لماذا يعلن قانون إيماننا أنه ابن الله الوحيد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا يعلن قانون إيماننا أنه ابن الله الوحيد؟

شهد له الآب السماوى فى عماده كما فى تجليه، ففى عماده قيل: "وإذا السماوات قد انفتحت له... وصوت من السماوات قائلاً:" هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت "(مت3: 17). وفى تجليه على جبل تابور قيل:" وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيَرة ظللتهم وصوت من السحابه، قائلاً: "هذا هو ابنى الحبيب الذى به سُررت. له اسمعوا" (مت17: 5).

وعندما "قال لهم وأنتم من تقولون إنى أنا؟ أجاب سمعان بطرس وقال:" أنت هو المسيح ابن الله الحىَ. فأجاب يسوع وقال له: طوبى لك يا سمعان بن يونا، إن لحماً ودماً لم يُعلن لك، لكن أبي الذى فى السماوات "(مت16: 15 - 17).

لقد ميَز السيد المسيح بين بنوته الطبيعية الأزلية للآب (يو29: 17)، وبين بنوتنا نحن له بالنعمة (مت5: 48)، إذ يقول: "أبى وأبيكم" (مت5: 48؛ يو20: 17). وبعد قيامته وصعوده يقول القديس يوحنا الحبيب: "ورأينا مجده مجداً كما لوحيدِ من الآب مملوء نعمة وحقاً" (يو1: 14).

يقول القديس كيرلس الكبير: [لكى لا يُظهر أنهم ينسبون إليه اسمَاً مشتركاً مثل الاسم الذى يُمكن أن يُنسب إلينا نحن أنفسنا، لأننا نحن نُدعى أيضا أبناء (غل4: 6)، فبكل فطنة وصفوه بتلك الأسماء... قالوا: إنه "مولود غير مخلوق، مدركين أنه من جهة الجوهر لا يُصنَف مع المخلوقات، بل بالحري أكَدوا بيقينٍ أنه مولود من جوهر الله الآب خلواً من زمنٍ وبطريقة تفوق الإدراك،" فى البدء كان الكلمة "(يو1: 1)... مثل ولادة النور من النور. وهكذا نحن نقول: إن الابن فى الآب، والآب فى الابن (يو14: 9 - 10)، وتبعاً لذلك فهو من نفس الجوهر مع الآب... فالولادة ليست جسمانية وبسيطة، وتفهم على أنها منه وفيه، وأن كل منهما موجود بأقنومه الخاص، لأن الآب هو أب وليس ابناً، والابن هو المولود وليس هو أباً[32].].


[32] رسالة 55: 14.

كيف ننتفع بألقاب السيد المسيح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف ننتفع بألقاب السيد المسيح؟

دُعى يسوع: كلمة "يسوع" فى العبرية تعني "الله يخلص". أعطى رئيس الملائكة جبرائيل هذا الاسم للقديسة مريم "ها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسميه يسوع" (لو1: 31). وظهر ملاك الرب ليوسف فى حُلم، قائلاً: "يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، لأن الذى حُبل به فيها بالروح القدس، فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم (مت1: 20 - 21).

هذا الاسم يُعبر عن شخصه وعن رسالته. فمن جهة شخصه فهو خلق آدم على صورته كشبهه (تك1: 26 - 27)، وقد فقد آدم هذه الصورة وفسدت طبيعته بسبب خطيته إذ عصى الوصية. وأنه ليس أحد فى السماوات أو على الأرض قادر أن يغفر الخطايا إلا الله. ليس اسم آخر تحت السماء به نخلص (أع4: 12؛ 9: 14؛ يع2: 7). لذلك يسوع الذى هو الله يخلص، صار بتجسده إنساناً يجمع المؤمنين به ويهبهم المغفرة (يو3: 18؛ أع2: 21؛ 5: 41؛ رو10: 6 - 13).

دُعى أيضاً المسيح أو المسيّا Messiah أى الممسوح.

فى العهد القديم كان الملوك والكهنة وأحياناً الأنبياء، هؤلاء الثلاث فئات يُحسبون "مسحاء الرب". لم يكن يجوز للملك الممسوح الذى من سبط يهوذا أن يمارس الكهنوت، لأنه ليس من نسل هرون الذى من سبط لاوى. ومتى مُسح الملك لا يجوز لإنسان آخر أن يُقام ملكاً إلا إذا فسد الملك وصار مرفوضاً من الله، كما حدث مع شاول الملك (1صم16: 1).

أما السيد المسيح فهو ملك الملوك (رؤ17: 14)، أقام المؤمنين ملوكاً وكهنة لله أبيه (رؤ1: 6؛ 5: 10). وهو نفسه رئيس الكهنة السماوى (عب7: 26) الذى وحده بلا خطية، لا يحتاج إلى تقديم ذبائح عن نفسه مثل هرون (عب5: 3). وفى نفس الوقت يُعلن لمؤمنيه أسرار ملكوته السماوى، ويهبهم اختبار عربون السماويات. جاء هذا الملك الإلهى السماوى لا ليُخدم بل يخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين (يو3: 31). خدمته تتمثل فى قبولهم بروحه القدوس حياة الشركة فيه، فيحملون سماته.

مُسح ليُعلن ملكوته على الصليب (اع2: 36)، الأمر الذى تمتع به اللص الذى على اليمين فشهد له: "اذكرنى يا رب متى جئت فى ملكوتك" (لو23: 42).

يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [إنه يُدعى "الباب" (يو1: 7، 9). لا تأخذ المعنى الحرفى للكلمة كمادة خشبية، بل المعنى الروحى. إنه "باب حىّ" يميز الداخلين فيه.

ويُدعى "الطريق" (يو14: 6) لا أن يُداس بالأقدام، بل لكى يقودنا للآب السماوى.

يُدعى "الحمل" (يو1: 29؛ إش53: 7، 8؛ أع8: 32) لا كغير عاقلٍ، بل لأن بدمه الثمين يطهر العالم من خطاياه، ويقف صامتاً أمام جازيه.

هذا الحمل دُعى مرة ب "الراعى" إذ يقول: "أنا هو الراعى الصالح" (لو10: 11). هو حمل من جهة ناسوته، وراعى بالحب المترفق الذى للاهوته. هل تريد أن تعرف حملان عاقلة؟ اسمع المخلص يقول للرسل: "ها أنا أرسلكم كحملانٍ بين ذئاب" (مت 10: 10، 16).

إنه يُدعى "أسداً" (تك39: 9؛ رؤ5: 5)، ليس مفترساً للبشر، بل لكرامة شخصه الملوكية وثباته وقوته. لقد دعي أسداً، لأنه يقف قبالة الأسد المقاوم الذى يزأر ملتمساً أن يفترس من يخدعهم (1بط5: 8). لأن المخلص فى مجيئه لم يغير وداعة طبيعته، بل بكونه "الأسد الخارج من سبط يهوذا" (مز118: 22) يخلص المؤمنين ويطأ على المقاوم.

يُدعى "حجراً" ليس بلا حياة أو مقطوع بيد بشرية، بل "حجر الزاوية الرئيسى" (إش28: 16)، من يؤمن به لن يخزى[31].].


[31] مقال 10: 3.

لماذا نؤمن بربنا يسوع؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا نؤمن بربنا يسوع؟

أولآً: الإيمان بيسوع المسيح يعتبر مركز الإيمان المسيحى. كان الكرازة تبدأ بالحديث عن الربَ يسوع Kyrios lesous، يقول الرسول بولس: "إن اعترفت بفمك بالرب يسوع" (رو 10: 9). كما يقول: "ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس" (1 كو12: 3).

إذ أعلن توما عن إيمانه بعد أن طلب أن يراه بعد القيامة ويلمس بيديه جراحاته، قال: "ربى وإلهى" (يو20: 28). وفى نهاية رؤيا يوحنا الحبيب أعلن الرائى عن مدى شوق الكنيسة لمجئ ربنا يسوع، قائلاً: "آمين، تعال أيها الرب يسوع" (رؤ22: 20).

ثانياً: هذا الإيمان يدفعنا إلى علاقة شخصية وولاءٍ صادقٍ له. محور الإيمان الرئيسي الشعور أن كل كياني الروحى والنفسى والجسدى هو التمتع بالمخلّص الإلهي ربنا يسوع. هذا الإيمان الشخصى يحملنى لحياة الشركة مع السمائيين والقديسين، إذ يقول الرسول: "لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض (أى السمائيون والبشر حتى الشياطين تجثو له فى رعب ومذلةٍ)، ويعترف كل لسانٍ ان يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" (في 2: 9 - 11).

ثالثاً: الولاء لربنا يسوع يفتح الباب لكل المؤمنين للتمتع بروح الأخوّة الصادقة، فليس يهودىٍ ويونانىٍ، ولا حر وعبد (غل 3: 28).

إذ ردَّ الرسول بولس العبد الهارب أنسيموس إلى سيده فليمون كتب إليه: "لأنه ربما لأجل هذا افترق عنك إلى ساعةٍ لكى يكون لك إلى الأبد، لا كعبد فيما بعد، بل أفضل من عبدٍ أخاً محبوباً ولا سيما إلىَّ، فكم بالحريّ إليك فى الجسد والرب جميعاً" (فل15 - 16).

بدأت مدرسة الإسكندرية كمدرسة للموعوظين[24] Catechumens تضم طالبى العماد من أمم ويهود لتعليم الإيمان المسيحى، تُقدم لهم دراسات تؤهلهم لنوال سّر المعمودية. فتحت المدرسة أبوابها أمام الجميع، يلتحق بها أناس من ديانات مختلفة وثقافات متباينة وذوى مراكز اجتماعية مختلفة وأعمار متفاوتة... "كان التعليم بها جامعياً وموحداً، لا يميز بين الطبقات أو الظروف، بين العبيد أو السادة" [25]، فى وقت كان العبد رخيصاً، يُباع كالسلعة ويُشترى!

تشهد كتابات الآبار الرسوليين[26] عن اهتمام الكنيسة الأولى منذ وقت مبكر بالمسبيين والذين فى المناجم والمسجونين، كما خصصت بعض الليتورجيات القديمة صلوات من أجلهم. يذكر القديس يوستين[27] جمع عطايا بعد القداس لخمسة فئات من بينهم الذين فى القيود. ويشير اريستيدس[28] من بين فضائل المسيحيين التعامل مع العبيد كإخوة وأخوات، وأيضاً تعاون المسيحيين لتحرير المسجونين من أجل المسيح. ويذكر العلامة ترتليان الجمع الشهرى للعطايا، الذى كان يوزع منها لاحتياجات العبيد المسنين، والذين فى المناجم والنفى والسجون من أجل الإيمان. وأشارت الدسقولية إلى نفس الأمر.

كتب القديس غريغوريوس أسقف نيصص عدة مقالات عن تحرير العبيد، ليس معتمداً على حقوق الإنسان فى الحرية، إنما على التزام البشر جميعاً للخضوع لسيدٍ واحدٍ، رب واحد لا يستعبد أحداً بل يدعو الكل إلى الحرية[29]. وفى عظة له على عيد قيامة السيد المسيح، حث القديس غريغوريوس أسقف نيصص السادة على تحرير عبيدهم كما حررنا السيد المسيح بقيامته من عبودية الخطية.

[الآن هل تحرر المسجونون، وعُفى عن المدينين، وعُتق العبيد بإعلان صالح ولطيف من قبل الكنيسة؟!... لقد سمعتم أيها السادة، أعطوا اهتماماً لقولى كقول صادقٍ.

لا تهينونى لدى عبيدكم، متطلعين إلىّ اليوم كعظة بليغة باطلة.

انزعوا الألم عن النفوس المتضايقة، كما ينتزع الرب الموت عن الأجساد.

وحولوا عارهم إلى كرامةٍ، وضيقهم إلى فرحٍ، وخوفهم من أن يتحدثوا إلى انفتاحٍ.

أحضروا المطروحين فى الزوايا كما من قبورهم،.

اجعلوا جمال العيد يزهر كزهرة فوق كل أحدٍ[30].].

يليق بكل البشر الولاء ليسوع المسيح الذى وهبنا البنوة لله الآب خلال عمل روحه القدوس فى المعمودية. بهذا جاء انهيار العبودية ليس خلال ثورة على السادة، إنما انفتح الباب بالإيمان بربوبية يسوع المسيح.


[24] كلمة Catechumens مأخوذة عن اليونانية Katichoumenos، تعنى "تحت التعليم" والفعل يعنى "يتعلم شفوياً". استخدمت كنسياً بمعنى طالبى العماد.

[25] Rev. Makary El – Souriany: Ancient and contemporary Christian Education in the Coptic Church, Princeton, 1955, P 78.

[26] . راجع القديس أغناطيوس: (سميرنا 6: 2؛ بوليكربس4: 3)، وهرماس (man10: 8).

[27] Apology 67: 1.

[28] Apology 5: 39 - 6.

[29] cf. Fouth Homily on Ecclesiastes, 11: 335.

[30] In Sanctum Pascha.

لماذا وضعت الكنيسة بند “خالق السماء والأرض”؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا وضعت الكنيسة بند "خالق السماء والأرض"؟

الله الكلي القدرة والكلي الصلاح خلق السماء والأرض وكل ما فيهما صالح. لم يكن الغنوصيون قادرين على إدراك أن كل ما خلقه الله صالح، فحسبوا أن الجسد والمادة والجنس والزواج وإنجاب الأطفال من صنع إله شرير أو إله أقل من الإله السامي، وأن الخلاص يتحقق بالهروب من العالم المادى بواسطة حكمة سرّية. هذا ما دفع الكنيسة أن تضع هذا البند فى قانون الإيمان لكي ما يتطلع المؤمنون إلى كل الخليقة أنها صالحة. وهذا ما أوضحه الإنجيلى بقوله: "به كان كل شئ" (يو1: 3). يتساءل الغنوصيون: لماذا توجد شرور كثيرة فى العالم؟ وتأتى إجابتهم: إنها من صنع إله شرير! هكذا يتطلع الغنوصيون إلى العالم أنه سجن شيطانى، وفى نظرهم كل العالم المادى شرّ بما فيه الجسد البشرى، ويسعون للخلاص منه.

عوض إدراك أن الشرّ مصدره الإرادة الشريرة غير المقدسة ينادون بتحطيم كل ما هو مادى لأنه شرير، عوض المناداة أن الظلمة هى نتاج غياب النور، والشرّ هو ثمر انحراف الإرداة وإساءة استخدام المادة فى الطريق المستقيم. يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [إن اختار شخص أن يغلق عينيه فى موضع فسيح به نور النهار، فإن عجزه عن النظر ليس خطأ فى الشمس[22].].

لو أن إنساناً ضرب شخصا بمصباح منير، فليس المصباح ولا قوة يديه شراً، إنما الشر فى إرادة الشخص الذى أساء استخدام المصباح كما أساء قدرة يديه التى هى عطية من الله. وجود شرور كثيرة فى العالم ليس علتها الخالق الصالح إنما انحراف البشر وحاجتهم إلى الشفاء. هذا هو الفارق بين المسيحية والغنوصية. يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [رب قائل يعترض: إن كان جوهر اللاهوت لا يقع تحت الحواس، فلماذا نتحدث فى هذه الأمور؟ نعم، هو لأننى لا أستطيع أن أشرب النهر كله يكون هذا سبباً فى ألا أستقى منه باعتدال قدر ما يناسبنى؟! هل لأن عينى تعجزان عن استيعاب أشعة الشمس فى كمالها لا أنظر إليها قدر ما احتاج؟! وإذا دخلت حديقة عظيمة ولم أقدر أن آكل كل ثمارها هل تريد منى أن أخرج منها اجائعاً؟! إذن، لأسبح الله خالقنا وأمجده، إذ وُهبت لنا وصية إلهية تقول: "كل نسمة فلتسبح الرب" (مز150: 6). إننى أسعى الآن لأقوم بتمجيده دون أن أصفه، عالماً أنه بالرغم من عجزى عن القيام بتمجيده حسبما يستحق، لكن حتى هذا السعى هو من الأعمال التقوية. ويشجع الرب يسوع ضعفى بقوله: "الله لم يره أحد فى أى زمان (يو1: 18) [23]".].

البند الثالث: "نؤمن بربٍ واحدٍ يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوى للآب فى الجوهر، الذى به كان كل شئ.


[22] Catechetical Oration, 7.

[23] مقال 6: 5.

لماذا نعتز بالله كخالق الكل؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا نعتز بالله كخالق الكل؟

إذ نعلن خلال قانون الإيمان أن الله هو خالقنا، يليق بنا أن نلتصق به فنحيا حسب إرادته المقدسة، ونحن فى طريقنا إلى الاستقرار فى الأحضان الإلهية. يقول القديس كيرلس الكبير: [لا يمكن المقارنة بين الخالق والمخلوق، وبين غير الحادث (أى ليس له بداية) والحادث (الذى له بداية)، ولا بين الطبيعة الخاضعة لنير العبودية والطبيعة المزينة بكرامات السيادة والمالكة لمجد إلهىي لا يُوصف وأعلى من مجد العالم[20].] يمكننا معرفة الله عن طريق أعماله. يقول القديس باسيليوس الكبير: [ليكن بهاء هذه الأشياء المنظورة مدعاة لنا لفهم غير المنظور والذى هو فوق كل جمالٍ أرضيٍ. ولترفعنا روعة هذه المحسوسات المحدودة إلى إدراك السامية عمن هو سرمدى غير محدود ذو جبروت يتخطى مدارك عقولنا وإفهامنا[21].].


[20] رسالة 55: 13.

[21] Hexamaeron 11: 1.

لماذا يُدعى الله الضباط الكل (البنتوكراتور)؟ وماذا تعنى كلمة بانتوكراتور أو ضابط الكل؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا يُدعى الله الضباط الكل (البنتوكراتور)؟ وماذا تعنى كلمة بانتوكراتور أو ضابط الكل؟

يشير هذا التعبير إلى قدرة الله فى تدبير كل الحياة وتحقيق إرادته فيها.

الله الواحد هو مصدر القوة لكل المخلوقات السماوية والأرضية. سلطانه يهب أماناً للحرية البشرية ولا يهددها. سلطانه متناغم مع حبه، كلي القدرة فى مرافقته للبشرية وفى تقديسه المؤمن، وأيضاً وهو فى القبر بين الأموات. لا يُمكن أن تُقارن قدرته مع قدرة كائن آخر، وإلاَّ كان إلهاً وثنياً.

نعتز بأبينا الضابط الكل ونختفى فيه، فلا نخاف من كل قوات الظلمة ولا تجد الخطية لها موضعاً فينا، ولا يحرمنا الموت من الميراث الأبدى.

كيف نميز بين أبوة الآب للآبن وأبوته للمؤمنين؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف نميز بين أبوة الآب للآبن وأبوته للمؤمنين؟

إذ كان ربنا يسوع يتحدث عن الآب يقول: "أبى" (يو38: 8)، كما دعا مؤمنيه أن يساهموا معه فى هذه العلاقة، فنقول فى الصلاة الربانية "أبانا" (مت6: 9). لكن بنوة الابن الوحيد الجنس فريدة، إذ هو واحد مع الآب فى ذات الجوهر، بنوته أزلية طبيعية. أما بنوة المؤمنين للآب فهى هبة لهم بالنعمة الإلهية صار لنا هذا الحق بكوننا أعضاء جسد يسوع المسيح. لقد ميَز السيد المسيح بين بنوته وبنوتنا بقوله: "أبى وأبيكم" (يو20: 17)، ولم يقل "أبانا".

يقول القديس غريغوريوس النزينزي إن أقنومى الآب والابن لهما هذان اللقبان دون تصور لفكرٍ جسديٍ حتى فى أذهاننا. الأبوة والبنوة هنا علاقة حب فريدة لا يمكن تصورها. الآب مصدر والابن مولود منه فى ذات الجوهر. يقول القديس أثناسيوس: [يجب تحاشى كل فكر جسدىٍ فى هذه الأمور[15].].

الله الواحد هو حب بلا شهوات جسدية، ولا يخضع لجنس ما. أما آلهة اليونانيين والرومان فيسقطون فى شهوات ويُحسبون ذكوراً وأناثاً، بل ويُمكن أن يدخلوا فى صراع وحروب فيما بينهم.

إن كانت كلمة آب تشير إلى علاقة فى الأصل منذ الأزل، فهذا يعنى أن الابن أزلي مع الآب. فبدون ابن لا يوجد أب، وبدون آب لا وجود للابن. يقول العلامة ترتليان: [الآب يلزمه وجود الابن، والابن يلزمه وجود الآب[16].] فعندما نعترف أن الله أب أزلي، ندرك فى أذهاننا أيضاً أن الابن أزلى حقيقةُ.

يقول القديس أغسطينوس: [لنا والدان ولدانا على الأرض للشقاء ثم نموت. ولكننا وجدنا والدين آخرين. فالله أبونا والكنيسة أمنا، ولدانا للحياة الأبدية. لنتأمل أيها الأحباء أبناء من قد صرنا؟ لنسلك بما يليق بأبٍ كهذا... وجدنا لنا أباً فى السماوات، لذلك وجب علينا الاهتمام بسلوكنا ونحن على الأرض. لأن من ينتسب لأبٍ كهذا عليه السلوك بطريقة يستحق بها أن ينال ميراثه[17].].

ويقول القديس كيرلس الكبير: [يُلقب الآب ضابط الكل لكى بذكرهم الآب يظهرون الابن معه الذى به هو الآب قائم معه وكائن معه دائماً[18].].

كما يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [أب كامل ولد ابناً كاملاً، وسلم كل شئ للمولود، إذ قال: "كل شئ قد دُفع لى من أبى" (مت11: 27)، وتمجد بواسطة الابن الوحيد إذ يقول الابن: "أكِرم أبي" (يو8: 49)، وأيضاً: "كما إنى أنا قد حفظت وصايا أبى وأثبت فى محبته" (يو15: 10). لذلك فنحن نقول مع الرسول: "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح أبو الرأفة وإله كل تعزية" (2كو1: 3). ونحني ركبنا لدى الآب الذى منه تُسمى كل أبوة ما في السماوات وما على الأرض (أف3: 14 - 15). فنمجده مع الابن الوحيد، لأن "الذى ينكر الابن ليس له الآب أيضاً ومن يعترف بالابن، فله الآب أيضاً" (1يو2: 23)، عالمين أن "يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" (فى2: 11) [19].].

يليق بنا أن نعتز بلقب الآب، إذ هو يُسر بأن ندعوه "أبانا"، إذ بالمعمودية صرنا أولاداً لله والكنيسة. نتهلل دوماً بقبولنا البنوة لله وتجاوبنا معها، لذلك يؤكد الرسول: "والآن أيها الأولاد اثبتوا فيه... إن علمتم أنه بار، فاعلموا أن كل من يصنع البرّ مولود منه" (1 يو2: 28 - 29). "أنظروا أيَّة محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله... كل من يثبت فيه لا يخطئ. كل من يخطئ، لم يبصره ولا عرفه. أيها الأولاد لا يضلكم أحد. من يفعل البرّ، فهو بار، كما أن ذاك بار... من يفعل الخطية فهو من إبليس، لأن إبليس من البدء يخطئ... كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ، لأنه مولود من الله. بهذا أولاد الله ظاهرون، وأولاد إبليس. كل من لا يفعل البرّ، فليس من الله" (1 يو3: 1 - 10.).


[15] St. Athanasius, on the Council of Nicaea, 24.

[16] Tertullian: Against Praxas, 10.

[17] الصلاة الربانية طبعة 68ص 9.

[18] رسالة 55: 12.

[19] مقال7: 5.

ماذا يعنى أننا نؤمن بالله بالواحد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى أننا نؤمن بالله بالواحد؟

هذا يعنى أننا نتفاعل مع الله الموجود فى كل مكانٍ ومع سماته، فنسلك فى الرب. يميز يعقوب الرسول بين إيمان إنسان بالله وبين إيمان الشيطان بالله. "أنت تؤمن أن الله واحد حسناً تفعل، والشياطين يؤمنون ويقشعرون. ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان أن الإيمان بدون أعمال ميت (يع2: 19 - 20)؟! كما يقول الرسول بولس:" الإيمان العامل بالمحبة "(غل5: 6).

يقول القديس أغناطيوس النورانى: [يوجد الله الواحد الذى أعلن عن نفسه بيسوع المسيح ابنه، الذى هو كلمته (اللوغوس)، ليس منطوقاً به بل جوهرى. لأنه ليس صوتاً لأداة نطق، بل أقنوم مولود بالقوة الإلهية[13].].

يتحدث اللقديس ماريعقوب السروجى عن الإله الواحد غير المنعزل فى سماواته كما يظن البعض، بل عامل فى خليقته المحبوبة لديه، فيقول:

[الله حال بقوته داخل الخليقة، ويحركها لتكون قائمة بذاتها.

هو ساكن فوق العلو وتحت الأعماق وداخل العالم وخارجه وبكل الجوانب.

كمثل النفس حالة وساكنة داخل الأعضاء، فى الرأس والرجلين وفى كل الحواس وهى كما هى...

ليس ثمة موضع فى الجسد لا تكون النفس فيه.

بالنفس الأعين تنظر، والأيادى تلمس، والفم ينطق، والشم يستنشق، والأذن تسمع.

وبدون النفس ليس ثمة حواس، ولا يتحرك عضو إلا بها.

هكذا الخليقة قائمة بالله، ومنه تبدو، وعليه تستريح بالكمال.

به يختلج العلو والأعماق بانضباط، وأيضاً الأقطار والجهات وساكنوها.

به تنير الأضواء بسلطانها، الشمس بإشراقها والقمر بتغيره، والثريا والكواكب تتحرك فى سبلهم].

ويقول القديس كيرلس الكبير: [الله السخى جداً لا يحتقرنا نحن الذين نجاهد جائعين إلى خيراته[14].].

البند الثانى: "الله الآب، ضابط الكل (البانتوكراتور)، خالق السماء والأرض، ما يُرى وما لا يُرى.".

أولاً: الله الآب.


[13] Ep. ad. Magn 1: 8.

[14] Exposition on St. John PG 278: 73.

لماذا يبدأ بتأكيد الإيمان بالله الواحد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا يبدأ بتأكيد الإيمان بالله الواحد؟

لكى يحفظ المؤمنين من الانحراف إلى عبادة الأوثان. يقول القديس كيرلس الكبير: [قال الآباء بإله واحد لكى يهدموا ضلالة الآلهة، تابعين الأسفار المقدسة من كل جهة، ومظهرين جمال الحق لكل إنسان يُسمى تحت الشمس. هذا ما فعله موسى الحكيم جداً أيضاً بكل وضوح: "اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد" (تث6: 4؛ راجع خر20: 3؛ إش4: 6) [12].].


[12] رسالة 55: 11.

لماذا يُفتتح قانون الإيمان بالقول: “بالحقيقة نؤمن”؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا يُفتتح قانون الإيمان بالقول: "بالحقيقة نؤمن"؟

أ. فى تلاوة قانون الإيمان يلزمنا أن ندرك أن الإيمان ليس مشاعر مجردة فحسب، وإنما هو تمتع بالمعرفة فى حياتنا العملية. كما يليق بالمؤمن ألا يتوقف عند المعرفة البشرية متجاهلاً دور النعمة الإلهية التى تقدس العقل وتعمل فى حياة المؤمن ليختبر أموراً تسمو فوق العقل البشرى، فيختبر الحياة الكنسية المتهللة والحكيمة.

ب. بقوله "نؤمن" بصيغة الجمع سواء أثناء الليتورجيات او فى صلوات المخدع، يليق بالمؤمن أن يدرك أن قانون الإيمان ليس من تأليف الشخص المصلى، إنما يعلن عن قبول الإيمان الكنسى الجماعى. سرّ تقدم المؤمن أنه عضو حىّ فى كنيسة الله الجامعة.

ت. نقول: "نؤمن" وليس "نعرف"، لأن الإيمان يسبق المعرفة، كما أن الإيمان يلزم أن يمس حياتنا، بينما قد تقف المعرفة عند أمور لا تمس حياتنا. الإيمان يعطى لحياتنا معنى وسعادة وصبراً واستمرارية، وفى نفس الوقت يكشف عن التزاماتنا وتجاوبنا عملياً مع من نؤمن به. نؤمن بالله ليس خلال مناقشات فلسفية نظرية، إنما خلال حياة حب مشترك بيننا وبين خالقنا، وبيننا نحن البشر وبعضنا البعض. إيماننا يحثنا على التلاقى والتفاعل مع خالقنا الذى ليس صادراً عن كائن يسبقه، لأنه أزلى. ونثق فيه لأنه أبدى، وليس مثل الكائن البشرى له بداية كما لحياته على الأرض نهاية.