ما هى بنود قانون الإيمان الحالى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى بنود قانون الإيمان الحالى؟

يمكننا تقسيم قانون الإيمان إلى ثلاثة عشر بنداً:

  1. بالحقيقة نؤمن بإله واحد،.
  2. الله الآب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يُرى وما لا يُرى.
  3. نؤمن بربٍ واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوى للآب فى الجوهر، الذى به كان كل شئ.
  4. هذا الذى من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد بالروح القدس ومن مريم العذراء.
  5. تأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس بنطس.
  6. تألم وقبر وقام من بين الأموات فى اليوم الثالث كما فى الكتب.
  7. وصعد إلى السماوات، وجلس عن يمين أبيه.
  8. وأيضاً يأتى فى مجده ليدين الأحياء والأموات، الذى ليس لملكه انقضاء.
  9. نعم نؤمن بالروح القدس، الرب المحيى المنبثق من الآب. نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق فى الأنبياء.
  10. وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية.
  11. ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا.
  12. وننتظر قيامة الأموات.
  13. وحياة الدهر الآتى.
  14. آمين.

البند الأول: "بالحقيقة نؤمن بإله واحد".

ما هو دور قانون الإيمان فى الغنى الداخلى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور قانون الإيمان فى الغنى الداخلى؟

فى الكنيسة الأولى كان بعض اليهود وأيضاً الأمم الراغبون فى الانضمام للكنيسة يُطالبون بالحضور فى دراسات خاصة بطالبى العماد. لم تكن هذه الدراسات لمجرد تقديم معلومات، وإنما كانوا يتمتعون بمفاهيم الإيمان والصلاة الربانية والسلوك فى المسيح يسوع الخ. لكى يدركوا الغنى الذى يتمتعون به خلال المعمودية والشركة مع الثالوث القدوس.

كان أهل البيت يعتمدون مع من ينال المعمودية كما حدث مع حارس السجن بفيلبى (أع 31: 31، 34) وكرنيليوس (أع 10: 48) فلماذا كان المؤمن يعتمد معه أهل بيته؟ كان دور المؤمن كإشبين لأطفاله أن يقودهم كأب إلى الغنى الذى نالوه فى طفولتهم بالعماد. دوره الرئيسى أن يشرح عملياً ما قاله السيد المسيح لتلاميذه: "ملكوت الله داخلكم" (لو17: 21). للأسف بعض المؤمنين يركّزون فى تربيتهم لأطفالهم على نقدهم لتصرفاتهم الخاطئة، عوض إبراز محبة الثالوث القدوس لهم وعمله فيهم.

أذكر فى أثناء خدمتى بلوس أنجيلوس، زارتنى باكراً جداً سيدة تعانى من بعض الظروف المادية وكانت متهللة للغاية سألتها عن سبب فرحها، فقالت لى إن ابنها الصغير جاء إليها فى الصباح الباكر وأيقظها، وقال لها: "أنا أغنى إنسان فى العالم" دُهشت للغاية، وظنّت أنه رأى حلماً فى نومه أنه صار غنياً جداً. سألته: لماذا تقول هذا؟ أجابها: "أنا أغنى إنسان، لأنك أنت أمى!" لم تصدق نفسها، وامتلأت بهجة وجاءت تخبرنى بما قاله لها ابنها.

شعرتُ أن ما قاله هذا الطفل الصغير يليق بكل مؤمن أن يشعر به أنه أغنى كائن على وجه الأرض، لأنه صار ابناً لله وهيكلاً مقدساً وروح الرب يسكن فيه (1كو 3: 16).

لست أعنى بذلك لا نوجه أطفالنا عى أخطائهم، وإنما أن نبدأ التعامل مع أطفالنا وهم رُضع بكشف أعينهم عن الغنى الذى فى أعماقهم.

أحسب أنه يليق بنا فى دراستنا لقانون الإيمان ان نركز على الغنى الذى نتمتع به فى أعماقنا، خلال عمل الثالوث القدوس. هذا ما أراده الرسول بولس بقوله: "فإن كل شئ لكم... وأما أنتم فللمسيح، والمسيح لله" (1كو 3: 21، 23). فنحن هنا على الأرض، نتمتع بعربون ميراثنا الأبدى. انه سرّ غنانا وسعادتنا. يقول القديس كيرلس الكبير: [أولئك الذين بسبب الجهل قللوا من قيمة اقتناء الإيمان المستقيم ممجدين حياتهم بسبب اعمال الفضائل، يشبهون أناساً ذوى ملامح حسنة فى وجوههم، ولكن نظرة عيونهم مصابة بتشويه وحول. وينطبق عليهم قول الله بصوت إرميا إلى أمة اليهود، أى أورشليم: "لأن عينيك ليستا مستقيمتين وقلبك ليس صالحاً" (أنظر إر22: 17). لذلك من الضرورى – قبل أى شئ آخر – أن يكون لكم ذهن سليم فى داخلكم، وأن تهتموا بالأسفار المقدسة التى تخاطبكم قائلة: "لتنظر عيناك باستقامة" (أم4: 25LXX)، لأن الابتعاد عن استقامة التعاليم المقدسة لن يكون له شئ آخر سوى أن تنام نوم الموت[7].].

  1. ما هو مدى ارتباط قانون الإيمان بالاستعداد لنوال العماد وحفظ الإيمان الأرثوذكسي؟

اهتم كثير من آباء الكنيسة بشرح قانون الإيمان أو أجزاء منه، خاصة الذين كانوا يهيؤون طالبى العماد، وأيضاً الذين كانوا يواجهون بعض البدع، مثل القديس كيرلس الكبير وكيرلس أسقف أورشليم وأغسطينوس.

جاء فى القوانين (الدساتير) الرسولية: [على الموعوظين أن يتسلموا قبل المعمودية معرفة الله الآب والابن الوحيد والروح القدس، ونظام خلق العالم والإعلانات الإلهية، ولماذا خُلق الإنسان والعالم، ويتعلم من ناموس الطبيعة لكى يعرف الهدف الذى خُلق لأجله. ويتعلم كيف أن الله عادل... ويكلّل قديسيه فى كل جيل، مثل شيث وأنوش وأخنوخ ونوح وإبراهيم وملكىي صادق الخ. ويتعلم تجسد المسيح وآلامه وقيامته وصعوده، وما معنى جحد الشيطان والدخول مع المسيح فى عهدٍ[8].].

ويظهر اهتمام الكنيسة بتسليم قانون الإيمان أن الأساقفة كانوا يهتمون أن يقوموا بهذا العمل بأنفسهم، فقد كتب الأسقف أمبروسيوس إلى اخته مرسيلينا: [فى اليوم التالى، إذ كان يوم الرب، بعد الدرس والعظة، كما خرج الموعوظون، سلمت طالبى العماد قانون الإيمان فى معمودية البازليكي[9].].

كذلك يفتتح الأسقف أغسطينوس مقاله عن "قانون الإيمان لطالبى العماد"، قائلاً: [استلموا يا أولادى دستور الإيمان الذى يُدعى قانون الإيمان... وإذ تتقبلوه، اكتبوه فى قلوبكم، ورددوه كل يوم قبل النوم وقبل الخروج. تسلّحوا بقانون إيمانكم. إنه قانون لا يكتبه الإنسان لكى يقرأه بل لكى يردده، حتى لا ينسى ما قد تسلمه بعناية. سجلوه فى ذاكرتكم.].

ويقول القديس كيرلس الأورشليمى: [عندما تتعلم "الإيمان" والاعتراف به، اطلب هذا الإيمان وحده الذى تُسلمه لك الكنيسة الآن. احتفظ بهذا الذى يشيد به الكتاب المقدس بقوة... لا تكتبه على ورق بل انقشه بذاكرتك على قلبك... إننى أرغب فى تقديمه لك كعون يسندك كل أيام حياتك].

وكتب الأنبا يوحنا الأورشليمى للقديس جيروم: [العادة عندنا أننا نسلم التعليم بالثالوث القدوس بصورة عامة خلال الأربعين يوماً للذين سيتعمدون.].

الاعتراف بالإيمان هو دخول فى ميثاق إلهى أو توقيع عقد مع الله، يُسجل فى سفر السماء. وفى هذا ويقول الأب ثيؤدور المصيصى: [أن نقيم العقود والمواثيق مع الله ربنا بالاعتراف بالإيمان، خلال وساطة الكاهن نصير مؤهلين للدخول فى بيته والتمتع برؤيته ومعرفته وسكناه وأن تُسجل فى المدينة ونُحسب مواطنين فيها ونصير أصحاب ثقة عظيمة[10].] كما يقول: [بالاعتراف بالإيمان تربط نفسك بالله بواسطة الأسقف، وتقيم ميثاقاً تتعهد فيه أن تثابر فى محبة الطبيعة الإلهية[11].].


[7] القديس كيرلس الكبير: رسالة 55.

[8] Apost. Const. 39: 7.

[9] Epist 20.

[10] Whitacker, Documents of the Baptismal Liturgy, 1970,p46.

[11] Cat. Hom 1: 13.

ما هو ارتباط قانون الإيمان بالصلاة الربانية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو ارتباط قانون الإيمان بالصلاة الربانية؟

نجد عاملاً مشتركاً فى العبادة فى الكنيسة القبطية وهى تلاوة الصلاة الربانية وأيضاً قانون الإيمان فى جميع الليتورجيات الخاصة بالمعمودية والإفخارستيا والزواج والخطبة والجنازات وفى العبادة الشخصية مثل صلوات السواعى (الأجبية)، فما الارتباط بينهما؟

فى كل عبادتنا الجماعية والشخصية ما يشغلنا أن نتهيأ لمجئ السيد المسيح الأخير ومرافقته لننطلق معه إلى السماء، بكوننا العروس المتهللة المتحدة بعريسها السماوى. بالصلاة الربانية نرفع قلوبنا إلى الآب السماوى بروح الفرح بالصلاة التى علمنا إياها العريس نفسه، الابن الوحيد الجنس المتجسد، فهى بالحق موضع سرور الثالوث القدوس، متى قدمت من القلب بفكر سماوى وإيمان مستقيم غير منحرف. هذا هو دور قانون الإيمان أيضاً حينما نتلوه بروح الصلاة. فغاية الصلاة وقانون الإيمان أن نصير العروس المرتفع قلبها دوماً بالصلاة مع التمسك بالإيمان المستقيم غير المنحرف. هذا الفكر الذى لا يفارقنا سواء فى الكنيسة أو البيت أو حتى فى العمل ومع الأصدقاء، يليق أن يدركه الطفل والشاب حتى الشيوخ. إذ يقول الرسول: "لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع" (لو3: 26).

ماذا قدم لنا آباؤنا فى العصور الوسطى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا قدم لنا آباؤنا فى العصور الوسطى؟

تقدم لنا مكتبات أوربا فيض من مخطوطات الأقباط باللغتين القبطية والعربية تكشف عن غنى الكنيسة القبطية فى اللاهوتيات فى العصور الوسطى، هذا ما دفعنى لتقديم مثالاً لاهتمامهم بالكتابة فى قانون الإيمان.

ارتبط اسم الكاهن أبو المجد بن يؤانس بمنية بنى خصيب (حالياً المنيا) الذى تنيح عام 1357م، بشرحه لقانون الإيمان فى حوالى 50 صفحة قطع كبير. كتبه بناء على طلب الأنبا غبريال أسقف قوص بقصد الرد على يهودى انتقد قانون الإيمان، قائلاً: من أين أتيتم بهذا النص؟ ولماذا أدرجتموه بين كتب الكنيسة؟ لهذا يحتوى الكتاب على مجموعات من النصوص الواردة فى العهد القديم لتثبيت كل بند من بنوده.

هذا العمل يختلف فى هدفه عن ثلاثة أعمال قبطية عن قانون الإيمان فى العصور الوسطى لساويرس بن المقفع، حوالى عام 940م، وأبو البركات بن كبّر فى بدء الفصل الثانى من دائرة المعارف الخاصة به، والثالث أيضاً لأبى البركات نفسه فى نفس المرجع (عام حوالى 1310م). مقتبسات أبى البركات غالباً من العهد الجديد. هذه المراجع كما يقول الدكتور الأب سمير خليل إنها تكمل بعضها البعض بطريقة لائقة[5].

النص كما ورد فى أبى المجد بن يؤنس[6] هو:

  1. نؤمن بإله واحد: هذا النص مُقتبس من التوارة ومن إشعياء وإرميا والإنجيل.
  2. الله الآب ضابط الكل (البانتوكراتور) خالق كل شئ، ما يرى وما لا يرى. مُقتبس من زكريا وناحوم وأسفار الملوك.
  3. ورب واحد يسوع المسيح. مُقتبس من إشعياء وسليمان وميخا.
  4. نور من نور، إله حق من إله حق. مُقتبس من إشعياء وإرميا وداود.
  5. من أجلنا نزل من السماء. مُقتبس من داود، وإشعياء واسدراس (عزرا) وإرميا وداود، ونبى آخر لم يّذكر اسمه.
  6. تجسد بالروح القدس من العذراء مريم. مُقتبس من إشعياء وحزقيال وناحوم وصفنيا وزكريا ودانيال.
  7. تألم ودُفن فى القبر. مُقتبس من إشعياء وعاموس ويونان وزكريا ويؤئيل وإرميا وحزقيال ودانيال وأيوب واسدراس الكاهن (عزرا) وداود.
  8. قام من الأموات فى اليوم الثالث. مُقتبس من داود وإشعياء واسدارس الكاهن (عزرا).
  9. صعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب فى الأعالى. مُقتبس من داود وزكريا ودانيال.
  10. وسيأتى ثانية فى مجده ليدين الأحياء والأموات. مُقتبس من إشعياء وسليمان وداود وملاخى وإرميا.
  11. نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي، الناطق فى الأنبياء. مقتبس من إشعياء ويوئيل وإرميا وحزقيال.
  12. ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا. مقتبس من إشعياء وحزقيال.
  13. وننتظر (ونترجى) قيامة الأموات وحياة الدهر الآتى. مقتبس من إشعياء وحزقيال وملاخى.

  14. [5] Coptic Encyclopedia, vol. 1. P. 21 - 2.

    [6] مترجم عن Coptic Encyclopedia, vol. 1. P. 21 - 2.

ما هى غاية قانون الإيمان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى غاية قانون الإيمان؟

  1. تأكيد وحدانية الله حتى لا يسقط أحد فى عبادة الأوثان.
  2. الإيمان بالثالوث القدوس العامل لأجل بنيان ملكوت الله داخل كل إنسانٍ مُخلص فى حياته ومشتاق للعبور إلى الأبدية، مع وحدانية اللاهوت.
  3. إدراكنا لمحبة الله لنا والإمكانيات التى يقدمها لنا للعمل لحساب ملكوته.
  4. تقديس العقل البشرى وكل الإمكانيات والمواهب والقدرات والطاقات التى فينا، والسمو به للتجاوب مع نعمة الله الفائقة.
  5. حفظ إيماننا من الانحرافات والبدع.
  6. بث روح الرجاء فينا وفى العاملين معنا والذين هم حولنا.
  7. الكشف عن غاية حياتنا على الأرض ونحن منطلقون نحو الحياة الأبدية.
  8. إدراكنا لخطة الله فى حياتنا وفى كل البشرية.
  9. فى الليتورجيات يصلى الشعب مع رجال الكهنوت معاً قانون الإيمان بصوتٍ مرتفعٍ.

ماذا تعنى الكنيسة بقانون الإيمان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا تعنى الكنيسة بقانون الإيمان؟

كل مؤسسة فى العالم سواء كانت تعليمية أو اجتماعية أو صناعية أو تجارية يلزم أن يوضع قانونها التأسيسى، يوضح هدفها وتنظيمها وإمكانياتها. أما كنيسة الله فهى جسد المسيح، مؤسسها هو الله نفسه الذى هو "ليس إله تشويش" (1كو14: 33)، بل يُقيم من المؤمنين جسد المسيح، كقول الرسول: "وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً" (1كو12: 27). غاية الكنيسة أن يعمل الله فيها وبها ليحقق إرادته، إذ "يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1تى 2: 4). أما إمكانياتها فهى النعمة الإلهية التى تعمل فى المؤمنين العاملين فى غيرة مقدسة. وكما يقول الرسول: "أنا تعبت أكثر منهم جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة الله التى معى" (1كو15: 10).

كيف تطور قانون الإيمان الكنسى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف تطور قانون الإيمان الكنسى؟ [3]

  1. إذ انطلقت الكنيسة فى عصر الرسل تكرز وتبشر العالم بالخلاص، كان لزاماً أن يعترف كل موعوظ بإيمانه جهراً فى صيغة مختصرة قبلما يتقبل العضوية فى جسد المسيح، أى قبيل عماده مباشرة. وذلك كما فعل الخصى الأثيوبى (أع8: 37) حين أعلن رغبته فى العماد معترفاً "أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله". ظهر "قانون الإيمان الكنسى" كصيغة خاصة بالمعمودية، يعترف بها طالب العماد معلناً قبوله الحق ودخوله "الحياة فى المسيح يسوع".
  2. إذ ظهرت غنوصيات غير أرثوذكسية تنادي بالثنائية، تحتقر المادة وتشوه حقيقة التجسد الإلهى، لم يعد "قانون الإيمان" فى صورته الأولى كافياً، إنما يلزم الاعتراف بالحبل بالسيد المسيح بالروح القدس، وولادته من العذراء مريم، وتألمه فى عهد بيلاطس بنطس وموته ودفنه وصعوده (وليس كما عَلّم الغنوصيين أنه اختطف إلى السماء من على الصليب أو قبيل صلبه)، وأن الروح القدس حالّ فى الكنيسة. يظهر هذا الأثر بصورة واضحة فى قانون الإيمان للقديس هيبوليتس المستعمل فى العماد، إذ كان طالب العماد يُسأل ثلاثة أسئلة ويجيب عليها[4]: ينزل (طالب العماد) فى الماء، ويضع المُعمد يده على رأسه، قائلاً: أتؤمن بالله ضابط الكل؟ يقول الذى يُعتمد: أؤمن. عندئذ يعمده (يغطسه) واضعاً يده على رأسه. بعد ذلك يقول له: أتؤمن بيسوع المسيح ابن الله، الذى وُلد بالروح القدس من العذراء مريم، وصُلب فى عهد بيلاطس بنطس ومات وقام من الأموات فى اليوم الثالث وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين الآب هذا الذى يأتى ليدين الأحياء والأموات؟ وإذ يقول: أؤمن، يغطسه مرة أخرى. وأيضاً يقول له: أتؤمن بالروح القدس وبالكنيسة المقدسة وقيامة الجسد؟ فيقول المُعمد: أؤمن، فيغطسه المرة الثالثة.
  3. إذ بدأت الهرطقات تنتشر لم يعد "قانون الإيمان" خاصاً بطالبى العماد فقط، إنما صارت الحاجة ملحة لاستعماله الكنسى فى العبادة الليتورجية والعبادة الخاصة. بدأت المجامع المسكونية تضع قانون الإيمان لأهداف دفاعية وتعليمية. ففى مجمع نيقية وُضع قانون الإيمان يحارب الأريوسية.

فإنه وإن اقترب من قانون الإيمان الأورشليمى الخاص بالعماد قديماً، لكنه أضاف إلى الفقرة الثانية الخاصة بالسيد المسيح هذه الصيغة: "نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، واحد مع الآب فى الجوهر". هذه الصيغة لا يستطيع الأريوسيون أن ينطقوا بها، فتفرزهم عن المؤمنين. بهذا قدم مجمع نيقية للكنيسة صيغة لاهوتية مبسطة تعلن إيمان الكنيسة، يعترف بها المسيحيون ويترنمون بها ويصلونها، وليست اختباراً لطالبى العماد فقط.

وفى المجمع المسكونى الثانى بالقسطنطينية فى عام 381م بسبب إنكار مقدونيوس الذى كان بطريركاً للقسطنطينية ألوهية الروح القدس دون أن ينكر الوهية السيد المسيح، أضيف إلى قانون الإيمان النيقوى صيغة خاصة بالروح القدس: "الرب المحيى، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق فى الأنبياء..." بهذا صار قانون الإيمان ملخصاً للإيمان الأرثوذكسى أكثر منه اعترافاً يردده طالبو العماد.


[4] Whitalker: Documents of the Baptismal Liturgy, p5.

ما هو قانون الإيمان للرسل Symbolum Apostolicum؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو قانون الإيمان للرسل Symbolum Apostolicum؟

يقول القديس هيلارى[1]، نحن ملتزمون أن نتكلم بأمور لا يُنطق بها، وعوض هيام الإيمان الفكري المجرد نلتزم أن نعهد أمور الدين إلى مخاطر التعبير البشرى. لقد سأل السيد المسيح تلاميذه عن إيمانهم فيه فاعترف بطرس أنه "هو المسيح ابن الله الحي" (مت16: 16). ولعل هذه الشهادة قدمت الفكرة الرئيسية لإيجاد قانون إيمان كنسى يعلن عن السيد المسيح المخلص. مرة أخرى جمع السيد تلاميذه وأعطاهم سلطاناً للكرازة والتعليم والعماد قائلاً: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت28: 19). مقدماً لهم صيغة قانون الإيمان الثالوثى الخاص بالعماد. هكذا سجل لنا العهد الجديد صيغة الإيمان بالمسيح وصيغة الإيمان الثالوثى، هاتان الصيغتان هما جوهر إيمان الكنيسة.

يقول [2]F. L. Cross إن قانون الإيمان الرسولى Apostolic Creed يخص فترة ما بعد الرسل، لكنه سمى رسولياً لأن عناصره جميعها تعبر عن الإيمان فى عصر الرسل.

يقدم لنا علم الباترولوجى الكثير من صيغ قوانين الإيمان التى جاءت خلال كتابات الآباء الشرقيين والغربيين، نذكر منها ما ورد فى كتابات أيريناؤس أسقف ليون سنة 180م؛ والعلامة ترتليان بقرطاجنة سنة 200م؛ وكبريانوس أسقف قرطاجنة سنة 250م؛ ونوفتيان بروما سنة 250م؛ وأوريجينوس بالإسكندرية سنة 250م؛ وغريغوريوس أسقف قيصرية الجديدة سنة 270م؛ ولوتيانوس بانطاكية سنة 300م؛ ويوسابيوس أسقف قيصرية سنة 325م؛ ومارسيليوس بأنقرا سنة 340م؛ وكيرلس الأورشليمى سنة 350م؛ وأبيفانيوس أسقف قبرص سنة 374م؛ وروفينوس بقبرص سنة 390م؛ والقانون الوارد فى القوانين الرسولية Apostolic Constituitions.

امتازت النصوص الشرقية عن الغربية أنها بصورة عامة أطول وأكثر تغييراً، لها جانب ميتافزيقى (علم ما وراء الطبيعة)، وتشمل عدداً من التعبيرات التعليمية رداً على الهرطقات المنتشرة فى الشرق.


[1] Anna Fremantle: A Treasury of Early Christianity, p. 275.

[2] The Early Christian Frs.

[3] Fr. Gregory Dox: The Shape of the Liturgy, p 485 ff. ; Shaft: History of the Christian Church, vol I, II;Clarke: Liturgy & Worship.

كيف بدأت القوانين الكنسية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف بدأت القوانين الكنسية؟

نزل كلمة الله الأزلى إلينا متجسداً لكى يقيم منا كنيسة متحدة به، تحيا فيه، وتحمل صورته. وهكذا إذ وهبنا العضوية فى جسده الأقدس، أى فى الكنيسة المتحدة به، ندخل حياته ونمارس سلوكه السماوى، ونكتشف ملكوته داخلنا. لقد صبغ كنيسته بصبغة سماوية، ودخل بها إلى "الحياة الفائقة الطبيعة" خلال اتحادها به، لا كحياة خيالية تسجلها الكتب أو يعظ بها خدام الله، لكنها "خبرة واقعية فى المسيح" الذى جاء إلينا فى واقعنا الأرضى. فإن كانت الحياة المسيحية هى حياة شبه سماوية لكنها تُمارس على الأرض، إذ لم يدخل بنا الله إليها كمن هو منعزل فى السماء، بل نزل الكلمة الإلهى واتحد بناسوتنا، وعاش على الأرض، وخضع لقوانينها ومارس طقوس العبادة فيها وهو الأبدى المعبود! لقد أعطانا عربون الأبدية خلال واقع الزمن، فنجلس فى السماويات ونحن بعد على الأرض.

هكذا عاشت الكنيسة فى عصر الرسل كما فى عصر الآباء الأولين، تسلك بروح سماوى واقعى، تحمل سمة الإسخاتولوجية (الأخروية) والواقعية فى نفس الوقت. تعلن فى غير توقف حنينها نحو اللقاء الأبدى مع الرب وجهاً لوجه فى الفردوس دون تجاهل للحياة الزمنية المقدسة فى المسيح يسوع.

انعكس هذا كله فى حياة الكنيسة، فى عبادتها وكرازتها وسلوكها، إذ كانت تود أن تدخل بالعالم كله إلى "الأبدية". تنطلق بكل نفس إلى ما وراء الزمن وتفتح كل بصيرة لمعاينة ملكوت الله الذى لا يُعبَر عنه بلغة ولا تحده قوانين ولا يخضع لنظم بشرية. لكنها فى نفس الوقت لا تتجاهل واقعنا كأناس نحمل جسداً ونسلك على وجه الأرض. قدمت لنا الكنيسة إيمانها فى عبارات وقوانين لكى تدخل بنا إلى ما وراء العبارات والقوانين. من أجل هذا يليق بنا أن ندرس معاً، تحت قيادة الروح القدس، قوانين الرسل كما سجلتها لنا الكنيسة الأولى: كيف بدأت؟ وكيف تطورت؟ وما هى غايتها؟

هل الإيمان بالعقائد الإلهية يتنافى مع النمو فى المعرفة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل الإيمان بالعقائد الإلهية يتنافى مع النمو فى المعرفة؟

يدعونا الرسول بولس إلى النمو فى الإيمان كما إلى فى المعرفة. فالإيمان الحى ينمو مع المعرفة، والمعرفة الصادقة تنمو مع الإيمان. بالإيمان يدرك المؤمن معرفة الإعلان الإلهى. يقول الرسول: "لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة، لبنيان جسد المسح. إلى أن ننتهى جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسان كامل؛ إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف4: 12، 13).

يبلغ المؤمن الصادق فى إيمانه إلى معرفة هذا الإيمان مستخدماً قدراته الفكرية المقدسة فى الرب، يتعرف على الإيمان ويتلامس معه ويقبله وينمو فيه ويتعرف على الحق الإلهى خلال خبرته العملية الشخصية مع الثالوث القدوس فى كنيسة الله المقدسة. هكذا لا يتعارض الإيمان مع القدرات العقلية حتى بالنسبة للأمور التى لا يدرك العقل طبيعتها كما هى. فالروح القدس قائد الكنيسة ينير المؤمن، بل ويسمع قول الرب: "أنتم نور العالم" (مت5: 14). فلا نعجب من قول الرسول: "بل قدسوا الرب الإله فى قلوبكم، مستعدين دائماً لمجاوبة من يسألكم عن سبب الرجاء الذى فيكم، بوداعة وخوف" (1بط3: 15). إذ نتعرف على العقائد الإيمانية السليمة ونتفهمها نشهد لها بحياتنا وفى عبادتنا، ونغلق الباب على ظهور الهراطقة الذين يفترسون الرعية.