الذى رأيناه بعيوننا، الذى شاهدناه، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة..." (1يو1: 1). وفى إنجيله يقول: "الذى عاين شهد وشهادته حق، وهو يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم" (يو19: 35). وأشار القديس لوقا إلى أن أحداث السيد المسيح قد "سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة" (لو1: 2).

وإذ أراد الأحد عشر تلميذاً أن يُقيموا من يحتل مركز يهوذا، أصروا على أن يختاروا واحداً عاش وعاين الرب "الرجال الذين اجتمعوا معنا كل الزمان الذى فيه دخل إلينا الرب يسوع وخرج. منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذى ارتفع فيه عنا يصير" واحد "منهم شاهداً معنا بقيامته" (أع1: 21، 22)، هكذا بدأ التقليد الرسولى بشهود عيان لأحداث حياة الرب، لكن "شهادة العيان" لم تكن وحدها كافية أن تُقيم هذا التقليد، بل بالحرى تأسس بالروح القدس الذى يقود حياة الكنيسة ويهبها الاتحاد مع الله فى المسيح يسوع، يقول لوقا الرسول: "تقليد المسيح" للكنيسة شاهد عيان لهذه الأحداث، لكنه تقبل الرسولية بدعوة خاصة، بالروح القدس تقبل التقليد الكنسى كأنه مُسلم له من الله مباشرة. إذ يؤكد قائلاً "بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح والله الآب..." (غل1: 1). كما يقول: "لأنى تسلمت من (apo) الرب ما سلمتكم أيضاً" (1كو11: 23). ويلاحظ استخدام حرف الجر اليونانى (apo) فى العبارة "من الرب" يشير إلى نقل الخبر خلال وسيط أو أكثر، كما أن المقطع "para" فى كلمة "تسلمت paralambano"، تؤكد مثل هذه الوساطة[173]2.

5 - التقليد الذى تسلمه الرسل من السيد المسيح وأودع لدى الكنيسة، فى جوهره هو "الحياة الجديدة التى لنا فى المسيح بالروح القدس". بهذا فإن التقليد الرسولى ليس بالوديعة الجامدة، إنما يحمل فى داخله استمرار البنطقستى فى الكنيسة ككل وفى حياة كل عضو حى من أعضائها. بالتقليد الكنسى ليس فقط الجماعة المسيحية ككل تمارس هذه الحياة، وإنما يتقبل كل عضو علاقة شخصية مع الله فى الروح دون اعتزاله الكنيسة الجامعة.

خلال هذه النظرة نتطلع أيضاً إلى تقليدنا فى جوهره كعطية روحية، لا تقدم من إنسان لآخر، بل لها فاعليتها فى حياة من يُقدم التقليد ومن يتسلمه. وكما كتب القديس بولس إلى أهل رومية "لأنى مشتاق أن أراكم لكى أمنحكم هبة روحية لثباتكم، أى لنتعزى بينكم بالإيمان الذى فينا جميعاً، إيمانكم وإيمانى" (رو1: 11، 12). وفى هذا أيضاً يقول القديس أغسطينوس: "من أجلكم أنا أسقف، ومعكم إيمانى أنا مسيحى[174]1". وكأنه يشعر فى أعماقه أنه مُعين من قبل الله لكى يودع شعبه التقليد المسيحى، وفى نفس الوقت يُمارس هذا التقليد معهم كواحدٍ منهم.

6 - خضع الرسول لبعض التقليدات اليهودية فى العبادة والطقوس التى كانت تتفق مع إيمانهم وذلك بعد إعطائها مسحة مسيحية، الأمر الذى نعود إليه فيما بعد إن شاء الرب.

7 - بالتقليد ركزت الكنيسة على الولاء للأساقفة، إذ تطلعت إليهم كخلفاء للرسل، مُعينين كمسئولين عن الحفاظ على نقاوة التعليم.

فى اختصار نستطيع القول بأن الكنيسة فى عصر الرسل قبلت التقليد الحى، به قبلت أسفار العهد القديم، وأدركت نبواته، واكتشفت رموزه وعلاماته، وتعرّفت على وحدته مع الشهادة الرسولية، كما تقبلت شهادة الرسل العيانية، وأعلنت سلطان خلفائهم فى الحفاظ على الإيمان المسيحى ومارست العبادة الحقة لله.


[172] 1 J,Kelly: History of the Early Christian Doctrines, N,Y 1960, p 32.

[173] 2 F. F. Bruce, p33.

[174] 1 J. P. Mavkey: Tradition & Change in the Church, Ireland 1968, p. 20.

ما هى مادة التقليد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى مادة التقليد؟

ما هى مادة التقليد المسيحى؟ أو ما هى الوديعة التى تقبلها الكنيسة وحافظت عليها عبر الأجيال؟ فى الحقيقة لم يودع الرب "كتاباً" لدى تلاميذه ورسله، بل بالحرى أعدّ رجالاً يتبعونه ويقبلونه ساكناً فى قلوبهم. لقد أنصتوا إليه وهو يُعلم، وتبعوه أينما حل، رأوه يصلى، ويهب راحة للشعب ويعامل الخطاة بلطف، ويشفى المرضى ويُقيم الموتى، رأوه يُقيم العشاء الأخير ويهبهم السلام بعد قيامته. وأخيراً أرسل إليهم روحه القدوس لا ليذكّرهم بكلماته وليسندهم ليكونوا سالكين على إثر خطواته فحسب، بل بالحرى لكي ينعموا بالاتحاد معه ويشاركوه حياته الإلهية. هذا هو جوهر تقليدنا: إنه "الاتحاد مع السيد المسيح بعمل الروح القدس". فإن الله الآب قدّم ابنه لنا، وقدّم الابن حياته لنا (غل2: 20؛ أف5: 2).

هذا هو التقليد: "الإيمان المُسلم مرة للقديسين" (يه3)، أو "الإنجيل" مكتوباً فى حياتنا، ومنقوشاً فى قلوبنا. أنه بالأمر الحىّ، تسلمناه بواسطة الرسل الذين سلموه لتلاميذهم بعمل الروح القدس، الشاهد للسيد المسيح فى حياة الكنيسة، وموحدها مع مخلصها.

بمعنى آخر، إن عملية النقل أو التسليم لم تتم بواسطة كتابات الرسل فحسب، بل بالحرى قد تحققت بواسطة الروح القدس، الذى قاد مشاعرهم وعبادتهم وسلوكهم وكرازتهم. لقد وهبهم الحياة الجديدة التى هى "الحياة فى المسيح" فى حياة الكنيسة خلال الأجيال المتعاقبة، إذ هو على الدوام يعيش فى الكنيسة ويعلم فيها أمس واليوم وغداً، يوحى لها بحياتها، ويجعل منها استمراراً للحياة والإيمان والحب، وليس تكراراً آلياً للماضى[171]1. فالتقليد هو تيار الحياة الواحدة للكنيسة، يحمل الماضى بكل صروه حاضراً حياً، ويمتد بالحاضر نحو الغد انحراف. هذا هو جوهر التقليد الذى نُركز عليه عند دراستنا لمحتوياته، التى هى:

1 - رسالة الإيمان بالثالوث القدوس وعمل الله الخلاصى، والتعليم بها.

2 - أعمال السيد المسيح وأقواله.

3 - أسفار العهدين القديم والجديد، وحفظ خبرة آباء الكنيسة وفهمهم لكلمة الله الخ.

4 - المنهج الروحي والسلوكي فى المسيح يسوع.

5 - منهج العبادة: مفهومه ونظامه.

6 - القوانين الكنسية وترتيب العبادة من صلوات واصوام ومطانيات وأعياد الخ. تُمارس بروحانية لأجل بنيان الجماعة ونمو حياة كل مؤمنٍ فى علاقته الشخصية مع الثالوث القدوس.


[171] 1 O'Brein of The Convergence of Tradition, p. 22.

ماذا تعنى كلمة “تقليد”؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا تعنى كلمة "تقليد"؟

كلمة "تقليد" فى اليونانية كما وردت فى العهد الجديد Paradosis وهى لا تعنى "المحاكاة imitation، إنما جاءت مشتقة من الفعل الأصل Paradidomi الذى يعنى" يعهد بشئ لآخر، أو "يسلم شيئاً يداً بيد". والفعل المقابل والملازم هو Paralambano أى "يتقبل الشئ" أو "يستلمه". واللفظان اليونانيان السابقان يقابلهما فى العبرية التعبيران nasar أو يودع أو يسلم وqibbel أى يقبل الشيء أو يتسلمه[170]1. بهذا فإن التقليد لا يعنى مجرد "محاكاة الماضى"، بل حسبما جاء فى الكتاب المقدس هو تسليم وديعة، جيل يودع إيماناً وآخر يتقبله.


[170] 1 F. F. Bruce: Tradition: Old and New, Michigan 1975, p20,21.

ما هى نظريات القديس كيرلس السكندرى بخصوص تفسير الكتاب المقدس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى نظريات القديس كيرلس السكندرى بخصوص تفسير الكتاب المقدس؟

نختم حديثنا عن الرمزية والمثالية فى مدرسة الإسكندرية بمقتطفات من دراسة Kerrgan عن نظريات القديس كيرلس السكندرى بخصوص تفسير الكتاب المقدس.

بالإشارة إلى نظريات القديس كيرلس يكتب Kerrgan.

[قد أدركنا ثلاث نتائج، بالرغم من كونها سلبية فى شكلها إلا أن محتواها إيجابى:

1 - من الخطأ الظن أن الناموس قد ألغى نهائياً حتى أن كل قوانينه ليس فيها أية قوة.

2 - من الخطأ أيضاً الظن بأن كل أعمال الناموس بلا فائدة، (ta anayxaia) فإنها إذا ما شُرحت تكون مفيدة.

3 - أخيراً من الخطأ القول بأنه لا يمكن استخدام الناموس لإثبات الحق[165]1].

يقول القديس كيرلس السكندرى: "يوجد غنى روحى عظيم محبوس فى الناموس الموسوى[166]2".

من الطبيعى أنه من أجل عدم دفن هذا الغنى يجب التوقف عن استعمال المعنى الحرفى. واضح أن القديس كيرلس لا يستطيع أن يتحدث كثيراً عن هذا الموضوع. "الناموس كامل وغير كامل فى نفس الوقت، فهو كامل إن أدركناه روحياً (لأنه يكلمنا عن سرّ المسيح)، لكنه أيضاً غير كامل إذا كان فكر الناس – الذين يقعون تحت إرشاده – لا ينطلق إلى ما وراء الحرف. فإن مادة الحرف هى نصف المعرفة فقط[167]3". يكرر القديس كيرلس مثل تلك الأفكار مرة ومرات[168]4. كثيراً ما يردد فى كتاباته قول القديس بولس الرسول: "الحرف يقتل ولكن الروح يحى" (2كو3: 6)، بل صار هذا القول شعاراً عالمياً فى ذلك الوقت. وهناك قول آخر: [الحرف يقتل، أى حرف الناموس الذى قصده الحكيم بولس. فالظل فى ذاته عديم النفع، أما بالنسبة لنا نحن الذين لهم فهم يصير ذا فائدة عظمى، لأنه يمكننا من استيعاب الأمور الخاصة بالمسيح. لذا أصبح كنوع من المطر الروحى الذى يروى الأرض بطريقة ما. حقيقة كان الناموس قديماً مراً وغير محتمل بالنسبة للقدامى، لكنه صار لنا مهذباً Paedagogos ومرشداً لأسرار المسيح، كى ما نُثمر فيه بنزع القشرة الخارجية للظل[169]5].

يتطلع البعض إلى "التقليد" على أنه طاعة عمياء للماضى وتمسك بوديعة سلبية جامدة. بهذا يكون التقليد – فى نظرهم – أشبه بفهرس ثمين لمجموعة من التقاليد القديمة والقوانين والطقوس، أو متحف يضم ما هو قديم. بهذا يحسبون الكنيسة التقليدية كنيسة جامدة رجعية ترتبط بالقديم لمُجرد قدمه. وإننى فى هذا العمل البسيط أود أن أوضح مفهومنا للتقليد من خلال الكتاب المقدس وفكر الآباء وحياتنا الكنسية العملية.


[165] 1 PG 140: 68A.

[166] 2 Comment on St. John, Pusey 386: 11, 4f.

[167] 3 Comment on Oseee, Pusey 85: 1,25ff.

[168] 4 PG 1429: 70 A.

[169] 5 Comment on Amos, Pusey 1,535,19ff.

كيف يشرح أوريجينوس التفسير الرمزى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف يشرح أوريجينوس التفسير الرمزى؟

1 - يشرح أوريجينوس الكاهن الذى يسلخ المحرقة فى (سفر اللاويين1: 6) "إنه ينزع النقاب الحرفى عن كلمة الله، ويكشف الأعضاء الداخلية التي هي عناصر الفهم الروحى[162]1".

2 - يعتبر أوريجينوس المعنى الروحى ليس صعباً فيقول: "ليس من الصعب الوصول إلى التفسير الروحى، لأن عروس الكلمة، أى النفس التى تقيم فى بيته الملوكى أو الكنيسة، تتعلم بواسطة كلمة الله الذى هو عريسها، فيكشف لها عن كل الكنوز المخزنة المخبأة فى قصر الملوكى وفى حجال الملك[163]2".

3 - يدرك أوريجينوس أن الإنسان مكوّن من جسد ونفس وروح، وبالتالى فإن تكوين الكتاب المقدس مؤسس بنفس النظام لخلاص الإنسان، أى المعنى الحرفى والمعنى الأخلاقى والمعنى الروحى.

4 - يجد أوريجينوس فى فلك نوح مثلاً يؤكد نظريته حيث يحوى بناؤه ثلاث طبقات (تك6: 16). "بهذا إذ نصعد إلى الطبقات المتنوعة حيث توجد المئونة نصل إلى نوح نفسه الذى معناه" الراحة "أو" البار "، أى المسيح يسوع".

أ - يشير القاع إلى الأساس، أى إلى المعنى الحرفى أو التاريخى للكتاب المقدس.

ب - الدور العلوى هو المعنى الروحي أو الباطني. فى عظاته عن سفر التكوين يقول: "الذين يعيشون بحسب ما يمليه الروح عليهم قادرون ليس فقط على التحكم فى ذواتهم بل وإرشاد الآخرين، هؤلاء عددهم قليل للغاية، يشيرون إلى العدد القليل الذى خلص مع نوح. كذلك ليسوع المسيح، نوح الحقيقى، خاصة قليلة مقربة إليه تشارك فى كلمته وفهم حكمته".

ج - أما الدور الوسط فهو يمثل المعنى الأخلاقى[164]3.


[162] 1 Hom. Gen 6: 2.

[163] 2 Comm. On the Songs of Songs, book 13: 3 (ACW).

[164] 3 Hom. Gen 6: 2.

ما هو تبرير أوريجينوس استخدام للتفسير الرمزى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو تبرير أوريجينوس استخدام للتفسير الرمزى؟

ناقش أوريجينوس مشكلتين بخصوص العهد القديم واجهتها الكنيسة الأولى:

1 - توقع اليهود تحقيق السيد المسيح لنبوات العهد القديم حرفياً، مثل كونه ملكهم الذى يملك على كل العالم. [157]1 يقول أوريجينوس: [يؤمن كل من اليهود والمسيحيين بأن الكتاب المقدس قد كُتب بواسطة الروح القدس، لكننا نختلف فى تفسير ما يحتويه. نحن لا نعيش كاليهود لأننا نؤمن بأن التفسير الحرفى للناموس لا يحمل معه روح الشريعة[158]2].

ويضيف أوريجينوس قائلاً: "إن كان الله والرب روحاً فلابد أن نسمع بطريقة روحية ما يقوله الروح لنا[159]3".

2 - رفض الغنوسيون العهد القديم لأنهم صُدموا فى بعض نصوصه التى تشير إلى غضب الله أو رجوعه أو ندمه. وكان سبب صدمتهم أنهم فسروها تفسيراً حرفياً وليس روحياً.

يقول أوريجينوس إن الإشارة الى التشبيهات البشرية له anthropomorphism مثل غضب الله لا يمكن فهمها حرفياً. "حينما تسمع عن غضب الله وسخطه لا تفهم ذلك بمعنى ممارسة الله لمشاعر الغضب والحنق". يستخدم الله اللغة البشرية ليهدف إلى تصحيح الأخطاء البشرية، كما يوجّه الأب البشرى طفله. "نحن أيضاً يكون لن اوجه عنيف الملامح حينما نوجه أطفالنا، ليس لأن هذه هى مشاعرنا الحقيقية، ولكن من أجل نزولنا إلى مستواهم، فإذا ما سمحنا لملامحنا الطيبة فى الظهور على وجوهنا نُفسد الطفل. الله لا يغضب فى الحقيقة، لكننا نختبر آثار غضبه حينما نقع فى تجربة بسبب شرنا، هذا هو التأديب الذى ندعوه" غضب الله[160]4 ".

بجانب مواجهته لليهود والغنوسيين يعتمد أوريجينوس على سبب ثالث لتبرير استخدام الرمزية وهو أن المعنى الروحى مقبول على أساس أن العهد القديم يقدم لنا شخص السيد المسيح مسبقاً، فيقول أوريجينوس: "كل ما هو المكتوب فى الناموس هو تشبيه أو تشخيص للسيد المسيح[161]5". وبالتالى فإن المعنى الروحى هو المعنى الذى يربط العهد القديم بالجديد، ويهدف إلى كشف العلاقة القائمة بينهما.


[157] 1 N. R. M. De Lange: Origen and the Jews: Studies in Jewish - Christian Relations in Third - Century Palestine, 1976, Cambridge, p. 82 - 3.

[158] 2 Contra Celsus 60: 5.

[159] 3 In Lev. Hom. 1: 1.

[160] 4 In Jer. Hom, 7: 18 - 10; Carl A Volz: Life and Practice in the Early Church, Minneapolis, 1990, p. 114.

[161] 5 In loh. Comm 26: 13.

ما هو تبرير القديس إكليمنضس استخدام للتفسير الرمزى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو تبرير القديس إكليمنضس استخدام للتفسير الرمزى؟

يعتقد القديس إكليمنضس بان الرمزية تحث المؤمنين على اكتشاف المعاني الخفية فى الكتاب المقدس. ويقول بعض الدارسين أن كتاب الكتاب المقدس استخدموا الرمز بوحى الروح القدس ليخففوا عن البسطاء التعاليم الفائقة المعرفة والتى هى فوق مستواهم الفكرى، وفى ذات الوقت يثيروا الفضول فى نفوس الناضجين روحياً وفكرياً. لذا فإيجاد المعنى العميق هو عملية تدريجية بها يقود الله النفوس التى اختارها ليكشف لها عن نفسهن وينقلها من العالم الحسي إلى الروحى، وبالتالي فإن الغنوسى (صاحب المعرفة) الحقيقى يتأمل فى أكثر النصوص الإنجيلية غموضاً، وينتقل من العالم الحاضر. محلقاً فى العالم الآخر.

ما هو موقف الآباء بعد أوريجينوس من الرمزية والمثالية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف الآباء بعد أوريجينوس من الرمزية والمثالية؟

جاء اللاهوتيون الإسكندريون من بعد أوريجينوس ابتداء من القديس ديديموس الضرير وحتى القديس كيرلس الكبير متأثرين بالتفسير الرمزى بدرجات متفاوتة، ويمكن تطبيق هذا القول على الفلسطينيين (باستثناء أبيفانيوس) والآباء الكبادوك.

جاءت بعد ذلك مدرسة أنطاكية فى وقت لاحق وكان لها فكر مناهض للرمزية، وبالرغم من عدم رفضها الكلى للتفسير الرمزى إلا انها نادراً ما لجأت إليه، إذ تفضل التفسير التاريخى.

خلال تأثير اللاهوتيين الإسكندريين انتقل التقليد الرمزي إلى الغرب، كما يظهر بوضوح فى الكتابات التفسيرية، مثل كتابات القديس هيلارى والقديس أمبروسيوس.

أعظم المفسرين اللاتين، القديس جيروم، وإن كان قد تشكك من جهة التفسير الرمزى فى آخر أيامه، فقد قبل مراحل أوريجينوس الثلاث لتفسير الكتاب، معتقداً أن الاستعانة بالمعنى الروحى له أهميته بسبب استخدام التشبيهات لله anthropomorphism بكثرة فى الكتاب.

طبق القديس أغسطينوس الرمزية بحرية شديدة، مستمتعاً على وجه الخصوص بالرموز السريّة للأسماء والأرقام[154]1.

أسس القديس يوحنا كاسيان[155]2 الذى تبع القديس إكليمنضس السكندرى التقسيم الذى فيه يعيد التمييز بين المعانى الأربعة التالية:

1 - المعنى الحرفى.

2 - المعنى الرمزى (مطبقاً نصوص على المسيح والكنيسة المجاهدة).

3 - المعنى المثالى أو المعنى الأخلاقى (إدراك النفس وفضائلها).

4 - المعنى القياسى أو التمثيلى analogical (التطبيق النصوص على الحقائق السماوية) [156]3.


[154] 1 Cf. J. N. D. kelly: Early Christian Doctrines, 1978, p. 74 - 5.

[155] 2 Collat. 8: 14.

[156] 3 F. L. Cross: The Oxford Dictionary of the Christian Church, 1990, p. 37.

ما هو الفرق بين الرمزية والمثالية Allegory and Typology؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو الفرق بين الرمزية والمثالية Allegory and Typology؟

استخدام الكتاب المقدس على الأقل ثلاثة أنواع من الرمزية:

1 - الرمزية الصورية Figurative allegory.

2 - الرمزية القصصية Narrative allegory.

3 - الرمزية المثالية Typological allegory.

أنشودة بولس الرسول عن المحبة فى (1كو13) وأيضاً الحكمة كما تظهر فى سفر الأمثال الإصحاح الثامن هما مثلان للرمزية الصورية.

أما فى بعض الأمثال كالسامرى الصالح (لو10: 30 - 35)، والابن الضال (لو15: 11 - 32)، فالرمزية هنا تُعتبر رمزية قصصية.

لكن السمة الإنجيلية الغالبة هى الرمزية المثالية، حيث تتناول طريقة تفسير العهد الجديد لأحداث وشخصيات العهد القديم بربط الواقع التاريخى والمعنى النبوى بمفهوم الأناجيل المسيحية والشريعة والتدبير المسيحى[150]1.

يرى بعض الدارسين أن "الرمزية" وسيلة تفسير الحقائق الأرضية بطريقة رمزية لتشير إلى حقائق سماوية، بينما المثالية "هى تفسير الحقيقة التاريخية كظل لحدث آخر، خاصة لشخص السيد المسيح وعمله[151]2. يقدم J. N. D. Kelly أساساً للتمييز بين الرمزية والمثالية، إذ قال:

[فى التفسير الرمزى يستخدم النص الكتابى كرمز لحقائق روحية بينما يلعب المعنى الحرفى أو التاريخى للنص دوراً صغيراً جداً إن لم يتجاهله تماماً. وهدف التفسير الرمزى هو استنباط المعنى الخفى أو اللاهوتى أو السرى لكل نص أو آية وحتى لكل كلمة...

أما التفسير المثالى "Typological exegesis" فيختلف عنه تماماً، لأنه يعمل على إيجاد التشابه بين العهدين، حيث نجد العهد القديم ينعكس فيه ما بالعهد الجديد، بمعنى أنه يصوّر أو يلقى الظلال مسبقاً على أحداث وشخصيات العهد الجديد. ويأخذ المفسّر فى هذا المجال التاريخ مأخذ الجدية، لأنه جزء هام للكشف عن خطة الله الخلاصية... [152]3].

يقول Jean Danielou أيضاً: "دراسة المثالية عند الآباء تقوم أساساً على الاستمرارية القائمة بين العهدين: القديم والجديد[153]4".


[150] 1 Cf. John MacQueen: Allegory, Methuen & Co, London, 1970, p. 18ff.

[151] 2 Everett Ferguson: Encyclopedia of Early Christianity, N. Y, 990, p. 23.

[152] 3 J. N. D. Kelly: Early Christians, Doctrines, 1978, p. 70 - 1.

[153] 4 Jean Danielou: From Shadows to Reality, Studies in the Biblical Typology of the Fathers, p. 69.